2008/11/30

العراق بين انتدابين .. الماضي الذي لم يمضي




اليوم وبعد ان تم توقيع "المعاهدة الامنية" تكتمل دورة كاملة في تاريخ العراق المعاصر .. الان نستطيع ان نتكلم عن "عراق بين انتدابين" .. لقد عرف العراق بالامس مرحلة الانتداب البريطاني وهو اليوم يجرب مرحلة الانتداب الامريكي .. وحاضر "الانتداب الامريكي" يُحفز على إعادة قراءة لماضي الانتداب البريطاني .. لقد عارضت المرجعية الشيعة ممثلة بـ مهدي الخالصي الخرساني الانتداب البريطاني.. وقد بررت موقفها من الانتداب الاول بشعار "الانتخاب والتشريع غير جائز دينيا تحت حكم الكفار" .. حتى ان ابو الحسن الاصفهاني ذهب حد "تحريم الزوجة ودخول حمام المسلمين" لمن يشارك بانتخابات المجلس التأسيسي الذي مهد للانتداب البريطاني !! تحريم الزوجة ثابت حوزوي !! بالأمس استخدم كتهديد لمنع المشاركة بالانتخابات !! ولكنه اليوم يستخدم كتهديد من اجل الحث على المشاركة بالانتخابات واختيار القائمة الشيعية كما حدث في الانتخابات الاولى !

المرجعية الشيعية ممثلة بالسيستاني قد باركت الانتخاب "تحت حكم الكفار" وهي بنفس المنطق تبارك الانتداب الامريكي اليوم .. والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا الرفض بالامس والقبول اليوم ؟؟؟ ما الذي تغير تحت السماء العراقية ؟ جنسية المحتل ؟ نعم .. ديانته ؟ كلا .. هل البريطاني كافر والامريكي غير كافر !! بالطبع لا .. كلاهما " كافر" اذا ما استندنا الى المبدأ الاسلامي الذي سخرته المرجعية الشيعية من اجل الرفض الاول .. ويبقى السؤال : ما الذي تغير لكي تقبل المرجعية الشيعية اليوم ما رفضته بالامس ؟

انا شخصيا لا أرى إلا عنصر واحد قد تغير في المعادلة العراقية .. وسلوك المرجعية الشيعية اليوم يعيننا على تحديد هذا العنصر.. مهادنة المرجعية الشيعية للانتداب الأمريكي اليوم يبين لنا انها قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا كما سوّقت المحكية اللطمية .. كيف لنا ان نصدق هذا التبرير الساذج وهم اليوم يتناولون "الفسنجون" مع مبعوثي العم سام !! سلوك المرجعية الشيعية اليوم يقول لنا ان المرجعية رفضت الانتداب البريطاني لان "كفار" الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا من "الشيعة" .. اما وقد اعتمد "كفار" اليوم على "الشيعة" في تمشية امور احتلالهم فان المرجعية الشيعية تبارك الانتداب الامريكي ..اذا فوجود "الكافر" او عدم وجوده ليس مهما في "حسبة" المرجعية الشيعية .. المهم عندها هو هل يعتمد هذا "الكافر" على شيعي ام على غير شيعي .. هذا هو معيار المرجعية الشيعية لقبول او رفض عملية المحتل السياسية .. وقبول المرجعية الشيعية بالعملية السياسية تحت ظل الاحتلال الامريكي قد كشف هذا المعيار الباطني .. ومراسلات السيستاني مع بريمر تؤكد ذلك .. باختصار .. مباركة المرجعية الشيعية للانتداب الامريكي اليوم يفضح كذب ادعاءاتهم التي برروا بها رفضهم للانتداب البريطاني .

