2010/12/31

استكان شاي مع ايتيان دولابويسي

اعتقد ان "خطاب حول العبودية الطوعية" لـ ايتيان دولابويسي هو اروع ما انتجه الادب الانساني عن ثيمة الحرية والعبودية.. في هذا الخطاب يروي دولابويسي حكاية حدثت في مدينة اسبارطة اليونانية.. احد مشرّعي تلك المدينة يقوم بتربية كلبين صغيرين من نفس الام ..اخوة .. يربي احدهما في بيته ويترك الاخر في البرية.. في احد الايام يقوم هذا المشرّع الاسبارطي بجمع الناس في ساحة عامة.. يجلب الكلبين ويضع امامهما صحن حساء وارنب.. وما ان يطلقهما حتى ينطلق الكلب الذي عاش في البرية بسرعة خلف الارنب.. اما الكلب الذي عاش في البيت فيتوقف امام صحن الحساء.. هذا المشرّع الاسبارطي اراد ان يبيّن لسكان مدينته ان التربية وليست الجينات الوراثية هي المسؤولة عن السلوكيات.. بمعنى اخر، ان الثقافة وليست الطبيعة هي من تحدد سلوكيات البشر.. وان العبودية او الحرية هما تربية قبل كل شيء.. لماذا اروي هذه الحكاية؟

هاشم العقابي نشر قبل ايام مقال عن قيمة الحرية عند العراقيين.. يقول فيه ان "حب العراقيين للحرية لم يأت مصادفة، بل توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين من ايام حضاراتهم الاولى".. وهو لكي يدعم هذه الحجة يقول انه سمع "في محاضرة للباحث الدكتور علي الشوك في ديوانية الكوفة بلندن في نهاية التسعينيات ، ان السومريين اذا نصبّوا ملكا جديدا ياتون به الى ساحة عامة وينادون على مواطن من اقل الدرجات الاجتماعية، وقد يكون شحاذا، ليصفع الملك الجديد. هذه الطريقة فسرها الشوك بانها رسالة للملك ليتعلم الاذعان لشعبه". انتهى

ساترك جانبا المغالطة التاريخية النائمة في جملة هاشم العقابي الاولى بخصوص مفردة العراقيين العابرة للقرون.. وساتحاشى "سالفة" الجينات المتوارثة عبر الاف السنين لان حكاية كلاب اسبارطة كفيلة بتفنيدها.. ولكنني ساتوقف عند "حزورة" ان السومرين اذا نصبوا ملكا ينادون بشحاذ ليصفعه !! العقابي يقول انه سمع هذه الحكاية في التسعينات.. وان الدكتور علي الشوك "كشفها" .. ترى الا يوجد بعد كل هذه السنوات كتابا يسجل هذا الكشف ؟؟ يبدو ان المصادر هي اخر هموم ثقافة القيل والقال الحكواتية.

اولا، المعلومات التي نملكها عن تاريخ ما بين النهرين القديم وعلى قلتها تقول لنا ان عقلية ذلك الزمان تعتبر الملك "نصف اله".. فهل يُضرب نصف اله !! ثانيا من قال ان ملوك سومر كانوا ينصبون من قبل الشعب.. العرش كان وراثيا وفي احيان كثيرة كان يتم الاستيلاء على السلطة بالقوة.. ميكانزمات السلطة هي هي لم تتغير منذ القدم.. السلطة تستند دائما على هيبة صاحب السلطة.. وبلا هيبة ليس هناك سلطة.. وعلم الاجتماع االسياسي يعلمنا ان كل طقوس ومراسم السلطة تهدف الى خلق انطباع القوة والعظمة في نفوس الناس.. غاية البروتوكول والمراسم هو خلق مسافة مادية وبالتالي رمزية بين الحاكم والمحكوم.. لن اتوقف امام بطش ملوك ذلك الزمان فوحشيتهم معروفة.. يكفي ان نعرف مثلا ان الملوك الاشوريين نادرا ما كانوا يظهرون علنا.. من اجل ان يخلقوا انطباعا عند الناس بانهم يمتلكون شيء فوق بشري.. شبه الهي .. اما في اور السومرية فقد بلغت سطوة الملوك مستوى مخيف بحيث ان طقوس دفن الملك يرافقها قتل جميع حاشيته ودفنهم معه لكي يسلوه في رحلته الى العالم الاخر.. والقيثارات السومرية التي نراها اليوم في المتاحف هي لمغنين دفنوا مع الملوك السومريين.. وهاشم العقابي يقول لنا ان شحاذاً كان يضرب الملك السومري عند تنصيبه !!

قلت سابقا رايّ في الثقافة العراقية السائدة اليوم.. ويوم بعد اخر اصل الى قناعة اثق بها: نعم هناك اسباب كثيرة اوصلتنا الى الخراب الحالي.. ولكن فشل الثقافة العراقية في انتاج نخب فكرية رصينة هو احد هذه الاسباب..غياب حقل اكاديمي رصين كرس الحكواتية والشعراء نموذجا للثقافة.. وضحالة هولاء، استداراتهم، سلوكيات المرتزقة التي يمارسون.. دفع الناس الى عدم احترامهم.. وبالتالي فقدت الثقافة دورها التنويري.. وهذا ما اوصلنا الى ان دجال كـ محمد صادق الصدر يقول للناس في الفيديو المرفق هنا ان "امريكا اسست قوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي وانها افتعلت حرب الخليح  لاجل ان تملىء الخليج بالبوارج الحربية تحسبا لظهور المهدي.. وان للمهدي ملف كامل في البنتاغون ولكنهم لايملكون الصورة الشخصية له".. وهذا الدجال يقدسه الملايين من الشيعة العراقيين.. والحكواتية ما زالوا يتحدثون عن حب العراقيين للحرية الذي توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين.. لا اعرف عن اي عراقيين يتحدثون؟ نحن في القرن ٢١ بعد الميلاد وفي العراق ملايين ممن يمتلكون هذه النظرة السحرية الغيبية.. فما بالك بمن كانوا يعيشون في القرن ٣٠ قبل الميلاد !!

