2009/06/29

امس .. حين خرجنا من عباءة المُلا



Un esprit sage ne condamnera jamais quelqu’un pour avoir usé d’un moyen hors des règles ordinaires pour régler une monarchie ou fonder une république . Machiavel

كثرت في الآونة الأخيرة المقارنة بين نوري السعيد وبين نوري المالكي .. اعتقد ان كل حكم على نوري السعيد لا يستحضر الاطار التاريخي الذي عمل بداخله هو نوع من حكم قيمي قد نتفق معه او لا .. ولكنه لا يعطي التاريخ حقه .. ومقارنة المالكي بنوري السعيد هي ليست فقط اهانة للسعيد ..ولكنها ايضا ،وهنا الاهم، اهانة لتاريخ العراق المعاصر لانه يغييب سؤال بداياتنا .

عندما احكم على نوري السعيد او على اي شخصية سياسية عراقية فالمعيار الواقعي البرغماتي لا المثالي القيمي هو الاتي : هل عمل هذا الشخص لمصلحة العراق ام لا .. هذا هو المعيار الاكثر دقة .. لاننا لو استخدمنا مراجعنا الايديولوجية فسوف يُخوّن نصفنا نصفنا الاخر .. كما كان الحال في اغلب تاريخ العراق المعاصر.. فبعضنا اليساري يعتقد ان نوري السعيد عميل .. وبعضنا الليبرالي يعتبره افضل من حكم العراق .. وفقط سذاجة الحزب الشيوعي العراقي تجعله يعتقد انه لم يكن اداة في يد الاتحاد السوفيتي لمد النفوذ في منطقتنا داخل اطار اللعبة الكبرى .. وهو بهذا المعنى عميل للاتحاد السوفيتي كما كان السعيد عميل لبريطانيا .

هناك قول فرنسي معروف في الادبيات البحثية .. تصعب ترجمته من دون خيانة جماليته التعبيرية :

Comparaison n’est pas raison

يمكن ترجمته هكذا: المقارنة ليست برهانا .. اي ان المقارنة ليست دائما دليلا على الصواب او الحقيقة .. وفحوى القول هو ان المقارنة كمنهج او وسيلة توضيح فكرية لاتكفي لفهم المعقد .. المقارنة هي واحدة من وسائل فهم عديدة ..وهي ليست ولن تكون الوسيلة الوحيدة لفهم شيء او حدث ما .. وخصوصا اذا لم تقم المقارنة باستحضار المعقد بكافة ابعاده وتكتفي بوجهة نظر قيميّة.

ساضع هنا ثلاثة اسباب تستحضر بعضا من المعقد في التاريخ العراقي .. وهي كافية لاظهار هشاشة وسطحية مقارنة المالكي بنوري السعيد .. اولا ،نعم نوري السعيد تعاون مع بريطانيا .. ولكنه تعاون مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية .. اي انه تعاون مع احتلال اجنبي ضد احتلال اجنبي .. اما نوري المالكي فقد تعاون مع احتلال اجنبي ضد حكم وطني عراقي ..مهما اختلفنا في تقييم نظام صدام حسين.

ثانيا، ان تعاون نوري السعيد مع بريطانيا قد اعطانا دولة العراق الحديثة .. تعاون نوري السعيد مع بريطانيا انتج دولة لم تكن قائمة وساعد على لم شمل "مجتمع" كان يسوده الاختلاف الطائفي والمناطقي الخ .. اما المالكي في تعاونه مع امريكا فقد دمر دولة العراق واعاد الاختلاف بل الاحتراب الطائفي والمناطقي من جديد كواقع .

ثالثا، ان نوري السعيد السني المذهب تعاون مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية .. وذلك من اجل قضية العراق والعرب .. اي ان ولاء السعيد للعروبة اكبر من ولاءه لمذهبه السني .. اما المالكي فقد تعاون مع امريكا رافعا شعارات المظلومية المذهبية .. اي ان ولاء المالكي لمذهبه قبل كل شيء .. باختصار .. نوري السعيد اخرج "تركيا" من العراق .. والمالكي ادخل ايران للعراق.

ان مقارنة المالكي بنوري السعيد فيها تغييب ان لم يكن جهل بسؤال بداياتنا .. والعراقيون في العادة لا يحبون التطرق لسؤال البدايات .. سؤال من اين اتينا .. فهذا السؤال يخدش الكبرياء الاسطوري الثمل بسبعة الاف سنة حضارة .. ونحن قد خربنا العراق لاننا لم نفهم هشاشة تراكمنا الحديث العهد .. الرمال على ابواب المدن ونحن ما زلنا نجتر اساطير الجنائن المعلقة .. كيف لمن يعتقد بخضرة ارضه الابدية ان يعمل .. كيف لمن يعتقد بسبعة الاف سنة حضارة ان يطرح سؤال من اين اتى .

