2009/01/28

ديمقراطية البطانيات


يبدو ان الشتاء قارص جدا في عراق الاحتلال .. من هنا شعار "خذ بطانية وامنحني صوتك" .. ويبدو ان مبدأ الديمقراطية الاهم : " وان فويس، وان فوت" قد تم تحويره الى : "صوت واحد .. بطانية واحدة" .. فالاخبار القادمة من ديمقراطية البطانيات تحكي قصص مضحكة مبكية .. ومن بين قصص البطانيات الكثيرة تستوقفني حكاية "البطانية والملا" : يقال ان احدى القوائم في الناصرية قدمت بطانيات لعائلة فقيرة مقابل منح اصواتها ولكن العائلة "استفسرت عن جواز ذلك من احد رجال الدين الذي اجابهم : طالما انكم عائلة فقيرة فبامكانكم قبول هذه الهدايا لكن ليس على حساب اصواتكم التي يفترض ان تمنحوها وفق قناعتكم" .

لنلاحظ اولا كيف تحولت البطانيات التي تعتبر رشوة في العرف القانوني الى "هدايا" في لغة رجل الدين الشيعي .. ثانيا، الفقر لا يشكل عذرا لكي تقبل باسمه رشوة .. فقبول الفقير برشوة هولاء اللصوص هو مساهمة غير مباشرة في ادامة فقر الفقراء .. فمليارات الدولارات التي كانت كفيلة بإزالة فقر الفقراء نهبها امثال هولاء الساسة المرتشين والراشين .. وقبول "هداياهم" هو مساهمة غير مباشرة في استمرار سلوكيات نهبهم للمال العام .. وهنا اكثر من أي مكان اخر تصح مقولة "الضحية يتحمل جزء من المسؤولية في وضعه كضحية" .. بتعبير اخر، عندما يقبل الفقير "هدايا" اللصوص فهو يساهم في ادامة وضعه كفقير.. انه منطق المسؤولية .. وبلا حس مسؤولية ومواطن مسؤول لن يكون هناك عدالة تنصف الفقراء ولا وطن يحميهم .

على النقيض من منطق المسؤولية هذا الذي هو عماد الحداثة السياسية، يقف "منطق" رجل الدين الفهلوي : لكم ان تأخذوا بطانيات القائمة ولكن لا تصوتوا لهم !! بمعنى اخر : لكم ان تأخذوا الرشوة ولكن لا تصوتوا للراشي .. وعاشوا عيشة سعيدة !! لا يحتاج المرء الى معرفة كبيرة لكي يفهم ان منطق رجل الدين الشيعي هنا قائم على مفهوم "خمطي" يتناقض تماما مع الصالح العام .. وهو نفس المفهوم الذي تم بموجبة "حسم" ونهب مؤسسات العراق ايام الفرهود التاريخي .. فقط عندما نفهم هذا المنطق الخمطي المهادن لسلوكية الرشاوى نفهم عندها اين ذهبت المليارات المسروقة .. فبمثل هذه "الاخلاقيات" الخمطية ارادوا حكم العراق .. هل نستغرب بعد ذلك ان يتصدر عراق "عمامة بلا حدود" قائمة البلدان الاكثر فسادا في العالم !!

وكما ان حكاية "البطانية والملا" تطرح اسئلة عن قيمة " دين" يحث المواطن على قبول رشوة .. فانها تطرح اسئلة اخرى عن استحقاقات وشروط الديمقراطية .. فما قيمة الديمقراطية كممارسة حين يغش المرشح ؟ وحين يقبل "المواطن" بالبطانيات الرشوة ؟ وحين يحلل "قواد الدين" الرشوة ؟ والسؤال الاهم الذي ينخر رأسي هو : ماذا تعني ديمقراطية يذهب فيها "مواطن" الى رجل دين لكي يعرف ما اذا كان سلوك مرشح فاسد حرام ام حلال؟؟ معقول !! معقول ان الجهل قد وصل الى هذا الحد !!

