2009/05/30

المغالطة التاريخية .. الماضي بعيون نبوخذنصر


" لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 قبل الميلاد، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".. هذه الجملة جاءت ضمن مقال لـ دوني جورج رئيس هيئة الآثار العراقية و المدير العام السابق لمتاحف العراق.. وهو يقول لنا انه سمعها من أستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، البروفسور فاضل عبد الواحد.. كيف ولماذا ؟ لا تعرف.. هي قنبلة صوتية وكفى.. وليس من خصال الجمل المصوتة ان تبرر نفسها او تمنطق حجتها.. الجمل الصوتية تكتفي بصوتيتها.. تكتفي بضوضائها.. هي عندي اغبى جمل الاسبوع.. ومشاكسة الغباء واجب وطني في عصر مقتدى الصدر.

فحوى مقال دوني جورج هو ان الاشوريين اليوم يشكلون قومية اما الكلدانيون فلا يشكلون قومية.. وهو من اجل دعم "الامة الاشورية" يسخر الماضي بانتقائية ليست جديدة علينا من اجل ان ينتصر لـ"امته الاشورية" في الحاضر.. ولكن ما يهمنى في المقال هي القنبلة الصوتية: " لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 ق.م، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".

من يقول لـ دونى جورج ان من تحالف مع "الاجنبي" لاسقاط الدولة الاشورية هو الملك نبوبولاصر وليس ابنه نبوخذنصر.. هذا الخطأ الذي يرتكبه "رئيس هيئة الاثار العراقية" مضر حتما بسمعة هيئة الاثار العراقية.. ولكنني شخصيا لا اعيره اهمية كبيرة.. في الجملة ما هو اهم عندي من الخطأ في الشخصيات التاريخية.. في الجملة المصوتة نظرة اسطورية للماضي قتلتنا وما زالت تمعن بالقتل.. في الجملة خطأ منهجي يُطلق عليه في "الكواكب" التي تستفيد من ماضيها اسم المغالطة التاريخية.

مفردة "الاجنبي" هي الكلمة الاهم في جملة (" لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي .... الخ).. لانها المٌسلّمة التي يستند عليها المعنى المتضمن العام .. نبوخذنصر تعاون مع الاجنبي.. والمعنى المتضمن هو ان نبوخذ نصر ليس اجنبيا.. اي هو عراقي بالمعنى الكليشياتي السائد اليوم.. هو عراقي من وجهة نظر المحكية العراقية الحاضرة للماضي القديم.. وهنا نحن امام مغالطة تاريخية.. كلمة "مغالطة تاريخية" بالعربي لا تقول الكثير.. ولكن المغالطة التاريخية بالمعنى الاغريقي للكلمة هو خطأ في التاريخ سببه عدم التمييز بين الازمنة التاريخية وبالتالي الخلط بينها.. مثلا حين يتم اسقاط مفاهيم ورؤى الحاضر على احداث الماضي فانت ترتكب مغالطة تاريخية.. حين يقول سعودي اليوم ان "النبي" محمد سعودي فهو يرتكب مغالطة تاريخية.

غاية التاريخ كـ علم لدراسة الماضي هو فهم او عرض الماضي لا كما نراه نحن.. ولكن قدر المستطاع كما كان يراه ويعيشه ويفهمه الذين كانوا موجودين فيه.. واذا استطعنا فعل ذلك بخصوص "صاحبنا" نبوخذنصر.. فاننا سنفهم عندها الكيفية التي كان ينظر بها البابلي للاشوري او العكس.. و بالتالي معرفة هل كان نبوخذنصر "عراقيا" ام لا.. وهل تحالف هذا البابلي "الخائن" مع الاجنبي كما يقول لنا دوني جورج .

في كتابه "التاريخ بدء في سومر" يصف صاموئيل كرامر ونقلا عن النص السومري اول حرب اهلية ..بالاحرى اول تسجيل تاريخي (كتابةً) لـ "حرب اهلية" بين مدينتيّ لكش و اووما.. و قد كانت حربا من اجل الحدود بينهما ( لاجديد تحت الشمس ).. تنتصر لكش في الجولة الاولى .. يتم الاحتفال بهذا النصر على عادة تلك الايام برفع مسلات شارحة للحدث و لاتفاق ترسيم الحدود الخ .. ولكن بعد فترة يقوم اوش ايشاكو قائد اووما بنقض الاتفاق وتحطيم المسلات الحدودية ويسترجع الارض المتنازع عليها.. وتبقى الارض بحوزة اووما لفترة طويلة.. و عندما يتسلم عيناتوم السلطة (وهو حفيد حاكم لكش الذي قاد الحرب الاولى) يقوم بمهاجمة اووما واسترجاع الارض المتنازع عليها.. وما ان يمر جيل على تلك الهزيمة ويستلم السلطة في اووما حاكم جديد هو اور لوما حتى يقوم بنقض الاتفاقية و بتحطيم وحرق مسلات الاتفاق.. ولكن (وهنا المهم في حكايتنا ) ومن اجل ان يضمن اور لوما انتصار حملته هذه ضد لكش فهو يتحالف عسكريا مع " الاجنبي الذي يحكم في شمال سومر" (التنصيص من كتاب كرامر "التاريخ بدأ في سومر" ص. 77 . من الطبعة الفرنسية لعام 1957) .