باختصار.. النظرة السحرية وبالتالي ثقافة العبيد سادت العراق القديم وتسود العراق اليوم.. والخروج من النظرة السحرية يقتضي مواجهه الحقائق كما هي ماضيا وحاضرا.. وكل طرح اسطوري للتاريخ او للعالم هو مساهمة في ادامة النظرة السحرية وبالتالي في ادامة ثقاقة العبيد.. من هنا فكل حديث عن طبيعة عراقية (علي الوردي انموذجا) او جينات عراقية او عراقي عابر للقرون هو طرح اسطوري يساهم في ادامة ثقافة العبيد.. كلاب اسبارطة فهمت ذلك منذ قرون.. فمتى سيفهم "مثقفوا" العراق ؟

2010/12/11

على الجانب الايسر من التاريخ

قبل ايام نشر عصام الخفاجي مقال ينتقد فيه ما يسميه ظاهرة " إدانة الحاضر من خلال تجميل الماضي" وهي ظاهرة يعتبرها عصام الخفاجي "مثيرة للقلق في حياتنا الفكرية".. ما يثير قلق الخفاجي هو ان كُتّاب ينتمون الى جيل استفاد من منجزات الانظمة الثورية يكتشفون مع مرور السنين "جماليات جديدة" في العهد الملكي .. لذلك يقوم الخفاجي بتذكير هذا الجيل العاق من الكتاب ببضعة ارقام تحكي عن بؤس "الزمن الجميل" حين "كان العراق يسجل 50 الف حالة وفاة سنوياً بالملاريا بين عامي 1943 و1950" وحين "كانت نسبة الأمية لدى البالغين في العراق 82 بالمئة عام 1960" .. وهو يختم مرافعته بتقرير صادر عن برنامج المساعدة الأميركية في اذار(مارس) 1957، يعتبر فيه النظام السياسي في العراق الملكي «من أكثر الدول بوليسية في العالم الحر، إذ ثمة خمسون الف رجل أمن لسكان عددهم ستة ملايين».

قد يبدو غريبا ان يستعين شيوعي سابق بارقام برنامج المساعدة الأميركية لكي يكتب التاريخ .. ولكن الغرابة ستزول عندما نعرف ان هذا "الرفيق" كان من ضمن ثلة خبراء الشأن العراقي الذين استعانت بهم وزارة الخارجية الامريكية عام ٢٠٠٢ لوضع خطة ما بعد الاحتلال..انا اعتقد ان العراقيين الذين اختبروا الانظمة السياسية المتعاقبة لايحتاجون ارقام موظف وكالة امريكية ليفهموا الفرق بين الحريات النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي وبين جمهوريات الاسلاك الشائكة التي انتجها اليسار العراقي .. واذا كان لابد من ارقام في هذا الاطار فان ارقام الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي تقول ان عدد رجال الامن في نهاية عام ١٩٥٦ كان ٢١ الف رجل امن لسكان عددهم ستة ملايين .. اذا قليل من الاحترام لعقول الناس لايضر! ولو كان النظام الملكي نظام بوليسي عام ١٩٥٧ لما استطاعت كتيبة جنود احتلال القصر الملكي وقتل العائلة المالكة عام ١٩٥٨.

عصام الخفاجي يعيب على الجيل الجديد من الكتاب انتقائيتهم في التعامل مع الماضي وتزييفهم لواقع "الزمن الجميل" .. ولكنه في مقاله يستخدم نفس الاسلوب الانتقائي والمزيف للتاريخ .. الخفاجي يقول مثلا ان "نسبة الأمية لدى البالغين في العراق كانت 82 بالمئة عام 1960" ويترك القارئ تحت صدمة هذا الرقم الكبير .. من دون ان يقول له كم هي نسبة البالغين من مجموع عدد السكان في العراق انذاك .. فعندما نعرف ان الاطفال تحت سن العاشرة في العراق يشكلون ٣٤ بالمئة من السكان حسب احصاء ١٩٤٧.. وعندما نضيف الى ذلك الفئة العمرية من ١٠ سنوات الى ١٧ سنة وهي شريحة لاتدخل في فئة البالغين .. فان فئة غير البالغين ستشكل تقريبا نصف عدد السكان عام ١٩٤٧.. واذا علمنا ان هذه الفئة قد ازدادت في عام ١٩٦٠.. سنفهم عندها ان فئة غيرالبالغين هي في الحقيقة اكثر من نصف عدد السكان .. اي ان "نسبة 82 بالمئة من الأمية لدى البالغين في العراق عام 1960" تنطبق عمليا على اقل نصف السكان.

اختيارعصام الخفاجي لفئة البالغين ليس اختيارا بريئا.. فهو يفعل ذلك لكي لايتطرق لنسبة التعليم داخل فئة غير البالغين .. واهم انجازات العهد الملكي نظرا لحداثة عمره تكمن هنا .. يكفي ان نعرف ان مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة في عام ١٩١٥ كان يبلغ ثمانية الاف تلميذ فقط ..اما في عام ١٩٥٤ فقد بلغ مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة ٤٣٩٤٨٤، اي ما يقرب النصف مليون تلميذ .. وعدد التلاميذ من هذه الفئة قد ازداد حتما عام ١٩٦٠ وهي السنة التي يتوقف عندها الخفاجي.. وهذه الارقام ليست ارقام "ابناء باشوات" ولكنها ارقام نجدها عند اكاديميين من مثل فيب مار ومايكل ابل ..عندما نستحضر هذه الارقام، سنفهم الطفرة الهائلة التي حصلت في مجال التعليم رغم الامكانيات المادية المحدودة للعهد الملكي.