الحاضر يمكّننا هنا من رؤية الماضي بلا رتوش المحكية اللطمية التي طالما ارهقتنا بمزايداتها عن دوافع "ثورة" العشرين .. المرجعية الشيعية قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا ولكنها رفضته وحاربته لان "كفار الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا شيعة ..اذا فالعنصر المتغير في المعادلة العراقية والذي يشرح ما تغير في سلوك المرجعية الشيعية اليوم هو ان الحكومة التي استند اليها البريطانيون بالامس لم تكن شيعية .. اقول انها لم تكن حكومة شيعية .. وهذا لايعني انها كانت "سنية" كما تقول ثقافة اللطم .. فمن حكموا العراق من "السنة" لم يحكموا العراق وفقا لمذهب ابو حنيفة او تعاليم ابن تيمية .. لقد حكموه وفقا لايديولوجيات سياسية مختلفة ومتقاتلة حد الدم .. ولكنها لم تكن نابعة من تصورات مذهبية سنية .. ساسة الشيعة اليوم لا يتخذون قرارا من دون الرجوع الى المرجعية الشيعية .. وهذا لم يحصل على مدى حكم "السنة" في العراق ..سلطة الحاكم كانت فوق سلطة رجل الدين .. وهذا هو الفرق الجوهري بين علمانية الحكم "السني" و ثيوقراطية الحكم الشيعي الحالي .

ان ما يبدو اليوم تناقضا ظاهريا في موقف المرجعية الشيعية هو منطق مترابط اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك في المذهب الشيعي مبدأ يقول بان أية حكومة لا تستند في شرعيتها الى "ولاية الامام" فهي حكومة مغتصبة للسلطة ولا ينبغي التعاون معها .. و"نظرية" ولاية الفقية ما هي الا تعديل طفيف على هذا المبدأ من اجل اعطاء صلاحية الامام الى الفقيه .

فقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم موقف رجال "الدين" الشيعة من الدولة العراقية الحديثة .. وفقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم لماذا تنعت ثقافة اللطم الدولة العراقية "بالدولة السنية" .. كل حكومة حكمت العراق المعاصر هي "سنية" فقط لانها حكومة لا تستند الى شرعية "ولاية الامام".. أي لان الحاكم ليس شيعيا : ينتفض عراقيين "سنة" في حركة مايس ضد حكومة من نفس مذهبهم ولكنهم يضلون "سنة" وفقا لهذا المنطق .. يقوم "الضباط الاحرار" واغلبيتهم الساحقة من "السنة" بانقلاب دموي ينهي الحكم الملكي "السني" ولكنهم يضلون "سنة" .. يقوم البعثيون بانقلاب على القوميين ولكنهم يضلون "سنة" .. رغم اختلاف المشارب السياسية والعقائدية والخلافات العميقة بين هولاء الا ان ثقافة اللطم لا ترى فيهم غير "سنة" .. لماذا ؟ لان كل ما هو غير شيعي فهو بالضرورة "سني" كما يحتم المبدأ الضدي المذكور اعلاه : المذهب هو معيارالحكم الوحيد في ثقافة اللطم .

السلطوية ، التعسف، العنف بحق الشعوب هي ظواهر شائعة في كل الدول العربية .. وفي هذه الدول تقوم الحكومات "السنية" باستخدام العنف ضد اسلاميين "سنة" لانهم منافسيهم على السلطة .. هل يجوز القول انها حكومات طائفية .. بالطبع لا .. هنا الظواهر السلطوية تسمى باسماء تنتمي الى مفردات حقل السياسة : دكتاتور .. تعسف .. توزيع غير عادل للثروات .. مناطقية .. زبائنية الخ من امراض المجتمعات التي لم تراكم مؤسسات مجتمع مدني .. واسباب تلك الظواهر السلطوية هي اسباب بنيوية ولا علاقة لمذهب الحاكم فيها .. ولكن نفس تلك الظواهر في العراق تم اختزالها بـ "مذهبية" الحكومة وبالنتيجة بطائفيتها : امراض السلطة في العراق عللتها ثقافة اللطم باسباب طائفية .. الحاكم التعسفي في العراق لايسمى تعسفيا او "سلطوي" الخ من المفردات السياسية.. ولكنه سني قبل كل شيء وبالنتيجة طائفي .. لماذا .. لانه ليس شيعيا ولا يتمتع بشرعية "ولاية الامام" او نوابه من "ايات اللة" .. وبما انه غير شيعي فهو مغتصب للسلطة وطائفي .. من هنا فكل حكومة غير شيعية كانت حكومة "طائفية" بنظر ثقافة اللطم .. ونفس هذه "العصابية" المذهبية تقف وراء رفض انتداب الامس وقبول انتداب اليوم .