مصدر هذه الحكاية هو "مؤرخ" من مدينة لكش.. ولو قرأنا كل الوثيقة لعرفنا انها تطرح رؤية "لكَشية" للصراع.. واذا ما تذكرنا انتقائية رئيس هيئة الاثار العراقية ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي.. فأننا حتما سنعذر انتقائية "رئيس هيئة اثار لكش" في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد!! لا نطلب من اول وثيقة تاريخية عن "حرب اهلية" ان تكون موضوعية.. نحن اكثر من سعداء بهذه الوثيقة الرائعة حتى مع عدم موضوعيتها.. على الاقل " رئيس هيئة اثار لكش" لايدعي انه يحمل دكتوراه.. ولا يجند مناصبه الرسمية والقابه العلمية كما يفعل صاحبنا "رئيس هيئة الاثار العراقية" من اجل دعم ونصرة قضية الامة الاشورية !!

كما ان مفردة "الاجنبي" في جملة " رئيس هية الاثار العراقية " هي اهم ما في جملته.. فان مفردة "الاجنبي" في وثيقة "مؤرخ لكش" هي ايضا اهم ما يهمنا هنا في وثيقته.. واذا ما تذكرنا ان التاريخ كعلم هو عرض الماضي لا كما نراه نحن.. ولكن كما كان يراه ويعيشه ويفهمه الذين كانوا موجودين فيه.. فان ما يقوله اللكشي هنا هو الماضي كما يراه شخص عاش فيه.. و اذا كان من الصحيح تاريخيا ان اللكشي كان ينعت من يسكن على بعد عشرات الكيلومترات الى الشمال من ارضه بالاجنبي.. فصحيح تاريخيا ايضا هو ان البابلي كان ينعت الاشوري الذي يسكن على بعد مئات الكيلومترات الى الشمال من بابل بالاجنبي.. خصوصا اذا ما وضعنا في نظر الاعتبار الصراع الدائم بين بابل واشور .

فالتاريخ يقول لنا مثلا ان خطر العيلاميين فقط هو ما كان يمنع بابل في بعض فترات صراعهما الطويل من مقاتلة اشور.. حتى حين احتلت اشور بابل خلال ما يقارب مئة عام ظل التمرد ديدن بابل.. لا بل حتى حين نصب اشوربانبيبال شقيقه حاكما على بابل فان هذا الاخير انتفض على شقيقه رغبه منه بالاستقلال عن وصاية اشور.. وقد احتاج اشوربانيبال اربع سنوات حرب لكي يفشل محاولة الانفصال "الاخوية".. وبعد سنوات من ذلك نجح نبوبولاصر في محاولته .. و نجاح تمرد نبوبولاصر لم يكن بسبب تعاونه مع "الاجنبي" فقط (اشور تعاونت مع الفراعنة في فترة اسبق للتحرر اقتصاديا وبالتالي سياسيا من وصاية بابل).. بل كان راجعا ايضا الى ذكاء هذا الاخير في التمرد بعد وفاة اشوربانيبال وهشاشة فترة انتقال السلطة التي شهدت كعادة تلك الايام صراع بين الامراء على العرش الاشوري .

اذا فالبابلي كان يرى في الاشوري شخص اجنبي كما كان يرى في العيلامي شخص اجنبي.. ولكن رئيس هيئة الاثار العراقية يرى الماضي بمنظار الحاضر معتقدا ان بلاد ما بين النهرين انذاك كانت تشكل وحدة سياسية.. وتجمعها هوية وطنية واحدة.. و الادهى هو انه يعتقد باعتباره "اشوري" يدافع عن "الامة الاشورية" بان الدولة الاشورية قد نجحت بفرض هوية "عراقية" على بلاد ما بين النهرين.. وهذا غباء ومن النوع المضر بالصحة.. خصوصا اذا علمنا ان الدولة الاشورية كانت تستخدم الحرب كوسيلة نهب اقتصادي وابتزاز لثروات الناس في المناطق الاخرى.. ووحشية الجيش الاشوري معروفة (رغم ان الوحشية لم تكن حصرا على اشور).. ونحن نعرف ان اخذ المناطق بالقوة قد يحصل على كل شيء ولكنه لا يستطيع انتزاع الولاء .

