2006/12/18

ما قالته الفأرة للفيل

هناك مؤتمر مصالحة اخر .. يقال ان القوى المؤثرة في المقاومة لم تحضر.. ولكن هناك معلومات عن حضور وفد صغير يمثل كبار ضباط الجيش السابق .. ترى هل هناك جس نبض متبادل .. حضور خفي وتصريحات مستحية عن فتح باب الخدمة امام" الحرس القديم" .. المفاوضات السرية تبداء دائما بسقف منخفض يهيء الارضية والنفوس .. ماذا عن انسحاب العمامة الصدرية .. هل هو حقا بسبب حضور عناصر "بعثية" (كل من يختلف مع العمامة الصدرية هو "بعثي" رغم ان اغلب كوادرها هم من البعثيين !! عجيب امور غريب قضية) .. ام هو بسبب مشروع الاقصاء من بعض الوزارات بناء على طلب العم سام .. الصورة معتمة يصعب رؤية تفاصيلها.. هل ما زال هناك متسع من الوقت لتجبير خواطر متكسرة .. يا مصانع "الجبس" اغيثي.

هناك تحركات كواليس متسارعة في بغداد كما في واشنطن .. وهناك مشاريع جبهات جديدة وتكتلات اقصائية اخرى ومشاريع انقلابات مؤجلة .. ومؤتمر المصالحة هذا وتوقيته فيه اشارات، ان تأكدت، فهي توضح مفترق طرق في السياسة الامريكية .. ان تعود مطالب ضباط الجيش العراقي السابق، والتي لازالت تسمى "بعثية" ، الى قصر المؤتمرات وان تناقش هذه المطالب في لجان البرلمان .. هذا معناه ان بعض دوائر القرار الامريكية، وخصوصا الكوادر القديمة في وزارة الخارجية والسي أي اي، قد نجحت قليلا في تحريك مقود الآلة الثقيلة التي استحوذ عليها البنتاغون سابقا .. امريكا امبراطورية وحركات عجلتها السياسية الضخمة تحتاج الى فضاء واسع والى وقت اطول لكي تستدير .. في التحركات الاخيرة هناك ما يشبه بداية التفاف على المحور يسبق عادة الانطلاق في اتجاه اخر .. من يدري.

من كل تلك الضوضاء هناك معطى واحد لاغبار عليه .. معطى واضح كما الشمس ولا يغطى بغربال .. "العملية السياسية" في عراق ما بعد صدام والتي اشرفت امريكا على تزويقها قد فشلت وبانت كالحة بعيوبها.. هذا ما يقوله ولايقوله بشكل مباشر تقرير بيكر/ هاملتون .. نعم في العراق "عملية سياسية" لاتعمل .. وهي ان عملت على شيء فهو تدميرها للنسيج الاجتماعي العراقي .. تلك الحقيقة يعرفها المواطن العراقي العادي منذ السنة الاولى للاحتلال .. بارونات الحرب الامريكية احتاجت الى مايقرب الاربع سنوات لكي تتقبل على مضض هذة الحقيقة .. تقرير بيكر/هاملتون ما هو الا ذر رماد في العيون .. وكل المشاكل التقنية التي يقدمها التقرير كاسباب للفوضى وكل التقديرات اللوجستية التي يقدمها كحلول ما هو الا ذر رماد في العيون .. الفشل سياسي قبل ان يكون امني.

علينا ان نتذكر بأن الساسة هم اناس لايقولون دائما ما يفكرون به او ينوون فعله .. هذا هو درس ميكيافيلي للامير .. اللقاءات المكوكية الاخيرة ، اصطفافات الساسة العراقيين امام البيت الابيض ، التصريحات السياسية المستحية من واشنطن مرورا بلندن فبغداد .. ربما تدل على ان "الفيل" قد استمع الى ما قالته "الفأرة".. يقال ان جيمس بيكر واثناء اعداده لتقريره الاخير التقى طارق عزيزالمعتقل "ليستشيره"..البعض يقول ليستخدمه كوسيط مع البعثيين .. اتصور شماتة طارق عزيز وهو امام بيكر .. اتصور كلام "الفأرة" المعاتبة "للفيل" : الذنب ذنبك يا فيل .. لم ترضى بشوارب صدام فحصلت على لحية "الملا" .. قلت لك ذلك كثيرا فيما مضى ولكنك لم تستمع لنصيحتي .. لك الان ان تختار بين "شوارب البعث" او لحى الملالي .. وشارب واحد افضل من عشر لحى على الشجرة/ المنبر تتشابك في حيص بيص .. وانت قد جربت الاثنين الان وعليك ان تختار .. اعرفك براغماتيا يا فيل .. اذا لا تتعب نفسك فهذا العراق ليس فيه غير شوارب ولحى.