وساضع هنا مقتطف من تقرير الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي عن موارد العراق من النفط انذاك لا عطاء صورة عن امكانيات العهد الملكي المتواضعة.. وبحسب هذا التقرير فان موارد العراق من النفط عام ١٩٥٠ كانت ستة ملايين دينار .. وعام ١٩٥٥ بلغت ٧٤ مليون دينارا .. وعام ١٩٥٦ بلغت ٦٩ مليون دينار .. وسبعين بالمئة من هذه المبالغ كانت تخصص لمكتب التنمية العراقي .. وهو المكتب الذي خطط ونفذ الاغلبية الساحقة من البنى التحتية في العراق وخصوصا السدود التي كانت ضرورية لمنع الفيضانات المدمرة التي كانت تفتك بسكان العراق سنويا.

The main-spring of the progress has been the great increase in government oil revenues which grew from some six million Dinars in 1950 to 74 million Dinars in 1955. In 1956, they were 69 million Dinars. These revenues have been carefully husbanded and 70 per cent is allotted to the Development Board each year for productive capital expenditure. - K. G. Fenelon, National income in Iraq

من هنا فالسؤال هو ليس لماذا يكتشف الجيل الجديد "جماليات جديدة" في العهد الملكي ..فالتاريخ اراء وحجج لا تنتهي كما يقول المؤرخ بيتر جيل في كتابه "ضد ومع نابليون" حيث يقول ان تقييم شخصية نابليون قد تباينت من جيل فرنسي لاخر.. ولكن السؤال هو لماذا يستمر مجترو المادية الديالكتيكية في النظر للتاريخ من منظور غير ديالكتيكي .. لماذا لا ينظر الخفاجي للتاريخ من منظور تراكمي..هل من الامانة التاريخية ان ننسب بقايا قرون من التخلف الى العهد الملكي .. هل كان بامكان النظام الملكي الذي حكم اقل من اربعة عقود ازالة تخلف اربعة قرون ؟ 

هذه الاسئلة لاتخطرعلى بال الخفاجي لانه من جيل طوباوي .. جيل لم يقارن واقع العهد الملكي بواقع اسبق ولكن بافكار مجردة فقط .. جيل تمنعه ايديولوجيته من فهم حقيقة ان الامراض والامية التي كانت سائدة في العراق هي ليست من مخلفات العهد الملكي ولكنها بقايا قرون من التخلف الاداري والحضاري .. جيل غير قادر حتى اليوم على فهم حقيقة تاريخية بسيطة وهي ان العهد الملكي هو من انتج الجيل الاول من الاطباء والمهندسين والاساتذة والكوادر التي بنت الدولة العراقية .. جيل لم يفهم بعد ان العراق الحديث قام بفضل الملك فيصل الاول .. وهو ما يعترف به على الوردي في اخر ايامه وفي كتابه "علي الوردي يدافع عن نفسه".. فالوردي قبل ان يطلع على الارشيف البريطاني كان يردد كليشة اليسار العراقي من ان الملك فيصل كان دمية بيد بريطانيا.

عصام الخفاجي يقول ان كون معظم كتاب ومروجي ما يسميه خرافة الماضي الجميل منحدرون من اصول اجتماعية متواضعة يعني أن مجتمعاتنا مصابة بمرض انسداد أفق المستقبل.. انا شخصيا اعتقد ان اعتراف اشخاص ينحدرون من اصول اجتماعية متواضعة بالعرفان للعهد الملكي هو شيء ايجابي .. ان يستطيع هولاء النظر للامور من دون تأثيرات انتماءتهم الفئوية الضيقة هو دليل نضوج سياسي .. فالعراق قتلته وتقتله الايديولوجيات والانتماءات الضيقة .. فعندما يحدد الانتماء الضيق الموقف من الوطن .. يموت الوطن .. هناك مقوله رائعة لـ البير كامو قالها ردا على الشيوعيين الفرنسيين الذين انزعجوا من نقده لجرائم الاتحاد السوفييتي واخذوا يذكرونه بتاريخه الاشتراكي واصولة المتواضعة .. كامو رد عليهم قائلا : "اذا ما بدت لي الحقيقة في معسكر اليمين فاساكون يمينيا".. بمعنى ان الحقائق وليس الخنادق الايديولوجية هي من تحدد موقف الانسان من العالم.

وعصام الخفاجي ما زال يكتب التاريخ عبر ثنائية ابناء الباشوات وابناء الاصول المتواضعة.. وهو لذلك يطلب من ابناء الاصول المتواضعة ان يحكموا على التاريخ وفقا لانتمائاتهم الفئوية .. فقط عندما نفهم هذه السطحية في النظر للتاريخ من قبل استاذ جامعي كعصام الخفاجي .. سنفهم مستوى القحط السائد على "الجانب الايسر" من التاريخ حيث يسود نموذج ماركس ابو دشداشة.. وسنفهم ايضا السهولة التي نزع فيها جمهور اليسار العراقي معطف كارل ماركس وارتدى العمامة..فالرؤوس الهشة بحاجة دائما الى انتمائات فئوية..طبقية ام طائفية..سيان..المهم ان تختفي الضحالة الشخصية في بهائمية المجموع.

