2008/09/29

فنجان قهوة مع لينين .. في مديح البرجوازي


في الاسابيع الاولى بعد وصولي الى هذا البلد الأمين .. وكان ذلك قبل سنوات طويلة .. اصطحبني صديق عراقي في جولة حول المدينة التي يسكن .. احدى محطات تلك الجولة كان مقهى من مقاهي تلك المدينة المزدحمة بالمقاهي .. دخلنا المقهى .. جلسنا .. واذا بصديقي يشير الى طاولة بجانبنا : "هنا كان يجلس لينين" .. وهنا في هذا البلد الذي يحنو على الأشياء التي اتعبها التاريخ .. مثل تلك الطاولة تصبح "محج" سياحي .. "فنجان قهوة مع لينين" قال صديقي .. انا شخصيا لا احب القهوة ولا احب لينين .. ولكنني احب ارتياد المقاهي.

قبل ايام التقيت لينين هذا للمرة الثانية .. التقيته في كتاب يتطرق للسياسة الدولية اثناء الحرب العالمية الاولى وبالتحديد حين كان لينين لاجئا في هذا البلد الامين .. الحرب العالمية كانت مشتعلة آنذاك .. والاشتراكيين الأوربيين كانوا منقسمين حول الموقف السياسي من تلك الحرب .. قرأت الكتاب وطاولة لينين كانت حاضرة معي .. لينين يدخل مقهاه .. لينين يشرب قهوته الصباحية .. لينين يتناول جريدته المستلقية على تلك الطاولة.. لينين يقرأ اخر الأخبار .. وجهه لينين الذي يشبهه وجهه ملاكم يبدأ بالتشنج .. لينين قد عرف للتو إن زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية العالمية قد اصطفوا مدافعين كل منهم عن موقف بلاده .. لينين يسافر في نوبة من نوبات غضبه المشهورة .. فم لينين يبدأ بتخريج كلمات نابية : "خونة ، برجوازيون .. سفلة .. أنذال .. كيف يضحون بالمبادئ الاشتراكية من اجل بلدانهم" .. نفهم غضب لينين حين نعرف ان سلوك زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية يزيد من عزلته خصوصا وسط رفاقة الروس الذين لا يفهمون موقفه المعادي لبلدهم روسيا .. لينين يحتاج الى فلسفة موقفه .. لينين ينحني على تلك الطاولة ويبدأ بوضع افكاره على الورق .. لينين يكتب " اطروحاته السبعة عن الحرب" حيث يقول " ان اهون الشرين ، من وجهة نظر الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في روسيا، هو هزيمة الملكية الروسية وجيشها" .. وهكذا كان .

تنجح عقيدة لينين وتسقط روسيا القيصرية .. ولكن عقيدة لينين لم تنجح من دون تعكزها على المساعدات السخية التي قدمتها المانيا والدولة العثمانية للمعارضين الروس.. المانيا والدولة العثمانية كانتا بحاجة ماسة لتحييد الجبهة الروسية.. "المخابرات" الالمانية والعثمانية تجندان عملاء من داخل المعارضين الروس من اجل التسريع بقلب النظام القيصري .. "تاجر الثورة" الكسندر اسرائيل هيلفلاند .. القيادي الشيوعي الروسي من اصل يهودي والذي تحول الى رجل اعمال يؤدي دور الوسيط .. لينين يرفض في البداية .. لينين يتردد بعد ذلك .. لينين يركب في النهاية القطار الالماني الخاص الذي نقله عبر اوربا الى روسيا .. "المخابرات" الالمانية تتمنى لكم رحلة سعيدة .

لا يهمنى في تلك القصة موقف لينين الذي يفضل هزيمة بلده على هزيمة عقيدته .. ما يهمني هو موقف الاشتراكيين الأوربيين .. بين العقيدة والوطن، لماذا اختار الاشتراكيون الأوربيون الوطن ِ؟؟ بين الاممية وبين "الحدود" لماذا اختاروا الدفاع عن حدود بلادهم .. هنا سؤال مهم .. سؤال ضروري ..سؤال ملح خصوصا ونحن نعيش تداعيات زمن "انا الطم اذا انا موجود ، وليذهب الوطن للجحيم " !! أتخيل حجة الاشتراكيين الاوربيين : " الاوطان قبل العقائد" .. "برجوازية " يقول صاحبنا لينين .. ليكن.. مثل هكذا برجوازية تعجبني .. ان تكون برجوازيا امام رومانسية الشعارات يتطلب شجاعة وامانة فكرية ليست متوفرة لكل من هب ودب .