بأختصار.. نبوخذ نصر كان يعتبر نفسه بابلي قبل كل شي.. وهو لم يكن يعتبر نفسه "عراقي" كما يضن دوني جورج اليوم.. وبهذا المعنى فان "نبوخذ نصر".. عفوا نبوبولاصر لم يتعاون مع اجنبي ضد عراقي كما يعتقد دوني جورج.. وانما هو تحالف مع اجنبي ضد ما يعتبره اجنبي وهو الاشوري.. وعندما يعتقد رئيس هيئة الاثار العراقية ان نبوخذنصر او اشوربنيبال هما عراقيان فهو لايقل سذاجة عن المغني السعودي محمد عبده الذي قال مؤخرا بأن "النبي" محمد سعودي.. فكلاهما يسقط الحاضر على الماضي.. يسقط تسمية معاصرة على الماضي.. والسبب لانهما يخلطان بين الثابت الجغرافي (الجزيرة العربية او بلاد ما بين النهرين) وبين المتغير التاريخي (الانظمة السياسية ومسمياتها وايديولوجياتها التي حكمت تلك الجغرافية) .

لا ننتظر من رئيس هيئة الاثار العراقية ان يقول لنا لماذا لم يقل جملته المصوتة هذه حين ساد شعار" من نبوخذ نصر الى صدام حسين بابل تنهض من جديد".. لا ننتظر منه ذلك.. فالبشر اكلي خبز قبل كل شي كما يقول فلاسفة اليونان!! ولكنني اتمنى ان يقول لنا يوما (اذا كان يمتلك معلومات بهذا الخصوص) ما اذا كانت عقوبة قطع الاذن التي انتشرت في تسعينيات العراق قد استُلهِمت من شريعة حمورابي التي تقول احدى موادها: اذا قال عبدا لسيده "انت لست سيدي".. واذا ما قدّم السيد ادلة على ملكيته للعبد.. فمن حق السيد ان يقطع اذن العبد".. منذ قرأتي لهذا المقطع لاول مرة قبل ثلاث سنوات تقريبا وانا اتسائل هل تم استلهام عقوبة قطع الاذن في تسعينات العراق من شريعة حمورابي.. هذه الاحتمالية اذا صحت ستجعلني امقت اكثر القراءات الاسطورية للماضي .

نعم.."لو لم يتحالف نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 ق.م، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".. ربما ما كنا حصلنا على عقوبة قطع الاذن البابلية.. وانما على عقوبه فقء العين التي كان يمارسها الملك الاشوري بعبيده واسراه.. المغالطة التاريخية لا تُشكّل اعتداء على الماضي فقط ولكنها غالبا ما تقتل الحاضر .

2009/05/10

طائفية !!! تقول انها طائفية !!


هناك كومة من الكتاب العراقيين يدّعون مناهظة الاحتلال ولكن عندما تقرأ كتاباتهم يخال لك ان العراق محتل من قبل المقاومة العراقية وليس من قبل امريكا وايران .. فهم نادرا ما يتصدون للاحتلال او مماليكه.. ولكنهم بالمقابل يكرسون جل جهدهم لتسقّط هفوات المقاومة .. عبد الامير الركابي واحد من هولاء .. وهذا الركابي هو راكب موجات معروف ما ان يجف فيه وبه تيار ايديولوجي حتى "ينط" راكبا موجة اخرى سابحا مع التيار.. باختصار تلميذ نجيب لـ عزيز الحاج الذي قايض رفاقه وحزبه الشيوعي بمنصب ممثل العراق في اليونسكو .

قبل ثلاثة اشهر وامام نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة اعتقد الركابي انه امام موجة جديدة .. وهو وبحس راكب الموجات المتمرس اعتقد انه لابد من ركوبها .. وهكذا كان .. عاد للعراق وقابل المالكي .. واخذ يصرخ من كل المنابر بضرورة عودة المعارضة العراقية للعمل من الداخل .. وحجة راكب الموجات هذا هو انه لمح عند المالكي ارهاصات "قناعة يضمرها ضد العملية السياسية الأميركية" .