2010/11/28

العصا التي سمّت نفسها جمهورية.. الشخصية البوفارية

بوفاة المؤرخ عبد العزيز الدوري في الاسبوع الماضي .. اختفى اخر ممثل لجيل رصين من الاكاديميين العراقيين .. جيل انتج افضل ما في المكتبة العراقية من كتب ..فعبد العزيز الدوري وشاكر مصطفى سليم هما افضل ممثلي هذا الجيل في العلوم الانسانية .. هذا الجيل الذي انتجه العهد الملكي وكان في طريقه لتأسيس حقل اكاديمي ناضج قتله العهد الجمهوري .. فانقلاب ١٤ تموز ١٩٥٨ الذي جاء بالعسكر والشيوعيين كان ايضا انقلابا في الحقل الاكاديمي .. فقد تم فصل كثير من الاساتذه لاسباب سياسية ومنهم عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد وواحد من مؤسسيها وابدالهم بشيوعيين .. انذاك كانت بغداد تختبرعمليا مقولة باكونين :"حياة الناس لن تكون سهلة حينما تسمي العصّا التي تضربهم نفسها جمهورية".. باكونين قال جملته هذه منتقدا السلطوية النائمة في افكار كارل ماركس.

وهكذا كان.. العصا التي سمت نفسها جمهورية ارست نهجا جديدا : اهل الثقة في محل اهل الخبرة ..الشقاوات بدل العقول.. منذ ذلك الحين بدء الحقل الاكاديمي العراق الناشئ مسار اندثاره.. فهجرة العقول العراقية بدأت يوم احتلت العصي والحبال شوارع العراق.. المذهل هو ان "ماركس ابو دشداشة" لم يفهم حتى الان ان ظاهرة "عبد حمود" هو مسار بدء في تلك اللحظة ! فرض الحزبيين في الحقل الاكاديمي قتل اهم شروط الحقل الاكاديمي: الكفاءة والاستقلالية.. فبلا كفاءة واستقلالية ليس هناك حقل اكاديمي.. وبلا حقل اكاديمي ليس هناك ثقافة.. وبلا ثقافة ليس هناك مجتمعات ناضجة.. منذ ذلك الحين والعراق يعيش في صحراء فكرية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية يهيمن عليها الشعراء والحكواتية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية تهيمن عليها الشخصية البوفارية.
الشخصية البوفارية بحسب جول دوغولتيه هي نتاج خلل في الشخصية يدفع صاحبها الى تصور نفسه شخص اخر لا يمت بصله لذاته الحقيقية.. وسبب هذا التصور هو حماسة واعجاب بتلك الشخصية المتخيلة مما يدفع الشخص الى تقليدها تقليد سطحي في الملبس والخطاب والحركات.. مما ينتج شخص قرقوزي.. سطحي.. شخص يمتلك تصورا خاطئا عن ملكاته الحسية وامكانياته الفكرية.. وسبب شيوع الشخصية البوفارية هو انتشار التعليم على نطاق واسع.. وسيادة نظام تعليمي يقدم الكمي على النوعي.. مما ادى الى ان الافكار الفلسفية والادبية والعلمية تصبح مبذولة امام اشخاص لايمتلكون الادوات الذهنية الكافية لهضمها واستيعابها.. والنتيجة هو وهم الفهم.. مما يخلق ظاهرة انصاف المتعلمين.. ما هو تراكم اجيال من النخب الفكرية يصبح مبذولا امام اشخاص يمتلكون ذهنيات محدودة.. وهذه الفجوة بين تعقيد الفكر وسطحية التلقي يخلق شخصيات منتفخة بوهم الفهم.. شخصيات تستهلك فكرة الواقع قبل تجربة الواقع.. تستهلك فكرة الحب قبل تجربة الحب (مدام بوفاري انموذجا).. وعدم قدرتها على تمييز الفكرة عن الواقع يدفعها الى علاقة مَرَضيّة وصِدامية مع الواقع.. وبالتالي علاقة عنيفة مع محيطها.. والويل للمجتمعات التي تقودها شخصيات بوفارية.

لسؤ حظ العراق ان تراكمه المؤسساتي كان شبه معدوم عندما استلم اليسار العراقي السلطة.. فاليسار العراقي وخصوصا الشيوعيون العراقيون هم نماذج بوفارية بامتياز.. الكليشة السائدة في العراق والتي رسخها صندوق الكليشات علي الوردي هو ان العنف في العراق سببه بداوة الشعب العراقي.. ولكن هذه الكليشة الثقافوية تفشل في فهم حقيقة ان بلدان اكثر بداوة من العراق لم تنتج عنفا سياسيا.. الملك فيصل الاول رجل من بيئة بدوية ولكنه كان قمة في الاعتدال السياسي.. لماذا !؟

الثقافة البوفارية السطحية عملت على اشاعة هذه الكليشة الثقافوية لان امكانياتها الفكرية لاتسمح لها بفهم المعقد.. ثم ان الطرح الثقافوي يعفيها من طرح سؤال مسؤولياتها.. فالعنف السياسي في عراق الخمسينات والستينات هو نتيجة لوصول الشخصية البوفارية الى السلطة.. مسار خراب العراق بدء منذ تلك اللحظة، حين تم تحويل الجامعة العراقية الى دكاكين حزبية.. وبدء مشروع الرجل غير المناسب في "المكان المناسب".. انها اللحظة البوفارية التي كرست ثقافة التسطيح الفكري التي لازالت سائدة في العراق ..اللحظة التي اصبح فيها سحل الناس وشنقهم في الشوارع يسمى حرية !! اللحظة التي اصبحت فيها العصا التي تضرب الناس تُسمى جمهورية !

2010/11/20

الفرق بين الماخور والوطن

واحدة من اغرب الميتات في التاريخ هي حادثة موت ملك بورما ماندابايان عام ١٥٩٩ والذي مات من الضحك بعد ان قال له تاجر ايطالي ان فينيسيا هي جمهورية وليس فيها ملك !! لو ذهب شخص من عراق اليوم والتقى توماس جفرسون في قبره وقال له ان العراق ديمقراطية وليس فيها حكومة منذ ما يقرب السنة ..اعتقد ان توماس جيفرسون "سيموت من الضحك" كما نقول بالعراقي .. اي انه سيعتبرها نكتة.