نعم .." الشوارب" البعثية فعلت كل ما في وسعها لكي يصل العراق الى هذا الفقر في البدائل : اما شوارب او لحى .. العراق الذي يحوي اكبر نسبة مهندسين في المنطقة قياسا لسكانه (وهذه ليست جملة خطابية ولكنها مؤشر يستخدمه اخصائي التنمية في الامم المتحدة كمعيار للكفاءة البشرية) حولته سياسة الارض المحروقة الصدامية الى خواء سياسي : فانعدام حقل سياسي عراقي هو ما مكن العمامات من الاستحواذ على الشارع العراقي.

في السياسة الامريكية الحسابات والخطط جاهزة ولا شيء يأتي صدفة .. وهذا لايعني، لحسن الحظ او لسوءه، ضرورة نجاح تلك الحسابات والخطط .. خسارة "الفيل" امام "الحمار" في الانتخابات النصفية للكونغرس الامريكي كانت متوقعة منذ فترة طويلة ولجنة بيكر/ هاملتون كان يراد لها ان تكون "مظلة انقاذ" تحفظ ماء وجه "الفيل" الساقط في "مستنقع" العراق .. تراي اند ايرور .. اخطأ وجرب من جديد .. هو جوهر العقلية الامريكية البراغماتية .. حقل تجارب عندهم هو حقل السياسة العراقية .. فئران تتبع فئران .. ارى فئران قد شاخت وحان وقت طردها .. ويحكى ان هناك "فأر بلا شوارب" مستعد للانقلاب .. والحبل علجرار.

آه وآه يا وطن .. تحيط بك البنادق من كل الجهات .. وانت محاصر باغبياء يمتلكون اسلحة كثيرة وعقول صغيرة .. فيّلة وحمير وفئران .. لك الله يا وطن.

2006/12/10

PowerPoint وشاي ابو الهيل وتمر

قرأت االبارحة مقالة لامريكي من اصل يهودي عراقي .. دلني عليها زياد (مدون عراقي) خلال نقاشنا في حقل التعليقات بخصوص مقالتي السابقة .. مقالة رائعة جدا، تحكي قصة محاولة استيراد تمر عراقي الى امريكا .. اكتشفت من خلال قراءتي لقصة راكوفيتز ان اصل تمر كاليفورنيا هو عراقي وهو حصيلة خلط فسائل اربعة اصناف من التمر العراقي .. هذه المعلومة الجديدة ذكرتني بحادثة " تمر" اخرى عشتها هنا في سويسرا.

قبل اربع سنوات دعتني زميلة جامعة سويسرية الى تقديم عرض /محاضرة عن العراق .. زميلتي كانت مكلفة من قبل منظمة تعنى بالمعاقين الشباب الى اعداد برنامج ثقافي ترفيهي/ تعليمي لهذا النوع من الجمهور.. وكانت لديها فكرة تقديم خمسة عشر بلدا كعينة تمثل قارات وثقافات العالم .. على ان يقدم هذه البلدان اشخاص من تلك البلدان .. وسألتني ان كنت مستعدا للمشاركة وتقديم العراق في هذه الفعالية .. لكي تضيف العراق الى لائحة تلك البلدان .. وانا لا افوت فرصة للحديث عن العراق .. فوافقت ولكن وبصراحة كنت وقتها خائفا امام هذا النوع من الجمهور الذي يتطلب منك عناية وجهدا اكبر .. كان من ضمن البرنامج ان نجلب شئ للتذوق مصدره البلد الذي نمثله .. شيء يؤكل او يُشرب لكي يتذوقه الحضور ولكي يكون البلد حاضرا حضور "مادي" .. قدمت بلا تردد عرضا بالصور من خلال برنامج "باور بوينت" .. و اخترت .. وبقليل من التردد .. ان اعد لهم شاي عراقي .. شاي ابو الهيل.

النتيجة كانت مرضية للحضور الذي اعجبه طعم الشاي العراقي وطريقة العرض بالصور.. زميلتي قالت لي فيما بعد انني كنت الوحيد من بين المحاضرين الذي استخدم العرض بالصور من خلال سلايدات برنامج "باور بوينت" وهذا قد اعجب الحضور كثيرا .. لم اشك في قدرة هذا البرنامج على مخيلة هذا النوع من الجمهور ولذلك اخترته .. ولكنني كنت اخاف ان لايعجبهم طعم شاي ابو الهيل القادم من كوكب اخر.. ولكنهم احبوه .. مفاجأة رائعة .. وهذا افرحني اكثر من اعجابهم بطريقة العرض ببرنامج باور بوينت "الامريكي".. لم اكن مستعدا لخسارة اخرى امام امريكا و"برامجها" .. كنت ابحث عن التعادل على اقل تقدير في هذه المواجهة الرمزية .. في ذلك الوقت كان الحصار الامريكي يقتل اطفال العراق واردت الانتقام رمزيا .. التعادل كان انتصارا للعراق .. ان لايخسر شاي ابو الهيل امام باور بوينت .. مجرد انه لم يخسر .. كان انتصارا.

