2009/12/27

ما قاله ارسطو عن الهريسة

Le juge d’un diner n’est pas le cuisiner, mais celui qui doit le manger. Aristote

فريد زكريا وفي مقال نشرته الواشنطن بوست قبل ايام يقول ان في العراق دلائل تشير الى ان البلد في طريقه لكي يصبح نموذج ديمقراطي للبلدان العربية.. المذهل ان من بين الدلائل التي يستند اليها زكريا في حجته هذه هو ان "خطب الجمعة في العراق اليوم اصبحت تركز نقمتها على الفساد السائد في العراق وليس على المخططات الامريكية" !! تصورا.

من يقول لـ فريد زكريا ان البلدان العربية التي تستقبل ملايين اللاجئين العراقيين اللذين شردتهم الديمقراطية.. ستضحك على سذاجته حين يسمعونه يقول ان العراق الحالي هو نموذج للبلدان العربية .. ومن يقول لـ زكريا ان بعض اشد المعارضين العرب للدكتاتوريات العربية اصبحوا اليوم يترددون امام كلمة ديمقراطية بعد ان شاهدوا مخلفاتها الكارثية.. ومن يقول اخيرا لـ فريد زكريا ان تركيز خطب الجمعة على الفساد هو بالتحديد مؤشر على فساد تلك "الديمقراطية".

هذا العمى في تقييم الوضع في العراق هو نتيجة جهل بما يعيشه الناس في العراق .. زكريا يقول ما يقول لانه يجهل معاناة العراقيين في ظل الديمقراطية المحمولة جوا.. فـ فريد زكريا وامثاله من المعلقين السياسيين الأمريكيين يعتمدون في استنتاجاتهم على ما تقوله تقارير سكان المنطقة الخضراء.. والمعايير التي يستندون اليها في تكوين احكامهم هي معايير مجردة لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الناس اللذين يعيشون ذلك الواقع .

فريد زكريا الحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من اشهر الجامعات الامريكية بحاجة الى اعادة قراءة كتاب "السياسة" لـ ارسطو .. وهو اذا ما فعل فانه سيجد العنصر الغائب في تحليله .. ذلك ان ارسطو يقول لنا في كتابه هذا:" ليس الطباخ هو من يحكم على وجبة عشاء اعدها وانما الحُكم لمن يجب عليه اكلها".. وهذا هو المعيار الارسطي في الحكم على الحكومات والانظمة السياسية.

وترجمة ارسطو عراقيا تعني الأتي : لا يحق لـ جورج بوش او جو بايدن الحكم على الديمقراطية المحموله جوا الى العراق .. لا .. من يحكم عليها هم العراقيون الذين يعيشون ويلاتها .. ومن يحكم على طبخة "الهريسة" الامريكية هم ليسوا مساعدي الطباخ الامريكي من سيستاني او مالكي.. لا .. من يحكم على "زقنبوت" هولاء هم من اكلوه وتسمموا به .. واخيرا ليس لصحفي يعيش في كوكب الكوكا كولا ان يحكم عن هريسة مسمومة لم يتذوقها.

من هنا.. فمن يريد الحكم على طبخة "الهريسة" الامريكية عليه اولا ان يستمع الى من "اكلوها" وتسممت حياتهم بسببها.. من يريد الحكم على الديمقراطية المحمولة جوا عليه ان يستمع مثلا الى العراقي ميرو بركات وهو مهندس زراعي متقاعد .. بركات قال يوم امس لاحد الصحفيين: " لا نتأمل شيئا من المسؤولين في الحكومة والاحزاب الحاليين ، عمري اكثر من سبعين عاما ولو اتيحت لي الفرصة لغادرت البلد حالا" .. هل يفهم فريد زكريا معنى ان يتمنى رجل في السبعين مغادرة ارضه !!


2009/12/13

Un Suisse construit un minaret .. La Suisse que j’aime

سويسري يبني مئذنة .. سويسرا التي احب





منذ اسابيع وسويسرا تعيش على ايقاع قانون حظر بناء المآذن .. نعم حزب الشعب اليميني هو حزب متطرف وهو يلعب على مشاعر الخوف من الاجانب لكي يحصل على اصوات اكثر .. والقانون الذي تم التصويت عليه هو قانون مجحف من الناحية المبدئية .. كل هذا صحيح .

ولكن ما هو صحيح ايضا هو ان سويسرا تبقى رغم كل شيء ارحم للإسلاميين من كل البلدان الاسلامية .. وما هو صحيح ايضا هو ان السلطات السويسرية هي ارحم الاف المرات مما تفعله بعض الانظمة العربية ضد الاحزاب الاسلامية او مما تفعله الاحزاب الاسلامية بعضها ببعض .. مذهل في هذا الاطار ان يخرج علينا القذافي منتقدا سويسرا .. القذافي الذي تنام في سجونه حشود من الاسلاميين .. القذافي الذي يتحمل مسؤولية كبيرة في نتيجة هذا التصويت لان حجزه للرهائن السويسريين وطريقه معاملته للحكومة السويسرية قد اعطى حطبا لنار حزب اليمين.

لا اقول ان سويسرا هي جنة .. ولا اقول انها تخلوا من عنصريين .. ولا اقول ان حياة المغتربين هنا وردية .. ولا اقول ان ليس هناك عدم تسامح في سويسرا .. لا .. في سويسرا يعيش بشر وليس ملائكة ..ولكن قليل من الانصاف لتلك البلدان التي تستقبل ملايين العرب والمسلمين الهاربين من جحيم الانظمة القرووسطوية لا يضر .. خصوصا عندما نأخذ بعين الاعتبار مستوى عدم التسامح السائد عندنا.. ثم ما الذي يعطينا الحق لنقد السويسريين في هذا المجال!!

أنا القادم من بلد تُهدم وتُفخخ وتُغتصب فيه الجوامع.. انا القادم من كوكب الثملين باحقاد القرون الوسطى .. انا القادم من بلد جعل من الدريل وسيلة للقتل .. لا اسمح لنفسي ان اعطي دروسا للسويسريين عن كيفية تعاملهم مع دين اخر .. انا القادم من بلد يهجر ربع سكانه خلال عقد من الزمن اخجل ان انتقد سويسرا التي يشكل الاجانب فيها اكثر من ربع السكان .. انا القادم من بلد الحرب الاهلية التي قتلت وشردت الملايين لايحق لي ان اعطي دروسا لشعب انتهت اخر حرب اهلية خاضها قبل قرنين وخلفت بالكاد مئة قتيل .. تعال ارجوك وقل لي على ماذا استند في نقدي لهولاء ..عندما نبني مجتمعات لا تذبح بعضها بعضا باسم احقاد القرون الوسطى..عندها فقط يحق لنا اعطاء دروس للاخرين.. اما قبل ذلك فلا.

قد لا اعرف الكثير ولكنني متيقن من شيء واحد بهذا الخصوص وهو ان الاسلامويين الممولين من قبل المال البترودولاري لا يقلون تطرفا عن الاحزاب اليمينية هنا .. فهم لا يكتفون بتكفير ابناء البلد الذي استقبلهم .. ولكنهم يكفرون حتى ابناء ثقافتهم الذين لا يتفقون معهم في الرأي .. وهم في ازدواجية منقطعة النظير يريدون الاستفادة من مناخ الحرية هنا ولكنهم يحتقرون الشروط التاريخية التي ادت الى تلك الحرية .. وهذه الازدواجية هي واحدة من اهم ما يميز خطاب الاسلامويين.

قبل ايام اتصلت بي صحافية سويسرية تطلب مني ان اترجم لها شفهيا وبالمباشر حلقة الاتجاه المعاكس مساء الثلاثاء الماضي والتي جمعت بين عزام التميمي وبين فرايزنغر احد اعضاء حزب الشعب اليميني الذي كان وراء قانون منع المأذن .. تلك الصحافية كانت مهتمة بما سيقوله فرايزنغر امام ملايين العرب.. قالت لي ان هناك خوف من قبل الاوساط السياسية هنا من ان يقوم فرايزنغر بصب الزيت على النار كما هي عادته هنا مما قد يساهم في تشويه صورة سويسرا اكثر بنظر العالم العربي .. كنت اترجم وانا خجل من ضحالة خطاب عزام تميمي ..الادهى ان فرايزنغر ظهر بمظهر حمامة وديعة امام ردحيات عزام تميمي .. التميمي مثلا اتهم فرايزنغر بالعمالة للصهيونية غير عارف ان فرايزنغر ربما يكره اليهود اكثر من كرهه للاسلامويين .. اسمعوا خطاب التميمي .. انتبهوا الى تناقضاته .. الى ضحالة حججه والازدواجية التي تنام فيها .. ستعرفون مستوى النخب التي تقود الاسلام في الغرب.. وستفهمون السمعة السيئة التي تحيط بالاسلام هنا.

ينبغي القول اخيرا ان الاحتجاجات الحقيقية ضد نتيجة التصويت جاءت من الشعب السويسري نفسه .. لقد خرجت مظاهرات كثيرة تتعاطف مع المسلمين هنا .. واخر هذه الاحتجاجات وربما اجملها هي تلك التي قام بها غييوم موران قبل ايام .. ما فعله غييوم موران هو انه قام ببناء مئذنة على مدخنة بناية شركته الواقعة في احدى ضواحي مدينة لوزان (الصورة) .. غييوم موران قال لوكالة الصحافة الفرنسية "اشعر بالعار بسبب نتيجة التصويت، وهذه المئذنة رسالة سلام الى المسلمين ".

غييوم موران هو ايضا سويسرا .. هو سويسرا التي احب.

2009/11/30

الحرية التي لم نرها في"نصب الحرية"


أجرت وكالة الصحافة الفرنسية مقابلة مع النحات محمد غني حكمت .. تقول بعض سطورها ان حكمت "ساعد في عمل "نصب الحرية" الذي كان من تصميم استاذه النحات العراقي جواد سليم الذي وافاه الاجل في سن الثانية والاربعين قبل اكتمال هذا العمل .... ورغم ان هذا النصب الذي ازيح عنه الستار في 14 تموز/يوليو 1961، قد تم انشاؤه بعد سقوط الملكية في العراق (1958) ومجيء الزعيم عبد الكريم قاسم إلى السلطة إلا ان حكمت يؤكد بأن "العراق لم يشهد استقرارا امنيا فعليا منذ ذلك الحين".

تستوقفني جملة حكمت الاخيرة .. ليس فقط لانها صادرة عمن ساهم في تنفيذ اهم رموز العهد الجمهوري وهو نصب الحرية .. ولكن لأنها تحتوي على مفارقة كبيرة تخص نصب الحرية ..عندما تقول ان العراق لم يشهد استقرارا امنيا فعليا منذ سقوط الملكية .. فهذا يعني ضمنيا ان العهد الملكي كان يتمتع باستقرار امني فعلي .. وهذا غير صحيح تاريخيا .. العهد الملكي لم يكن مستقرا امنيا وقد شهد اضطرابات سياسية كثيرة كما شهد انقلابين خطيرين .. لا بل نستطيع ان نقول ان العراق منذ منتصف الستينات وحتى بداية الثمانينات شهد "استقرار" امنيا اكبر من استقرار العهد الملكي .. من هنا فان "الاستقرار الامني" ليس هو ما يميز العهد الملكي عن العهد الجمهوري.

ما يميز العهد الملكي هو حيز الحرية .. ما يميز العهد الملكي هي الحرية النسبية التي كانت متاحة للاختلاف السياسي .. في العهد الملكي كانت امكانية التظاهر في الشوارع ضد قرارات الحكومة حقيقة قائمة .. لا بل كانت هناك حتى امكانية اسقاط حكومة من خلال مظاهرة شوارع .. وهو شيء لم يعد ممكنا بعد ذلك .. منذ سقوط الملكية اختفت تلك الحرية .. لقد جعلت الانظمة الجمهورية من السجون المكان الوحيد الذي "يظهر" فيه الاختلاف السياسي و"يغيب" للأبد !!

منذ ذلك التاريخ اصبحت المسيرات المطبلة للسلطة هي النوع الوحيد المسموح به من "المظاهرات" .. والادهى انها اصبحت "مظاهرات" اجبارية .. ليس فقط اننا لم نعد نتمتع بحق الخروج في مظاهرات ضد قرارات الحكومة .. وهو ما كان ممكنا في العهد الملكي .. ولكننا فقدنا حتى حق عدم المشاركة في مسيرة قطيعية.. ليس فقط اننا لم نعد قادرين على فعل ما نريد (الاعتراض سياسيا على قرارات الحكومة) .. ولكننا لم نعد قادرين حتى على عدم فعل ما لا نريد (المشاركة قسريا في مسيرة تطبيلية للحكومة) .. لم نفقد فقط "الحرية الايجابية" ولكننا فقدنا حتى "الحرية السلبية".

وبهذا المعنى فـ تموز 1958 هو مفترق طرق في التاريخ العراقي المعاصر .. وهو ايضا مفارقة كبيرة .. حصلنا على "الاستقلال" ولكننا فقدنا الحرية النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي .. حصل البلد على استقلاله .. وفقد الانسان استقلاليته .."تحرر" الوطن .. وفقد "المواطن" حريته .. فليس هناك استقلال حقيقي من دون حرية .. ذلك لأن ليس هناك وطن من دون مواطن .. وليس هناك مواطن من دون حرية.

عذرا استاذ محمد .. ما فقده العراق منذ تموز 1958 هو ليس الاستقرار الامني .. لا .. ما فقده العراق منذ ذلك الحين هو الحرية النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي .. وعذرا استاذ محمد على المفارقة .. ولكن ما افتقده العراق منذ "نصب الحرية" هو بالتحديد الحرية .. ففي نفس الفترة التي اقيم فيها نصب الحرية كانت الحرية تُذبح في الشوارع .. لقد "عُلقت" الحرية فنيا في عهد جمهوري "علقها" وعطل مفعولها السياسي !! منذ ذلك الحين حضرت الحرية نحتا ورسما وخطابة .. ولكنها غابت واقعا .. وحضور الشيء في الخطاب الرسمي وغيابه في الواقع له اسم في علم الاجتماع السياسي : ايديولوجيا .. منذ ذلك الحين اصبحت الحرية شعار .. شعار نراه في كل مكان .. في الكتب المدرسية .. في الصفوف .. على الجدران .. اما في الواقع فلا .. منذ ذلك الحين اصبحت الحرية شعار في "نصب الحرية".

2009/11/16

من اجل هزيمة المظلومية


نشر علاء اللامي يوم امس مقال عنوانه "من أجل هزيمة الطائفيين " يقول فيه ان:" التشكيك بأصول الخصم السياسي تقليد أوجده القوميون العرب والبعثيون منهم بخاصة، يعتبر ساطع الحصري من أوائل مستعمليه حين شكك بأصول الشاعر العراقي محمد مهدي لجواهري واتهمه بالعجمة والأصل الفارسي في وقت كان فيه الجواهري يتبوأ إمارة الشعر العربي ويلقبه طه حسين " برب القوافي".

ساضع جانبا الجزء الاخير من الجملة الذي يقول ان الجواهري كان يتبوأ آنذاك إمارة الشعر العربي .. ففيه من الاستخفاف بعقول الناس ما يكفي لتصنيفه في باب الردحيات .. اكتفي فقط بالقول ان الجواهري آنذاك كان في مقتبل العمر ولم يكن معروفا .. والرصافي والزهاوي كانا اكبر مكانة منه واوسع انتشارا آنذاك.. فمن اين جاءته اذا امارة الشعر العربي .. قليل من الاحترام لعقول الناس لا يضر.. ولكن ليس هنا المهم .. ما يستوقفني في جملة اللامي هو الجزء الاول منها .. اللامي يريد هزيمة الطائفيين ولكنة يستخدم اكاذيب المظلومية التي هي جوهر خطاب الطائفيين .. فحادثة الخلاف بين الجواهري وساطع الحصري هي واحدة من اكثر الهوسات التي ردحت بها الابواق الطائفية كدليل على طائفية الدولة العراقية.

قول اللامي بان الحصري اتهم الجواهري بالعجمة والأصل الفارسي هو ببساطة كذب ومن النوع المحتقر لعقول الناس .. حادثة الخلاف بين الحصري والجواهري لها روايتين رئيسيتين إلتفّت حولهما بعد ذلك تأويلات كثيرة .. الرواية الاولى تقول ان الحصري رفض تعيين الجواهري لانه لا يحمل شهادة مدرسية ..اما الرواية الثانية فتقول ان الحصري رفض تعيينه لانه يحمل الجنسية الايرانية .. الرواية الثانية تقول ان الحصري طلب من الجواهري ان يتخلى عن جنسيتة الايرانية .. ولكن الجواهري رفض ذلك .. من هنا رفض الحصري تعينه بوظيفة في وزراة المعارف .. حتى في هذه الرواية فان الحصري لم يتهم الجواهري بالعجمة والاصل الفارسي .. الحصري لم يقل للجواهري" انت فارسي" كما يقول اللامي .. ولم يقل له "انت شيعي ولا يحق لك التعيين في وزارة المعارف" .. الحصري طلب منه فقط ان يتخلى عن الجنسية الايرانية والحصول على الجنسية العراقية.. وهذه تهمة الحصري في "محاكم التفتيش" اللطمية .