عندما نعود في ذاكرتنا للوراء سنلاحظ ان كل الاتفاقات التي تمت بين ساسة الاحتلال منذ ٢٠٠٣ كانت اتفاقات "مخبوزة" على عجل .. وعندما نعود في ذاكرتنا للوراء سنلاحظ ان كل طرف يمتلك تفسير مغاير لما تم "الاتفاق" عليه .. مما يعني منطقيا انه ليس هناك اتفاق بالمرة .. والاتفاق الاخير لم يشذ عن ثابت الهرج الذي يسمى ديمقراطية.. "الاتفاق" الاخير اثبت من جديد ان "العملية السياسية" لا تعمل الا "بالدفعات" الامريكية !

ثم ما معنى الديمقراطية وانت تجد امامك وبعد ثماني سنوات ان الوجوه هي نفس الوجوه .. قله من المعلقين توقفوا امام هذه الظاهرة.. عبود احمد هو من هذه القلة ..وعبود هو عراقي شيعي من النجف ويعمل "مهندس" كمبيوتر .. هو يقول لـ " لوس انجلوس تايمز" : "لم يتغير شيء ..الرئيس هو نفسه ورئيس الوزراء هو نفسه، الوجوه نفس الوجوه ونحن من يدفع الثمن"

"Nothing was changed: The president is the same, the prime minister is the same," "All these faces are the same and we are always the victims."

انا شخصيا كنت اريد بقاء نفس الوجوه اربع سنوات اخرى .. لانني اراهن على امثال عبود احمد .. كنت اريد نفس الوجوه لاربع سنوات اخرى لانني اراهن على مثل هكذا ردود فعل داخل الاوساط الشيعية .. فماذا يفيد العراق من منظور بعيد المدى ان حصل علاوي او الهاشمي على رئاسة الوزراء او على رئاسة الجمهورية ؟؟ لا شيء .. ماذا يفيد العراق "زوبعي" مرتشي هنا .. و"بطيخ" لايقل عنه في الفساد هناك .. ماذا تعني بضعة مناصب لحفنة من "السنة" المرتشيين لمستقبل العراق.. قبول مثل هولاء المرتشين من تجار السياسة بمناصب بحجة انهم يمثلون السنة سيكون ترسيخا للمحاصصة الطائفية .. مما يعني تحويل العراق الى ماخور سياسي كلبنان .. ساحة لتصفية حسابات القوى الاقليمية والعالمية.

في حين ان بقاء الاسلامجية الشيعة في السلطة اربع سنوات اخرى من الفساد سينتج عدد اكبر من امثال عبود احمد .. وتذمر اكبر داخل الاوساط الشيعية وبالتالي فشل مشروع الاسلامجية الشيعة.. وهذا انفع للعراق على المدى البعيد .. الشيعي العراقي الذي ربته قرون من المظلومية يمتلك سايكولوجية ضدية .. وعلاج هذه السايكولوجية هو ان يعيش الشيعي تحت فساد حاكم شيعي .. والاربع سنوات القادمة هي جزء من الفترة العلاجية التي يحتاجها الشيعة في العراق لكي يستعيدوا توازنهم النفسي ويتجاوزا عقدة المظلومية.

قد يقول قائل انني اراهن على خيول خاسرة لان الشيعة لن ينتخبوا يوما ما سياسي سني كما فعل السنة عندما اختاروا علاوي .. صحيح ان هناك صنف من الشيعة لن يفعلوا ذلك حتى لو ظهر المهدي واثبتت التجربة انه لايستطيع ربط "رجل دجاجة" !! ولكن رهاني ليس على هذا الصنف اللطمي .. رهاني على من اعتقدوا ان فقرهم سببه الحاكم السني .. رهاني على من صدقوا بسذاجة وعود ابناء البيوتات الشيعية الذين بشروهم بسقوط الخير .. فليس باللطم وحده يحيا الانسان .. الفلاسفة اليونان يعلموننا درسا في غاية الاهمية وهو ان البشر اكلي خبز قبل كل شيء .. وعندما سيفهم جمهور الشيعة ان حاكم من نفس مذهبهم لايعني بالضرورة حاكم جيد .. وان فقرهم ومشاكلهم ليست بسبب الحاكم السني .. عندها لن يحتم انتماءهم المذهبي ولاءهم السياسي .. وهنا شرط الوطن.

السنة يعرفون بالتجربة ان حاكم من نفس مذهبهم لايعني بالضرورة حاكم جيد .. لانهم اختبروا تاريخيا واقع الحكم .. اختيارهم لشخص "شيعي" كعلاوي في الانتخابات الاخيرة يبين ان انتماهم المذهبي لايفرض عليها سلوكا سياسيا .. وعندما سيتوصل اكبر عدد من الشيعة الى تلك الحقيقة .. فان الانتماء الشيعي لن يفرض عليهم ولاء سياسيا .. وفساد الاسلامجية الشيعة سيساهم في انضاج هذا المسار .. لن يكون هناك عراق طالما ان الانتماء المذهبي هو المحدد للولاء السياسي .. إما ان ينتج العراقيون ولاءً سياسيا خارج الانتماء المذهبي.. او سيصبح العراق ماخورا سياسيا كلبنان يلعب فيه امراء الطوائف وابناء البيوتات دور العاهرات لمن يدفع اكثر من الدول الاقليمية .. هناك من لايزعجه العيش في ماخور طالما ان حقوق الطائفة محفوظة .. انا شخصيا لا اسمي ماخورا وطني.

2010/10/30

كبسولة المظلومية تقف امام التاريخ !





















