2007/08/30

في حدود الكذب


غوبلز وزير اعلام هتلر قال ذات "فاشية" : اكذب، اكذب حتى يصدقك الناس .. ما لم يضعه غوبلز في الاعتبار هو العامل الزمني : الى متى الكذب؟ .. واذا اردنا الانصاف فالكل يكذب .. من ديمقراطية العم سام الى اوتوقراطية "الحاج حسنيين" .. ولكن للكذب تقاليد وطرق تمرير واساليب ولغة كودية دقيقة .. وهذا ما فات البيان الصادر عن مكتب "رئيس عرفاء" المنطقة الخضراء تعليقا على احداث كربلاء حين اعلن بأن "عصابات اجرامية مسلحة خارجة عن القانون ومن بقايا النظام الصدامي المقبور قامت باستهداف الزوار الذين حضروا الى مدينة كربلاء" .. أي شجاعة في الكذب.

لا ،لا ..المالكي ليس بهذا المستوى من الغباء .. هو يعرف جيدا انه ليس هناك من احد في الخارج يصدق كلمة مما يقول .. ولكنه ببيانه هذا يكذب على مريديه او ممن لا زالوا على "العهد الطائفي" الذي قتل العراق .. قد يقول قائل "هل لازال هناك في داخل القحط العراقي ممن يصدق كذب بهذا المستوى من الرداءة .. والجواب : نعم كثيرون .. وان كانوا اقل عددا وحجة بعد اربع سنوات ونصف من حكم الحثالات.

ما حدث في كربلاء بالامس ليس بالحدث العابر على الاقل من الناحية الرمزية .. صحيح ان مثل تلك الصدامات بين المليشيات تحدث كل يوم ومنذ فترة طويلة في كل محافظات الجنوب العراقي وخصوصا في البصرة .. ما يختلف في احداث الامس هو المكان والتوقيت .. يقال ان الاطار هو ما يعطي اللوحة قيمتها .. وفي السياسة غالبا ما يكون مكان وتوقيت حدث ما اهم رمزيا بكثير من الحدث ذاته .. من هنا اهمية " العراك" اما ضريح الحسين .. ومن هنا هرولة الكذبة المالكية وضحالتها.

اكثر ما يقوض اجندات رافعي "مصاحف الطائفية" هي مثل تلك المواجهات الشيعية الشيعية .. فما بالك بهذا التوقيت والمكان المفعم بالرمزية .. فمثل تلك المواجهات تفتت اهم ما في جعبتهم من برامج : عقلية الضحية المنتجة للضدية .. ضد من سترفع شعارات المظلومية بعد الان و"رعاة المظلومين" يرتدون لباس القتلة وينشرون الفوضى بين المسحوقين بعد ان كانوا يوزعون عليهم الهريسة فيما مضى .. ضد من ستقرع اجراس الحقد الطائفي ومن سيصغي اليها وابناء "بيوتات" الطائفة يرشقون اضرحة "آل البيت" بالرصاص ويقتلون زواره .. بالامس كان هذا الدور من نصيب صدام ، يزيد العصر الحديث في ثقافة اللطم .. عراك احفاد البيوتات الدينية من آل الحكيم و الصدر امام ضريح الحسين ساهم في رفع اخر اوراق التوت عن عوراتهم .. وهذا تقويض لكل ما شيده رافعي "مصاحف الطائفية" .. وهذا سبب الهرولة الاعلامية التي تستخدم الفزاعة الصدامية.

ولكن للكذب حدود .. واذا لم تراعى تلك القاعدة فأنه سينقلب على صاحبه .. وكل كذبة من نوع الكذب الذي يصدرعن مكتب "رئيس العرفاء" ستساهم في تقليص عدد المخدرين بعقار الطائفية الذي يقتل الجسد العراقي .. وبهذا المعنى فكل كذبة بهذا الحجم تصدر عن تلك الحثالات هي خدمة للعراق الغير طائفي .. هذا الكذب المحتقر لذكاء الناس سيساهم في وضعهم يوما بعد اخر في مصاف مستخدمي اللغة الخشبية التي خبرها العراقيون .. والفزاعة الصدامية قد تستخدم وتنجح لبعض الوقت ولكنها غير قابلة للاستخدام والنجاح طوال الوقت .. هذا ما لم يقله غوبلز.