قليل من التواضع لا يضر .. العراق قبل نوري السعيد والملك فيصل كان ثلاثة ولايات لايعرف بعضها بعضا .. و رغبة البصرة في الانفصال في بداية التأسيس لم تكن استثناء .. والعراق قبل نوري السعيد كان ولاة اتراك يُرسلون للعراق كعقوبة موقتة لهم يقضونها في النهب وابتزاز الناس .. والعراق قبل نوري السعيد كان شيوخ وعشائر تغزو وتسرق بعضها بعضا (انظر مثلا ما يرويه حنا بطاطو عن مدينة السماوة الصغيرة جدا آنذاك وعن شيخيها المتصارعين ابدا ـ الطبقات ص. 20) .. والعراق قبل نوري السعيد كان محكوما من قبل الملا وخزعبلات الملا .. نعم العراق قبل "دار داران دور" كان يقرأ كتاب "السيف البتار على الكفار الذين يقولون المطر من البخار" .

لقد قفز العراقيون من قراءة كتاب "السيف البتار على الكفار ..." الى قراءة كتب كارل ماركس في المادية الديالكتيكة .. من "عباءة الملا" الى "معطف كارل ماركس" .. ونوري السعيد هو من بين قلائل ممن فهموا خطورة ذلك السلوك الحارق للمراحل .. هل هي مصادفة ان نعود اليوم الى عباءة الملا من جديد !! وهل نستغرب نحيب "ماركس ابو دشداشة" اليوم امام شباك الحسين ؟

اما عن موقف نوري السعيد من الانكليز وطبيعة علاقته معهم فالمصادر لا تنحصر بشعارات اليسار العراقي التي قتلت العراق .. ذكرت سابقا ما قاله حنا بطاطو عن موقف نوري السعيد البراغماتي من البريطانيين حين كان يحاجج الضباط الاربعة قبل قيامهم بحركة مايس 1941 قائلا لـ صلاح الدين الصباغ من انه لو كان مقتنعا بتحليلهم السياسي فانه سيكون أول من يرفع المسدس بوجه البريطانيين .. والمؤرخ العراقي مجيد خدوري في احدى مقالاته في الـ "ميدل ايست جورنال" يؤكد براغماتية نوري السعيد في علاقته مع الانكليز.. وساضع اليوم مقطع وجدته مؤخرا في مقال يعطينا فكرة عن طبيعة العلاقة بين نوري السعيد و ساسة بريطانيا .

Iraqi nationalist might have been less harsh on Nuri Pasha had they realized the weight his words carried there. Nuri was no mere puppet: if, for example, he learned of the presence of tow junior members of the British government at a pro-Zionist gathering in London he did not hesitate to fire off a letter of protest - and his protest was received with something like deference. “If I want to know what the British are going to do next in the Near East I watch Nuri,” the Turkish Ambassador said. “ Not because they will have told Nuri, but because he will have told them

ويقولون عمالة .. هذا المقطع يبين لنا ان نوري السعيد كان اكثر استقلالية في علاقته مع الانكليز من الشيوعيين العراقيين في علاقتهم مع الاتحاد السوفييتي .. وحنا بطاطو قد بين ان اغلب قرارات الشيوعيين العراقيين كانت بتوجيه من موسكو .. بمعنى اخر .. من لم "يزنِ" في موسكو .. فليرمي نوري السعيد بحجر .. كُثر هم الشيوعيون العراقيون اليوم ممن ينعمون بحرية وبامتيازات العيش في البلدان الغربية التي كانوا ينعتونها باقذع الالقاب ..وكُثر هم الضباط وابناء الضباط الذين قتلوا العائلة المالكة ممن يعيشون اليوم في سلم مملكة ابناء عمومتها التي ينعتونها بالعميلة .. هل كنا نحتاج لقتل العراق لنعرف قيمة الدولة ..قيمة الوطن ؟

التاريخ ينتقم لنوري السعيد .. رؤيته للصراع بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية وتحالفاته كانت الاقرب لنتائج صراع الكتلتين .. هو سيضحك حين يعرف ان الرئيس الامريكي يلقي اليوم خطابا من قاهرة "صوت العرب" !! وهو سيضحك كثيرا حين يسمع ان الاحتلال الامريكي للعراق هو ما مكن من تشييد تمثال لـ عبد الكريم قاسم !! اسمعه يقول : "السياسة ليست للزعاطيط" .. ترى .. هل استحضر برجنسكي مقولة نوري السعيد هذه حين قال ان "السياسة الدولية هي عمل مخصص للبالغين" ؟