صعب ان تعلق على كاريكاتير وخصوصا اذا كان من النوع الجيد .. سخرية ستيف بيل في هذا الكاريكاتير فيها ذكاء مدهش.. ذكاء يستفز الكلمات ..ارامل عراقيات يضعن "وثائق حرب العراق" على وجه تمثال الجندي الامريكي "الساقط" .. مقارنة بارعة مع مسرحة سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس.. الدعاية الامريكية ارادت كتابة التاريخ من خلال صور مفبركة .. وثائق حرب العراق تقلب الصورة .. الوثائق تدحر الصور المفبركة..التاريخ ينتقم من الدعاية.. فالتاريخ وثائق قبل كل شيء.

وهذا ما ازعج ويزعج من ارادوا كتابة تاريخ احتلال العراق بالعويل والصور المفبركة .. ومن هنا انزعاج مكتب المالكي الذي استنكر توقيت نشر وثائق ويكيليكس قائلا "ان نشر الوثائق في وقت لم تصل فيه المفاوضات بشان حكومة الي نتيجة حتى الان هو توقيت مريب ".. لا نعرف هل على العالم ان يتوقف الى ان يتم تشكيل الحكومة التي لم تتشكل خلال ثمانية اشهر مسجلة الرقم القياسي في هذا المجال .. وربما لن تتشكل في الاشهر القادمة!

ولكن ما يستوقفني اليوم هو الطريقة التي استقبل فيها اللطميون وثائق ويكيليكس..وساتوقف عند لطمي مصدوم لانه نموذج للغوغائية الفكرية التي يجيدها اللطميون .. هذا اللطمي يقول لنا ان "بعض الشخصيات السياسية تريد ان تحول وثائق ويكيليكس الى قميص عثمان جديد تتباكى عليه وتطلب الثأر والانتقام" مضيفا "ان الظلم في العراق هو عبارة عن ثقافة مجتمعية متوارثة" وان "العراق ليس الجمهورية الفاضلة لافلاطون" .. باختصار، صاحبنا اللطمي يطالبنا بعدم الاعتراض على قتل وتعذيب مئات الالاف من العراقيين فقط لان العراق ليس جمهورية افلاطون !

هذا اللطمي يقول لنا اليوم فقط ان الظلم هو ثقافة مجتمعية لانه يريد تبرير جرائم الحكم الشيعي .. في حين انهم اوجعوا رؤوسنا خلال عقود بـ "ظلم الحكومات السنية تجاه الشيعة" .. اه كم كان العراق سيكون مختلفا اليوم لو ان اللطميين قالوا لرعاعهم انذاك ان سبب الظلم هو ثقافة مجتمعية عامة وليس ثقافة سنية اقصائية .. تصورا لو ان حسن العلوي كتب قبل عقود يقول للرؤوس الاسفنجية ما يقوله هذا اللطمي اليوم ..اي "ان الظلم في العراق هو عبارة عن ثقافة مجتمعية متوارثة فالاب يظلم زوجته واولاده والاخ يظلم اخواته ورئيس العشيرة يظلم ابناء العشيرة والمعلم يظلم تلاميذه والرئيس يظلم شعبه" .. تصورا لو انهم قالوا للروؤس الاسفنجية ان المشكلة السياسية في العراق لها اسباب اجتماعية سوسيولوجية قبل كل شيء .. تصورا لو انهم قالوا لهم في عهد صدام "ان العراق بلد عالم ثالث وهو ليس جمهورية افلاطون الفاضلة" وبالتالي فليس هناك من سبب لتحويل بعض الانتهاكات الى "مظلومية شيعية تطلب الثأر والانتقام وتسحب العراقيين الى حرب جمل جديدة".. تصورا !
قد يقول قائل ان هذا اللطمي على حق وانه آن الاوان لطي صفحة الماضي وجروح الماضي لان الناس تريد ان تعيش .. لما لا .. ولكن المشكلة هو انك تتقدم في مقال هذا اللطمي وتجده يقول لك بلا حياء ان المسؤول عن الانتهاكات التي وردت في وثائق ويكيليكس هي "بقايا اجهزة النظام السابق".. هنا الكارثة! نحن هنا امام نموذج من العقول التي ربتها محكية المظلومية الباثولوجية.. فمثل هذا اللطمي الذي ترعرع داخل خزعبلات المظلومية الشيعية لا يعير اهمية لما يقع خارج كبسولة المظلومية .. انه شخص لايعير اهمية لمعاناة الاخر لانه يعتبرمعاناة الآخر منافسة لمعاناته .. قرون من التلذذ في لعب دور الضحية تجعله لايحتمل سماع خبر معاناة الاخرين.

فرويد يقول ان الهستيري هو ذاكرة تجتر حدثا صادما .. وهذا اللطمي الذي يعتقد ان الانتهاكات التي وردت في وثائق ويكيليكس سببها "بقايا اجهزة النظام السابق" هو شخص هستيري .. مُنْتَج محكية شيعية هستيرية تجتر جروحها بطقوسية باثولوجية.. وهذا التركيز المرضي على مظلومية الشيعة جعل اللطميين غير قادرين على تحسس معاناة الاخر .. من هنا عندما تظهر معاناة الاخر فهم يحاولون تجاهلها لاطول فترة ممكنة .. وعندما لايعود فعل التجاهل ممكنا كما هو الحال مع وثائق ويكيليكس .. تراهم يفعلون كل شيء من ان اجل تبريرها او تخفيف وطأتها من خلال مقولات من مثل "العراق ليس الجمهورية الفاضلة لافلاطون" .. او من خلال التشكيك بمسألة توقيت نشر الوثائق داخل اطار عقلية المؤامرة .. الى اخره من الطروحات الفاليومية المهدئة للهستيري النائم في كل لطمي.