قبل سنتين اعادت المنظمة المذكورة نفس البرنامج الثقافي .. وزميلتي لم تكن مشرفة على النشاط هذه المرة .. ورغم انهم غيروا لائحة البلدان ولكنهم احتفظوا باسم العراق ضمن البرنامج .. فرحت كثيرا لذلك .. دليل اخر على انتصار العراق الرمزي .. في زمن الخسارة الاكثر مرارة .. قدمت نفس العرض تقريبا ..وأضفت شيئين جديدين في محاضرتي .. موسيقى منير بشير للاستماع .. كنت قد سمعت ان موسيقى منير بشير تستخدم في مستشفيات كوبا ( وكوبا متطورة جدا في مجال الطب) كنوع من العلاج لتهدئة الاعصاب .. فقلت لاجرب العود العراقي لتهدئة اعصاب هذا الحضور المتعب الأعصاب قليلا .. صوت عود منير بشير في قاعة شبه معتمة .. سكينة .. نجح العود العراقي في الاختبار.. ولكنني فشلت فشلا ذريعا في اختبار اخر .. جلبت معي هذة المرة .. تمر للتذوق .. السوق السويسري لا يحوي تمر العراق .. ولذلك كنت مجبرا على شراء تمر ظننت انه تونسي عندما اخذته على عجل من سوق قريب لمكان إلقاء المحاضرة .. التمر التونسي له حضور حلو وكبير في سويسرا .. التمر الذي اخترته كان قريب جدا لشكل التمر العراقي .. وهو مغلف بصورة جذابة ولهذا سحبته بقوة .. دفعت المبلغ سعيدا .. وخرجت مسرعا.. ولكن .. التمر الذي جلبته لم يعجب الحضور .. أحزنني ذلك .. محزنة خسارة التمر امام "باور بوينت .

بعد فترة مررت بنفس السوق .. وشاهدت التمر الذي خسر امام باور بوينت .. وعندما تفحصت جوانب غلافه بدقة وجدت ان مصدره كاليفورنيا .. ازعجني هذا الاكتشاف في البداية .. كيف ارتكبت تلك الخيانة البلهاء .. "تمر العدو" في محاضرة عن العراق الذي يخنقون .. اردت لها ان تكون مواجهة رمزية مع العدو .. بعد ذلك قلت لنفسي مبررا.. وعلى طريقة الخونة الفاشلين عندما يبررون .. كان تمرا امريكيا لذلك فشل في الاختبار .. واحتفظت بابتسامة عريضة .. وخرجت من السوق.

بالامس فقط عرفت من قرأتي لمقالة راكوفيتز ان تمر كاليفورنيا هذا هو في الاصل تهجين لاربعة فسائل عراقية مشهورة : البرحي والزهدي والخضراوي والحلاوي.. ترى هل لهذا السبب ادهشني تمر كاليفورنيا الذي اشتريته لمحاضرتي انذاك .. محاولة الامريكي بخلق نوع تمر افضل من التمر العراقي .. هي محاولة تثير الاعجاب .. وهي قد خلقت فصيلة اكثر مقاومة للزمن .. ضرورة تجارية مهمة للامريكي .. ولكنها فشلت في منافسة حلاوة ومذاق التمر العراقي .. نسوا ان من يسقي النخل في العراق هما دجلة والفرات .. وهما حين يلتقيان في القرنة/ موقع جنة عدن كما يعتقد العراقيون .. ينتجان تمر من الجنة .. تمر البصرة.

يفشل الامريكي عندما لايفهم تلك الحقيقة البسيطة .. تمور كانت ام اوطان .. " مكونات الارض الاصلية" هي من تعطي الارض قيمتها و مذاق ثمارها .. في التمر كما في السياسة .. تفشل امريكا امام العراق .

2006/12/06

وما ادراك ما بغداد .. الى سمير نقاش

قبل ايام كنت جالسا مع صديق سويسري .. تحدثنا فيما تحدثنا عن الوضع الكارثي في العراق وعن جحيم بغداد اليوم .. وفي لحظة مرارة، قلت له ان بغداد في بداية القرن الماضي كانت اكثر كوزموبوليتانية من باريس في نفس الفترة التاريخية .. ضحك صديقي على هذه المقارنة التي بدت له فنطازية .. وظن انني استفزه مازحا بمثل هذا القول .. غير معقول كيف لمدينة فقيرة كبغداد ان تكون اكثر كوزموبوليتانية من اغنى عواصم العالم واكثرها كوزموبوليتانية انذاك .. اتصور ما كان يدور في رأس صديقي المؤدب جدا.. بغداد .. باريس .. كيف لكريم ان يجروء على مثل تلك المقارنة المفعمة بالادعائية .