مثل هكذا "برجوازية" تستوقفني .. لانها تطرح اشكالية دمرت العراق .. بين الوطن والعقيدة يختار البرجوازي الوطن .. يختار سلامة الوطن ..امن الوطن ..وجود الوطن المهدد .. هناك عند البرجوازي حس بالمسؤولية لا يتوفر عند المحلقين في فضاء المطلقات المجردة .. هناك عند البرجوازي ارتباط اكبر بحقائق الارض .. بالواقع .. بالدولة .. هل "مُلكيته" تجعله يتخذ مثل هكذا موقف كما يقول لنا لينين ؟؟ اذا فلتحيا المُلكية .. نعم فلتحيا المُلكية المنتجة لمواطنين يفكرون ببرغماتية .. والى الجحيم كل الشعارات التي تجعل الناس يتصرفون كقطعان غنم تركض نحو حتفها .. تلك الروح القطيعية سادت بالامس وحصلنا على "ثقافة" الحبال.. وسادت اليوم وحصلنا على "ثقافة" الدريل .

لقد جعلت الايديولوجيا الشيوعية من مفردة برجوازية شتيمة .. ولكن معنى المفردة لم يكن تاريخيا كذلك .. صحيح ان المفهوم الفرنسي الحديث يعطي للبرجوازي معنى "شخص محافظ او نمطي وبلا مثاليات" ولكنه استخدام متأخر زمنيا .. وهو معنى من بين معاني اخرى كثيرة .. في سويسرا التي احتضنت لينين لاجئا يشرب قهوته الصباحية بهدوء على تلك الطاولة .. في هذا البلد الامين يأخذ مفهوم البرجوازية معنى المواطنة .. ولقب برجوازي في كثير من مدنها يمنح للشخصيات المميزة في المدينة تقديرا لمساهمتها في تطوير المدينة .. وهذا الاستخدام السويسري يعيدنا الى المعنى الاصلي للكلمة .. البرجوازي (من الالمانية بورغ) هو ساكن المدينة .. وفيه نجد اهم ما يميز البرجوازي سوسيولوجيا : هضمه لسلوكيات وقواعد التعامل المديني .. من خلال تطويره لسايكولوجية نمت فيها الانا العليا (الرقيب الذاتي) الى درجة انها لاتحتاج الى رقابة خارجية كبيرة لكي تتصرف مع الاخرين بتحضر .. اما عن نمطية البرجوازي التي يشير اليها المعنى السلبي للكلمة فسببها احترام صارم للقواعد الاجتماعية .



المثقفون عملوا على إشاعة صورة سلبية عن البرجوازي .. هو عندهم نقيض لصورة الفنان او الفوضوي الرومانسية .. من حق المثقف الغربي الذي راكمت بلاده مؤسساتها المدنية والسياسية ان يدعو الى الفوضوية .. ولكن مثل هكذا دعوة عند المثقف العربي تستحيل الى سذاجة في احسن الاحوال .. و في اسوءها خيانة لعذابات الناس المطحونين في فوضى مجتمع يتخبط في خزعبلاته .. مجتمع لم يراكم بعد ثقافة مدنية على الاقل عند الاغلبية القادمة من الارياف .. ثقافة الشعراء البزاخة القادمة من "خلف السدة" لازالت تفتخر بمشهد شاعران يتعاركان بالأيادي من اجل قصيدة .. يحدث ذلك عادة بعد اول قدح !! شخصان فقط .. لكنهما غير قادرين على التعايش حول طاولة !!"مثقفونا" يتسألون وعبر طرح غبي عن سر ثقافة العنف والدكتاتور.. وهم أنفسهم لم ينموا او يطورا سلوكيات مدنية .. السيطرة على الغرائز الشخصية وكبت نوازع العنف الداخلي هي اهم ما يميز السلوك المدني البرجوازي المستند الى سايكولوجيا مدينية .. والمجتمعات المسالمة هي مجتمعات انتجت ، وعبر تراكم اجتماعي اقتصادي وخصوصا تربوي طويل، هذا النوع من البشر الحاملين لتلك السايكولجيا المدينية .