حجة حكواتية المظلومية هي التالية : كيف لـ سوري كساطع الحصري ان يطلب من الجواهري ذلك .. كيف للحصري الذي ينطق العربية بلكنة تركية ان يطلب من الجواهري ذلك .. وهنا ايضا، فان قول اللامي بان الحصري كان من اوائل من استعملوا "التشكيك بأصول الخصم السياسي" هو كذب وقلب للحقائق التاريخية .. فاللطميون هنا، وليس الحصري، هم من استخدموا "التشكيك بأصول الخصم السياسي".. فهم قد حولوا سؤال اداري روتيني تقتضيه قوانين دولة ناشئة .. الى تهجم على اصل الحصري السوري .. و ذهبوا حد التشكيك بعروبته لانه يتكلم العربية بلكنة تركية .. وكما يقول موسى الحسيني في مقال "الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة" فان الحصري هو من تعرض للابتزاز في هذه الحادثه .. وموسى الحسيني هو عراقي شيعي ونجفي .. وليس وهابي او قومجي.

مشكلة حكواتية المظلومية هو انهم يدخلون الماضي بعقلية المتبضع في السوق .. ينتقون من احداث الماضي ما يناسب طبخة المظلومية فقط .. لذلك فان ايراد بعض المصادر ضروري .. وليام كليفلاند كاتب سيرة الحصري يقول ان الحصري كان مهنيا صارما مع الاساتذة والطلاب .. ريفا سيمون تقول انه خاض خلافات كثيرة خلال تجربته كمشرف على وزارة المعارف ..لانه لم يكن يطيق جهل منتقديه في مجال التعليم .. فهو قد اختلف مع سامي شوكت ومع محمد فاضل الجمالي ومع المستشارين البريطانيين كـ المستر فاريل والمستر سميث وفرض على البريطانيين رؤيته في التعليم .. والمستر فاريل قد استقال نهائيا بسبب خلافه مع الحصري .. والمستر سميث قد استقال اكثر من مرة لنفس السبب ولكنه عاد وعمل من جديد مع الحصري .. و ريفا سيمون تقول ان خصومه البريطانيون، رغم خلافاتهم الشديدة معه، كانوا يقدرون قيمته ومعرفته الهائلة في مجال التعليم وهي تورد ما يقوله عنه المستر سميث :
No other Iraqi combines his enthusiasm, his experience and knowledge of education system, and his fearlessnesses. In, Reeva Simon, The teaching of History in Iraq before the Rashid Ali Coup of 1941

"لم يكن هناك عراقي اخر يجمع حماسته وخبرته ومعرفته بنظام التعليم".


باختصار.. الحصري كان صارما لانه كان يعتقد ان التعليم هو اساس الدولة .. يفشل التعليم تفشل الدولة .. وهذه العصامية كانت لا تعجب واحد من افسد الوزراء آنذاك واكثرهم استهتارا بالمصلحة الوطنية، وهو عبد المهدي المنتفجي (والد عادل عبد المهدي سارق المصارف !!) .. ذلك ان هذا الوزير كان يطلب من الاساتذة بتزويد طلاب شيعة فشلوا في الامتحانات بالشهادات .. وهذا ما ترويه المس بيل في إحدى رسائلها الى أبيها نقلا عن المستر فاريل المستشار البريطاني في وزارة المعارف :
I then spent an hour listening to the woes of Mr Farrell, Director of Education, who has come into serious collision with his Minister, the only Shi'ah in the Cabinet. Poor Mr Farrell! what are you to do with a Minister of Education who when a Shi'ah student fails to pass an examination writes to the examiner and directs him to provide him with a diploma! Letters of Gertrude Bell, 6 December 1921

وهذا ما كان يرفضه الحصري .. علينا ان نتذكر ان خلاف الحصري مع الجواهري حصل خلال الفترة التي كان فيها المنتفجي وزيرا للمعارف .. وموسى الحسيني يقول في مقالته ان المنتفجي كان يريد ان يبتز الحصري من خلال مبالغة خلافه مع الجواهري وتلوينه بالطائفية .. باختصار الحصري كان شديدا مع كثيرين لانه كان مهنيا .. وخلافه مع الجواهري هو واحد من خلافات كثيرة خاضها حفاظا على جودة النظام التعليمي .. وهو تحليليا نموذج للخلاف بين ثقافتين .. ثقافة التكنوقراط وثقافة المحسوبية.. والحقيقة التاريخية هو ان الوزير المنتفجي اراد تعيين الجواهري بالمحسوبية .. والحصري رفض تعيينه لانه لا يحمل شهادة.. وكل ما جرى بعد ذلك هو تأويل طائفي اراد استخدام حادثة الجواهري سلاحا في معركة المظلومية .. والمظلومية هي حطب العداء السايكولوجي بين السنة والشيعة الذي اجج الطائفية الحالية.

وعود على بدء .. لا نريد منكم ان تهزموا الطائفيين.. ولا نريد منكم ان تهزموا الطائفية .. فالطائفية لا يمكن هزيمتها بالهوسات .. اهزموا المظلومية في نفوسكم اولا، ستهزم الطائفية السياسية .. فحطب الطائفية هي اكاذيب المظلومية .. اهزموا المظلومية النائمة في "لاوعيكم" ثم تعالوا بعد ذلك وتكلموا عن الوطنية .. فالعراق الحديث بناه اشخاص كـ ساطع الحصري .. نعم بناه التكنوقراط .. وليس الشعراء الرداحة .. من هنا .. فبين شاعر قدّاح مدّاح .. وبين تكنوقراطي .. نختار التكنوقراطي .. وبين قصيدة "تحرك اللحد" التي أسست لثقافة الانقلابات والحبال والسحل .. وبين " دار داران دور" .. نختار" دار داران دور" الكتاب الذي علّم ملايين الاطفال العراقيين .. لسنا بحاجة الى شاعر راح في ارذل العمر يطرق ابواب السلطان مادحا "ابن الهواشم" بعد ان مدح قبل ذلك من قاموا بقتل "ابن عمه" في العراق .. مثل هكذا ثقافة ليست جديرة بالاحترام .. خذوا ألف شاعر مدّاح قدّاح كالجواهري .. واعطونا تكنوقراطي واحد من مثل ساطع الحصري.

2009/10/31

فضائيون


“Every officer with the rank of a colonel or higher has at least 10 policemen from whom he takes all or part of their salaries,” said the officer. “We call those policemen ‘fadhaei,’ ” which translate roughly as aliens from outer space



"كل ضابط من رتبة عقيد فما فوق يمتلك على الاقل عشرة افراد شرطة ياخذ منهم جزء او كل رواتبهم .. ونحن نسمي هذا النوع من الشرطة بالفضائي" .. هذا ما يقوله ضابط شرطة عراقي ضمن تقرير نشرت النيويورك تايمز نتائجه قبل يومين .. وهو تقرير عن الفساد المستشري داخل وزارة الداخلية .. الاف من منتسبي الامن العراقي ليس لهم وجود الا في قوائم الرواتب التي تذهب الى جيوب الضباط الكبار .. ضابط شرطة اخر يقول ان " آمر فوجنا يسرق شهريا 34 الف دولار من مجموع 41 الف دولار مخصصة شهريا للغذاء".. والتقرير يقول ان حجم المسروقات في النصف الاول من هذه السنة فقط هو 122 مليون دولار .. والفساد بحسب التقرير مستشري من قمة الوزارة الى الشرطي في الشارع .. لكم ان تضيفوا الفساد المستشري في الوزارات الاخرى لتعرفوا كيف ولماذا اصبح العراق "جمهورية موز".


تعجبني مفردة "فضائي" التي تصف هذا الصنف من منتسبي الأمن ممن "ينامون" في قوائم الرواتب بدون وجود فعلي على الارض .. في هذه المفردة ايحائية كبيرة .. فهي تصف بدقة ما يجري منذ ستة سنوات ونصف في جمهورية الموز اللطمية.. حيث كل شيء له وجود افتراضي فقط .. وجود اسمي فقط .. حكومة لا تحكم .. دولة بلا قانون.. ديمقراطية بلا مواطنين .. رجال دين بلا اخلاق .. وزراء بلا كفاءات .


ظاهرة الفضائي هي نتيجة منطقية للحكومة "الفضائية" .. الموظف الحكومي يسرق ، يرتشي، ويمارس الفساد لأنه يعرف انه يعيش في دولة بلا قانون .. ففي جمهورية الموز اللطمية، ورغم كل المليارات المسروقة ، لم تدن "لجنة النزاهة العامة" سوى 397 متهم فقط .. وهذا منذ تأسيسها في عام 2004 وحتى نهاية السنة الماضية .. والادهى هو ان "صيد" لجنة النزاهة ينحصر في صنف "الاسماك" الصغيرة .. اما "الحيتان" فهي حرة طليقة .. تسبح في بحر الفساد .. وتسرق "عيني عينك" بلا حساب او عقاب.


قل لي بربك .. ماذا تتوقع من شرطي يعمل في "دولة" يقوم فيها نائب رئيس الجمهورية بسرقة مصرف ؟ ثم تعال ارجوك وقل لي .. ماذا تتوقع من شرطي في "دولة" يجلس فيها دريلجي مجرم كـ هادي العامري نائبا في برلمانها ؟ ثم بعد هذا وذاك .. ماذا تتوقع من "ابو اسماعيل" وقد تحول اية اللة العظمى الى سمسار عقارات في لندن !!

2009/10/17

القائمة المفتوحة والطائفة المغلقة


السيستاني الذي تبنى فكرة البيت الشيعي وكان وراء تشكيل القوائم الطائفية المغلقة .. السيستاني صاحب الفتوى التي كرست الانتخابات الطائفية التي اعطتنا دستور الحرب الاهلية .. هذا السيستاني يتدخل اليوم من جديد في الشأن السياسي العراقي مطالبا بنظام القائمة المفتوحة في الانتخابات القادمة .. رغم كل المخلفات الكارثية لفتاوى السيستاني وتوجيهاته السابقة .. ما زال السيد يلعب دور "المرشد الاعمى" .


مطالبة السيستاني بالقائمة المفتوحة ينبغي فهمها ضمن اطار حملة المرجعية من اجل لم شمل الطائفة التي تشرذمت خلال السنوات الاخيرة .. المرجعية تريد من خلال القائمة المفتوحة تجديد وجوه الطائفة .. بعد ان سودت الوجوه الحالية وجه "الطائفة" .. فالمرجعية التي تمتلك اكبر شبكة "جمع خمس" .. تمتلك ايضا شبكة معلومات قوية ..وبالتالي فهي تعرف مشاعر وانتقادات دافعي الخمس .. من هنا فهي تعرف درجة الغليان داخل المرجل الشيعي .. السيستاني يطالب بالقائمة المفتوحة لانه يعرف ان "البيت الشيعي" الذي تحول خلال السنوات الاخيرة الى "مشتملات" متصارعة في طريقه الى التحول الى "دكاكين" متقاتلة.. وخصوصا اذا استمرت نفس "الجيوب" بالاستحواذ على مليارات العراق المسروقة .. وهذا ليس من مصلحة المرجعية التي ترتبط سلطتها بوجود الطائفة.


من هنا ايضا دعوة المرجعية قبل اسابيع الى بقاء الائتلاف الشيعي موحدا.. حين صرح مصدر مقرب من مكتب السيستاني قائلا ان "سماحته يفضل ان يبقى الائتلاف متماسكاً وتشترك فيه جميع الكتل السياسية".. وهو ما اكده علي النجفي نجل المرجع الشيعي بشير النجفي قائلا بلغة ملتوية ان «المرجعية في النجف لاتدعم اي كيان سياسي او فرد في الانتخابات المقبلة على حساب الآخر»، واضاف «لكن المرجعية في الوقت نفسه تؤيد بقاء الائتلاف العراقي متماسكاً»، مشيراً الى «ان الشعب العراقي لا يمكن له ان ينسى انتماءه الديني".


انتباه رجاءً ..المرجعية لا تدعم اي كيان سياسي .. ولكنها تؤيد بقاء الائتلاف الشيعي متماسكا .. انت لا تدعم كيان ما ولكنك تحرص على بقاء ائتلاف طائفتك متماسكا .. كما لو ان تأييد بقاء الائتلاف الشيعي متماسكا ليس دعما .. افتونا يرحمكم اللة !! هذه الدعوة من اجل تماسك الطائفة نفهمها حين نفهم المعنى المختبئ في جملة النجفي حين يبرر تأييد المرجعية بالقول : "لان الشعب العراقي لا يمكن له ان ينسى انتماءه الديني" .. ففي هذه الجملة الاخيرة تنام تقية قرون .. وهي جملة تحتاج الى مترجم لكي يفك رموزها الباطنية.


ترجمة لغة ابن النجفي بلغة واضحة يعطينا هذا التسلسل المنطقي : المرجعية لا تدعم اي كيان سياسي .. ولكن المرجعية تؤيد بقاء الائتلاف الشيعي متماسكا ..لماذا .. لان الشيعة لا يمكن لهم نسيان انتمائهم المذهبي.. فالانتماء الديني في لغة النجفي الباطنية تعني الانتماء المذهبي .. بمعنى اخر على العراقيين الشيعة ان لا ينسوا انهم شيعة قبل ان يكونوا عراقيين .. وهذه الرسالة المشفرة لثقافة اعتادت التقية تطرح التصور الطائفي لرجال الدين الشيعة : التنظيم السياسي يجب ان يستند على الانتماء الطائفي.


باختصار.. المرجعية تطالب بالقوائم المفتوحة ولكنها تدعوا باطنيا الى الطوائف المغلقة .. هنا كما في مواقف كثيرة عبر تاريخ العراق المعاصر تزودنا المرجعية الشيعية بدليل اخر على ان الطائفية في العراق هي اشكالية شيعية .

2009/09/30

بؤس ثقافة الحكواتية .. استكان شاي مع نوربرت إلياس


يُحكى ان رجلاً من جزيرة كريت قال ذات يوم ان الكريتيين (سكان جزيرة كريت) كذابين .. ولكن بما انه هو ايضا من سكان تلك الجزيرة فهذا يعني بنفس المنطق انه هو ايضا كذاب ..وبالتالي فيجب اعتبار مقولته عن كذب الكريتيين نوع من الكذب ولا يجب الأخذ بها !! فلاسفة اليونان يقدمون تلك الحكاية مثالا عن فخ اللغة الاطلاقية التعميمية .. استحضر تلك الحكاية وانا اطالع مقال طالب الشطري المعنون "سمات المجتمع العراقي".. حيث يقول فيه ان العراقيين كذابين لانهم بحاجة الى الكذب .. العراقيون كذابون .. لنفترض .. ولكن "اخينا بالله" هو ايضا عراقي .. مما يعني بنفس المنطق انه هو ايضا كذاب .. وبالتالي فان مقولته الاطلاقية غير مقبولة .. لانها صادرة عن كذاب .

ومثل هذا الحكواتي يسمونهم عندنا مثقفين !! ومثل هذه البهلوانيات الخطابية تسمى عندنا ثقافة !! لنستمع لبعض بهلوانيات الشطري حيث يقول :"الاعتقاد ان العنف ناتج عن المشكلة السياسية بينما الحقيقة التي اراها هو ان المشكلة السياسية سببها الحاجة الى العنف".. الشطري يريد "تفكيك" المجتمع العراقي وتحديد سماته ولكنه يستخدم درنفيسات "اراها" .. هو يعتقد انه يكفي ان يقول "اراها" لكي تتحول الخطابة الى حجة مقنعة..عندما اقرأ لهولاء الحكواتية افهم كيف ولماذا اصبح شخص كمقتدى الصدر قائدا للملايين في بلد يدعي ابوة الحضارة وامومة الكتابة .