حجتي كانت بسيطة وهي غير كاملة حتى .. ولكنها لصديقي المتسامح جدا كانت اكثر من مقنعة .. اكتشاف مذهل كانت تلك المعلومة له : المدينة العراقية كانت وحتى بداية الخمسينات من القرن الماضي تضم اكبر "تجمع" يهودي في الشرق .. وثلث سكان بغداد في بداية القرن الماضي كانوا من العراقيين اليهود .. حتى نيويورك اليوم ، وليست فقط باريس ذلك الزمان، لاتستطيع مجاراة بغداد في ذلك .. مدن الغرب عرفت حديثا التنوع الكوزموبوليتاني : تنوع الاصول العرقية والثقافية وخصوصا الدينية .. مدن الشرق الكبيرة تعرف ذلك منذ قرون .. تنوع ديني عرقي وطائفي لا مثيل له .. المستشرقون درجوا على تسمية هذا التنوع : تشظي ثقافي ، شقاق اجتماعي، هجين غريب ..الأن نعرف ورغم كل شيء انه كان اروع تسامح.


استخفاف صديقي السويسري في البداية وضحكته الغير مصدقة.. يمكن فهمهما بسهولة .. كيف له ان يصدق ذلك وهو يرى "سكان" بغداد يحرقون اطفال بعضهم بعضا وبوحشية تجعلنا في عيون الغربيين عبارة عن مجاميع من البرابرة السفاحين.

شرحت لصديقي التكوينة العمرانية والتاريخية لبغداد .. وايضا تركيبتها السكانية الحالية بعد الهجرات الداخلية المتتالية بعد قيام الدولة الحديثة .. وقلت له من يقتل بغداد اليوم.

ليسوا سكان بغداد من قتلوا بغداد خلال الثلاثين سنة الماضية ويقتلون بغداد اليوم .. احزمة الفقر التي اتت من الارياف ومن البوادي وباعداد لاتستوعبها حتى تخطيطات وخطط مدن كنيويورك .. وظلوا يحسدون تلك المدينة التي استقبلتهم كما تستطيع .. احزمة الفقر هي من تقتل بغداد اليوم .. سكان بغداد الاصليون لايفعلون ذلك .. تسامحم خرافي و"اريحيتهم" مدهشة.. لقد هاجر الكثيرين من سكان بغداد .. والقتلة والحرامية اليوم يبتزون ويهجرون من بقى من سكانها.

عادة ما ينهب ويقتل الفقرانتقاما .. قبل اشهر انتقمت احزمة الفقر من باريس المترفة .. قبل سنوات فعلت احزمة الفقر حول لوس انجلوس ونيويورك نفس الشيء.. احزمة الفقر نهبت بغداد انتقاما من آلقها ويحرقونها اليوم انتقاما من تسامحها .. مهما كان السبب المعلن سياسيا عن نهب واغتيال بغداد اليوم .. السبب السوسيولوجي /الفقر هو اهم الاسباب ..الشعار السياسي الطائفي يركب على موجة الفقر لكي يزيد الانتقام انتقاما اخر من مدينة السلام .. بغداد .

وهذا لايعني ان كل سكان احزمة الفقر مشتركين في ذلك ولكن اغلب من يشتركون في جريمة اغتيال بغداد من المليشيات وعلى قلتهم قياسا لاغلبية سكان احزمة الفقر ، هم من احزمة الفقر.. المليشيات في كل مكان وفي كل الحروب تتكون في الغالب من الفقراء المعدمين .. يعطونهم خبز .. ويرمونهم في نار الحروب كوقود .. وهذا النوع من "الفقراء" لايفكر حتى بأمه وابيه.. فكيف بمدينة يسكن في اطرافها ويحسد "وسطها".. شهوة الفقير المحروم .. اغتصاب وقتل.
~ ~ ~ ~ ~ ~
سمير نقاش هو اديب من يهود العراق، غادر العراق وعمره ثلاثة عشر عاما، ورغم انه عاش بعد ذلك في اسرائيل ولكنه استمر بالكتابة بالعربية واصر على ان يكتب مؤلفاته بالعربية ايضا حبا بالعراق وتأكيدا لانتمائه العضوي كما كان يقول الى "اصلي العراقي".. وهو قد ترك اسرائيل بعد ذلك احتجاجا لكي لايخدم ابناءه في الجيش الاسرائيلي

بخصوص احصائيات سكان بغداد ونسبة اليهود فيها انظر كتاب حنا بطاطو صفحة 248
Batatu, (Hanna), The old social classes and the revolutionary
movements of Iraq, Princton, 1978.