مذهل ان من استخدموا "رأس الحسين" كمطية سياسية خلال قرون وادخلوا العراق اليوم في ابشع حرب اهلية في تاريخه .. يستكثرون اليوم على الاخرين ان يشيروا الى"الرؤوس" التي صلت عليها الدريلات صلاة المظلومية ! لا، لا .. ليطمئن ممن لا زالوا يستنشقون غبار معارك الجمل ويجترون مفردات معارك الجمل .. لن نتباكى على "قميص عثمان" .. ولم ولا ولن نطلب ثارات قرووسطوية كما فعلتم .. نحن لا نعيش في القرون الوسطى .. نحن نعيش عصرنا وسنكتفي بـ "قميص ويكيليكس" .. لانه تاريخنا .. تاريخ ضحايانا .. وتاريخ المجرمين والخونة الذين قتلوا العراق .. وثائق "ويكيليكس" هي جزء من تاريخ احتلال العراق .. انه التاريخ يا سادة .. او يا عبيد السادة .. وآن الاوان لكي تخرجوا من "كبسولة" المظلومية وتدخلوا في التاريخ.

2010/10/17

فلسطيني ام "فلسطيزي" ؟ افتونا يرحمكم الله !!

في كلمته المرحبة باحمدي نجاد الذي زار لبنان مؤخرا قال حسن نصر الله "هناك في لبنان وفلسطين ومنطقتنا العربية من يتحدث دائما عن مشروع ايراني يفترضه في وهمه" .. واضاف قائلا "ايها العرب ما تريده ايران في فلسطين هو ما يريده الشعب الفلسطيني في فلسطين هذا هو مشروع ايران... "

لا اعرف متى سيفهم حسن نصر الله ان الكثير من الناس ليسوا من مدمني قناة المنار .. وبالتالي فقليل من الاحترام لعقول الناس يفرض نفسه .. كل طالب مبتدىء في العلوم السياسية يعرف جيدا ان الدول ليست جمعيات خيرية توزع "الحامض حلو" على الفقراء .. فمنطق الدولة هو التوسع ان لم يكن جغرافيا ففكريا .. وتسويق فكرتك في بلد خصم هو وسيلة فعالة جدا في التأثير على هذا البلد.

ايران تسوق القضية الفلسطينية اليوم بعد ان كانت تدعم اسرائيل في السبعينات .. لانها فهمت ان القضية الفلسطينية هي حصان طروادة داخل المحيط العربي .. ايران فهمت انها لن تستطيع الولوج الى المنطقة ذو الاغلبية السنية من خلال شعار "تصدير الثورة الايرانية" .. من هنا شعار تحرير فلسطين المؤثر في الشارع العربي.. وقول حسن نصر الله ان "الحديث عن مشروع ايراني في المنطقة العربية هو وهم" .. هو اهانة لعقول الناس .

واحدة من علامات الاستخدام السياسي لقضية ما هو انه متناقض في الواقع .. نصر الله الذي يقدم لنا نجاد كمنقذ للفلسطينيين .. يتناسى ان الاحزاب المدعومة من ايران في العراق المحتل هي من قتلت وشردت فلسطينيو العراق .. والسؤال هو لماذا تسوق ايران خطاب تحرير فلسطين في لبنان .. بينما تقتل الفلسطينيين في العراق ؟ والجواب هو لان ايران لايهمها الفلسطيني بقدر اهتمامها بالمنافع السياسية التي تقدمها القضية الفلسطينية .. وهذه الازدواجية هي ما يؤكد الاستخدام السياسي للقضية الفلسطينية من قبل ايران .. وكل فذلكات نصر الله الخطابية لن تستطيع اخفاء تلك الازدواجية .

ثانيا، اذا اراد حسن نصر الله تحرير الفلسطينيين فلماذا لا يبدأ بالفلسطينيين المقيمين في لبنان ؟ غريب، اوليس الاقربون اولى بالمعروف ؟؟ خصوصا اذا كانوا يعيشون في مخيمات مزرية لا نجد لها مثيلا في البؤس حتى تحت الاحتلال الاسرائيلي .. لماذا يتم الاعتراض على "توطين" الفلسطيني في لبنان او السماح له بمزاولة ما يريد من المهن على الاقل لمن ولدوا هناك ؟ والجواب هو لان الفلسطينيين في لبنان يشكلون خطرا "سنيا" يهدد التوازن الديموغرافي المذهبي ؟ وهذا ما لايريده الشيعة في لبنان .. نحب بعضنا بعضا !!

التعاطف مع الفلسطيني اليوم هو تعاطف حركي .. فبعض الشيعة في العراق ممن كانوا حتى وقت قريب يطلقون على الفلسطيني تحقيرا تسمية " فلسطيزي" لان صدام تبرع في زمن الحصار بالملايين للضحايا الفلسطينيين وخصوصا بعد مجزرة مخيم جنين.. اصبحوا اليوم يرددون بحماسة خطب احمدي نجاد عن حقوق الفلسطيني !! تعال ارجوك وقل لي : لماذا بالامس "فلسطيزي" واليوم فلسطيني ؟ والجواب هو لان من يستخدم القضية الفلسطينية سياسيا اليوم هي ايران الشيعية . 

2010/09/29

من المسؤول سياسيا الاشخاص ام الافكار؟

عندما اصدر خروشوف في عام ١٩٥٦ تقريرا يدين فيه جرائم ستالين بعد وفاة هذا الاخير.. رفض الكثير من الشيوعيين تصديق ما جاء في هذا التقرير لانه شكل صدمة لمعتقداتهم وافكارهم.. من هنا قولهم ان هذا التقرير كان تقريرا كاذبا ومفبركا من قبل وكالة المخابرات الامريكية ! علماء الاجتماع السياسي يطلقون على هذا السلوك اسم "التناشزاوالتضارب الفكري": عندما تواجه شخصا مؤدلج فكريا بحقائق تناقض معتقداته وافكاره فان اول شيء يقوم به هو انكار تلك الحقائق التي تجرح نرجسيته الفكرية.. اما عن طريق محاولة اهمال تلك الحقائق لاطول فترة ممكنة او عن طريق نقدها وتكذيب محتواها والتشنيع بقائلها.. وهذا ما يعيشه الاسلامجية الشيعة اليوم.. فمنهم من ينكر او يتجاهل الحقائق التي تؤكد فشل الاسلامجية الشيعة في السلطة.. ومنهم من يحاول ايجاد التبريرات لهم.