واحدة من مسلمات علم الانثربولوجيا هو ان الخلاف في المجتمعات البشرية ثابت تاريخي .. وان العنف يظهر فقط عندما تنعدم حلول الخلاف .. حتى الحيوانات لا تلجأ للعنف من اجل "الحاجة الى العنف" .. بل تلجأ اليه لضرورات حيوية كالغذاء او الدفاع عن حدود اراضيها .. بمعنى ان العنف ليس حاجة وانما وسيلة لاشباع حاجة او للدفاع عن حاجة .. العنف/الحرب تندلع عندما يتعذر حل خلاف ما .. من هنا قول منظّر الحرب كلاوزفيتز : ان "الحرب هي ممارسة السياسة بطرق اخرى" .. بمعنى ان الحرب هي محاولة للتأثير على طرق حل خلاف ما او من اجل خلق ارضية او علاقة قوة تهدف الى حل الخلاف لصالح طرف ما .

لقد عودتنا ثقافة الحكواتية على طُرُق لطرح الاسئلة تُغيّب معنى الاسئلة .. وعلى طُرُق لطرح المشاكل تحجب اسباب المشكل .. وهذا ما يقوم به الشطري هنا حين يقول : "سنظل بلد مسدسات وبنادق ومكاوير وجيوش جرارة من الحمايات بسبب فراغنا الروحي وحاجتنا الى مظاهر القوة".. نحن هنا امام ما يمكن تسميته بثقافة الحكواتية التي لا تملك من حجة غير حكم القيمة .. فواحدة من سِمات ثقافة الحكواتية هي انها لا تقول لنا كيف توصلت الى استنتاجاتها .. وما هي المُسَلَّمات والحجج التي مهدت الى ذلك .. في ثقافة الحكواتية يكفي ان تقدم كليشة مُريحة للرؤوس الاسفنجية لكي تُقيم حجتك .

لو كان الفراغ الروحي كما يقول الشطري هو المسؤول عن تحول بلد ما الى " بلد مسدسات وبنادق" لكانت البلدان الاسكندنافية اليوم في فوضى عارمة .. ولو كانت الروحانيات هي المعيار لكانت سويسرا اليوم كـ قندهار طالبان .. فرنسا القرن الخامس عشر كانت اغنى "روحيا" من فرنسا اليوم .. اثر الدين المسيحي كان قويا في نفوس الناس.. ولكنهم كانوا يعيشون في حرب دائمة وفي خوف وتربص دائم .. وغياب الامن هذا هو ما كان يُجبر الناس على حمل أسلحتهم أينما ذهبوا.. بمعنى ان غياب الامن هذا هو ما جعل فرنسا انذاك "بلد مسدسات وبنادق" .. المقاطعات الفرنسية كانت تقاتل بعضها بعضا .. المدن الفرنسية كانت في خصومة دائمة وعراك دائم .. احياء المدينة الواحدة كانت تتقاتل فيما بينها .. وتفاصيل ذلك التاريخ نجدها في كتاب نوربرت الياس "مسار الحضارة".

السؤال الان هو : اذا كان الدين المسيحي وروحانياته غير كافية لخلق "غنى روحي" وبالتالي سلم مدني في فرنسا ذلك الزمان .. فما الذي ساعد اذا على تكوين هذا السلم .. كيف حصل ان فرنسا التي كانت تستمتع بحفلات حرق القطط وقطع الانوف هي فرنسا اليوم .. وبلغة الشطري، ما الذي حصل لكي تتغير فرنسا تدريجيا من "بلد مسدسات وبنادق" الى فرنسا اليوم ؟ طرح السؤال بهذه الطريقة يوجه الاجابة الى افاق اخرى تغيبها اسئلة الحكواتية.

نوربرت إلياس وهو عالم الاجتماع الأشهر في القرن العشرين يقول ان فرنسا كانت تعيش آنذاك في فوضى "لانه لم يكن هناك قوة رادعة قادرة على فرض الاعتدال والنظام بين الناس. وعندما ظهرت سلطة مركزية قوية في بعض المناطق، وبدأت بإجبار الناس على ترك العنف، بدأت فرنسا تشهد تغييراً تدريجيا في سلوكيات الناس وقيمهم".. وبحسب نظرية إلياس فان السلوكيات المتحضرة هي مسار تدريجي وتراكمي نتج عن نشؤ الدولة .. ومن فرنسا البلاط الملكي انتشرت كل السلوكيات والتعاملات الحضارية التي نراها اليوم في اغلب المجتمعات الاوربية .. هكذا تكلمت السوسيولوجيا التاريخية.

باختصار .. وخلافا لما تقوله اللغة التحقيرية لحكواتية فاشلين فكريا .. العنف ظاهرة كونية ..وهو ليس حصرا على ثقافة بدوية او عراقية او عربية كما تردد الاسطوانة التحقيرية التي اشاعها علي الوردي بين انصاف المتعلمين .. والدولة القوية القادرة على فرض سلطتها هي شرط اختفاء العنف الاجتماعي .. وليس الروحانيات والخزعبلات .. نحن"بلد مسدسات وبنادق" ليس لاننا نعاني "فراغ روحي".. اخر ما نحتاجه هي الروحانيات .. ماذا اعطتنا قرون من قراءة نهج البلاغة ؟ رجال دين يسرقون، يغتصبون الاطفال، ويتحرشون جنسيا بـ "الزايرات" !!

لا،لا.. لسنا بحاجة الى روحانيات .. نحن بحاجة الى قوانين ودولة قادرة على فرض هذه القوانين ..نحن بحاجة الى قيم اجتماعية تنظم شؤون الارض التي نعيش عليها .. وليس الى روحانيات وغيبيات.. فارض الرافدين تموت اليوم قحطا بسبب سموم "الروحانيات" .. ما نحن بحاجة اليه هو انسان يحترم القواعد الاجتماعية ولا يسرق او يحرق ممتلكات المجتمع .. وقرون من روحانيتكم فشلت في انتاج مثل هكذا انسان .. فروحانيات مبدأ الشفاعة لم ولا ولن تخلق غير رعاع معاقين اخلاقيا .. لذلك ومن اجل خلق انسان لا يسرق .. يجب ان يفهم الافراد ان كل تجاوز على المجتمع وقواعد المجتمع وممتلكات المجتمع سَيُحاسب ويُعاقب من قبل سلطة رادعة هنا وألان وعلى كوكب الارض .. وليس في يوم القيامة وبحضور محامي دفاع من "آل البيت".

العراق عندما تخلى عن "خزعبلات الملا" انجز وخلال عقود ما انجزته دول اخرى خلال قرون .. ولكن الاسلامجية الشيعة خرجوا علينا يكفرون الدولة العراقية لانشغالها بالماديات واهمالها روحانيات الشعب وحقوقه في اللطم والتطبير .. وهاهم قد غلبّوا "روحانياتهم" وخزعبلاتهم فماذا كانت النتيجة : حرامية مصارف وعلاسة وسرسرية .. آن الأوان للحكواتية الذين ساروا ذات يوم في مواكب ثقافة اللطم وصرخوا بهوسة دولة "آل البيت" الشيعية في الجنوب ..آن الاوان لهولاء لكي يفهموا ان دولة تُديرها ثقافة مفاتيح الجنة لن تنتج غير الحرامية والعلاسة.. وان "روحانيات" صكوك الغفران لن تنتج غير الارواح الميتة والسرسرية.

2009/09/16

لماذا لم يتوقف ماكيافلي في سوق السراي ؟

فترة الازمات كانت دائما فترة الاسئلة والتأملات الكبيرة في تاريخ البشرية .. كتب افلاطون وارسطو في السياسة كانت نتيجة الازمة التي ضربت المجتمع الاثيني .. كتب ماكيافلي  "الامير" وخصوصا "تاريخ فلورنسا" و"تيتو ليفيو" كانت نتيجة للحروب الاهلية الايطالية .. ماكيافلي كان يبحث عن "امير" ينقذ ايطاليا من الفوضى .. كتاب ليفياثون لتوماس هوبز كان ايضا نتيجة للحرب الاهلية الانكليزية .. السلطة القوية هي اولوية الاولويات كما يقول توماس هوبز.. وبلا سلطة قوية فقانون الغاب هو المصير.. في زمن الازمات تظهر الاولويات السياسية بشكل اوضح .

اليوم وقد اكتملت حلقة كاملة في تاريخ العراق المعاصر .. اليوم وقد وصل الاسلامجية الشيعة الى الحكم نكون قد جربنا في العراق كل التيارات السياسية .. بدءً من التيار الليبرالي في العهد الملكي ومرورا بالتيار الشيوعي والقومي في العهد الجمهوري وانتهاءً بالتيار الاسلاموي الشيعي في "العهد الامريكي" .. واذا كان ممكنا في السابق الحكم على التيارات الأنفة الذكر.. فالحكم على التيار الاسلاموي الشيعي لم يكن ممكنا وذلك لأنهم لم يمارسوا سلطة .. كيف تواجه اناس محملين فقط بشعارات .. حرب خاسرة ان تواجه شعار.. ولكن ستة سنوات من حكم الاسلامجية الشيعة منحتنا من المعطيات ما يمكننا من الحكم على شعاراتهم .. ستة سنوات هي فترة كافية للحكم على شعار.

الاسلامجية الشيعة .. والاهم .. محكيتهم اللطمية هي اليوم امام محكمة الواقع .. وليس هناك اعدل من محكمة الواقع .. كل يوم في السلطة سيفضح اكثر فاكثر تلك المحكية التي قامت على الاكاذيب والمبالغات والنفخ على جمرالاحقاد القرووسطوية .. واذا كان هناك من "ايجابي" في كل الخراب الحالي فهو يكمن هنا .. فوجودهم في السلطة ، ممارساتهم، فسادهم الذي بزوا فيه كل من جاء قبلهم .. كل ذلك سيعيد الى التاريخ العراقي المعاصر ابعاد غيبتها اكاذيب ومبالغات المحكية الشيعية .. فالخراب الحالي في جزءه الاكبر هو نتاج محكية المظلومية الشيعية التي سخرها الامريكي لتنفيذ اغراضه.. ولن يكون هناك عراق ما لم تفكك تلك المحكية الضدية وترمى الى مزبلة التاريخ .

اقول محكية لان الموضة اليوم عند ديكة ثقافة اللطم او عند "تاركي" سفينتها الغارقة هو شخصنة المشكلة من خلال شخصنة المسؤولية .. اي تحميل اشخاص معينين مسؤولية الكارثة .. من هنا اسطوانة "خدعونا".. يقصدون رجال الدين ومن لف لفهم .. وهم بذلك يحاولون التملص من مواجهة مسؤوليتهم .. فخلف اسطوانة "خدعونا" هناك محاولة لعدم الاقرار بشيء في غاية الاهمية .. وهو ان الكارثة الحالية هي نتاج ثقافة وليست نتاج اشخاص .. الكارثة الحالية هي نتاج ثقافة لطمية قرووسطوية .. خلف الكارثة الحالية تقف محكية ضدية تُحتم الاصطدام بالاخر .. وهي محكية مزروعة في ارواح واجساد الكثيرين .. بمعنى ان المسؤولية اكبر من مسؤولية اشخاص .

هذه ليست المرة الاولى التي نُحمّل فيها الساسة مسؤولية كوارثنا .. الم نُحمّل في السابق "الملك"، "الوصي"، "الزعيم"، "الدكتاتور" مسؤولية مشاكلنا ؟ كما لو انهم ليسوا "منا وبينا ومن عدنا" !! من هنا فهذه ليست المرة الاولى التي نسمع فيها اسطوانة "خدعونا" .. انها اسطوانة قديمة قدم اوهامنا الايديولجية .. قديمة قدم سذاجتنا السياسية .. قديمة قدم النظرة الشعرية القيمية السائدة في الثقافة العراقية .. وقد حان الوقت لتوسيع نطاق المسؤوليات .. ثقافة تُحمّل سياسي ما المسؤولية اليوم بعد ان كانت تصفق له فيما مضى هي ثقافة غير جديرة بالاحترام .. خدعونا .. ربما .. ولكن لأننا كنا مهيئين للخديعة وبهذا المعنى فنحن ايضا نتحمل المسؤولية .. لم اعد اذكر من القائل ما معناه : في السياسة عندما تخدع في المرة الاولى فهو دليل عاطفة صادقة او حماس متسرع يحسب لك .. ولكن عندما تخدع في المرة الثانية فانت مذنب وبالتالي مسؤول .

سادتي المخدوعين .. حان الوقت لنظرة واقعية للسياسة .. فكل هذا الخراب يضعنا امام شيء مهم لا مفر من مواجهته .. وهو اننا بحاجة الى قراءة "دار دور" السياسة .. ابجدية السياسة .. آن الاوان لترك سراديب الدجالين ودكاكين الفهلوية المجترين للخطب الاخلاقوية الكاذبة .. حان وقت الجلوس في صف الاستاذ ماكيافلي .. فـ "دار دور" السياسة هي ماكيافلي .. والوعي بالعالم "كما هو" لا كما تقدمة لنا الايديولوجيات هو ماكيافلي .. وطريق الخروج من العقلية الاسطورية القرووسطوية يمر بـ ماكيافلي .. وشرط الدخول الى الحداثة السياسية هو مواجهة الحقائق المرة التي يقدمها لنا ماكيافلي عن البشر والسياسة .. وقد حان الوقت للخروج من مرحلة المراهقة السياسية التي تحكمها النظرة القيمية للعالم .

سادتي "شاربي الشاي" .. آن الاوان لنفهم ان كوكب الارض لا تسكنه الملائكة .. على كوكب الارض هناك بشر فقط .. وعلى كوكب الارض لن ياتي لزيارتكم لا "مهدي" ولا "غودو" .. وطالما انكم بانتظار "غودو" فالخراب هو "المنتظر" الوحيد .. سادتي المخدوعين .. السياسة ليست معركة اسكاتولوجية بين الخير والشر .. السياسة هي الاختيار بين نظام سيء ونظام اسوء .. وبهذا المعنى فان السياسة هي فن الممكن .. وليست فضاء للمطلقات .. وعلينا ان نتذكر ان محكيات الوهم التي ارادت خلق الجنة على الارض انتهت بتحويل الارض الى جحيم .. آه كم كان العراق سيكون مختلفا اليوم لو فهم "ماركس ابو دشداشة" ذلك في الخمسينات .

سادتي المخدوعين .. الاستمرار في الخوض في تجاذبات صريفة بني ساعدة هو استمرار في النظر للعالم من خلال العقلية القرووسطوية .. والنظر للعالم بعقلية قرووسطوية هو استمرار في قتل العالم .. وعليكم ان تختاروا .. اما كهرباء وماء لبيوتكم واطفالكم ..او ظلام دامس للبيوت وللارواح .. وعليكم ان تعرفوا، سادتي المخدوعين، ان ظلمة البيوت هي من ظلمة الارواح التي انتجتها "فيوزات" صريفة بني ساعدة .


كلمة اخيرة .. سادتي المخدوعين .. حيث تغيب "السياسة" (كدراسة ومعرفة للواقع) يظهر الدجل .. وحيث يظهر الدجل يظهر "مقتدى الصدر" .. وحيث يظهر مقتدى الصدر تختفي الحضارة .. والعراق .. وليس "عمر بن الخطاب" .. من وراء القصد.

2009/08/30

من فَجّرَ نفاخة الزعطوط ؟ .. اعترافات إرهابي سابق


حتى في صمته هناك أخطاء إملائية !! هذا هو الانطباع الذي اخرج به في كل مرة انظر فيها للمالكي.

حتى في صمته هناك أخطاء إملائية .. فما بالك اذا تكلم .. وهو في
اخر خطاب، قبل ثلاثة ايام امام عشيرة العكيل ، قد اقترب في تعليقاته الصبيانية المنفعلة من حدود الاعترافات اللاواعية .. وسقطاته هذه المرة من العيار الثقيل .. وليس مضيعة للوقت التوقف عندها .. لنتذكر فقط ان اللاوعي يعبر عن نفسه في حالات الاحتقان الحادة .. وبهذا المعنى فان لغة المالكي المنفعلة هنا لها قيمة كشف هائلة .

تعليقات المالكي هنا هي بخصوص التفجيرات الاخيرة التي حدثت في بغداد .. المالكي يستغرب من احتضان بعض دول الجوار العراقي «ارهابيين وقتلة».. ثم يضيف مهددا سوريا : «ليس صعباً علينا القيام بما قاموا به من أعمال تفجير، وبإمكاننا ان نعمل هذا، ولدينا الخبرة والقدرة والقابلية، ونعرف كيف ومن أين» .. انتباه رجاءً .. اذا لم تستوعب هذه الجملة جيدا فاقترح عليك إعادة قرأتها ..لان المالكي هنا وبلاوعي يعترف بسوابقه كارهابي وبخبراته في هذا المجال حين كان زائرا دائما لأقبية المخابرات الاقليمية .. آنذاك كانت السيارات المفخخة وسيلة "حوار سياسي" مع السلطة في العراق .. هنا نحن امام ما يمكن تسميته بـ"اعترافات عميل سابق" .. ارهابي سابق .. تبدلت الادوار ..نعم.. ولكن قوانين "
اللعبة الكبرى" ثابتة إقليميا .