باختصار .. مصلحة العراق هي المعيار في الحكم على الفعل السياسي .. والانجازات لا الشعارات هي المعيار في حكمنا على قيمة الاشخاص والاحداث السياسية .. من هنا فلا خير في وطني يدمر العراق معتقدا انه قديس .. ولا خير في شيوعي عراقي يصطف الى جانب ايران في حرب الثمان سنوات ضد العراق معتقدا انه يدافع عن المبادئ !! ومرحى لـ "عمالة" نوري السعيد التي بنت العراق الحديث .. ولولاها لكنا اليوم نتكلم اللغة التركية.

من لم "يزنِ" بالعراق فليرمي نوري السعيد بحجر .. ليس هناك عمل اعظم ولا اشرف من بناء وتنظيم دولة والحفاظ على سلمها الداخلي والخارجي .. ويكفي نوري السعيد انه كان المساهم الاكبر في بناء دولة العراق التي حطمتها الشعارات بعد ذلك .. جملة ماكيافلي في بداية المقال تقول : ان عقلا راجحا لن يدين ابدا شخصا ما لانه استخدم وسائل غير "اخلاقية" من اجل تنظيم مملكة او تأسيس جمهورية .. واعتقد ان نوري السعيد كان سيفرح لو قرأها .. هو الذي حذَّر من خطر "الزعاطيط" في السياسة وخطر انصاف المتعلمين في الثقافة والمجتمع .

2009/06/15

عيوننا التي استعمرها الذباب.. استكان شاي مع فريدريك نيتشه


قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الصحافة الفرنسية خبر خلاف عشائري نشب بسبب مبارة كرة قدم في كربلاء.. طفل من آل الخلخال تُكسر يده "بسبب" لاعب ينتمي الى آل العناد .. وكلاهما من عشيرة الاكرع كما يبدو .. الخلخال تطلب التعويض عن الضرر .. ترفض العناد طلب التعويض .. فينشب قتال بين الجانبين تستخدم فيه الاسلحة الخفيفة ..والحصيلة خمسة جرحى بينهم امرأتين .. انتهى

في كتابه "تاريخ فلورنسا".. يروي ماكيافلي قصة قريبة في مضمونها من خبر الخلاف العشائري بسبب لعبة كرة قدم .. سارويها باختصار وبتصرف .. المكان ريف فلورنسا .. لوري طفل من عائلة كوكليمو وجيري من عائلة برتاكا .. وهما صديقان يلعبان معا دائما .. وحصل ان تشاجرا ذات يوم فجُرح جيري جرحا طفيفا .. وعندما علم والد لوري غضب لذلك ..وطلب من ابنه ان يذهب الى والد جيري ليعتذر منه .. وعندما ذهب لوري لطلب المعذرة من والد جيري .. امسكه والد جيري وقطع يده .. و قال له بعد ذلك "اذهب الى ابيك وقل له ان الجروح يشفيها الحديد وليس الكلمات" .. وهذا الحادث قد اشعل حربا اهليه ليس فقط بين اكبر عائلتي القرية وانما في كل فلورنسا حيث تمتلك العائلتين اقارب وحلفاء .

هذه القصة كما كل تاريخ الشمال الايطالي الذي يسجله ماكيافلي تقول لنا ان "العصبية" ليست حكرا على العرب .. كما تروج الثقافوية الشائعة في الابحاث التي تتطرق "للمجتمعات" العربية وبالخصوص "للمجتمع" العراقي .. وماكيافلي الذي هو رائد الحداثة السياسية في الفكر السياسي الغربي .. والذي لم يكن بعيدا زمنيا عن ظاهرة عراك محلات المدن الايطالية التي غالبا ما كانت تنتهي بحروب اهلية تشمل كل الشمال الايطالي .. ماكيافلي هذا يقول لنا ان اسباب ذلك هي اسباب سياسية تنظيمية مادية وليس ثقافية كما تدعي الثقافوية التحقيرية التي تُرجع كل اسباب ازماتنا الى العامل الثقافي .. وعلى الوردي هو حامل راية هذا الطرح الغبي في العراق .