احد المؤرخين الفرنسيين يقول "بلا برجوازية ما كان ليكون هناك حضارة فرنسية" .. جان كوكتو يقول نفس الشيء بجملة رائعة : "خلف كل عمل فرنسي مهم هناك بيت، حساء، نار ، نبيذ ، غليونات" .. كوكتو ومن خلال ثقافة عميقة يعرف ان الفلسفة الفرنسية انتجتها صالونات شجعت الفكر كما اشاعت سلوك التعامل الاجتماعي المتحضر .. ناهيك عن ان دور النشر في اوربا كانت مهنة "برجوازية" .. من أين لنا بشعراء على هذا المستوى من الفهم العميق للتطور الاجتماعي !! الجواهري كان يعتاش على موائد وعطايا رجالات الملكية في الليل ويخرج في النهار في مظاهرات ترفع شعارات " الموت للبرجوازية" !! لامسؤولية هذا "الحبل الثقافي" ليس لها حدود .

كل ما له قيمة في العراق المعاصر كان من انتاج "البرجوازيات" العراقية .. حتى ازدهار الحركة الثقافية في خمسينات العراق وستينياته كان نتيجة للتراكم الذي تم في العهد الملكي .. مثقفو اليسار العراقي يعتقدون انهم هم من كانوا وراء تلك الحركة .. عقليتهم اللاسوسيولوجية تمنعهم من فهم شروط امكانية مثل تلك الحركة .. فهم يختزلوها باسماء مشهورة كما يختزلون الازمة بشخص الدكتاتور.. الواقع كذب "محكياتهم" .. فالواقع اثبت أنهم ما ان استلموا السلطة حتى اختصروا الثقافة في ثنائية الحبال و الردح .

قبلهم كان هناك "كشك جرائد".. واختلاف سياسي يظهر نسبيا في الشارع .. وجامعة يحاضر فيها اساتذة من عيار البرت حوراني .. كل ذلك اختفى حين طفح على السطح "ماركس ابو دشداشة" وجيل انصاف المتعلمين البوقي : "الموت للبرجوازية .. الموت للبرجوازية" .. لم لا .. ولكن كان علينا ان نعرف ما يعنيه ذلك .. فعندما تموت البرجوازية في مدينة ما، يموت كل شيء في تلك المدينة .. من البزونة الى أستاذ الجامعة .

2008/09/16

استكان شاي مع شاكر مصطفى سليم .. "على حساب" على الوردي


كنت اعتقد حتى وقت قريب ان أفضل من كتبوا عن العراق وعن "المجتمع " العراقي هُم من غير العراقيين .. ولكن يبدو ان هناك استثناء : شاكر مصطفى سليم ودراسته عن قرية الجبايش في الاهوار .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش هي اول دراسة انثربولوجية منهجية احصائية في العراق .. وهي "دراسة ميدانية" في الجبايش امتدت من 2 كانون الثاني عام 1953 حتى نهاية شهر ايلول من نفس السنة .. تسعة اشهر بحث ميداني وفي قرية نائية وفي خمسينات العراق .. مدهش .

حدث ذلك ذات "رجعية" .. وقبل ان تتسلق "تقدميات الارياف" اسوار المدينة وتغتال المدينة وجامعتها تدريجيا .. هذه الدراسة تشير وبطريقة غير مباشرة الى "الممكن" الهائل الذي كان يمكن مراكمته علميا وثقافيا .. ما الذي يمكن قراءته اليوم من "ادبيات" الحزب الشيوعي العراقي كوثيقة سوسيولوجية عن العراق !! لا شيء .. "ادبيات" كلمة كبيرة حتى ..شعارات او هوسات هو وصف ادق واصدق .. خصوصا اذا علمنا ان "الرفيق" فهد كان يسرق من "ادبيات" الحزب الشيوعي السوري .. حتى شعار "وطن حر وشعب سعيد" هو شعار مسروق من الحزب الشيوعي السوري .. يبدو ان "الامبريالية" لم تكن وحيدة في سرقة جهود الاخرين !!