2008/11/17

انها تمطر قنادر

وائل عبداللطيف زعيم ما يسمى بـ «حزب الدولة» (أية دولة!!) قدم قبل ايام الى مفوضية الانتخابات اكثر من 34 الف طلب موقعة من سكان البصرة يطالبون فيها بإعلان مدينتهم اقليما فيدراليا .. مروّجي مشروع "اقليم البصرة" يقولون انهم يستندون في طلبهم الى مبدأ الفيدرالية الذي كفله "الدستور" .. ولكنهم لا يترددون عن استخدام تعبيرات من مثل "حق تقرير المصير" و "دولة البصرة " و"شعب البصرة" !! هنا كما في "برزانيستان" الاقليم الفيدرالي على المدى القريب ما هو الا مدخل من اجل "الدويلة" على المدى البعيد .

النزعة المناطقية معروفة في العراق .. امس كما اليوم.. والبصرة لاتشذ في ذلك .. ولكن ما يميز البصرة هو ان نزعتها المناطقية قد اخذتها يوما ما الى حدود المطالبة بعدم الانضمام الى دولة العراق .. وكان ذلك قبل وبُعيد تأسيس الدولة العراقية بقليل .. آنذاك ايضا قدم لفيف من تجار البصرة "عرائضهم" وطلباتهم الى الحاكم البريطاني من اجل عدم ضم البصرة الى دولة العراق .. وتشاء الصدف ان قائد حملة انفصال البصرة انذاك كان ايضا يحمل اسم "عبد اللطيف" .. وهوعبد اللطيف باشا المنديل .. المنديل وخلفه كبار تجارالبصرة كانوا يحلمون بوضع مدينتهم تحت الوصاية البريطانية كما تروي المس بيل في رسالتها بتاريخ 1921.6.23 .

دوافع الانفصال آنذاك لم تكن التهميش والإهمال كما هي دوافع اصحاب المشروع اليوم .. فالبصرة آنذاك كانت تعيش في بحبوحة اقتصادية .. دافع الانفصال انذاك كان الهروب من المدن الفقيرة المحيطة بالبصرة ومشاكل وقلاقل الفرات الاوسط .. البصرة انذاك كانت مدينة ذات اغلبية سنية.. والتجار واعيان البصرة الذين قدموا عرائض الانفصال كانوا من المذهب السني .. مما يعني ان العامل المذهبي لم يكن فاعلا في سلوك هولاء "السنة" الذين كانوا يريدون الانفصال عن "الدولة السنية" كما تسميها ثقافة اللطم .. وهذا يحيلنا إلى المهم في مشروع "اقليم البصرة" اليوم .

البصرة اليوم ذات "غالبية" شيعية ولكنها تتذمر من "النازحين" الشيعة من العمارة والناصرية .. وهي ترفض الانضمام الى مشروع عصابة الحكيم وتقاسم ثرواتها مع باقي الشيعة .. باختصار الهم البصري هو هم"مناطقي" يستند الى حسابات اقتصادية وليس هم مذهبي قانع بصحن هريسة هنا وصحن "قيمه" هناك .. نداء الثروة النفطية هو اقوى عند هولاء البصريين من الروابط المذهبية .. اصحاب مشروع اقليم البصرة وبطريقة غير مباشرة يقولون لعصابة آل الحكيم : خذوا صحون "هريستكم" التي تتصدقون بها علينا .. بامكاننا ان نأكل "فسنجون" مثلكم !