يقال ان السيستاني قال قبل ايام قولة علي بن ابي طالب " لقد ملئتم قلبي قيحا " بحق الحثالات .. هذه هي ديمقراطية الفتوى .. جريمة قتل العراق يتم غسلها بمقولات تاريخية مجترة .. لقد ملئتم قلب العراق بسم الطائفية وليس فقط بقيح الحثالات .. هل من يُذكّر السيستاني بانه هو من اصر على اقامة الانتخابات في "مجتمع" تقوده حثالات .. هل من يقول لهذا "السيد" ان فتواه هي من ساهمت بصعود تلك الحثالات .. والاخطر من ذلك ان فتواه هي من اسست للطائفية الشمولية التي ستقتل العراق للعقود القادمة .. وهل من يقترب اخيرا من أذن "السيد" ليهمس له بأن مسؤوليته في كل ذلك كبيرة.
 

2007/08/16

ثقافة الخوف و الولاءات الضيقة


اعتقد ان الواشنطن بوست تطرح هنا موضوع مهم جدا لفهم الكيفية التي يتم فيها العمل السياسي في العراق وبالتالي لواحده من اهم مشاكلنا السياسية .. مقالة البوست تقول ان المالكي ومقربيه من حزب الدعوة يمارسون السياسة اليوم بالطريقة التي كانوا يعملون بها عندما كانوا حزبا سريا .. وهنا تحبس انفاسك وتقول مع نفسك : اخيرا ستخرج الصحافة الامريكية من كليشاتها عن المجتمع العراقي .. اخيرا سنحصل على طرح معقد لمشاكل مجتمع معقد .. ولكن الواشنطن بوست تطرح الموضوع وتحصر رؤيتها بعد ذلك داخل انصاف الحقائق .. تقول البوست هناك اسباب كثيرة للركود السياسي في العراق بعد خمس سنوات حرب (احتلال). اهمها هو ان ساسة العراق الجدد اكثر ولاء لطائفتهم ،لعشائرهم ، لمناطقهم من ولاءهم للوطن .. وهي تربط ذلك بثقافة الخوف الموروثة من فترة صدام التي لازالت سائدة.

الواشنطن بوست تستعين بعد ذلك بواحد ممن كرستهم الدعاية الامريكية خبراء للشأن العراقي وبالثمن الذي نعرف.. نعم الواشنطن بوست تستعين بـ احمد الجلبي خبيرا يبين لها خفايا المطبخ السياسي الجديد .. لا بأس هو "شاهد من اهلها" .. احمد الجلبي يقول للواشنطن بوست :" ان المقربين من المالكي يخشون اصدقائهم اكثر مما يخشون اعدائهم (احمد الجلبي يشير هنا الى نفسه كصديق بالطائفة) وانه لايمكن فصل هولاء عن خلفياتهم. فمعضمهم قد تعودوا على اساليب العمل السياسي السري".

هناك نقطتان أساسيتان في المقال ساركزعليهما : الاولى هو ان الولاءات الضيقة (حزبية ، عشائرية، مناطقية، طائفية) ما زالت سائدة في الوسط السياسي العراقي .. وهذه مسلمة مقبولة امس كما اليوم ..النقطة الثانية هو محاولة شرح لهذه الاستمرارية في الولاءات الضيقة : خلفية الساسة الجدد في العمل السري بالامس جعلتهم يلجئون الى السرية في السياسة اليوم .. وفي محاولة الشرح هذه يتم تمرير ثقافة الخوف الموروثة من نظام صدام كسببية لسلوكية الورثة .

الملفت للنظر ان الاعتماد على الولاءات الضيقة في الماضي لم يكن يحظى بمثل هكذا محاولة فهم من الاعلام الامريكي .. الولاءات الضيقة في الماضي كان ينظر اليها كخطيئة صدامية .. اليوم الولاءات الضيقة تصبح مبررة بمنطق التاريخ والتجربة السابقة .. لابأس .. لا اعتراض على كل محاولة فهم تاريخية تخلصنا من خطب وخطابات الكره واللطم والقتل .. ولكن الاعتراض على القراءات المبتسره للتاريخ .. الاعتراض على التوظيف السياسي للتاريخ والذي غالبا ما ينتج قراءات مسطحة للواقع تنتهي بقتل الواقع .. العراق قُتل ايضا بتصورات مبتسره استندت الى قراءات سياسية مؤدلجة سواء من قبل الامبراطورية او من قبل مثقفي ثقافة اللطم.