هل هي مصادفة ان "رجالات" الشيوعية العراقية موزعين اليوم بين خدمة البسطال الامريكي .. وخدمة ما كانوا يسمونها حتى وقت قريب "صحف البترودولار" .. اقول هذا وانا استحضر مقال فالح عبد الجبار قبل اسبوعين "عن العروبة والعرب" في الحياة السعودية .. لطيف ان يُصفي شيوعي سابق حساباته مع القوميين على صفحات جريدة "بترودولارية" .. والادهى انه شيوعي يريد اليوم ايقاظ العروبة من سباتها !! لم لا .. كوندليزا رايس ايضا تريد ذلك من اجل مواجهة ايران كما قالت قبل اسابيع !! في هذه المقالة يعيب فالح عبد الجبار على ساطع الحصري انتقاله "بعد الحرب العالمية الاولى من فكرة الجامعة الاسلامية، الى الجامعة العربية، في رداء علماني" .. انا اعتقد ان المسافة بين الاسلام والعروبة ليست شاسعة .. وحتما هي ليست انتقالة شاذة او غير منطقية خصوصا اذا ما قارناها بانتقالة فالح عبد الجبار من الشيوعية الى الليبرالية البتروامريكية !! الى الامام رفيق !

وعود على بدء.. عودة الى من خدموا العراق وليس الاتحاد السوفيتي .. عودة الى من حاولوا فهم "الارض" ومشاكل الارض قبل تغييرها .. الارض العراقية التي قتلها قانون الاصلاح الزراعي الشيوعي لانه قانون تم فرضه وتطبيقه بعقلية "الفزعة" .. عودة الى من انتظر خمسة اشهر .. فقط لكي ينال ثقة اهل قرية الجبايش ..عودة الى شاكر مصطفى سليم .

اول ما يثير الانتباه في كتاب شاكر مصطفى سليم هو الوضوح .. وضوح في البنية ، وضوح في المنهج ووضوح في الاصطلاح ..الفصل الاول من كتاب سليم مخصص لـ"ظروف وميادين الدراسة".. الفصل الاول هو جولة في "مطبخ" سليم حيث يشرح لنا طريقة اعداده لدراسته : لماذا اختار قرية الجبايش وليس قرية اخرى .. ظروف اقامته الطويلة والشاقة وصراعه مع البعوض النهم ..اساليب جمع المعلومات ومرامي الدراسة .. وكيف ان الحكومة لم تسمح له بالاطلاع على بعض الملفات "السرية" رغم محاولاته المتكررة وجهوده للحصول عليها في بغداد .. وكيف انه منع في ربيع 1953 من الذهاب الى الى منطقة معينة في اهوار العمارة بسبب اضطرابات ومصادمات بين الفلاحين والشيخ الخ .. باختصار نحن امام شرح مفصل قل نظيره للاجرائية التي تمت بها الدراسة .

مثل هكذا وضوح اجرائي غائب تماما عن اغلب الاعمال العراقية التي تطرقت لدراسة المجتمع العراقي .. هناك ايضا عند سليم تسجيلية هائلة لانجد لها مثيل عند على الوردي مثلا .. سليم يُشبع الظواهر الاجتماعية التي يتطرق لها وصفا .. وهو لا "يخبزها" كما يفعل علي الوردي الذي "يدرس" ظاهرة محلية ما، والادهي يعممها على العراق، مستندا في احيان كثيرة على "قال لي فلان " او سمعت من فلان".. هذا الفرق بين الوردي وسليم يجد اسبابه في المنهج الذي يتبعان في دراستيهما .

دراسة سليم الميدانية تعتمد على الطريقة الاحصائية ..وتتبع قواعد عمل محدد تنتمي الى مدرسة انثربولوجية رصينة .. في حين ان الوردي في كتابة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"يقول باستحالة اجراء دراسة ميدانية احصائية في العراق .. وحجته هو ان "المجتمع العراقي هو غير المجتمع الامريكي" ويضيف ان "اوساط العامة" كما يسميهم " اذا رأوا افنديا قادما اليهم وبيده قلم ودفتر حسبوه قد جاءهم لجباية الضريبة او التجنيد او لسوقهم الى الحبوس . وهم قد اعتادوا ان يكذبوا في جوابهم له بشتى الطرق خشية ان يصيبهم مكروه " كما يقول في مقدمة كتابه هذا .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش تكذب تبرير الوردي هذا .