هذا الذي يقدم نفسه على انه منظّر زمانه ..هذا المحلل الفلتة اعتقد ويعتقد ان المالكي الذي هو صنيعة العملية السياسية الامريكية ودميتها الاكثر طاعة سوف يقلب الطاولة على اللاعب الاكبر !! لا تستغربوا .. فمثل هكذا سذاجة في تحليل الاحداث السياسية ليس شيئا جديدا على هذا الصنف من "الرفاق" .. فهذا الرجل الذي كان يشغل منصب "نائب عريف" في فصيل عزيز الحاج الشيوعي، له تاريخ حافل بتحليلات فنطازية تحتوي على كم هائل من "منعطفات تاريخية" و "لحظات مصيرية" و "كينونة"... الى اخره من الاسلوب الحشوي الذي يميز لغة اليسار العراقي .. نعم .. فالرجل كان ولا يزال من الصنف الذي لا يميز بين الثورة وبين زوبعة في فنجان .. وهذه ليست المرة الاولى التي تتحول فيها زوبعة في فنجان (كنتائج الانتخابات الاخيرة) الى"ثورة" ولحظة مصيرية ومنعطف تاريخي الى اخره من "الخريط" اليساري ..ولكنها حتما المرة الاولى التي يعود فيها راكب الموجات بهذه السرعة من تعرجات "المنعطف التاريخي" ..وبخفّي حُنين .. ومن هنا زعيقه الاخير الذي يشبه زعيق تلميذ فاشل .

الزعيق الاخير لهذا المحلل الفاشل هو عبارة عن مقال يقول لنا فيه بان المقاومة العراقية جزئية وطائفية .. ورغم انه في هذا المقال يدحرج ذاته برفقة كلمات رنانة كـ "علم الاجتماع السياسي" و "الواقعية الاصطلاحية" و"الحيادية"، ولكنك تقرأ المقال من اوله الى اخره وبشق الأنفس (بسبب رداءة الاسلوب الخالي من اي تسلسل منطقي) ولا تجد لا علم اجتماع سياسي و لا اصطلاحية ولا حيادية ولا هم يحزنون .

اولى مسلمات علم الاجتماع السياسي هو ان الكلمات لا تحمل مضامينها .. من هنا الحاجة الى نقل الكلمات من مستوى الاستخدام الكليشاتي المتداول الى المستوى الاصطلاحي التخصصي .. وهذا لا يتم الا من خلال عملية التعريف "العلمي" للكلمات .. ومقال الركابي خال من اي تعريف لا لمفردة "الجزئية" و لا لمفردة "الطائفية" وهما قنبلتاه الصوتيتين .. ولا لأي من كلماته الرنانة .. عندما يعيب كاتب ما على خصومه عدم تقبلهم للطرح الاصطلاحي ويأتي بنفس الوقت بمقال خال من اي تعريف اصطلاحي فهذا يسمى ادعاء اجوف .. وهو اسلوب ينم عن نرجسية متعالية لا تمتلك مكونات التعالي .. من يقول لهذا "الرفيق" ان زمن حشو المقالات بالكلمات الرنانة وتوظيفها كقنابل صوتية من اجل الارهاب الفكري قد ولى .

مقال الركابي ورغم وهم الحيادية هو عبارة عن قناعات شخصية تتدحرج على هيئة كليشات على طول مقاله .. وبتخبط من لا يسيطر على موضوعه .. وانا هنا اخصص جائزة رمزية لمن يستطيع قراءة وفهم الفقرة الاولى من مقال الركابي .. متمنيا حظا سعيدا لمن يحاول .. اسلوب "الشرطة وحرامية" هذا هو سمة مميزة للكثير من كتاب اليسار العراقي ..وهو اسلوب ناتج عن هشاشة تصوّرية .. فمن لا يملك تصورا واضحا عن فكرته يترجم ذلك اوتوماتيكيا في كتابة غير واضحة .

تعالوا الان "نتعارك" مع فحوى مقال الركابي الذي يقول : لقد عالج العالم العربي قضية الطائفية وخصوصا في لبنان (الذي هو نموذج الركابي في هذا المجال !!) ولكننا في العراق متخلفين عن الركب .. و"هذا شأن يتجلى اليوم في التدني الرهيب في استعدادات تقبل حتى الواقعية المصطلحية، أو تعلم مبدأ حيادية الفكرة أو المصطلح" .. "فالعراقيون" لا يقبلون حتى تعبير الركابي الاصطلاحي " المقاومة العراقية هي مقاومة جزئية وطائفية" .. على العكس هناك من يصر على ان «المقاومة هي الممثل الشرعي للشعب العراقي» .. وهذا نكران لطائفية المقاومة بحسب الركابي .. فالمقاومة طائفية لعدم وجود "أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده .. هذا مع العلم أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة، والوطنيين المناهضين للاحتلال منهم كثر" .. وخلاصة الركابي "هنالك فرضية نهائية لا تقبل الجدل تقول إنّ العراق يجب أن يعرف ظهور مقاومة «وطنية»، بمعنى شاملة لكل المكونات" ( الجمل المُنصّصة هي حرفيا للركابي) ..انتهى