اعتقد ان ربط استمرارية الولاءات الضيقة بالطبيعة السرية للعمل السياسي وتحميل ثقافة الخوف الموروثة من عصر صدام مسؤولية ذلك هو محاولة لخلط الاوراق وبالتالي تشويه للحقيقة التاريخية .. مشاكل العراق لم تبدء مع صدام وهي حتما لن تنتهي معه وخصوصا مع هذا العمى في الطرح .. سأضع هنا مقطع من مقال قديم لباحثة متخصصة في شؤون العراق:

A gradual increase in localism and tendency for factions based on sectionalism to develop. …. A reason for this situation lies in the political instability in Baghdad and the conspiratorial nature of politics. In these circumstances, a premium is placed on mutual confidence. Those who can be trusted frequently to be relatives, or friends from the same town whom one has known from early school days.

هذا الكلام مقتطف من مقالة عنوانها إشكالية القيادة في العراق وهو دراسة للقيادات العراقية من سنة 1948 الى 1968 ونشرته الباحثة فيب مار في الميدل ايست جورنال عام 1970 .. نعم 1970.. اذا .. ثقافة الخوف لم ينتجها صدام ..هو كان احد منتجاتها وأنتجها بدوره .. ثقافة الخوف هي محصلة لا استقرار داخلي مزمن تتساقط فيه العروش و الرؤوس بكثرة .. و سبب هذا اللااستقرار هي الانقلابات المدعومة من الاقليم ومن الدول الكبرى .. الانقلاب والانقلاب المضاد هي اشياء عرفها بلدنا ومن يعرفون خبايا السياسة في منطقتنا يعلمون جيدا ان الدعم الاقليمي او الدولي كان وراء كل حركة انقلاب .. وما فشل من هذه الانقلابات اكثر مما نجح .. داخل هذا الجو المشحون نشأ الخوف والشك والحيطة والحذر وبالتالي الابعادات والتخوين والتصفيات .. في مثل تلك الظروف وفي مجتمع صدعي لم يمنح له الوقت والتراكم المجتمعي والثقافي والتعليمي لكي يراكم مؤسسات مدنية .. مجتمع كان حتى الامس يعيش وفق تنظيماته الاولية .. يصبح اللجوء للولاءت الضيقة حتمية ..إلا إذا أراد السياسي ان يفقد رأسه بعد اسبوع من الحكم .. اذا من انتج ثقافة الخوف هي هشاشة مجتمعية تتخبط وسط اقليم مضطرب .. والخلل هنا بنيوي قبل ان يكون ثقافي وهذا لايلغي دور الثقافة بمعناها الاكتسابي التاريخي لا البيولوجي الازلي .. هذا ما لاتقوله التحليلات الثقافوية التي تلتذ بالتأكيد على العامل الثقافي .. انصاف المتعلمين عندنا ايضا يلجئون لهذا التعليل لانه مريح فكريا .. مقولة اصحاب الشقاق والنفاق متداولة بين انصاف المتعلمين .. والمجترين للكليشات يصرخون بها كلما ارادوا التغطية على كسلهم الفكري.

كل محاولة فهم لا تطرح هذا الاطار العام الذي يتم فيه العمل السياسي في العراق لن تذهب ابعد مما ذهبت اليه الواشنطن بوست واغلب تحليلات الفهلوية والحكواتية من "خبراء الشأن العراقي" .. كل نشاط سياسي في مثل تلك الظروف سوف يتم داخل منظومة الولاءات الضيقة .. كل سياسي يعمل على الارض وليس امام كومبيوتر سيواجه بسؤال رأسه ومتى سيقع .. وتجار السياسة اليوم يعرفون ذلك .. الان يعرفون ان للحكم في بلد صدعي احكامه وسلوكياته .. وان الانتماء الطائفي لايعفي صاحبه من الشك والريبة .. هم الذين فسروا كل شيء في تاريخ الدولة العراقية الحديثة من منظور طائفي .. السلطة تمر ايضا بالصراع بين ابناء الطائفة الواحدة .. والسلطة قد تقتضي استبعاد ابناء الطائفة الواحدة .. والسلطة تقتضي تصفية خصومنا على السلطة وان كانوا من ابناء الطائفة الواحدة .. والسلطة وان دامت في مثل تلك الظروف فهي لن تدوم من دون روابط أولية تصغر تدريجيا حتى تصل الى حلقة صغيرة جدا ..احمد الجلبي يعي هذا الان .. نعم .. احمد الجلبي يعرف الآن ان انتماءه الطائفي لن يؤهله للدخول الى مركز السلطة الضيق.. وهو سيظل محط شكوك "أصدقائه" في الطائفة .. الان يعرفون.. الواقع مقبرة للشعارات.



Phebe Ann Marr, Iraq leadership dilemma : a study in leadership trends, 1948 – 1968, Middle
East Journal (1970), 2: pp.283- 301