الناس في الديمقراطيات ينتخبون اشخاص يعتقدون انهم قادرين على تحسين حياتهم وضمان مستقبل اطفالهم .. ينتخبون اشخاص يعتقدون انهم قادرين على بناء مدارس ومستشفيات وطرق الخ .. اما في الديمقراطيات المحمولة جوا فان "عبيد السادة" تكفيهم بطانية و"تشغلهم" عن المصلحة العامة بطانية .. لذلك تراهم ينتهزون مناسبة الانتخاب لكي يطرحوا سؤالهم الوجودي الاوحد : هل البطانية الرشوة حلال ام حرام !!

يبدو ان ارسطو على حق : "بعض الناس ولدوا لكي يعيشوا عبيد" .

2009/01/11

عندما اسمع كلمة ثقافة


قبل ثلاثة ايام وبمناسبة "إحياء اليوم العاشر من محرم" قام المسرحي العراقي جواد الاسدي بتقديم شخصية الحسين على المسرح في بيروت .. والاسدي تعليقا على هذه المساهمة اللطمية يقول لنا ان " من واجب المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة إعادة كتابة شخصية الحسين. كتابةٌ تقدّم إلى العالم كما فعل بيتر بروك عندما أعاد كتابة الميثولوجيا الهندية في «المهابهاراتا» فقدّمها كمبتكر جمالي ومعرفي جديد".. اما عن سبب وأهمية مسرحة الحسين فالاسدي يقول لنا : " العالم يحتاج إلى معرفة الميثولوجيا العربية والكونية الإنسانية التي تنبثق من تاريخنا " انتهى

في كلمات الاسدي هناك الكثير مما يستحق "الرجم" بالكلمات .. ولكن المجال لا يتسع لمشاكسة كل شطحات الاسدي في دفعة واحدة .. لذلك ساركز على ما يبدو لي في صلب المشكل العراقي .. اولا ان مقارنة الاسدي لـ "محكية" الحسين بالمهابهاراتا الهندية هو تحليق حر ومجاني في فضاء الاستخفاف .. و"دحس" اسم بيتر بروك هنا لا يكفي لتحويل هذا الاستخفاف الى حجة مقنعة .. نعم "محكية" المهدي تنتمي الى الميثولوجيا لانها قصة مفبركة ليس لها اساس تاريخي .. ولكن "محكية" الحسين وان اخذت عبر الاجيال ابعاد اسطورية في تفاصيلها تبقى حدث تاريخي .. وكل ثقافة تبتغي المعرفة يجب ان تؤكد على تاريخية الحدث وليس "تغنيصه" و"اسطرته" تحت مسميات تضبب الرؤوس وبالتالي تساهم بصورة غير مباشرة في "زرفها" .

المحكية الحسينية ليست "ميثولوجيا" .. والبعد الزمني ليس كافيا لمنحها صفة الميثولوجيا .. وذلك لان كل حدث تاريخي ومهما بَعُدَ في التاريخ يظل "حدث حاضر" طالما انه "فاعل" في الحاضر .. والمحكية الحسينية مازالت "حدث" حاضر اجتماعيا وسياسيا وفاعل بالحاضر بقوة تدميرية .. لا بل هي عنصر مهم في موضوع الصراع على الحاضر .. سلاح في الصراع على الحاضر .. ومقارنة مثل هكذا"محكية" تساهم في زرف الرؤوس بالدريل وحرق البشر في تنور الزهراء بالمهابهاراتا الهندية تنم عن سطحية مذهلة لا يجرؤ عليها إلا "شيوعي" سابق يريد البكاء على الحسين ولكنه "يتجمّل" .

الثقافة هي عنصر الجمال زائد عنصر الذاكرة (بالمعنى التوثيقي المعرفي لمفردة الذاكرة) .. وتغليب البعد الجمالي على البعد المعرفي النقدي كما يفعل الاسدي في لطميته هو "خيانة" للثقافة ..ذلك ان الطرح الذي يتبناه الاسدي بمواجهة "الحدث الحسيني" هو انتصار للاسطورة على حساب "الذاكرة" .. وهذا اخر ما يحتاجه العراق اليوم .. فالعراق المطعون بالخزعبلات اليوم بحاجة الى تغليب "الذاكرة" كفعل معرفي على "الاسطورة" كفعل زارف للرؤوس .