و إذا كان هناك من مغزى في حادثة الخلاف العشائري بسبب كرة القدم فهو لا يكمن في بعدها الثقافي .. ولكن في بعدها السياسي : فعندما تفرض العشيرة قانونها فهذا يفضح هشاشة الدولة من الناحية التنظيمية الادارية .. و خير من شرح ذلك هو حنا بطاطو .. عندما يقوم آل خلخال بمهاجمة آل العناد بالاسلحة فهذا يدل على الهشاشة الادارية والتنظيمية للدولة .. ولو كانت هناك "دولة قانون" قادرة على فرض قانونها لما تجرأت العشيرة على مخالفة القانون .. باختصار خبر اليوم هو دليل على غياب القانون في "دولة القانون" القرقوزية .

ولكن العشائرية في العراق ظاهرة اجتماعية شاملة وهي ليست وليدة اليوم .. وهي لم تندثر حتى في اقوى فترات الدولة .. نوري السعيد في نهاية الخمسينات كان يظن ان نظام العشيرة في طريقه الى الاندثار .. انذاك كانت حكومات نوري السعيد تخصص ثلاثة ارباع ميزانية العراق لمشاريع البنى التحتية الكبرى .. كيف له ان يعرف ان من حكموا العراق بعده وتحت شعارات التقدمية ومحاربة "الرجعية" قد اعادوا العشيرة اساسا للحكم !! وكيف له ان يعرف ان ثقافة اللطم التي اتهمته بالطائفية وعدم توزيع ثروات العراق بعدالة قد جعلت من العراق اليوم افسد بلد بالعالم .

واذا كان نفوذ العشيرة لم يختفي حتى في قمة سلطة الدولة .. فنفوذها اليوم اكبر من اي وقت مضى في تاريخ الدولة العراقية الحديثة .. لان الدولة في العراق اليوم تعيش اضعف فتراتها .. وكما ان الطائفية هي واقع العراق اليوم فان العشائرية هي ايضا واقع في عراق اليوم .

ولكننا في العادة نرفض مواجهة واقعنا .. ماضينا الاسطوري يكفينا .. اذهب واخبر اي "مثقف" عراقي عن حادثة الخلاف العشائري حول كرة القدم .. هو سوف لن يعيرك اي اهتمام .. سيعتبره موضوع تافه .. وهناك نسبة 99 بالمئة من الحظ انه سيقول لك جملة " يمعود درووووح ..العراق عمره سبعة الاف سنة حضارة" !! ولا تتعب نفسك بطرح سؤال: كيف حصل ان بلد عمره سبعة الاف سنة حضارة وفيه اليوم "عشيرة" ترفع السلاح بوجه اخرى بسبب حادث كرة قدم بين اطفال !! صدقني سؤالك مشروع .. ولكنه بالنسبة لمثقفنا المتجول وهميا في الجنائن المعلقة .. هو "لا سؤال" .. ان تكون "حمورابي او نبوخذنصر" او لاتكون ..هذا هو السؤال !!

اسطورة الهوية العراقية كانت دائما اجابة جاهزة .. موقفنا امام "الانا" العراقية وبالتالي الهوية الوطنية كان دائما ينبع من منظور تقديسي .. الهوية العراقية هي "مقدس" ويجب نحتها واظهارها كايقونه جميلة .. حتى وان كانت هشة سهلة الكسر كما يظهر حاليا بوضوح .. العراق في هذا المنظور ماهية ازلية، غير تاريخية .. ولا تخضع للشروط التاريخية .. من سومر الى علاوي الحلة .. العراق واحد .. يكفي ان "تصدق" بهذا العراق الاسطوري لتصبح الهوية العراقية موجودة .

خطورة هذا الموقف الايقوني والقامع لكل ما عداه يكمن في انه منع موقف اخر اكثر صحة تجاه "الانا" العراقية /الهوية العراقية : كان بالامكان طرح "الانا" العراقية كواقع معقد .. كمشكل .. وبالتالي كسؤال ومحاول اجابة عن السؤال من خلال عرضه ومناقشته وربما ايجاد حلول له .. ولكن لا .. المقدس لا يناقش .. حتى وهو يقتل .. ربع شعب العراق مهجّر ومهاجر وهناك من لازال ينام في دفء الهوية الاسطورية .. سؤال الواقع المتشظي سحقته النظرة الاسطورية للهوية: العراق عمره سبعة الاف سنة !

واحدة من اخطر مخلفات النظرة الاسطورية للماضي تكمن في تحقيرها للحاضر .. لقد منعتنا هذه النظرة الغير واقعية الى نبذ ظواهرنا الاجتماعية الحاضرة .. الى اعتبارها غير مهمة قياسا للاسطورة .. تركيزنا على الماضي "الغير عادي" جعلنا نهمل واقعنا العادي المعاش .. تركيزنا وبمرضية على تفاصيل الماضي الاسطورة جعلنا لانطيق النظر الى تفاصيل حياتنا العادية .. فعندما يتحول الماضي الى اسطورة .. يصبح الحاضر مبتذل وغير جدير بالاعتبار .