المالكي يضيف بعد ذلك معاتبا "الاقبية" التي خبرها سابقا .. حيث يقول : "أي قيم ستسود المجتمعات اذا سادت قيم احترام الارهابيين والمجرمين» .. لا فض فوك !! واسمح لنا بالإضافة : أي قيم ستسود المجتمعات إذا كان "قادتها" إرهابيين سابقين !! وأي قيم ستسود المجتمعات اذا كانت حكوماتها تسرق البنوك .. وأي قيم ستسود المجتمعات اذا كان "حاميها حراميها" .. عن أي قيم تتحدثون وقد حولتم العراق الى افسد بلد في العالم !! فاقد الشيء لا يعطيه.

اما جملة المالكي الأخيرة فهي جملة فنطازية في صياغتها ، حيث يقول لنا : "الإرهاب مرض سرطاني يرتد على الآخرين" .. وهذه اول مرة في حياتي اسمع فيها ان من خصائص السرطان هو الارتداد على الآخرين !! من يقول لهذا "الورم الخبيث" ان السرطان مرض غير معدي .. وبهذا المعنى فهو لا يتجه نحو الخارج .. السرطان هو "داخل" مريض .. هو خلايا داخلية مريضة ..تتكاثر وتدمر بخبثها خلايا اخرى قريبة لها من نفس الجسم .. والأجسام تموت بتكاثر الخلايا الخبيثة في بعض أعضائها .. والعاقل يفهم !!
~
واحدة من خصائص المنطق الاعرج هو انه يضع النتائج في موقع الاسباب .. "الارهاب"/ العنف الذي هو نتيجة الصراع السياسي الطائفي يتحول في المنطق الاعرج الى سبب .. "الارهاب" بلغة المالكي هو السرطان .. بينما كل الدلائل تشير الى ان "الارهاب"/العنف هو نتيجة للطائفية التي هي سبب كل الدمار الذي لحق بالمجتمع العراقي.. الطائفية هي السرطان .. فمن هي "الخلايا المريضة" .."الاورام الخبيثة" التي سرطنت الجسد العراقي؟؟

المالكي ليس اول سياسي في السلطة يستخدم سياسة كبش الفداء .. وفحواها رمي مسؤولية المشاكل الداخلية على الأخر او الخارج .. البحث عن مذنب وتحميله مسؤولية اخطائنا هو تكتيك قديم قدم البشرية .. قوانين "الفيزياء" الرعاعية ثابتة : اتهم الأخر و نَم قرير العين .. الرعاع بحاجة دائما الى "أخر" يسلطون عليه نقمتهم ويريحون انفسهم من سؤال مسؤوليتهم .. ودور السياسي الفهلوي يكمن في توجيه اصبع الاتهام إلى الأخر .. "السعلوة الارهابية" ضرورة لقمع خيال "الصغار" .

ولكن ما لم يفهمه الزعطوط اللطمي حتى الان هو ان سياسة كبش الفداء مدمرة لصاحبها على المدى البعيد .. رمي مسؤولية أخطاءنا على الأخر هو سلوك قاتل للذات على المدى البعيد .. عدم تحمل مسؤولية خطأ ذاتي ينتج شخصية تبريرية .. شخصية "كبشفدائية" ترمي مسؤولية أخطائها على الآخرين .. وهي لذلك لا تتعلم من أخطائها .. والناتج هو شخصية فاشلة اجتماعيا .. وبالتالي سياسيا.

الطائفية في العراق هي "بالون" نفخه الزعطوط اللطمي الى اقصى حد .. وقدر "البالون" المنفوخ الى اقصى حد هو الانفجار .. نفاخة منفوخة الى اقصى حد .. نفاخة كان عليها ان تنفجر .. فبوجه من تنفجر ؟؟ بوجه نافخها الغبي بالطبع .. درس الزعاطيط الاول .. درس النفاخة الذي تعلمناه صغار ما زال عصيا على هذا الزعطوط اللطمي الذي يرفض ان يكبر .. من يُعلّم الزعطوط اللطمي درس النفاخات الاول؟

2009/08/16

الطائفية اشكالية شيعية

 لقد تصدى رجال الدين الشيعة لمشروع الدولة العراقية منذ بدايات التأسيس.. وفي وقوفهم ضد مشروع الدولة العراقية استخدم رجال الدين الشيعة حجتين رئيسيتين: الاولى هو ان الدولة العراقية الحديثة قامت تحت حكم المحتل البريطاني.. من هنا شعار "الانتخاب والتشريع غير جائز دينيا تحت حكم الكفار".. السنوات الستة الماضية كشفت ان هذه الحجة كانت حجة تكتيكية وليست مبدئية.. و مراسلات السيستاني مع بريمر تعطي دليلا قاطعا بهذا الخصوص.. دوافع معارضة رجال الدين الشيعة للدولة العراقية ومن منظور سوسيولوجي هي: لان مفهوم الدولة عابر للطوائف.. بمعنى ان قيام الدولة كان تهديدا لمراكزهم باعتبارهم قادة طائفة يمارسون سلطة على طائفة وينتفعون منها.. وكل مشاريع الدول التي تمتلك مراكز دينية قوية شهدت نفس الظاهرة في مرحلة التأسيس.. رجال الدين وقفوا دائما ضد مشروع الدولة لانه مشروع لا يستند الى الدين او الطائفة كأساس وإنما يقوم على اللغة/القومية والارض الخ.. ومحاربة الكنيسة المسيحية في روما لمشروع الوحدة الايطالية هو المثل الاشهر من بين امثلة كثيرة.

اما الحجة الثانية التي استخدمتها ثقافة اللطم ضد مشروع الدولة العراقية فهي تهمة الطائفية.. وهي حجة متأخرة تاريخيا قياسا للحجة الاولى.. وفحوى تلك التهمة انذاك هو ان السُنّة يسيطرون على اغلب مناصب الحكم..هُم افتوا بحرمة الخدمة في اطار الدولة العراقية ولكنهم بعد ذلك اخذوا يتهمون النخب السنية بالتمييز الطائفي.. من هنا مطالبتهم بكوتا طائفية.

منطق المعارضة هو الاتي..عندما تتهم الاخر بانه طائفي فانت تقول بنفس الوقت انك غير طائفي.. وعندما تتهم حكومة بانها طائفية فانت تقول بنفس الوقت بانك تحمل مشروع سياسي غير طائفي.. سواء أكان موقفا شخصيا خاصا او موقفا سياسيا عاما فالمضمون واحد.. انت تشير الى خطأ ما لأنك تهدف الى تصحيح الخطأ.. انت تعارض وضع قائم من اجل وضع اخر مأمول.. بمعنى اخر، لو كانت تهمتهم مبدئية لطالبوا بمبدأ المواطنة ثم الكفاءة في احتلال المناصب.. ولكنهم لم يكونوا رافضين للطائفية كمبدأ.. هم كانوا يريدون شكلا اكثر جذرية للطائفية.. وهوالشكل السائد اليوم والذي فخخ المجتمع العراقي.. اذا تهمة الطائفية هي ايضا كانت تهمة تكتيكية وليست مبدئية.

قلت سابقا اننا كنا طائفيون في البدء.. كلنا طائفيون في البدء .. الارض العراقية كانت تتكلم طائفي في البدء.. التنظيم الاجتماعي كان قائما على الطائفة.. على نظام الملة العثماني.. الدين/الطائفة كانا يشكلان البنية الاجتماعية المُنظمة للناس.. من هنا فان تصورات الناس كانت محكومة بالمنظور الطائفي للعالم.. وفقط سذاجة على الوردي (لكي لا اقول "شيعيته") تجعلة يلمح بترميز باطني وبلغة ملتوية ان عبد الرحمن النقيب كان "طائفيا" بينما الشيرازي كان "وطنيا".. فتاوى السيستاني المتعلقة بالصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي "بالصلاة ظاهريا معهم" ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال"..هذه الفتاوى ليست وليدة اليوم فعمرها قرون.. اذا وبلا مزايدات، كلنا طائفيون في البدء.. الاسلام كان عامل تفرقة بين العراقيين والزواج العبرطائفي كان ممنوعا اجتماعيا كما يقول حنا بطاطو:

Islam in Iraq was more a force of division than of integration. It split deeply Shi’i and Sunni Arabs. Socially they seldom mixed, and as a rule did not intermarry. In mixed cities they lived in separate quarters and led their own separate lives. (Batatu, the old social classes, p. 17)

بعد ثمانية عقود من تأسيس الدولة العراقية.. ثلت عوائل العراق اصبحت متزاوجة طائفيا بحسب تقديرات الامم المتحدة.. وهذا مؤشر سوسيولوجي وليس سياسي.. اذا الدولة العراقية ساعدت على الخروج من الغيتوهات الطائفية.. الدولة العراقية كانت مشروعا للخروج من الرؤية الدينية/الطائفية للعالم الى رؤية علمانية.. وهذا ما لم يقبله رجال الدين الشيعة.. وقراءة كتاب "اول الطريق" لـ صبيحة الشيخ داوود وهي اول طالبة جامعية عراقية مسلمة.. تُبيّن ان رجالات الملكية "السنة" اصطدموا ايضا برجال الدين السنة.. كما اصطدموا برجال الدين الشيعة.. نعم الدولة العراقية الحديثة تصادمت مع اطراف كثيرة "للسيطرة على وسائل العنف الشرعي".. وهذا هو تعريف الدولة بحسب عالم الاجتماع ماكس فيبر.. وهي في ذلك لا تشذ عن الدول الأخرى.

تعالوا الان نتكلم عن شيء في غاية الاهمية.. ولكي لا نذهب بعيدا في المقارنة، دعونا نكتفي بالدول العربية التي لها نفس عمر دولتنا ونفس الموروث الثقافي والتراكم المادي .. العنف، التعسف، الفساد هي ظواهر شائعة في كل الدول العربية.. وفي هذه الدول تقوم الحكومات "السنية" باستخدام العنف ضد اسلاميين "سنة" لانهم منافسيها على السلطة.. هل يجوز القول انها حكومات طائفية.. بالطبع لا.. هنا الظواهر السلطوية تسمى باسماء تنتمي لحقل السياسة: دكتاتورية، تعسف، توزيع غير عادل للثروات، مناطقية، زبائنية الخ من امراض المجتمعات التي لم تراكم مؤسسات مجتمع مدني.. واسباب تلك الظواهر السلطوية هي اسباب بنيوية ولا علاقة لمذهب الحاكم فيها.

ولكن نفس تلك الظواهر في العراق تم اختزالها بـ "مذهبية" الحكومة وبالنتيجة بطائفيتها: امراض السلطة في العراق عللتها ثقافة اللطم باسباب طائفية.. الحاكم التعسفي في العراق لايسمى تعسفيا او "سلطويأ" او مناطقيأ او مقيدأ للحريات الخ من المفردات السياسية.. ولكنه سني قبل كل شيء وبالنتيجة طائفي.. بتعبير اخر، ثقافة اللطم استخدمت وتستخدم المنظور الطائفي ليس لانه لا يوجد منظور اخر لرؤية وتحليل ونقد السلطة في العراق.. لا، لا.. هي قد استخدمت المنظور الطائفي لانها تريد "تطييف" الصراع في العراق.. استخدمت المنظور الطائفي لانها تريد الطائفية كأفق سياسي.. استخدمت المنظور الطائفي لانها تريد الطائفة كبنية للتنظيم الاجتماعي والسياسي.. لان الطائفة فقط هي من تحفظ لرجال الدين الشيعة ولأبناء البيوتات سلطتهم وبالتالي نفوذهم.. وهولاء كانوا ولازالوا المدافعين الرئيسيين عن الطرح الطائفي في العراق.. وحتى لو تطلب منهم ذلك تفجير اسواق فقراء الشيعة كما يحصل امامنا اليوم.

ثقافة اللطم، ماضيا وحاضرا، لا تقبل النظر للفعل السياسي في العراق من دون "عوينات" طائفية.. من هنا فهي ترفض طرح الفعل السياسي خارج اطار سلطة الامام الشيعي غائبا او حاضرا.. وهي تُحمّل الدولة العراقية التي اُسِسَت في بداية القرن العشرين مسؤولية ما دار في صريفة بني ساعدة قبل اربعة عشر قرنا.. وهي بعد هذا وذاك ترفع شعارات من مثل "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا".. بتعبير اخر، اسقاط الماضي القرووسطوي وثاراته على الحاضر العراقي هو رياضة شيعية بامتياز.