نحن هنا امام ما يمكن تسميته بـ "سياسة الكعكة".. البصرة قد سئمت "خبز العباس" .. البصرة تريد "كاتوو".. ومن اجل ان تأكل البصرة "كاتوو" تُرفع شعارات"البصرة للبصريين" و"نفط البصرة للبصرة" !! وبهذا المعنى فان مشروع "اقليم البصرة" الحالي يشكل رفسة بمؤخرة " جاموسة المظلومية المقدسة" التي "نفختها" عصابة آل الحكيم من اجل تكريس مشروعهم لحكم الوسط والجنوب .. وائل عبد اللطيف يقول بخصوص مشروع "اقليم الوسط والجنوب" : "بدأنا العمل قبلهم، ولا علاقة لنا بباقي الاجندات والطروحات الاخرى" .. بتعبير اخر، مشروع اقليم البصرة هو خروج عن الاطار المذهبي الذي تريد عصابة آل الحكيم فرضه على الجنوب .. الجنوب كما يبدو "جنوبات" .

كم كانت الامور سهلة بالنسبة لثقافة اللطم عندما كانوا يستلمون "الحقائب" في اقبية المخابرات الاقليمية .. آنذاك كان يكفيهم قول "امبريالية السنة" لكي تدمع عيون "الجنوب" .. كان يكفيهم الضرب على الوتر الطائفي المنغم بالضدية المناطقية لكي تنفجر الصدورغضبا على "الدولة السنية" .. وفقر العقدين الأخيرين قد سهل من مهمة الشعارات اللطمية المغمسة بالوعود المعسولة .. قالوا لهم ابشروا فحكم "احفاد آل البيت" قادم .. قالوا لهم ان السماء ستمطر مُصلحين .. قالوا لهم ان السماء ستمطر "مُخلّصين" .. ولكن خمس سنوات سلب ونهب من قبل شركة "احفاد آل البيت" كانت كافية لازالة الغشاوة عن عيون ضحايا الوعود الكاذبة.. لقد انتظر "الجنوب" سقوط "الخير" .. ولكنها امطرت "قنادر" .. امطرت لصوص وسرسرية و"ايات اللة بزنسية" تستثمر خمس الفقراء في "عواصم الكفر" كما يسمونها .

الحرامية من رافعي مصاحف الطائفية قد يستطيعون خداع بعض اهل الجنوب كل الوقت .. لكنهم حتما لن يستطيعوا خداع كل اهل الجنوب كل الوقت .. فالواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية .. مشروع اقليم البصرة يؤكد ثابت الهويات المناطقية التي حاول مشروع اقليم "الوسط والجنوب" المذهبي ان يخفيها .. وتذمر سكان البصرة من النازحين الشيعة اليها من العمارة والناصرية ليس استثناء .. تذمر اهالي النجف من الشروكية كان اسبق وهو ايضا يحكي عن الهويات المناطقية المستفحلة تاريخيا في الجنوب .. ولنا ان نتذكر ما قاله محافظ النجف الذي رفض اقامة مخيمات انسانية للمهجرين الشيعة في اطراف النجف وتركهم يعيشون في ظروف مزرية بحجة ان "النجف تريد الحفاظ على هويتها" !!

التاريخ الذي همشته المحكية اللطمية ينتقم اليوم ..
فالتاريخ يقول لنا ان كلمة "شروكي" ومضمونها التحقيري هي تسمية استخدمها اول من استخدمها سكان"الجنوب" القاطنين قرب الفرات لنعت سكان الجنوب الشرقي القاطنين قرب دجلة .. ثقافة اللطم حاولت وتحاول ان تُعطي للكلمة بُعدا طائفيا كما لو ان التسمية كانت من اختراع اهل بغداد السنة .. ولكن لا .. "الشروكي" هو نعت تحقيري صادر عن"مناطقي" شيعي بحق شيعي "اخر" .. وهو نعت تحقيري يحكي تاريخ مناطقية متورمة.. يحكي تاريخ "جنوبات" متنابذة .. الواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية