2007/06/27

اسباب الفوضى .. ثقافية محلية ام جيوسياسية خارجية ؟

مقال فالح عبد الجبار في الحياة هو عينة لما يُكتب هذه الايام شرحا وتفسيرا للفوضى التي تعم المنطقة .. فحوى المقال: هناك صراع عنيف على الدولة في مجتمعاتنا .. وهذا الصراع العنيف سببه فشل حضارتنا العاجزة عن انتاج صيغة عقلانية لمفهوم الدولة .. ذلك ان مجتمعنا "ما يزال يرفل في دفء تنظيمات القرابة الاولية، العائلة والقبيلة، ثم الطائفة والجماعة الدينية" .. و يتميز بتحجر البنى الاجتماعية الموروثة .. وخلاصة القول ان اسباب مشاكلنا هي اسباب ثقافية .. وهذا هو جوهر الخطاب الثقافوي الذي يفسر كل شيء من خلال منظور الثقافة.

نعم اختفاء الروابط الاولية والعصبيات هو شرط ضروري لقيام صيغ دولة عقلانية ولكنه ليس شرطا كافيا .. هناك شروط اهم ولها الاسبقية في مسار بناء الدول اولا .. ومراكمة "صيغ عقلانية للدولة" ثانيا .. فالح عبد الجبار يناقش موضوع الدولة من دون حتى طرح ظروف تكوينها و شروط نجاحها تاريخيا .. كيف تم بناء صيغ دولة عقلانية في اوربا ؟ وما هي شروط نجاحها ؟؟ اوربا لم تخلوا من روابط اولية وحروب دينية وانقلابات وفوضى .. ولكن الروابط الاولية في اوربا اختفت تدريجيا مع قيام مركز قوي بنيت على اساسه الدولة .. المركز القوي هو شرط اختفاء الفوضى او ما يسميه
توماس هوبز " حرب الجميع ضد الجميع" او "حكم الغاب" .. الجذر الفكري لمفهوم الدولة الاوربية الحديثة نجده عند هوبز في كتابه "ليفياثان .. وفلسفتة السياسية هذه هي نتاج ظروف الحرب الاهلية الانكليزية التي عاصرها .

الدولة الاوربية لم تبدأ "بصيغ عقلانية" .. لقد قامت على العنف .. ومسار بناءها داخليا وخارجيا قد استمر عنيفا ما يقارب الاربعة قرون .. تم خلاله تدجين تنظيمات القرابة الاولية .. والدولة ذات الصيغ العقلانية ليست سوى المحطة الاخيرة في هذا المسار الطويل .. اوربا عصر التنوير رغم كل ثقافتها ظلت في فوضى عارمة .. لماذا ؟ ليس لان مجتمعاتها كانت " ترفل في دفء تنظيمات القرابة الاولية، العائلة والقبيلة، ثم الطائفة والجماعة الدينية" .. كلا .. بل لانها كانت ضمن منظومة جيوسياسية هشة استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

الدولة الاوربية لم تصبح "عقلانية" الا خلال الخمسين سنة الاخيرة .. بعد ان خرجت من اكبر مذبحة في تاريخ البشرية .. واستقرارها الذي مهد "لصيغ عقلانية" قد نجح لا بفضل ثقافة اوربا .. وانما قبل كل شيء بفضل مظلة امريكية صمدت امام الجيش الاحمر السوفيتي .. هل كان باستطاعة اوربا التمتع بـ "صيغ عقلانية للدولة" من دون تدخل الامبراطورية الامريكية واتفاقها مع الاتحاد السوفيتي على تقاسم النفوذ فيها .. قطعا لا .. بمعنى ان العامل الخارجي كان ولا يزال وراء هذا السلام الاوربي وبالتالي "الصيغ العقلانية" للدولة .. اذا فالعامل الثقافي ليس كافيا من دون عامل الاستقرار الخارجي المؤهل لخلق استقرار داخلي وبالتالي صيغ عقلانية للدولة.

كيف لمجتمعات " استقلت" قبل ثمانين عام ان تقيم "صيغ عقلانية للدولة" ؟ كيف لمجتمعات تعيش زلزال سياسي كل عشرين عام ومنذ "استقلالها" ان تراكم مثل تلك الصيغ ؟ كيف لمجتمعات تهاجر نخبها تبعا لمواسم هذه الزلازل السياسية ان تراكم صيغ عقلانية للدولة ؟ حتى وان وضعنا ملائكة بدل سكان المشرق العربي فسوف لن يكون هناك سلم ولاتراكم ولا دول حتى .. لان منطقتنا تخضع لقوانين " اللعبة الكبرى" التي تتلاعب من خلالها الدول الكبرى بمصائر شعوب المنطقة طبقا لمصالحها.


هل هناك في طرح فالح عبد الجبار ربط بين سقوط تياراتنا الليبرالية على يد العسكر وبين قيام اوربا بزرع اسرائيل في منطقتنا لكي تتخلص من مشكلتها اليهودية .. هل هناك ذكر لاستنزاف الموارد الهائل الذي تبع ذلك .. هل يذكر لنا فالح عبد الجبار ان ثلث سكان بغداد كانوا من اليهود يعيشون بسلام فيها محاطين "ببدو متخلفين تحكمهم روابط اولية" في نفس الفترة التي كان فيها يهود برلين وباريس وبراغ يحرقون في افران المانيا التي كانت قمة اوربا ثقافيا .. بالطبع لا.. الخطاب الثقافوي التحقيري يكفي .. التطبير الفكري وجلد الذات يروق لانصاف المتعلمين.