باختصار .. المنظور الطائفي للفعل السياسي في العراق المعاصر هو اداة شيعية بامتياز.. ومن غذى وانتج الطرح الطائفي الحالي هي ثقافة اللطم.. لن اقول ان الطائفية الدينية في العراق هي مشكلة شيعية.. لا .. مثل هذا القول سيكون سطحي.. ولكنني اعتقد، مستندا الى كل ما تقدم، بأن الطائفية السياسية في العراق المعاصر هي منتج شيعي.. وبالتالي فان الطائفية الحالية هي اشكالية شيعية قبل كل شيء.
~~~~~~~~~~
بخصوص على الوردي .. قارن تكذيب الوردي وبدون ادلة مقنعة لشهادة المرزا محمد البوشهري الذي قال ان الشيرازي كان يرفض التقارب السني الشيعي (ص. 199، الجزء الخامس من اللمحات) مع تأكيد الوردي لقصة اقناع بيرسي كوكس للنقيب بتولى رئاسة الحكومة معللا اسباب قبول النقيب بكرهه "للمجتمهدين" الشيعة رغم انه لايمتلك في قصة النقيب شهادة قاطعة ويبني حجته فقط على جملة "المعروف عن النقيب مقته للمجتهدين الشيعة"(ص. 22، الجزء السادس من اللمحات) كما لو ان المجتهدين الشيعة كانوا يعشقون "علماء" الدين السنة !!

2009/07/28

هل تعرف البلد الذي تزهر فيه اشجار الليمون؟

في عام 1907 كان ستالين في المانيا للمشاركة في مؤتمر شيوعي للاممية الثانية عقد في شتوتغارت.. في الطريق الى المؤتمر رفض بعض الشيوعيين الالمان ركوب القطار لعدم وجود مفتش وقاطع التذاكر.. وقد منعهم هذا الالتزام الصارم بالقواعد من حضور جلسات المؤتمر الذي جاؤوا لحضوره من مسافات بعيدة.. ستالين روى تلك الحكاية بعد ذلك لـ تشرتشل مضيفا: "الالمان شعب قطيعي، يتبعون الكبش اينما ذهب".

انا شخصيا لا افهم اين تكمن القطيعية هنا.. لو كان ستالين وفيا لِلغة الشيوعيين الخشبية لقال ان احترام الالمان الصارم للقواعد هنا هو "برجوازية".. فالقطيعية هي السير"عمياوي" خلف الاخر الاعمى.. القطيعية هي ميكانيك غبي.. وما يقوم به الالمان هنا هي وقفة.. وقفة تنتفي معها الحركة.. وبلا حركة ليس هناك قطيعية.. الالمان هنا يتوقفون عن الحركة ليس لان شخص ما قال لهم توقفوا.. ليس هناك وجود للكبش او للراعي.. هناك شيء في داخلهم جعلهم يتوقفون.. الوقفة هنا دليل إعمال فكر.. إشتغال فكر.


ما لم يراه ستالين في سلوك الالمان هنا هو مسار تحول سايكولوجي في شخصياتهم.. او مايسميه عالم الاجتماع نوربرت الياس بـ"مسار التحضّر".. وهو مسار تغيُّر في العلاقة بين القيود المجتمعية الخارجية والقيود الذاتية الفردية.. عندما يلتزم فرد ما بقاعدة اجتماعية من دون رقيب خارجي فهو دليل نمو الرقيب الذاتي عند الفرد.. دليل تحضّر عند الفرد .. والمجتمعات المتحضرة هي مجتمعات انتجت عدد كبير من مثل هولاء الافراد القادرين على الالتزام بالقواعد الاجتماعية من دون رقيب خارجي.. والمجتمعات "الفاشلة" هي مجتمعات لم تستطع انتاج ما يكفي من هولاء.. الفرد في المجتمعات "الفاشلة" يحتاج دائما الى رقيب خارجي.. الى شرطي .


نوربرت الياس يعطي مثلا رائعا بخصوص الرقيب الذاتي : تصورا طفلا يُعاقب دائما من قبل والده بسبب سلوكه السيء.. مثل هذا الطفل سيتعلم تجنب السلوك المنبوذ فقط بدافع الخوف من ابيه.. ولكن جهاز القيود الذاتية/الرادع الذاتي عند هذا الطفل سيظل قاصراً وغير كافي لحمله على تصويب نفسه بنفسه.. هو سيظل بحاجة الى تهديد الاخرين من اجل كبح جماح سلوكه السيء.. وقدرة هذا الطفل على كبح جماح سلوكه السيء كانت ستتطور بشكل اكبر لو اتبع والده سلوك اخر غير العنف، الاقناع مثلا.. مما قد يساعد الطفل تراكميا على تجنب السلوك السيء من تلقاء نفسه.


المجتمعات الفاشلة تفشل لانها لم تستطع خلق مواطن يلتزم بالقاعدة الاجتماعية من دون شرطي ..لانها لم تستخدم وسائل تربية اخرى غير العنف .. والعنف ينتج "مواطنين" يحملون جهاز رقابة ذاتيه فاشل.. بالاحرى لايحملون بالمرة جهاز رقابة ذاتية.. من هنا فعندما يغيب "الشرطي" يظهر الحرامي.. يظهر العلاس.. يظهر السرسري .


الموضة اليوم عند ديكة ثقافة اللطم وبعد الفشل الذريع للعمامة هو رمي مسؤولية الفساد الحاضر على الماضي.. "عبد السادة" فاسد لانه نتاج حكم دكتاتوري.. لم لا.. التبرير رياضتنا المفضلة.. ولكن المجتمع الالماني ايضا عاش تحت حكم الدكتاتور.. اذا ما الذي جعله ينهض بهذه السرعة من كبوة الدكتاتور؟ لأنه اجتماعيا انتج افراد يحملون جهاز رقابة ذاتية.. افراد عندما يشاهدون خطأ ما يتوقفون.. افراد يعرفون معنى المنفعة العامة.. افراد لايسرقون اجهزة المستشفيات التي وجدت لخدمتهم.. افراد لا يحرقون مدارس ابنائهم لانهم يعتبرونها ملك الدولة او النظام.. الفشل يا سادة.. او ياعبيد السادة.. الفشل مجتمعي وثقافي قبل ان يكون سياسي.. فقرون من قراءة نهج البلاغة لم تخلق فرد يحمل رقيب ذاتي .


ثقافة اللطم لا ولن تخلق فرد يحمل رقيب ذاتي.. ولا حتى بعد الف عام.. لسبب بسيط.. لانها ثقافة اسكاتولوجية قائمة على مقايضة الارضي بالسماوي.. فرد يؤمن بمُخلّص هو فرد هش لايؤمن بقدرته على الخلاص.. فرد ينتظر عودة المهدي هو فرد قاصر فكريا ونفسيا.. ومثل هكذا فرد قد يطور كل شيء الا رقيب ذاتي.. ثم لماذا نذهب بعيدا في التحليل.. اذا كان "اية الله" لم يطور رقيبه الذاتي.. والدليل انه تحول الى سمسار عقارات في لندن.. فهل يطور مسحوق رقيبه الذاتي؟

الالماني الذي يرفض ركوب القطار لان قاطع التذاكر غير موجود هو نتاج قيم معينة.. نتاج فلسفة معينة.. هذا الالماني تعلم ان نيّة الكذب.. وليس الكذب.. مجرد نيّة الكذب هي عمل غير اخلاقي.. قالوا له وظلوا يرددون على اسماعه: اذا لم تسرق فقط لانك خائف من الشرطي فانت مذنب.. انت مذنب حتى وان لم تسرق.. نيّة السرقة بحد ذاتها حتى وان لم يرافقها فعل السرقة هي عمل غير اخلاقي.. انها فلسفة اخلاق النيّة لـ ايمانويل كانط.. اين انتم من هولاء وقد جعلتم من التقية اسلوب حياة ؟

* العنوان هو مقطع من قصيدة لـ غوته .
? Kennst du das Land wo die Zitronen blühen 


2009/07/13

عودة "شارب شاي" الى كوكب الارض


قبل ايام وجه النجل الاكبر للخوئي رسالة الى نجل السيستاني .. في تلك الرسالة يستجوب نجل الخوئي نجل السيستاني عن مصير ما يسميه " العقارات والأموال المسروقة من بيت المال ومبالغها بالمليارات" .. رسالة نجل الخوئي الى نجل السيستاني لا تقول جديد .. رائحة الفساد المنبعثة من السراديب قد فاحت منذ فترة طويلة .. ما هو مهم فيها هي انها تؤكد وبشهادة شاهد من اهلها مسار تحول "اية الله" الى سمسار عقارات في لندن .. وكل عارف باسرار عالم السراديب سيفهم ان خلف رسالة نجل الخوئي تكمن عملية تصفية حسابات بين ابناء بيوتات .. ابناء بيوتات يصفون حساباتهم بسبب خمس فقراء الشيعة ..خلف كل "عركة" بين ابناء البيوتات ابحث عن المال .. الم تشتعل "معارك الجمل" بين بيوتات قريش من اجل ريع "بستان قريش" كما كانوا يسمون العراق آنذاك .

الغريب ان رسالة نجل الخوئي مرت "مرور الكرام" .. بالاحرى مرور الحرامية .. خلسة .. ربما لانها لاتحمل معلومات جديدة .. ومع ذلك فهي تحمل دلالات هائلة .. كيف حصل ان تلامذة وحفظة نهج البلاغة على هذا المستوى من الفساد .. كيف حصل ان مدرسي المبادئ والاخلاق في السراديب على هذا المستوى من الوضاعة الاخلاقية في الواقع .. هنا بعض حقائق مرة قد لايطرحها اللطمي ولكنها تطرح نفسها .. اللطمي اليوم يواجه الحقائق المرة التي رفض رؤيتها خلال قرون .. حقائق ماكيافلي تنتصر على هلاميات نهج البلاغة .

لطالما وقفت "المظلومية" على حافات العالم توزع النصائح والعبر .. لطالما كفّرت وعهّرت .. لطالما قسمّت العالم الى ملائكة وشياطين .. لطالما استرخت نائمة في قرون الكسل الاخلاقي المكتفي بالمجردات .. ولكنها اليوم تنزل من عوالم الكسل الاخلاقي الى واقع السلطة المفعم بالتناقضات .. فهناك فرق كبير بين الاسترخاء على حافات العالم و الحكم بمثالية على العالم .. وبين النزول للواقع و العمل فيه .. هذه الحقيقة يواجهها اللطمي اليوم فقط .. واشك انه يستوعب كل ابعادها .. وهو اذا ما فعل فهو سيفهم شيء ضروري للخروج من العقلية الاسطورية اللاتاريخية وهو ان الحسين "حسين" فقط لانه لم يتسلم سلطة .. لم يمارس سلطة .

لينين وفي خضم الثورة الروسية يقول لرفيق من رفاقه كان يطالبه بالغاء حكم الاعدام : " كيف يمكننا القيام بثورة من دون فصيل اعدام" !! ورفيقه ستالين كان يقول "الثورة عمل قذر" ..لسان حال اللطمي اليوم يقول: "كيف يمكننا تشييع العراق من دون فصيل دريلات" .. المبادئ تموت امام اختبار السلطة .. وهذا ثابت تاريخي .. نقد السلطة شيء .. وممارسة السلطة شيء آخر مختلف تماما .

"صاحبنا" لينين كان يصنف رفاقه متهكما الى صنفين "شاربي الشاي" و"رجال الواقع" .. نستطيع ان نقول ان اللطمي كان طوال القرون الماضية بموقع "شارب الشاي" الذي ينظر للعالم من خلال قعر "استكان" الشاي .. يحكم على السلطة من دون ممارستها .. اللطمي كان ساكن ازلي لمقهى الماضي .. يجتر خطب وخطابات نهج البلاغة .. يدخل الماضي بعقلية المتبضع في السوق، منتقيا من احداث التاريخ ما يناسب محكيته .. ويخرج منه بغباء الشاعر الذي ينتهي من قصيدته معتقدا انه اعاد خلق العالم .

"شارب الشاي" هذا ذو اللسان الطويل والفعل القليل خرج اليوم من مقهى الماضي المترب .. خرج من "حسن عجمي" و "الشابندر" ودخل للمرة الاولى في "الحيدرخانة" .. خرج من برجه العاجي ودخل في الواقع .. خرج من ظلمة سراديب النجف وكربلاء .. ودخل في مدن تحتاج الى كهرباء وماء وشوارع خالية من"الكلاب" و السرسرية .. شارب الشاي يواجه للمرة الاولى حقائق السلطة المرة .. وبنزوله للواقع تحول "شارب الشاي" الى حرامي .

كم كانت الامور سهلة حين كان اللطمي مسترخيا على حافات العالم .. وكم بدت "السماء" قريبة آنذاك .. اهلا بكم على كوكب الارض !! لن يجروء لطمي بعد اليوم على لعب دور الضحية .. كيف وقد تحول "آية الله" الى سمسار عقارات في لندن!!

2009/06/29

امس .. حين خرجنا من عباءة المُلا



Un esprit sage ne condamnera jamais quelqu’un pour avoir usé d’un moyen hors des règles ordinaires pour régler une monarchie ou fonder une république . Machiavel

كثرت في الآونة الأخيرة المقارنة بين نوري السعيد وبين نوري المالكي .. اعتقد ان كل حكم على نوري السعيد لا يستحضر الاطار التاريخي الذي عمل بداخله هو نوع من حكم قيمي قد نتفق معه او لا .. ولكنه لا يعطي التاريخ حقه .. ومقارنة المالكي بنوري السعيد هي ليست فقط اهانة للسعيد ..ولكنها ايضا ،وهنا الاهم، اهانة لتاريخ العراق المعاصر لانه يغييب سؤال بداياتنا .

عندما احكم على نوري السعيد او على اي شخصية سياسية عراقية فالمعيار الواقعي البرغماتي لا المثالي القيمي هو الاتي : هل عمل هذا الشخص لمصلحة العراق ام لا .. هذا هو المعيار الاكثر دقة .. لاننا لو استخدمنا مراجعنا الايديولوجية فسوف يُخوّن نصفنا نصفنا الاخر .. كما كان الحال في اغلب تاريخ العراق المعاصر.. فبعضنا اليساري يعتقد ان نوري السعيد عميل .. وبعضنا الليبرالي يعتبره افضل من حكم العراق .. وفقط سذاجة الحزب الشيوعي العراقي تجعله يعتقد انه لم يكن اداة في يد الاتحاد السوفيتي لمد النفوذ في منطقتنا داخل اطار اللعبة الكبرى .. وهو بهذا المعنى عميل للاتحاد السوفيتي كما كان السعيد عميل لبريطانيا .

هناك قول فرنسي معروف في الادبيات البحثية .. تصعب ترجمته من دون خيانة جماليته التعبيرية :

Comparaison n’est pas raison

يمكن ترجمته هكذا: المقارنة ليست برهانا .. اي ان المقارنة ليست دائما دليلا على الصواب او الحقيقة .. وفحوى القول هو ان المقارنة كمنهج او وسيلة توضيح فكرية لاتكفي لفهم المعقد .. المقارنة هي واحدة من وسائل فهم عديدة ..وهي ليست ولن تكون الوسيلة الوحيدة لفهم شيء او حدث ما .. وخصوصا اذا لم تقم المقارنة باستحضار المعقد بكافة ابعاده وتكتفي بوجهة نظر قيميّة.

ساضع هنا ثلاثة اسباب تستحضر بعضا من المعقد في التاريخ العراقي .. وهي كافية لاظهار هشاشة وسطحية مقارنة المالكي بنوري السعيد .. اولا ،نعم نوري السعيد تعاون مع بريطانيا .. ولكنه تعاون مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية .. اي انه تعاون مع احتلال اجنبي ضد احتلال اجنبي .. اما نوري المالكي فقد تعاون مع احتلال اجنبي ضد حكم وطني عراقي ..مهما اختلفنا في تقييم نظام صدام حسين.

ثانيا، ان تعاون نوري السعيد مع بريطانيا قد اعطانا دولة العراق الحديثة .. تعاون نوري السعيد مع بريطانيا انتج دولة لم تكن قائمة وساعد على لم شمل "مجتمع" كان يسوده الاختلاف الطائفي والمناطقي الخ .. اما المالكي في تعاونه مع امريكا فقد دمر دولة العراق واعاد الاختلاف بل الاحتراب الطائفي والمناطقي من جديد كواقع .

ثالثا، ان نوري السعيد السني المذهب تعاون مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية .. وذلك من اجل قضية العراق والعرب .. اي ان ولاء السعيد للعروبة اكبر من ولاءه لمذهبه السني .. اما المالكي فقد تعاون مع امريكا رافعا شعارات المظلومية المذهبية .. اي ان ولاء المالكي لمذهبه قبل كل شيء .. باختصار .. نوري السعيد اخرج "تركيا" من العراق .. والمالكي ادخل ايران للعراق.

ان مقارنة المالكي بنوري السعيد فيها تغييب ان لم يكن جهل بسؤال بداياتنا .. والعراقيون في العادة لا يحبون التطرق لسؤال البدايات .. سؤال من اين اتينا .. فهذا السؤال يخدش الكبرياء الاسطوري الثمل بسبعة الاف سنة حضارة .. ونحن قد خربنا العراق لاننا لم نفهم هشاشة تراكمنا الحديث العهد .. الرمال على ابواب المدن ونحن ما زلنا نجتر اساطير الجنائن المعلقة .. كيف لمن يعتقد بخضرة ارضه الابدية ان يعمل .. كيف لمن يعتقد بسبعة الاف سنة حضارة ان يطرح سؤال من اين اتى .