لسنا بحاجة للتوغل في الماضي القديم للتدليل على تحضرنا .. فواقعنا ورغم فقرنا المادي لم يكن خاليا من الحضارة .. فالحضارة ليست فقط امبراطوريات ومحاربين وقصور وجنائن معلقة .. ان يكون جارك من مذهب اخر هو حضارة .. اين يكون صديقك من قومية اخرى هو حضارة .. ان تكون زوجتك او ان يكون زوجكِ من طائفة اخرى هو حضارة .. ان تترك مقعدك في الباص لشيخ مسن هو حضارة .. ان يؤدي الموظف عمله بلا رشاوى هو حضارة .. وتاريخنا المعاصر على فقره لم يكن خاليا من تلك السلوكيات الحضارية .

لم نكن بحاجة للسفر في الماضي للتدليل عن حضارتنا او تحضرنا .. ولسنا بحاجة للعودة الى بابل حمورابي او نبوخذنصر للتدليل على تحضرنا .. فبغداد النصف الاول من القرن العشرين ورغم فقرها اكثر حضارة من بابل نبوخذنصر الفاحشة الغنى .. بغداد التي كان ثلت سكانها من العراقيين اليهود هي حضارة .. واذا كان لابد من الاختيار بين بابل السبي اليهودي وبغداد التعايش مع اليهود فانا اختار بغداد الفقيرة ماديا والغنية روحيا .

ولكي اكون اكثر مشاكسة ساقول .. لسنا بحاجة للرجوع الى اشور لندلل على تحضرنا ..كبة الموصل هي حضارة.. واذا كان لابد من الاختيار بين كبة الموصل والامبراطورية الاشورية فانا اختار كبة الموصل !! واذا كان ولابد من الاختيار بين عربة سرجون الاكدي الحربية وبين عربانة بائع اللبلبي امام مدرستنا ..فانا اختار عربانة بائع اللبلبي وخصوصا مع رائحة الرارنج الساحرة !! هويتنا الحقيقية هي تفاصيل حياتنا التي عشنا ونعيش .. والاهم اننا نجد في تفاصيل حياتنا مشتركنا الاهم .. فمشكل الهوية يكمن في ايجاد مشترك بيننا.. وتفاصيل حياتنا العادية هي اكثر ما يجمعنا .. واكثر ما فرقنا ويفرقنا هو الماضي .. بتعبير اخر اننا نجد في واقعنا مشترك حياتي لا نجده في ماضينا المفخخ بالنزاعات الايديولوجية .

فريدريك نيتشه في مقاله "منافع ومضار التاريخ" يورد قول رائع لسقراط فحواه : ان ادعاء التحلي بفضائل او بخصال لا نمتلكها هو مرض قريب جدا من الجنون .. ونيتشة يقول تعليقا على فكرة سقراط هذه : ان مثل هكذا وهم هو اخطر من وهم الاعتقاد ان فينا مساوئ او عيوب ما .. لان الوهم الثاني قد يحفزنا على ان نكون افضل .. في حين ان الوهم الاول يجعلنا اسؤ يوما بعد اخر .

وليس هناك ما يصفع الانتباه في العراق من هذا التقهقر الى الوراء من سيء الى اسوأ .. وليس غريبا ان اسوأ الحكومات التي مرت على العراق هي تلك التي رفعت شعارات بعيدة كل البعد عن الواقع .. الكارثة العراقية بدءت حين اعتقد "عبد حمود" انه امتداد لنبوخذنصر.. من هنا حلم التوسع وبناء امبراطورية ..حلم واهم ارجعنا الى العصر الحجري .. وثقافة اللطم ذات العقلية الاخروية الاسكاتالوجية قد بزّت كل من جاء قبلها في هذا المضمار .. فهي قد رفعت شعار ارساء حكم وتعاليم "ال البيت" وكانت النتيجة انها نهبت البيت وشردت اهل البيت !! ومن الوهم ما قتل .

الوهم خطأ منهجي .. يبدأ خطأ في زاوية النظر وينتهي خطأ في الحكم على الاشياء .. وصورة الوهم في الادبيات الفلسفية هي : عندما تقترب ذبابة من عيوننا ونتصورها طير كبير !! نستطيع ان نقول ان تاريخ العراق المعاصر منذ خمسين سنة تقريبا هو تاريخ عيوننا التي استعمرها الذباب .