النقطة الأخرى التي تصفع الانتباه في كلام الاسدي هو تعبير"المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة" .. قليل من الانتباه رجاءً .. ساعيد كتابة هذا التعبير الذي يحلق عاليا في فضاء التوليد الاجتراري للكلمات .. اسمعوا: "المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة" .. تعبير الاسدي هذا هو تعبير قادم مباشرة من مقاهي ستينات وسبعينات العراق .. مقاهي شهدت ولوج افكار "الواقعية الاشتراكية" السوفيتية داخل رؤوس هشة فكريا خرجت بالكاد من "عباءة الملا".. وهذا الولوج "الصدفوي" انتج مسوخ ثقافية شبيهة بالمسوخ السياسية التي انتجها اليسار العراقي .

باستثناء مفردة "تأملية" فان كل المفردات التي تشكل تعبيرالاسدي هنا تحمل غبار واتربة لغة اليسار العراقي الاجترارية .. فـجواد الاسدي هو سليل "ثقافة" اعطتنا سياسيا "ماركس ابو دشداشة" صاحب نشيد "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" .. واعطتنا شعريا "مايكوفسكي ابو دشداشة" الذي ما زال يكتب "شعر الكلمات المتقاطعة" الملتبس .. واعطتنا مسرحيا "بريخت ابو دشداشة" الذي يلطم اليوم على المسرح .. ترى .. هل تم ادخال كلمة "تأملية" هنا لكي "تفلسف" باطنيا الاستدارة اللطمية ؟ ام ان "المودة" اليوم داخل الوسط الثقافي العراقي هو ان تكون "صوفي" .. "تأملي" .. كما كانت الموضة تحتم سابقا ان تكون طليعي ، تجريبي ؟

انا من جيل وعى العالم يوم كانت تلك المفردات تلفظ انفاسها الاخيرة .. و"الثقافة الطليعية".. "الثقافة الجديدة" .." الثقافة التجريبية" هي مفردات طالما سمعنا عنها .. قرأنا لها .. وانا شخصيا حضرت حتى بعض عروضها المسرحية ذات عراق .. آنذاك كان بريخت "يحكم" خشبة المسرح العراقي براديكالية دكتاتور.. و"ابو الدشداشة" كان "لا يحلف إلا بأسمه".. والويل لمن يحيد عن الطريق "البريختي" .. فتهمة الرجعي او البرجوازي كانت اسهل التهم في جعبة "كُتاب التقارير" الجمالية .

نعم تلك "الثقافة الطليعية التجريبية الجديدة" عرفناها .. ولكن ما نعرفه ايضا، وهنا الاهم، هو ما آلت اليه تلك "الثقافة الطليعية".. فسقوط "بريخت ابو دشداشة" لايعادله سقوط .. وانموذج هذا السقوط هو سامي عبد الحميد الذي عمل قبل الاحتلال الامريكي باشهر على مسرحة رواية صدام حسين "زبيبة والملك" وقام بعد الاحتلال باشهر بمسرحة شخصية محمد باقر الصدر .. وسامي عبد الحميد هو من ابرز مسرحيّ الجيل " الطليعي" .. واظن ولست متأكدا ان الاسدي هو من "تلامذه" عبد الحميد السابقين .. والاسدي ما زال يتكلم عن "مثقفين وثقافة طليعية تجريبية تأملية جديدة !

مسكينة أيتها "الثقافة" كم من الجرائم ارتكبت باسمكِ .. ومسكينة ايتها الثقافة كم من الضحالات ارتكبها باسمكِ "المثقفون الطليعيون" .. لا أحب جملة غوبلز :"عندما اسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي" ..ولكن بما ان الثقافة قد تخلت عن وظيفتها النقدية المعرفية التي ازعجت غوبلز ذات "فاشية".. وبما ان "ثقافتنا" اليوم تعمل بشعار "لطم مع الناس عيد" .. وبما ان "طليعتنا" الثقافية على هذا المستوى من الضحالة .. فانني اجد نفسي مجبراً على محاكاتها .. فانا اليوم عندما اسمع كلمة "ثقافة عراقية" أتحسس قندرتي
.