ساترك جانبا سذاجة الركابي المذهلة بحيث يعتبر نفسه محايدا !! فعندما ينكر شخص ما "الموقع الذي يتكلم منه" او "خلفيته" فهو يجهل اولى قواعد علم الاجتماع السياسي .. وساترك جانبا عدم فهم الركابي لمعنى الفرضية حين يقول " فرضية نهائية لا تقبل الجدل" .. فهذه اول مرة في حياتي اسمع ان من خصائص الفرضية عدم قبولها للجدل !! وهذه الجملة لوحدها تكشف عن جهل الركابي بادوات البحث السوسيولوجي .. وساترك جانبا سخافة الركابي حين يقول لنا ان لبنان هو نموذج في التطرق لمشكلة الطائفية .. لما لا .. كل له الحق ان يكون شخابيطيا .

ولكنني ساركز على فحوى مقال الركابي محاولا اعطاءه ترابطا منطقيا يفتقده .. فاسلوب "الشرطة وحرامية" الذي يستخدمه الركابي حمال اوجه و يسمح للخناجر الملتفة بالتقية بالظهور وكأنها ابتهالات عذراوات بريئة .. اولا .. ان تقول ان المقاومة محصورة في الوسط السني هو شيء .. ولكن ان تقول ان المقاومة طائفية فهو شيء مختلف تماما .. وهذا ما فات الركابي الملوّح بفزاعة المصطلح من دون استخدامه .. ثانيا، نعم العراق بحاجة لظهور مقاومة «وطنية» شاملة لكل المكونات .. ولكن عدم ظهور تلك المقاومة الوطنية الشاملة لكل المكونات هو ليس مسؤولية المقاومة السنية.. وتحميل المقاومة السنية مسؤولية ذلك هو كمن يقول للمقاومة: "يا مقاومة لا تقاومي الى حين ظهور مقاومة لكل المكونات الاخرى" !! وهذا منطق اعرج .

طرح الامور بتلك الطريقة المترابطة منطقيا يكشف عن الغائب والمُغيّب في طرح الركابي ..فهذا الطرح يضع امام انظار الركابي سؤال سبب غياب "المكون الاخر" في المقاومة .. وخصوصا مسؤولية قادة ونخب ذلك المكون عن تلك الحالة .. فما معنى الوطنية حين ينتظر "الشيعي" فتوى السيد لكي يقاوم من احتل بلده !! نحن هنا امام اهم سؤال في العراق العماماتي .. وكالعادة هو سؤال غائب عن طرح الركابي وكومة الكتاب التي تدور في فلكه .

ثالثا .. الركابي يقول لنا انه يرفض الطائفية ويتهم الاخرين بالطائفية ولكنه يستخدم ويوظف في حجته جوهر الخطاب الطائفي ..فحين يقول لنا ان المقاومة طائفية لانه "لم يصادف أن وجد أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده" و يضيف "علما أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة" .. فهو يدحض نفسه بنفسه .. فالوطنية هو ان تنظر للعراقي على اساس المواطنة، على اساس عراقيته .. اما ان تقول ان نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة فهو نفي لمفهوم "العراقيين" كشعب من وجهة النظر الاصطلاحية .. وهذا تناقض داخلي في منطق الركابي .. وسبب هذا التناقض هو غياب اصطلاحي تام في استخدام الركابي للكلمات .

باختصار .. الركابي يريد الغاء العملية السياسية الامريكية لانها قائمة على المحاصصة الطائفية التي اعطتنا الكارثة الحالية .. ولكنه وياللغرابة يطالب فيما يخص المقاومة باحياء المحاصصة .. من هنا مطالبته بـ "كوتا" طائفية في المقاومة وحجته ان نسبة الشيعة في العراق تفوق عددياً السنّة .. وهذا ليس "منطق" من لا يمتلكون منطق .. لا، لا .. انه "منطق" من لم يخرجوا بعد من المنطق الطائفي .. لعدم امتلاكهم رؤية اصطلاحية للهوية العراقية .. لذلك هم غير قادرين على رؤية الاخر الا من خلال انتمائه المذهبي .. من هنا فان المقاومة هي سنية وطائفية فقط لعدم وجود "أي شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده" .. هل ترون ما ارى ؟؟ هل يذكّركم هذا الخطاب بالماضي القريب ؟؟ حتى امام المقاومة هناك مظلومية شيعية !!