ليس فقط ان سليم قد اجرى تلك الدراسة في قرية نائية ولكنه بقى هناك تسعة اشهر منها خمسة اشهر فقط لكي ينال ثقة اهل القرية .. وهو قد سبق "دراسة" الوردي بعشر سنوات تقريبا .. دراسة سليم بالطبع لم تخلو من تلك الصعوبات التي يبرر بها الوردي عدم قيامة بدراسة ميدانية احصائية .. سليم يتحدث مطولا عن تلك الصعوبات .. ولكنه يستعين بتقنيات طورتها العلوم الانسانية من اجل استحصال الاجابات وفرزها وتحليلها من اجل دقة اكبر .. المشكلة التي يطرحها الوردي هي مشكلة معروفة في البحث الميداني الذي يعتمد على الطريقة الاحصائية .. وكل باحث سوسيولوجي يقوم بهكذا دراسة وفي أي بلد في العالم سيواجه تلك الصعوبات وخصوصا مسألة عدم قول "الحقيقة" .. عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مثلا يتكلم عن تلك المشكلة كثيرا وهو كان يجري بحوثه في فرنسا السبعينات والثمانيات والتسعينات .. ولكن ذلك لم يدفعه الى تقديم التبريرات والاحكام التحقيرية من مثل "الفرنسي كذاب" كما يفعل على الوردي بخصوص كذب "عامة" العراقيين مبررا كسله البحثي .

دراسة سليم تنطلق من منهجية انثربولوجية تقتضي اختيار عينة صغيرة / مجموعة صغيرة لدراستها .. "فهم" تلك المجموعة يساعد في تسليط ضوء اكبر على المجتمع ككل .. ليس لان تلك المجموعة تمثل المجتمع ككل .. ولكن لانها تساعد على فهم المجموعات الاخرى وبالتالي المجتمع من خلال ابراز التناقض الموجود بينهما.. فرغم ان الجبايش لاتختلف عن باقي قرى الاهوار الاخرى في كثير من نواحي الحياة ولكنها كما يقول شاكر مصطفى سليم في مقدمة كتابه "تختلف في حياتها الاقتصادية اختلافا اساسيا عن بقية قرى الاهوار في العراق. فسكانها يعتمدون في الجزء الاكبر من موارد حياتهم على جمع القصب وحياكة الحصر التي يصدرونها خارج قريتهم، وهم بذلك يختلفون عن البقية الساحقة من سكان الاهوار الذين يعيشون على الزراعة ورعي الجاموس وتربية المواشي .

منهج سليم الانثربولوجي هذا يدلنا على ضعف اخر في "حكواتية" على الوردي .. ففي مقدمة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" يرد الوردي على من انتقدوه بخصوص تركيزه على العراق وليس على الوطن العربي بالقول :" كيف يمكن دراسة المجتمع الكبير من غير دراسة الاجزاء الصغيرة منه كل على حده..( ص.8) .. وهذه حجة وان كانت تخفي موقف سياسي (على الوردي "عراقوي" سياسيا ) ولكنها حجة مقبولة علميا.. فمن غير الجائز معرفيا تحييد فرضية "علمية" من خلال "ضربها" بحجة سياسية .

نعم دراسة الاجزاء ضرورة لفهم الكل كما يقول الوردي ( رغم ان السوسيولوجيا الحديثة تجاوزت ثنائية الاسنتاجي/ الاستقرائي وتؤكد على اهمية الطريقتين ) ..ولكن ما لم يقله لنا على الوردي هو كيف تمكن هو ان يدرس " المجتمع العراقي" ويعمم فرضيات كثيرة عنه من دون حتى ان يقوم بدراسة أجزاءه او مكوناته الصغيرة ؟؟ هنا تكمن هشاشة الحجة الوردية .. هو يدعو لدراسة الاجزاء الصغيرة من اجل فهم الكبير (الطريقة الاستقرائية كما يسميها) ولكنه فيما يخص العراق يفهم "الكبير العراقي" من دون ان يقوم بدراسة أجزائه الصغيرة المكونة ( وهو بذلك يتبع الطريقة الاستنتاجية التي يعيبها على منتقديه) وهذا يدلل على ان موقف الوردي هنا هو موقف "جدلي" اكثر منه علمي ..( مما يثبت ان وراء حجة الوردي هذه موقف سياسي وليس ابستمولجي) .. ليس مستغربا بعد ذلك ان الوردي يستخدم تعبيرات "المجتمع العراقي" او "الفرد العراقي" كتحصيل حاصل رغم هشاشتهما الاصطلاحية .