قليل من التواضع لا يضر .. العراق قبل نوري السعيد والملك فيصل كان ثلاثة ولايات لايعرف بعضها بعضا .. و رغبة البصرة في الانفصال في بداية التأسيس لم تكن استثناء .. والعراق قبل نوري السعيد كان ولاة اتراك يُرسلون للعراق كعقوبة موقتة لهم يقضونها في النهب وابتزاز الناس .. والعراق قبل نوري السعيد كان شيوخ وعشائر تغزو وتسرق بعضها بعضا (انظر مثلا ما يرويه حنا بطاطو عن مدينة السماوة الصغيرة جدا آنذاك وعن شيخيها المتصارعين ابدا ـ الطبقات ص. 20) .. والعراق قبل نوري السعيد كان محكوما من قبل الملا وخزعبلات الملا .. نعم العراق قبل "دار داران دور" كان يقرأ كتاب "السيف البتار على الكفار الذين يقولون المطر من البخار" .

لقد قفز العراقيون من قراءة كتاب "السيف البتار على الكفار ..." الى قراءة كتب كارل ماركس في المادية الديالكتيكة .. من "عباءة الملا" الى "معطف كارل ماركس" .. ونوري السعيد هو من بين قلائل ممن فهموا خطورة ذلك السلوك الحارق للمراحل .. هل هي مصادفة ان نعود اليوم الى عباءة الملا من جديد !! وهل نستغرب نحيب "ماركس ابو دشداشة" اليوم امام شباك الحسين ؟

اما عن موقف نوري السعيد من الانكليز وطبيعة علاقته معهم فالمصادر لا تنحصر بشعارات اليسار العراقي التي قتلت العراق .. ذكرت سابقا ما قاله حنا بطاطو عن موقف نوري السعيد البراغماتي من البريطانيين حين كان يحاجج الضباط الاربعة قبل قيامهم بحركة مايس 1941 قائلا لـ صلاح الدين الصباغ من انه لو كان مقتنعا بتحليلهم السياسي فانه سيكون أول من يرفع المسدس بوجه البريطانيين .. والمؤرخ العراقي مجيد خدوري في احدى مقالاته في الـ "ميدل ايست جورنال" يؤكد براغماتية نوري السعيد في علاقته مع الانكليز.. وساضع اليوم مقطع وجدته مؤخرا في مقال يعطينا فكرة عن طبيعة العلاقة بين نوري السعيد و ساسة بريطانيا .

Iraqi nationalist might have been less harsh on Nuri Pasha had they realized the weight his words carried there. Nuri was no mere puppet: if, for example, he learned of the presence of tow junior members of the British government at a pro-Zionist gathering in London he did not hesitate to fire off a letter of protest - and his protest was received with something like deference. “If I want to know what the British are going to do next in the Near East I watch Nuri,” the Turkish Ambassador said. “ Not because they will have told Nuri, but because he will have told them

ويقولون عمالة .. هذا المقطع يبين لنا ان نوري السعيد كان اكثر استقلالية في علاقته مع الانكليز من الشيوعيين العراقيين في علاقتهم مع الاتحاد السوفييتي .. وحنا بطاطو قد بين ان اغلب قرارات الشيوعيين العراقيين كانت بتوجيه من موسكو .. بمعنى اخر .. من لم "يزنِ" في موسكو .. فليرمي نوري السعيد بحجر .. كُثر هم الشيوعيون العراقيون اليوم ممن ينعمون بحرية وبامتيازات العيش في البلدان الغربية التي كانوا ينعتونها باقذع الالقاب ..وكُثر هم الضباط وابناء الضباط الذين قتلوا العائلة المالكة ممن يعيشون اليوم في سلم مملكة ابناء عمومتها التي ينعتونها بالعميلة .. هل كنا نحتاج لقتل العراق لنعرف قيمة الدولة ..قيمة الوطن ؟

التاريخ ينتقم لنوري السعيد .. رؤيته للصراع بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية وتحالفاته كانت الاقرب لنتائج صراع الكتلتين .. هو سيضحك حين يعرف ان الرئيس الامريكي يلقي اليوم خطابا من قاهرة "صوت العرب" !! وهو سيضحك كثيرا حين يسمع ان الاحتلال الامريكي للعراق هو ما مكن من تشييد تمثال لـ عبد الكريم قاسم !! اسمعه يقول : "السياسة ليست للزعاطيط" .. ترى .. هل استحضر برجنسكي مقولة نوري السعيد هذه حين قال ان "السياسة الدولية هي عمل مخصص للبالغين" ؟

باختصار .. مصلحة العراق هي المعيار في الحكم على الفعل السياسي .. والانجازات لا الشعارات هي المعيار في حكمنا على قيمة الاشخاص والاحداث السياسية .. من هنا فلا خير في وطني يدمر العراق معتقدا انه قديس .. ولا خير في شيوعي عراقي يصطف الى جانب ايران في حرب الثمان سنوات ضد العراق معتقدا انه يدافع عن المبادئ !! ومرحى لـ "عمالة" نوري السعيد التي بنت العراق الحديث .. ولولاها لكنا اليوم نتكلم اللغة التركية.

من لم "يزنِ" بالعراق فليرمي نوري السعيد بحجر .. ليس هناك عمل اعظم ولا اشرف من بناء وتنظيم دولة والحفاظ على سلمها الداخلي والخارجي .. ويكفي نوري السعيد انه كان المساهم الاكبر في بناء دولة العراق التي حطمتها الشعارات بعد ذلك .. جملة ماكيافلي في بداية المقال تقول : ان عقلا راجحا لن يدين ابدا شخصا ما لانه استخدم وسائل غير "اخلاقية" من اجل تنظيم مملكة او تأسيس جمهورية .. واعتقد ان نوري السعيد كان سيفرح لو قرأها .. هو الذي حذَّر من خطر "الزعاطيط" في السياسة وخطر انصاف المتعلمين في الثقافة والمجتمع .

2009/06/15

عيوننا التي استعمرها الذباب.. استكان شاي مع فريدريك نيتشه


قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الصحافة الفرنسية خبر خلاف عشائري نشب بسبب مبارة كرة قدم في كربلاء.. طفل من آل الخلخال تُكسر يده "بسبب" لاعب ينتمي الى آل العناد .. وكلاهما من عشيرة الاكرع كما يبدو .. الخلخال تطلب التعويض عن الضرر .. ترفض العناد طلب التعويض .. فينشب قتال بين الجانبين تستخدم فيه الاسلحة الخفيفة ..والحصيلة خمسة جرحى بينهم امرأتين .. انتهى

في كتابه "تاريخ فلورنسا".. يروي ماكيافلي قصة قريبة في مضمونها من خبر الخلاف العشائري بسبب لعبة كرة قدم .. سارويها باختصار وبتصرف .. المكان ريف فلورنسا .. لوري طفل من عائلة كوكليمو وجيري من عائلة برتاكا .. وهما صديقان يلعبان معا دائما .. وحصل ان تشاجرا ذات يوم فجُرح جيري جرحا طفيفا .. وعندما علم والد لوري غضب لذلك ..وطلب من ابنه ان يذهب الى والد جيري ليعتذر منه .. وعندما ذهب لوري لطلب المعذرة من والد جيري .. امسكه والد جيري وقطع يده .. و قال له بعد ذلك "اذهب الى ابيك وقل له ان الجروح يشفيها الحديد وليس الكلمات" .. وهذا الحادث قد اشعل حربا اهليه ليس فقط بين اكبر عائلتي القرية وانما في كل فلورنسا حيث تمتلك العائلتين اقارب وحلفاء .

هذه القصة كما كل تاريخ الشمال الايطالي الذي يسجله ماكيافلي تقول لنا ان "العصبية" ليست حكرا على العرب .. كما تروج الثقافوية الشائعة في الابحاث التي تتطرق "للمجتمعات" العربية وبالخصوص "للمجتمع" العراقي .. وماكيافلي الذي هو رائد الحداثة السياسية في الفكر السياسي الغربي .. والذي لم يكن بعيدا زمنيا عن ظاهرة عراك محلات المدن الايطالية التي غالبا ما كانت تنتهي بحروب اهلية تشمل كل الشمال الايطالي .. ماكيافلي هذا يقول لنا ان اسباب ذلك هي اسباب سياسية تنظيمية مادية وليس ثقافية كما تدعي الثقافوية التحقيرية التي تُرجع كل اسباب ازماتنا الى العامل الثقافي .. وعلى الوردي هو حامل راية هذا الطرح الغبي في العراق .

و إذا كان هناك من مغزى في حادثة الخلاف العشائري بسبب كرة القدم فهو لا يكمن في بعدها الثقافي .. ولكن في بعدها السياسي : فعندما تفرض العشيرة قانونها فهذا يفضح هشاشة الدولة من الناحية التنظيمية الادارية .. و خير من شرح ذلك هو حنا بطاطو .. عندما يقوم آل خلخال بمهاجمة آل العناد بالاسلحة فهذا يدل على الهشاشة الادارية والتنظيمية للدولة .. ولو كانت هناك "دولة قانون" قادرة على فرض قانونها لما تجرأت العشيرة على مخالفة القانون .. باختصار خبر اليوم هو دليل على غياب القانون في "دولة القانون" القرقوزية .

ولكن العشائرية في العراق ظاهرة اجتماعية شاملة وهي ليست وليدة اليوم .. وهي لم تندثر حتى في اقوى فترات الدولة .. نوري السعيد في نهاية الخمسينات كان يظن ان نظام العشيرة في طريقه الى الاندثار .. انذاك كانت حكومات نوري السعيد تخصص ثلاثة ارباع ميزانية العراق لمشاريع البنى التحتية الكبرى .. كيف له ان يعرف ان من حكموا العراق بعده وتحت شعارات التقدمية ومحاربة "الرجعية" قد اعادوا العشيرة اساسا للحكم !! وكيف له ان يعرف ان ثقافة اللطم التي اتهمته بالطائفية وعدم توزيع ثروات العراق بعدالة قد جعلت من العراق اليوم افسد بلد بالعالم .

واذا كان نفوذ العشيرة لم يختفي حتى في قمة سلطة الدولة .. فنفوذها اليوم اكبر من اي وقت مضى في تاريخ الدولة العراقية الحديثة .. لان الدولة في العراق اليوم تعيش اضعف فتراتها .. وكما ان الطائفية هي واقع العراق اليوم فان العشائرية هي ايضا واقع في عراق اليوم .

ولكننا في العادة نرفض مواجهة واقعنا .. ماضينا الاسطوري يكفينا .. اذهب واخبر اي "مثقف" عراقي عن حادثة الخلاف العشائري حول كرة القدم .. هو سوف لن يعيرك اي اهتمام .. سيعتبره موضوع تافه .. وهناك نسبة 99 بالمئة من الحظ انه سيقول لك جملة " يمعود درووووح ..العراق عمره سبعة الاف سنة حضارة" !! ولا تتعب نفسك بطرح سؤال: كيف حصل ان بلد عمره سبعة الاف سنة حضارة وفيه اليوم "عشيرة" ترفع السلاح بوجه اخرى بسبب حادث كرة قدم بين اطفال !! صدقني سؤالك مشروع .. ولكنه بالنسبة لمثقفنا المتجول وهميا في الجنائن المعلقة .. هو "لا سؤال" .. ان تكون "حمورابي او نبوخذنصر" او لاتكون ..هذا هو السؤال !!

اسطورة الهوية العراقية كانت دائما اجابة جاهزة .. موقفنا امام "الانا" العراقية وبالتالي الهوية الوطنية كان دائما ينبع من منظور تقديسي .. الهوية العراقية هي "مقدس" ويجب نحتها واظهارها كايقونه جميلة .. حتى وان كانت هشة سهلة الكسر كما يظهر حاليا بوضوح .. العراق في هذا المنظور ماهية ازلية، غير تاريخية .. ولا تخضع للشروط التاريخية .. من سومر الى علاوي الحلة .. العراق واحد .. يكفي ان "تصدق" بهذا العراق الاسطوري لتصبح الهوية العراقية موجودة .

خطورة هذا الموقف الايقوني والقامع لكل ما عداه يكمن في انه منع موقف اخر اكثر صحة تجاه "الانا" العراقية /الهوية العراقية : كان بالامكان طرح "الانا" العراقية كواقع معقد .. كمشكل .. وبالتالي كسؤال ومحاول اجابة عن السؤال من خلال عرضه ومناقشته وربما ايجاد حلول له .. ولكن لا .. المقدس لا يناقش .. حتى وهو يقتل .. ربع شعب العراق مهجّر ومهاجر وهناك من لازال ينام في دفء الهوية الاسطورية .. سؤال الواقع المتشظي سحقته النظرة الاسطورية للهوية: العراق عمره سبعة الاف سنة !

واحدة من اخطر مخلفات النظرة الاسطورية للماضي تكمن في تحقيرها للحاضر .. لقد منعتنا هذه النظرة الغير واقعية الى نبذ ظواهرنا الاجتماعية الحاضرة .. الى اعتبارها غير مهمة قياسا للاسطورة .. تركيزنا على الماضي "الغير عادي" جعلنا نهمل واقعنا العادي المعاش .. تركيزنا وبمرضية على تفاصيل الماضي الاسطورة جعلنا لانطيق النظر الى تفاصيل حياتنا العادية .. فعندما يتحول الماضي الى اسطورة .. يصبح الحاضر مبتذل وغير جدير بالاعتبار .

لسنا بحاجة للتوغل في الماضي القديم للتدليل على تحضرنا .. فواقعنا ورغم فقرنا المادي لم يكن خاليا من الحضارة .. فالحضارة ليست فقط امبراطوريات ومحاربين وقصور وجنائن معلقة .. ان يكون جارك من مذهب اخر هو حضارة .. اين يكون صديقك من قومية اخرى هو حضارة .. ان تكون زوجتك او ان يكون زوجكِ من طائفة اخرى هو حضارة .. ان تترك مقعدك في الباص لشيخ مسن هو حضارة .. ان يؤدي الموظف عمله بلا رشاوى هو حضارة .. وتاريخنا المعاصر على فقره لم يكن خاليا من تلك السلوكيات الحضارية .

لم نكن بحاجة للسفر في الماضي للتدليل عن حضارتنا او تحضرنا .. ولسنا بحاجة للعودة الى بابل حمورابي او نبوخذنصر للتدليل على تحضرنا .. فبغداد النصف الاول من القرن العشرين ورغم فقرها اكثر حضارة من بابل نبوخذنصر الفاحشة الغنى .. بغداد التي كان ثلت سكانها من العراقيين اليهود هي حضارة .. واذا كان لابد من الاختيار بين بابل السبي اليهودي وبغداد التعايش مع اليهود فانا اختار بغداد الفقيرة ماديا والغنية روحيا .

ولكي اكون اكثر مشاكسة ساقول .. لسنا بحاجة للرجوع الى اشور لندلل على تحضرنا ..كبة الموصل هي حضارة.. واذا كان لابد من الاختيار بين كبة الموصل والامبراطورية الاشورية فانا اختار كبة الموصل !! واذا كان ولابد من الاختيار بين عربة سرجون الاكدي الحربية وبين عربانة بائع اللبلبي امام مدرستنا ..فانا اختار عربانة بائع اللبلبي وخصوصا مع رائحة الرارنج الساحرة !! هويتنا الحقيقية هي تفاصيل حياتنا التي عشنا ونعيش .. والاهم اننا نجد في تفاصيل حياتنا مشتركنا الاهم .. فمشكل الهوية يكمن في ايجاد مشترك بيننا.. وتفاصيل حياتنا العادية هي اكثر ما يجمعنا .. واكثر ما فرقنا ويفرقنا هو الماضي .. بتعبير اخر اننا نجد في واقعنا مشترك حياتي لا نجده في ماضينا المفخخ بالنزاعات الايديولوجية .

فريدريك نيتشه في مقاله "منافع ومضار التاريخ" يورد قول رائع لسقراط فحواه : ان ادعاء التحلي بفضائل او بخصال لا نمتلكها هو مرض قريب جدا من الجنون .. ونيتشة يقول تعليقا على فكرة سقراط هذه : ان مثل هكذا وهم هو اخطر من وهم الاعتقاد ان فينا مساوئ او عيوب ما .. لان الوهم الثاني قد يحفزنا على ان نكون افضل .. في حين ان الوهم الاول يجعلنا اسؤ يوما بعد اخر .

وليس هناك ما يصفع الانتباه في العراق من هذا التقهقر الى الوراء من سيء الى اسوأ .. وليس غريبا ان اسوأ الحكومات التي مرت على العراق هي تلك التي رفعت شعارات بعيدة كل البعد عن الواقع .. الكارثة العراقية بدءت حين اعتقد "عبد حمود" انه امتداد لنبوخذنصر.. من هنا حلم التوسع وبناء امبراطورية ..حلم واهم ارجعنا الى العصر الحجري .. وثقافة اللطم ذات العقلية الاخروية الاسكاتالوجية قد بزّت كل من جاء قبلها في هذا المضمار .. فهي قد رفعت شعار ارساء حكم وتعاليم "ال البيت" وكانت النتيجة انها نهبت البيت وشردت اهل البيت !! ومن الوهم ما قتل .

الوهم خطأ منهجي .. يبدأ خطأ في زاوية النظر وينتهي خطأ في الحكم على الاشياء .. وصورة الوهم في الادبيات الفلسفية هي : عندما تقترب ذبابة من عيوننا ونتصورها طير كبير !! نستطيع ان نقول ان تاريخ العراق المعاصر منذ خمسين سنة تقريبا هو تاريخ عيوننا التي استعمرها الذباب .

2009/05/30

المغالطة التاريخية .. الماضي بعيون نبوخذنصر


" لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 قبل الميلاد، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".. هذه الجملة جاءت ضمن مقال لـ دوني جورج رئيس هيئة الآثار العراقية و المدير العام السابق لمتاحف العراق.. وهو يقول لنا انه سمعها من أستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، البروفسور فاضل عبد الواحد.. كيف ولماذا ؟ لا تعرف.. هي قنبلة صوتية وكفى.. وليس من خصال الجمل المصوتة ان تبرر نفسها او تمنطق حجتها.. الجمل الصوتية تكتفي بصوتيتها.. تكتفي بضوضائها.. هي عندي اغبى جمل الاسبوع.. ومشاكسة الغباء واجب وطني في عصر مقتدى الصدر.

فحوى مقال دوني جورج هو ان الاشوريين اليوم يشكلون قومية اما الكلدانيون فلا يشكلون قومية.. وهو من اجل دعم "الامة الاشورية" يسخر الماضي بانتقائية ليست جديدة علينا من اجل ان ينتصر لـ"امته الاشورية" في الحاضر.. ولكن ما يهمنى في المقال هي القنبلة الصوتية: " لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 ق.م، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".

من يقول لـ دونى جورج ان من تحالف مع "الاجنبي" لاسقاط الدولة الاشورية هو الملك نبوبولاصر وليس ابنه نبوخذنصر.. هذا الخطأ الذي يرتكبه "رئيس هيئة الاثار العراقية" مضر حتما بسمعة هيئة الاثار العراقية.. ولكنني شخصيا لا اعيره اهمية كبيرة.. في الجملة ما هو اهم عندي من الخطأ في الشخصيات التاريخية.. في الجملة المصوتة نظرة اسطورية للماضي قتلتنا وما زالت تمعن بالقتل.. في الجملة خطأ منهجي يُطلق عليه في "الكواكب" التي تستفيد من ماضيها اسم المغالطة التاريخية.

مفردة "الاجنبي" هي الكلمة الاهم في جملة (" لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي .... الخ).. لانها المٌسلّمة التي يستند عليها المعنى المتضمن العام .. نبوخذنصر تعاون مع الاجنبي.. والمعنى المتضمن هو ان نبوخذ نصر ليس اجنبيا.. اي هو عراقي بالمعنى الكليشياتي السائد اليوم.. هو عراقي من وجهة نظر المحكية العراقية الحاضرة للماضي القديم.. وهنا نحن امام مغالطة تاريخية.. كلمة "مغالطة تاريخية" بالعربي لا تقول الكثير.. ولكن المغالطة التاريخية بالمعنى الاغريقي للكلمة هو خطأ في التاريخ سببه عدم التمييز بين الازمنة التاريخية وبالتالي الخلط بينها.. مثلا حين يتم اسقاط مفاهيم ورؤى الحاضر على احداث الماضي فانت ترتكب مغالطة تاريخية.. حين يقول سعودي اليوم ان "النبي" محمد سعودي فهو يرتكب مغالطة تاريخية.

غاية التاريخ كـ علم لدراسة الماضي هو فهم او عرض الماضي لا كما نراه نحن.. ولكن قدر المستطاع كما كان يراه ويعيشه ويفهمه الذين كانوا موجودين فيه.. واذا استطعنا فعل ذلك بخصوص "صاحبنا" نبوخذنصر.. فاننا سنفهم عندها الكيفية التي كان ينظر بها البابلي للاشوري او العكس.. و بالتالي معرفة هل كان نبوخذنصر "عراقيا" ام لا.. وهل تحالف هذا البابلي "الخائن" مع الاجنبي كما يقول لنا دوني جورج .

في كتابه "التاريخ بدء في سومر" يصف صاموئيل كرامر ونقلا عن النص السومري اول حرب اهلية ..بالاحرى اول تسجيل تاريخي (كتابةً) لـ "حرب اهلية" بين مدينتيّ لكش و اووما.. و قد كانت حربا من اجل الحدود بينهما ( لاجديد تحت الشمس ).. تنتصر لكش في الجولة الاولى .. يتم الاحتفال بهذا النصر على عادة تلك الايام برفع مسلات شارحة للحدث و لاتفاق ترسيم الحدود الخ .. ولكن بعد فترة يقوم اوش ايشاكو قائد اووما بنقض الاتفاق وتحطيم المسلات الحدودية ويسترجع الارض المتنازع عليها.. وتبقى الارض بحوزة اووما لفترة طويلة.. و عندما يتسلم عيناتوم السلطة (وهو حفيد حاكم لكش الذي قاد الحرب الاولى) يقوم بمهاجمة اووما واسترجاع الارض المتنازع عليها.. وما ان يمر جيل على تلك الهزيمة ويستلم السلطة في اووما حاكم جديد هو اور لوما حتى يقوم بنقض الاتفاقية و بتحطيم وحرق مسلات الاتفاق.. ولكن (وهنا المهم في حكايتنا ) ومن اجل ان يضمن اور لوما انتصار حملته هذه ضد لكش فهو يتحالف عسكريا مع " الاجنبي الذي يحكم في شمال سومر" (التنصيص من كتاب كرامر "التاريخ بدأ في سومر" ص. 77 . من الطبعة الفرنسية لعام 1957) .

مصدر هذه الحكاية هو "مؤرخ" من مدينة لكش.. ولو قرأنا كل الوثيقة لعرفنا انها تطرح رؤية "لكَشية" للصراع.. واذا ما تذكرنا انتقائية رئيس هيئة الاثار العراقية ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي.. فأننا حتما سنعذر انتقائية "رئيس هيئة اثار لكش" في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد!! لا نطلب من اول وثيقة تاريخية عن "حرب اهلية" ان تكون موضوعية.. نحن اكثر من سعداء بهذه الوثيقة الرائعة حتى مع عدم موضوعيتها.. على الاقل " رئيس هيئة اثار لكش" لايدعي انه يحمل دكتوراه.. ولا يجند مناصبه الرسمية والقابه العلمية كما يفعل صاحبنا "رئيس هيئة الاثار العراقية" من اجل دعم ونصرة قضية الامة الاشورية !!

كما ان مفردة "الاجنبي" في جملة " رئيس هية الاثار العراقية " هي اهم ما في جملته.. فان مفردة "الاجنبي" في وثيقة "مؤرخ لكش" هي ايضا اهم ما يهمنا هنا في وثيقته.. واذا ما تذكرنا ان التاريخ كعلم هو عرض الماضي لا كما نراه نحن.. ولكن كما كان يراه ويعيشه ويفهمه الذين كانوا موجودين فيه.. فان ما يقوله اللكشي هنا هو الماضي كما يراه شخص عاش فيه.. و اذا كان من الصحيح تاريخيا ان اللكشي كان ينعت من يسكن على بعد عشرات الكيلومترات الى الشمال من ارضه بالاجنبي.. فصحيح تاريخيا ايضا هو ان البابلي كان ينعت الاشوري الذي يسكن على بعد مئات الكيلومترات الى الشمال من بابل بالاجنبي.. خصوصا اذا ما وضعنا في نظر الاعتبار الصراع الدائم بين بابل واشور .

فالتاريخ يقول لنا مثلا ان خطر العيلاميين فقط هو ما كان يمنع بابل في بعض فترات صراعهما الطويل من مقاتلة اشور.. حتى حين احتلت اشور بابل خلال ما يقارب مئة عام ظل التمرد ديدن بابل.. لا بل حتى حين نصب اشوربانبيبال شقيقه حاكما على بابل فان هذا الاخير انتفض على شقيقه رغبه منه بالاستقلال عن وصاية اشور.. وقد احتاج اشوربانيبال اربع سنوات حرب لكي يفشل محاولة الانفصال "الاخوية".. وبعد سنوات من ذلك نجح نبوبولاصر في محاولته .. و نجاح تمرد نبوبولاصر لم يكن بسبب تعاونه مع "الاجنبي" فقط (اشور تعاونت مع الفراعنة في فترة اسبق للتحرر اقتصاديا وبالتالي سياسيا من وصاية بابل).. بل كان راجعا ايضا الى ذكاء هذا الاخير في التمرد بعد وفاة اشوربانيبال وهشاشة فترة انتقال السلطة التي شهدت كعادة تلك الايام صراع بين الامراء على العرش الاشوري .

اذا فالبابلي كان يرى في الاشوري شخص اجنبي كما كان يرى في العيلامي شخص اجنبي.. ولكن رئيس هيئة الاثار العراقية يرى الماضي بمنظار الحاضر معتقدا ان بلاد ما بين النهرين انذاك كانت تشكل وحدة سياسية.. وتجمعها هوية وطنية واحدة.. و الادهى هو انه يعتقد باعتباره "اشوري" يدافع عن "الامة الاشورية" بان الدولة الاشورية قد نجحت بفرض هوية "عراقية" على بلاد ما بين النهرين.. وهذا غباء ومن النوع المضر بالصحة.. خصوصا اذا علمنا ان الدولة الاشورية كانت تستخدم الحرب كوسيلة نهب اقتصادي وابتزاز لثروات الناس في المناطق الاخرى.. ووحشية الجيش الاشوري معروفة (رغم ان الوحشية لم تكن حصرا على اشور).. ونحن نعرف ان اخذ المناطق بالقوة قد يحصل على كل شيء ولكنه لا يستطيع انتزاع الولاء .

بأختصار.. نبوخذ نصر كان يعتبر نفسه بابلي قبل كل شي.. وهو لم يكن يعتبر نفسه "عراقي" كما يضن دوني جورج اليوم.. وبهذا المعنى فان "نبوخذ نصر".. عفوا نبوبولاصر لم يتعاون مع اجنبي ضد عراقي كما يعتقد دوني جورج.. وانما هو تحالف مع اجنبي ضد ما يعتبره اجنبي وهو الاشوري.. وعندما يعتقد رئيس هيئة الاثار العراقية ان نبوخذنصر او اشوربنيبال هما عراقيان فهو لايقل سذاجة عن المغني السعودي محمد عبده الذي قال مؤخرا بأن "النبي" محمد سعودي.. فكلاهما يسقط الحاضر على الماضي.. يسقط تسمية معاصرة على الماضي.. والسبب لانهما يخلطان بين الثابت الجغرافي (الجزيرة العربية او بلاد ما بين النهرين) وبين المتغير التاريخي (الانظمة السياسية ومسمياتها وايديولوجياتها التي حكمت تلك الجغرافية) .

لا ننتظر من رئيس هيئة الاثار العراقية ان يقول لنا لماذا لم يقل جملته المصوتة هذه حين ساد شعار" من نبوخذ نصر الى صدام حسين بابل تنهض من جديد".. لا ننتظر منه ذلك.. فالبشر اكلي خبز قبل كل شي كما يقول فلاسفة اليونان!! ولكنني اتمنى ان يقول لنا يوما (اذا كان يمتلك معلومات بهذا الخصوص) ما اذا كانت عقوبة قطع الاذن التي انتشرت في تسعينيات العراق قد استُلهِمت من شريعة حمورابي التي تقول احدى موادها: اذا قال عبدا لسيده "انت لست سيدي".. واذا ما قدّم السيد ادلة على ملكيته للعبد.. فمن حق السيد ان يقطع اذن العبد".. منذ قرأتي لهذا المقطع لاول مرة قبل ثلاث سنوات تقريبا وانا اتسائل هل تم استلهام عقوبة قطع الاذن في تسعينات العراق من شريعة حمورابي.. هذه الاحتمالية اذا صحت ستجعلني امقت اكثر القراءات الاسطورية للماضي .

نعم.."لو لم يتحالف نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 ق.م، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".. ربما ما كنا حصلنا على عقوبة قطع الاذن البابلية.. وانما على عقوبه فقء العين التي كان يمارسها الملك الاشوري بعبيده واسراه.. المغالطة التاريخية لا تُشكّل اعتداء على الماضي فقط ولكنها غالبا ما تقتل الحاضر .

2009/05/10

طائفية !!! تقول انها طائفية !!


هناك كومة من الكتاب العراقيين يدّعون مناهظة الاحتلال ولكن عندما تقرأ كتاباتهم يخال لك ان العراق محتل من قبل المقاومة العراقية وليس من قبل امريكا وايران .. فهم نادرا ما يتصدون للاحتلال او مماليكه.. ولكنهم بالمقابل يكرسون جل جهدهم لتسقّط هفوات المقاومة .. عبد الامير الركابي واحد من هولاء .. وهذا الركابي هو راكب موجات معروف ما ان يجف فيه وبه تيار ايديولوجي حتى "ينط" راكبا موجة اخرى سابحا مع التيار.. باختصار تلميذ نجيب لـ عزيز الحاج الذي قايض رفاقه وحزبه الشيوعي بمنصب ممثل العراق في اليونسكو .

قبل ثلاثة اشهر وامام نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة اعتقد الركابي انه امام موجة جديدة .. وهو وبحس راكب الموجات المتمرس اعتقد انه لابد من ركوبها .. وهكذا كان .. عاد للعراق وقابل المالكي .. واخذ يصرخ من كل المنابر بضرورة عودة المعارضة العراقية للعمل من الداخل .. وحجة راكب الموجات هذا هو انه لمح عند المالكي ارهاصات "قناعة يضمرها ضد العملية السياسية الأميركية" .

هذا الذي يقدم نفسه على انه منظّر زمانه ..هذا المحلل الفلتة اعتقد ويعتقد ان المالكي الذي هو صنيعة العملية السياسية الامريكية ودميتها الاكثر طاعة سوف يقلب الطاولة على اللاعب الاكبر !! لا تستغربوا .. فمثل هكذا سذاجة في تحليل الاحداث السياسية ليس شيئا جديدا على هذا الصنف من "الرفاق" .. فهذا الرجل الذي كان يشغل منصب "نائب عريف" في فصيل عزيز الحاج الشيوعي، له تاريخ حافل بتحليلات فنطازية تحتوي على كم هائل من "منعطفات تاريخية" و "لحظات مصيرية" و "كينونة"... الى اخره من الاسلوب الحشوي الذي يميز لغة اليسار العراقي .. نعم .. فالرجل كان ولا يزال من الصنف الذي لا يميز بين الثورة وبين زوبعة في فنجان .. وهذه ليست المرة الاولى التي تتحول فيها زوبعة في فنجان (كنتائج الانتخابات الاخيرة) الى"ثورة" ولحظة مصيرية ومنعطف تاريخي الى اخره من "الخريط" اليساري ..ولكنها حتما المرة الاولى التي يعود فيها راكب الموجات بهذه السرعة من تعرجات "المنعطف التاريخي" ..وبخفّي حُنين .. ومن هنا زعيقه الاخير الذي يشبه زعيق تلميذ فاشل .

الزعيق الاخير لهذا المحلل الفاشل هو عبارة عن مقال يقول لنا فيه بان المقاومة العراقية جزئية وطائفية .. ورغم انه في هذا المقال يدحرج ذاته برفقة كلمات رنانة كـ "علم الاجتماع السياسي" و "الواقعية الاصطلاحية" و"الحيادية"، ولكنك تقرأ المقال من اوله الى اخره وبشق الأنفس (بسبب رداءة الاسلوب الخالي من اي تسلسل منطقي) ولا تجد لا علم اجتماع سياسي و لا اصطلاحية ولا حيادية ولا هم يحزنون .

اولى مسلمات علم الاجتماع السياسي هو ان الكلمات لا تحمل مضامينها .. من هنا الحاجة الى نقل الكلمات من مستوى الاستخدام الكليشاتي المتداول الى المستوى الاصطلاحي التخصصي .. وهذا لا يتم الا من خلال عملية التعريف "العلمي" للكلمات .. ومقال الركابي خال من اي تعريف لا لمفردة "الجزئية" و لا لمفردة "الطائفية" وهما قنبلتاه الصوتيتين .. ولا لأي من كلماته الرنانة .. عندما يعيب كاتب ما على خصومه عدم تقبلهم للطرح الاصطلاحي ويأتي بنفس الوقت بمقال خال من اي تعريف اصطلاحي فهذا يسمى ادعاء اجوف .. وهو اسلوب ينم عن نرجسية متعالية لا تمتلك مكونات التعالي .. من يقول لهذا "الرفيق" ان زمن حشو المقالات بالكلمات الرنانة وتوظيفها كقنابل صوتية من اجل الارهاب الفكري قد ولى .

مقال الركابي ورغم وهم الحيادية هو عبارة عن قناعات شخصية تتدحرج على هيئة كليشات على طول مقاله .. وبتخبط من لا يسيطر على موضوعه .. وانا هنا اخصص جائزة رمزية لمن يستطيع قراءة وفهم الفقرة الاولى من مقال الركابي .. متمنيا حظا سعيدا لمن يحاول .. اسلوب "الشرطة وحرامية" هذا هو سمة مميزة للكثير من كتاب اليسار العراقي ..وهو اسلوب ناتج عن هشاشة تصوّرية .. فمن لا يملك تصورا واضحا عن فكرته يترجم ذلك اوتوماتيكيا في كتابة غير واضحة .

تعالوا الان "نتعارك" مع فحوى مقال الركابي الذي يقول : لقد عالج العالم العربي قضية الطائفية وخصوصا في لبنان (الذي هو نموذج الركابي في هذا المجال !!) ولكننا في العراق متخلفين عن الركب .. و"هذا شأن يتجلى اليوم في التدني الرهيب في استعدادات تقبل حتى الواقعية المصطلحية، أو تعلم مبدأ حيادية الفكرة أو المصطلح" .. "فالعراقيون" لا يقبلون حتى تعبير الركابي الاصطلاحي " المقاومة العراقية هي مقاومة جزئية وطائفية" .. على العكس هناك من يصر على ان «المقاومة هي الممثل الشرعي للشعب العراقي» .. وهذا نكران لطائفية المقاومة بحسب الركابي .. فالمقاومة طائفية لعدم وجود "أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده .. هذا مع العلم أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة، والوطنيين المناهضين للاحتلال منهم كثر" .. وخلاصة الركابي "هنالك فرضية نهائية لا تقبل الجدل تقول إنّ العراق يجب أن يعرف ظهور مقاومة «وطنية»، بمعنى شاملة لكل المكونات" ( الجمل المُنصّصة هي حرفيا للركابي) ..انتهى