عندما نعرف ان فالح عبد الجبار يتعاون مع "معهد السلام الامريكي" ( تسمية لطيفة لمعهد يعد خطط ما بعد حروب الامبراطورية ) .. وهو قد شارك في "المشغل" الذي نظمته وزارة الخارجية الامريكية قبيل احتلال العراق من اجل وضع تصورات ما بعد احتلال العراق .. اقول عندما نعرف ذلك نفهم دوافع هذا الطرح الثقافوي التحقيري .. اننا امام " خبير اخر في الشان العراقي" يشاهد تبعات تحليلاته تدمر العراق .. و لابد من تبرير .. ويأتي التبرير محتقرا : "فئران المختبر" فشلت في الاختبار الديمقراطي لانها ذات بنى ثقافية متحجرة.

نعم زمن الفوضى هو ايضا زمن كليشات بامتياز.. انا شخصيا لن استغرب اذا ما سمعت في الاشهر القادمة عن صدور كتاب : " دور "الشكرلمه" في انهيار الدولة العراقية !!

2007/06/18

المافيا هناك .. خلف الدبابة .. جنرال


قرأت اول امس مقال سيمور هيرش في الـ "نيويوركر" عن الجنرال انتونيو تاكوبا ..الجنرال الذي قام بالتحقيق عن جريمة التعذيب في سجن ابو غريب .. المقال يذكرنا بشيء مهم وهو ان العالم لم يرى بعد كل تفاصيل تلك الجريمة .. العالم لم يطلع بعد على "هدية" الديمقراطية الى شعب الدكتاتور المحرر والذي لم يقم بواجب الاستقبال كما يجب .. سيمور هيرش يقول :

I learned from Taguba that the first wave of materials included descriptions of the sexual humiliation of a father with his son, who were both detainees. Several of these images, including one of an Iraqi woman detainee baring her breasts, have since surfaced; others have not. .... Taguba said that he saw “a video of a male American soldier in uniform sodomizing a female detainee.” The video was not made public in any of the subsequent court proceedings, nor has there been any public government mention of it


لا جديد جنرال .. هناك دائما حدود للحرية في الديمقراطيات عندما يتعلق الامر بمصالحها العليا .. وهي في تلك النقطة بالتحديد لاتختلف عن الدكتاتوريات .. ثم من سيهتم الان بتفاصيل اكثر؟ اوربا !! مايك وانجليكا مشغولين بالتحضير لشهر اجازتهم الصيفية وهم قد اختاروا جزر الباسفيك هذة المرة .. العرب .. فهد التويجر وزوجته شيخة واولادهم الخمسة عشر يحضّرون لاقامتهم الصيفية في جنيف .. "عزام" قد احتل "فيلا" عرفات في غزة .. حسنيين عاطل يجلس الان في مقهى في الفيوم يجتر قصيدة عبد الرحمن الابنودي عن بغداد التي عرفها مغتربا في شبابه .. عبد السادة في البصرة يحرق مساجد السنة .. و"عبد السادة" جائع يحب "السادة" .. مروان الذي لم يعد يخرج من بيته في الاعظمية تخلى عن كيتاره و بدأ بقراءة ابن تيمية.


استمر جنرال .. استمر .. تقول ان بعض اصدقاءك من "المحاربين القدامى" يعاملك ببرود بعد نشر تقريرك .. تقول ان بعضهم لا يرد عليك السلام حتى .. مسكين .. تقول انهم قد "احالوك" على التقاعد مؤخرا بسبب قيامك بواجبك .. لابأس جنرال .. افهم ان كبار العسكر لا يحبون التقاعد .. ولكن لك زوجة واطفال .. وعائلة في هاييتي .. جزيرة تليق بـ "محارب قديم" هاييتي.


عذرا جنرال .. ولكنني لم افهم كلماتك حين تقول ان قرار تعيينك بهذه المهمة قد جاء من باب الصدفة .. حجتك غير مقنعة .. لا اظنك ساذجا هنا .. افهم الاسباب التي تجعلك تتجاهل تلك النقطة المهمة وراء تعيينك .. ولكنني اظن انهم قد اختاروك لاعتقادهم انك ، انت ذو الاصل المهاجر والمحمل بعقد النقص والخوف من السيد ، لن تجرؤ على ادانة البلد الذي احتضن عائلتك القادمة من الفيلبين .. لم تتلاعب بالحقائق ..كما جرت العادة هناك .. خيبت حساباتهم.

ولكنك ساذج في جملتك الاهم في هذا المقال .. وصف لقائك مع الجنرال ابي زيد ذكرني بفلم العراب :




A few weeks after his report became public, Taguba, who was still in Kuwait, was in the back seat of a Mercedes sedan with Abizaid. Abizaid’s driver and his interpreter, who also served as a bodyguard, were in front. Abizaid turned to Taguba and issued a quiet warning: “You and your report will be investigated 

 I wasn’t angry about what he said but disappointed that he would say that to me,” Taguba said. “I’d been in the Army thirty-two years by then, and it was the first time that I thought I was in the Mafia 


هو كما تقول تصرف مافيا .. ولكن ابي زيد ليس سوى "بيدق" صغير .. مرتزق اخر.. مهاجر اخر.. غرييييين كارد اخر .. المافيا التي تقتل الشعوب الفقيرة .. تتلاعب بمصائرها لكي تسرق ثرواتها .. تلك المافيا هي من تقف وراء البيادق .. وراء العسكر المرتزقة .. تلك المافيا .. هناك .. خلف الدبابة .. جنرال.