كارثة ان علي الوردي الذي اشاع عدد كبير من الاحكام العامة والكليشات المتداولة اليوم في افواه انصاف المتعلمين ، لم ينفذ ولا حتى دراسة ميدانية واحدة بخصوص المجتمع الذي يدرس.. في وقت كانت الظروف السياسية (وهي المعوق الحقيقي ) تسمح بذلك .. الوردي يقول لنا "ان اصح طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي جاء بها العالم الالماني المعروف ماكس فيبر. وهي التي تعتمد على "التفهم" وتكوين المثال النموذجي" .. ولكنه لايقول لنا لا كيف يقوم فيبر بذلك ولا حتى كيف كوّن هو "مثاله النموذج" عن المجتمع العراقي .. الادهى هو ان الوردي لم يستند الى كتاب ماكس فيبر بهذا الخصوص وانما الى كتاب بارنز "تاريخ علم الاجتماع" !! بمعنى ان قراءته هي قراءة لقراءة لماكس فيبر !! وهذا يذكرني بقول احد المختصين الفرنسين بالشان العراقي من ان قراءة الوردي لابن خلدون هي بالاحرى قراءة لقراءة "مفسرين" غربيين .. وهو يقول لنا ان اهتمام على الوردي بابن خلدون قد تجسد في الجامعة الامريكية حيث كرس رسالته للدكتوراه عن ابن خلدون .. انذاك كانت النظرية "الثقافوية" هي النظرية السائدة في الجامعة الامريكية.

اذا فالاختلاف الاجرائي وبالتالي الاسلوبي بين الدراستين هو في الاصل اختلاف منهجي .. شاكر مصطفى سليم تشرّب منهجية المدرسة الانثربولوجية البريطانية الصارمة وفحواها الاجرائي (كنت هناك ..شاهدت ..فسجلت ) .. في حين ان الوردي قد تشرّب النظرة الباثولوجية للمشاكل الاجتماعية والتي كانت سائدة في الجامعة الامريكية في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي .. تركيز الوردي على باثولوجية / مرضية "الفرد العراقي" و"المجتمع العراقي" هو من مخلفات هذا المنظور الباثولوجي للمشاكل الاجتماعية .. اما الطريقة الاحصائية التي هي اهم ما يميز السوسيولوجيا الامريكية (بالاحري "مدرسة شيكاغو" وعلى الوردي درس في جامعة تكساس ) فهو قد "رفسها" بتبرير ميل "عامة" العراقيين الى الكذب !

عندما نضع دراسة شاكر مصطفى سليم مقابل "دراسة" علي الوردي فان دراسة سليم تبز "دراسة" الوردي منهجيا واجرائيا واصطلاحيا .. لا بل ان قراءة كتاب الجبايش تضعنا بسهولة امام حقيقة ان شاكر مصطفى سليم قد انتج بكتابه هذا افضل دراسة انثربولوجية في "اللغة العربية".. ومع ذلك فهو لم ينل شهرة على الوردي .. هو معروف في اوساط المختصين .. ولكنه غير معروف عند الجمهور العريض .. "السوسيولوجيا العفوية الساذجة" للوردي والمحملة بالكليشات السائدة في المجتمع تجعلة اسهل قراءة .. خصوصا وهو يقدم "محكية" شاملة وبسيطة .. والمحكيات الشاملة مريحة ذهنيا للباحثين عن شرح بسيط للمعقد .. ومثل تلك المحكيات تنجح في ثقافة يسيطر عليها الشعراء "البزاخة" والحكواتية .. ليس غريبا ان الوردي  تحول الى صنم في جمهورية عبدة "الاصنام" والمقابر .. في مملكة العميان الاعور ملك !

ولكن .. منذ متى كانت الشهرة معياراً للنوعية .. فـَ سوزان تميم مشهورة .. ومقتدى الصدر ايضا مشهور !! والقائمة تطول ..يكفي شاكر مصطفى سليم شهادة حنا بطاطو .. بطاطو لم يشر الى أي من كتب على الوردي الكليشاتية !! ولكن بطاطو يأسف لعدم وجود دراسات عن المجتمع العراقي كدراسة "الجبايش" .."الجبايش" كانت اطروحة دكتوراه .. وشهادة حنا بطاطو هي بمثابة دكتوراه فخرية .. تحية "استاد" شاكر .