ساترك جانبا سذاجة الركابي المذهلة بحيث يعتبر نفسه محايدا !! فعندما ينكر شخص ما "الموقع الذي يتكلم منه" او "خلفيته" فهو يجهل اولى قواعد علم الاجتماع السياسي .. وساترك جانبا عدم فهم الركابي لمعنى الفرضية حين يقول " فرضية نهائية لا تقبل الجدل" .. فهذه اول مرة في حياتي اسمع ان من خصائص الفرضية عدم قبولها للجدل !! وهذه الجملة لوحدها تكشف عن جهل الركابي بادوات البحث السوسيولوجي .. وساترك جانبا سخافة الركابي حين يقول لنا ان لبنان هو نموذج في التطرق لمشكلة الطائفية .. لما لا .. كل له الحق ان يكون شخابيطيا .

ولكنني ساركز على فحوى مقال الركابي محاولا اعطاءه ترابطا منطقيا يفتقده .. فاسلوب "الشرطة وحرامية" الذي يستخدمه الركابي حمال اوجه و يسمح للخناجر الملتفة بالتقية بالظهور وكأنها ابتهالات عذراوات بريئة .. اولا .. ان تقول ان المقاومة محصورة في الوسط السني هو شيء .. ولكن ان تقول ان المقاومة طائفية فهو شيء مختلف تماما .. وهذا ما فات الركابي الملوّح بفزاعة المصطلح من دون استخدامه .. ثانيا، نعم العراق بحاجة لظهور مقاومة «وطنية» شاملة لكل المكونات .. ولكن عدم ظهور تلك المقاومة الوطنية الشاملة لكل المكونات هو ليس مسؤولية المقاومة السنية.. وتحميل المقاومة السنية مسؤولية ذلك هو كمن يقول للمقاومة: "يا مقاومة لا تقاومي الى حين ظهور مقاومة لكل المكونات الاخرى" !! وهذا منطق اعرج .

طرح الامور بتلك الطريقة المترابطة منطقيا يكشف عن الغائب والمُغيّب في طرح الركابي ..فهذا الطرح يضع امام انظار الركابي سؤال سبب غياب "المكون الاخر" في المقاومة .. وخصوصا مسؤولية قادة ونخب ذلك المكون عن تلك الحالة .. فما معنى الوطنية حين ينتظر "الشيعي" فتوى السيد لكي يقاوم من احتل بلده !! نحن هنا امام اهم سؤال في العراق العماماتي .. وكالعادة هو سؤال غائب عن طرح الركابي وكومة الكتاب التي تدور في فلكه .

ثالثا .. الركابي يقول لنا انه يرفض الطائفية ويتهم الاخرين بالطائفية ولكنه يستخدم ويوظف في حجته جوهر الخطاب الطائفي ..فحين يقول لنا ان المقاومة طائفية لانه "لم يصادف أن وجد أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده" و يضيف "علما أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة" .. فهو يدحض نفسه بنفسه .. فالوطنية هو ان تنظر للعراقي على اساس المواطنة، على اساس عراقيته .. اما ان تقول ان نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة فهو نفي لمفهوم "العراقيين" كشعب من وجهة النظر الاصطلاحية .. وهذا تناقض داخلي في منطق الركابي .. وسبب هذا التناقض هو غياب اصطلاحي تام في استخدام الركابي للكلمات .

باختصار .. الركابي يريد الغاء العملية السياسية الامريكية لانها قائمة على المحاصصة الطائفية التي اعطتنا الكارثة الحالية .. ولكنه وياللغرابة يطالب فيما يخص المقاومة باحياء المحاصصة .. من هنا مطالبته بـ "كوتا" طائفية في المقاومة وحجته ان نسبة الشيعة في العراق تفوق عددياً السنّة .. وهذا ليس "منطق" من لا يمتلكون منطق .. لا، لا .. انه "منطق" من لم يخرجوا بعد من المنطق الطائفي .. لعدم امتلاكهم رؤية اصطلاحية للهوية العراقية .. لذلك هم غير قادرين على رؤية الاخر الا من خلال انتمائه المذهبي .. من هنا فان المقاومة هي سنية وطائفية فقط لعدم وجود "أي شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده" .. هل ترون ما ارى ؟؟ هل يذكّركم هذا الخطاب بالماضي القريب ؟؟ حتى امام المقاومة هناك مظلومية شيعية !!

2009/04/27

حتى الحقيقة لها رائحة كريهة عندما تخرج من بعض الافواه

اتهم خامنئي امس امريكا بتنفيذ التفجيرات الاخيرة في العراق، عندما قال ان "المشتبه بهم الرئيسيون في هذه الجريمة وجرائم مشابهة لها هم قوات الامن الامريكية والجنود الامريكيون" .. لا جديد .. جرائم فرق الموت الامريكية معروفة في العراق كما في انحاء اخرى من العالم .. ولكن خامنئي اضاف بالتقية المعهودة "ان القوات الامريكية احتلت دولة اسلامية بحجة مكافحة الارهاب وقتلت عشرات الالاف من الاشخاص هناك" .. اتهام خامنئي ياتي بعد اربعة ايام من اتهام احمدي نجاد لاسرائيل بارتكاب جرائم "تطهير عرقي" ضد الفلسطينيين .. ومطالبته بمحاسبتها على تلك الأعمال الوحشية .

واحدة من اهم علامات الاستخدام السياسي الشعاراتي لقضية ما هو تناقض وازدواجية المستخدم لها على ارض الواقع .. خامنئي يدين الاحتلال الامريكي اليوم ولكنه ينسى او يتناسى ان ايران قد ساعدت امريكا في احتلالها للعراق .. واحمدي نجاد يتهم اسرائيل بارتكاب "تطهير عرقي" ضد الفلسطينيين ويعطينا محاضرة في مبادئ حقوق الانسان .. ولكنه ينسى ان ايران ارتكبت وترتكب جرائم تطهير عرقي وطائفي في العراق افضع من تلك التي اقترفتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني .

لعبد الباري عطوان وجوقته ان يستمروا بنقد حكام العرب حد الاجترار الممل .. وليسار الكافيار وخصوصا اللبناني ان يتحولوا من المادية الديالكتيكية الى العمل بالمقولة العشائرية "عدو عدوي صديقي" ..وللكتاب الفلسطينيين ان يحلفوا باغلظ الايمان بان "ايران لا تشكل خطورة على دولنا العربية والاسلامية، فلماذا لا نقوم بالتحالف معها" .. كل له الحق ان يحصر نفسه ضمن منطق الثنائيات الغبي .. اما نحن فنرفض مثل هكذا منطق ضيق .

نحن رؤوس العراق التي حفرتها المثاقب الايرانية .. نرفض ان نختار بين ايران واسرائيل .. لاننا نرفض الاختيار بين شرّين ..ونرفض اختيار اقلهما شرا .. لسنا مجبرون على الاختيار بين اسرائيل وايران .. وسلوكيات حكام العربان ليست ولن تكون سببا للارتماء في احضان ايران .. كما يطلب منا عبد الباري عطوان وجوقة ابواق يسار الكافيار.

نحن الاجساد التي تم حرقها في تنور الزهراء .. نحن الاطراف التي تم تقطيعها ورميها في المزابل .. نحن الايتام والارامل والمهجرين بالملايين .. نحن ضحايا الاحتلال الامروايراني نرفض ان تتكلم عمامة منافقة قبيحة كخامنئي بالنيابة عنا وعن جروحنا .

ونحن رؤوس العراق التي ثقبتها الدريلات الايرانية .. نرفض محاضرة احمدي نجاد عن حقوق الانسان ونتهم ايران بارتكاب جرائم التطهير العرقي والطائفي ضد العراقيين ونطالب بمحاسبتها على اعمالها الاجرامية ولعبتها القذرة في العراق .. وحجتنا الاخلاقية ضد التكتيك الايراني هو قول الشاعرالعربي :

لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله ، عار عليك اذا فعلت عظيم

2009/04/10

"السقوط "



المكان ساحة الفردوس .. الزمان يوم امس .. الحدث : تظاهرة بمشاركة الاف من ردّاحة مقتدى الصدر .. الفعاليات : تنويعات على هوسة "ها خوتي ها".. والهتاف بشعار "تسقط امريكا" ..اضافة الى حرق دمية تمثل بوش و اخرى تمثل صدام .. ثم اختتام الفعاليات الردحية بتقبيل ومعانقة للشرطة وللجيش !!

السؤال هو .. اما كان انفع ان يتم توجيه تلك القطعان الى ازبال وقاذورات مدينة "الصدر" لتنظيفها ؟ اما كان انفع ان يتم توزيع تكاليف تنظيم ونقل عشرات الالاف من الرداحة الى فقراء الشيعة الذين يعيشون في المزابل ؟ ما نفع الردح امام الدبابة ابرامز ؟ خصوصا اذا علمنا ان مقتدى الصدر صاحب مقولة "تكتيك حبيبي" قد لجأ لاسلوب المسيرات والردحيات القطيعية بناء على توجيهات ايران التي ارادت تهدئة اللعبة مع الشيطان الاكبر وتقاسم النفوذ معه في العراق ؟

لمقتدى "تكتيك" ان يمنح الاولوية لمصالح ايران "الجيوشيعية" .. سنتفهم ذلك خصوصا وهو يقيم اليوم في سراديب قم عاكفا على دراسة فقه النكاح ! ولمقتدى ولسرسريته ان يقيموا المسيرات الردحية .. سنحاول ان نتفهم ذلك ايضا !! فلِلسيد ان يتصرف بالقطيع كيفما شاء خصوصا اذا كان "القطيع" سعيد بعبوديته !! كل له الحق ان يعيش عبدا .. ولكن كثير على عقولنا استخفاف "ملا تكتيك" حين يرفع شعارات طرد المحتل في ذات الاماكن التي تشير رمزيا للاحتلال والتي كرسها الاحتلال .. فاقامة احتفاليات تهتف بطرد المحتل في ساحة الفردوس التي مسرّح فيها المحتل صورة احتلاله قبل ستة سنوات .. هو قبول برموز وصور الاحتلال .. والغباء او التغابي في مثل تلك الامور ليس عذرا .. فقانون الوطنية لا يحمي المغفلين او التقية .

لنكن واضحين .. جماعة التيار الردحي جاءوا ساحة الفردوس للاحتفال بـيوم "سقوط الصنم" كما يطيب لعرضحالجية ثقافة اللطم ان يسموا يوم احتلال العراق .. سقط صنم .. ربما .. ولكنهم رفعوا اصنام .. واسسوا لثقافة الاصنام .. والسبب هو انهم يخلطون بين "اعلان حقوق الانسان" و "اعلان حقوق الاصنام" !! من هنا فاشية الشعائر اللطمية العابدة لاصنام الجاهلية الثانية .. فصنمية ان يُعبد "الشباك" !! وصنمية ان يعيش الاحياء عبيد للاموات .

كلمة اخيرة بهذة المناسبة .. وهنا الاهم .. اقلام الدكاكين البترودولارية ما زالت تتكلم عن "سقوط بغداد" .. وذكرى "سقوط بغداد" .. والسؤال هو : كيف حصل وبعد ستة سنوات احتلال ورغم مئات الالوف من العسكر اليانكي والمرتزقة والمماليك وما زال الرئيس الامريكي غير قادر على الاعلان مسبقا عن زيارته لبغداد "الساقطة" ؟ واوباما قبل يومين لم يجرؤ على دخولها حتى !! كم من العواصم العربية "الغيرساقطة" تستطيع مثل هكذا اباء ؟؟ رائع مثل هكذا "سقوط" !!

2009/03/30

حين يضحك التاريخ ويبكي


بمناسبة مرور ست سنوات على الاحتلال ، طالعتنا جريدة الحياة بلقاء مطول وعلى حلقات مع احمد الجلبي ..لما لا .. هو وقت مراجعة لاحداث العراق الجسام .. ويبدو ان الحياة لم تجد افضل من الجلبي ليقوم بهذه المراجعة !! علينا اولا ان نسجل وللامانة التاريخية ان نباح الجلببببي قد خف قياسا للسنوات السابقة .. كيف لا وقد تم استرداد ما ضاع من ورث العائلة الاقطاعية .. يا ملياراتنا !! ولكن الجلبي الذي اعتاد ان يعطي لنفسه اهمية اكبر من حجمه ما زال هو هو لم يتغير .. مسكين هذا القرقوز الذي لم يفهم حتى الان انه لم يكن غير بيدق نبّاح استخدمه السيد الامريكي مرحليا .. من يقول لهذا القرقوز ان قافلة الامبراطورية السارقة لثروات الشعوب تحركها حسابات استراتيجية اكبر حتى من رؤساء امريكا فما بالك بجلبببببببببببببببي لايحسن غير النباح .

ساضع جانبا حجم المعرفة "الهائلة" بالشان العراقي والتي يتمتع بها الصحافي اللبناني الذي اجرى الحوار بحيث يسمع كلمة الرصافة بعد الكرخ ويكتبها " الروسان" !! ولكنني ساتوقف عند جملة الصحافي التي يبرر بها اختيار احمد الجلبي، اذ يقول : "الصحافة لا تبحث عن الابرياء ولا تعيش على قصص القديسين" .. لا فض فوك !! نعم صحافة البترودولار تبحث عن خونة يمثلون اوطانهم لكي يغطون على امراء العار من حكام المحميات النفطية .. نعم صحافة البترودولار لاتبحث عن الابرياء لان هدفها هو ابدال مهنة البحث المتاعب بمهنة البحث عن الفضائح .. من يقول لهذا المسبح بحمد آل سعود ان اقوال المرتزقة والسرسرية (الزعران باللبناني) لا ولن تكون اساسا لكتابة التاريخ .. من يقول لهذا القلم اللبناني المباع ان الناس لا تنتظر معرفة من الاقلام المباعة .. فعندما يباع ويشترى القلم فانه يفقد شرعيته المعرفية.

التاريخ سيضحك حين يسجل ان سقراط دفع حياته ثمنا لترسو مهمة قول الحقائق اليوم عند دكاكين آل سعود الصحفية ! والتاريخ سيضحك حين يسجل ان الجلبي وامثاله من ابناء واحفاد البيوتات الشيعية يتكلمون اليوم بأسم فقراء الشيعة .. نعم التاريخ سيضحك حين يسجل ان احمد الجلبي، حفيد الاقطاعي الذي كانت سياط عبيده الافارقه تبتز جيوب فقراء الشيعة، يتكلم اليوم باسم فقراء الشيعة .. والتاريخ سيضحك حين يسجل ان عادل عبد المهدي المنتفجي الذي كانت سياط سراكيل جده تلسع اظْهُر فقراء الجنوب يتكلم اليوم عن مظلومية الشيعة .. والتاريخ سيضحك باكيا حين يسجل ان الدولة العراقية التي انشئت اول مدرسة في الجبايش عام 1924 (شاكرمصطفى سليم، الجبايش ص. 239) بعد ان الغت مشيخة آل خيون وسياط واستعباد آل خيون للمعدان اصبحت اليوم تنعت بـ "الدولة السنية" من قبل احفاد المعدان !

نعم التاريخ سيضحك حين يسجل ان من ساهم في تكريس مقولة "الدولة السنية" داخل الرؤوس الاسفنجية هو بالذات من يقول لنا اليوم بان شيعة السلطة الحاكمين الان لا يمثلون شيعة العراق كما ان سنة السلطة لم يكونوا يمثلون سنة العراق .. الفهلوي حسن العلوي الذي استخدمه الجلبي ذات حملة نباح مسعورة ضد "الدولة السنية" ايام كان رئيسا لتحرير جريدة المؤتمر الممولة امريكيا انذاك .. العلوي الذي كان عادل عبد المهدي المنتفجي يمول ويطبع كتبه العاوية بمظلومية الشيعة .. هذا العلوي يقول لنا اليوم فقط وبعد خراب البصرة انه يفرق بين شيعة السلطة وبين شيعة العراق كما يفرق بين سنة السلطة وسنة العراق !

هل كنا نحتاج لخراب العراق لكي يتوصل فرسان ثقافة اللطم الى تلك البديهية ؟؟ سؤال رهيب !! لانه سؤال يكشف خواء الثقافة العراقية المتبجحة دائما .. انه سؤال المسافة بين الشعار والمصطلح .. بالاحرى سؤال غياب المسافة بين الشعار والمصطلح في الثقافة العراقية .. سؤال غياب الطرح الاصطلاحي لمفردتي "سنة" و"شيعة" مما فسح المجال اما الاستخدام السياسي الشعاراتي لهما من قبل تجار الجرح و "كهنة" الاحقاد القرووسطوية .. مفردتي السنة والشيعة وخصوصا الاستخدام الشعاراتي لهما هما سلاح دمارنا الشامل .. سلاح دمارنا الذاتي الشامل .. وللعقود القادمة .

عندما يتصدى صحافيون فهلوية كحسن العلوي للتاريخ .. وعندما تسود القراءات الشعرية للتاريخ في الثقافة العراقية .. فالنتيجة دائما قراءات مبتسرة وتسطيحية للماضي .. والقراءات المبتسرة والتسطيحية للماضي هي بالضرورة قراءات قاتلة للحاضر .. من نبوخذ نصر الى السيستاني .."بابل" تُنهب من جديد !