يوم امس نشر كاتب اسلامجي مقال يقول فيه ما معناه بان النظرة السلبية السائدة اليوم تجاه "الاسلاميين" هي "نظرة لا تخلو من التطرف او التعميم باعتبار ان الخطأ من الاسلامي يعمم على الجميع بينما اخطاء غيرنا من العلمانيين لا تنسب الا الى اصحابها .... عندما يخطأ العلماني لا نقول اخطأت العلمانية بينما لو اخطأ اسلامي فنقول اخطأ الاسلاميون ثم نرتب اثراً عملياً على فشل الاسلام السياسي بسبب استئثار المحسوبين عليه بالغنمية واغراءات السلطة وهذا ظلم فادح وتعميم باطل".

ينبغي الاشارة هنا الى ان التبريرات الشيوعية لجرائم ستالين كانت تستعين بنفس الحجة وفحواها هو ان الاخطاء التي رافقت الحكم الشيوعي سببها اخطاء شخصية وليست الايديولوجية الشيوعية.. بمعنى ان شخصية ستالين هي السبب وليس الايدولوجيا الشيوعية.. ولكن تلك التبريرات تفشل في الاجابة على سوأل: لماذا انتجت الشيوعية "جمهوريات اسلاك شائكة" في مناطق وثقافات كثيرة حول العالم؟

ثانيا.. "صاحبنا" الاسىلامجي يتسائل لماذا "عندما يخطأ العلماني لا نقول اخطأت العلمانية بينما لو اخطأ اسلامي فنقول اخطأ الاسلاميون ثم "نستنتج" فشل الاسلام السياسي".. وهو قول يحتوي على كذب فاضح.. ومراجعة سريعة للادبيات الاسلاموية ستبين ان الاسلامويين حمّلوا العلمانية مسؤولية اخطاء ارتكبها اشخاص ينتمون فكريا الى فضاءها.. ومع ذلك فتساؤل صاحبنا يحتوي على تناقض كبير يمكن فضحه عبر طرح سوأل معاكس: "لماذا عندما يُصيب اسلامجي تقولون ان الفضل للاسلام السياسي وعندما يخطئ فالسبب هم الاشخاص رغم ان الاسلام السياسي يقوم ضمنيا على فرضية تُقدم العقيدة على الاشخاص؟
ثالثا.. والتناقض هنا اكبر، اذا كانت القضية قضية اشخاص وليست قضية افكار وعقائد .. فلماذا اصدرتم قانون اجتثاث البعث؟ بتعبير اخر، لماذا عندما يخطئ بعثي تدينون الفكر البعثي، ولكن عندما يخطئ الاسلامجي فالشخص هو المسؤول وليس العقيدة.. لماذا عندما يفشل البعث في السلطة تدينون الفكر البعثي.. اما عندما يفشل الاسلام السياسي الشيعي فالاشخاص هم السبب وليست العقيدة؟ ومقارنة صاحبنا بين العلمانية والاسلام السياسي ما هي الا محاولة للتهرب من المقارنة بين عقيدتين وتجربتي حكم (البعث والاسلام السياسي الشيعي).. فالعلمانية ليست حزبا اوعقيدة لكي يتم مقارنتها بالاسلام السياسي.. العلمانية تقنية حكم تهدف الى فصل الدين عن الدولة .

هاينريش هاينه احد اصدقاء كارل ماركس وخصمه فكريا كان يقول ان روبسبير كان يد جان جاك روسو.. وهو يريد ان يقول ان افكار روسو الراديكالية لعبت دورا في سلوكيات روبسبير العنيفة التي جعلت من المقصلة وسيلة الفعل السياسي الوحيدة.. بمعنى ان الافكار التي يتبناها سياسي ما لها دور مهم في سلوكه السياسي.. الاسلامجية الشيعة يرفضون قبول حقيقة ان العنف السياسي الحالي هو ايضا نتيجة للفكر الطائفي الكامن في المحكية الشيعية..لذلك تراهم يركزون على شخصنة المسؤولية.. وانكارهم لمسؤولية محكيتهم القرووسطوية في الخراب الحالي يدفعهم للهروب في تبريرات متناقضة وبعض الاحيان فنطازية.. من هنا اعتقاد بعضهم ان فشل الاسلامجية الشيعة في السلطة هي مؤامرة امريكية ضد الشيعة!! وهذا بالتحديد ما كان يقوله الشيوعيون بخصوص تقرير خورشوف: تقرير مفبرك من قبل المخابرات الامريكية ! وهذا السلوك يبين ان الاسلامجية الشيعة المتكلسين فكريا يختبرون اليوم ظاهرة التضارب الفكري.

2010/09/19

هل هناك ثورات في السياسة ؟

Une révolution est toujours inaugurée par des naïfs, poursuivie par des intrigants, consommée par des scélérats. Paul Bourget

"المستشار الثقافي" للتيار الصدري خرج علينا قبل ايام بمقال عنوانه "هل تأكل الثورة ابناها" .. يقول فيه "ان كل ثورة في الأرض يخطط لها المفكرون ، ويقوم بها المحرومون ، ويجني ثمارها الإنتهازيون" .. ثم يضيف قائلا انها مقولة "تمتلك من المصداقية ما يجعلني أطابقها على أطر الوضع الحالي في العراق ، لأجد أنها تمتلك مصداقاً وانطباقاً عجيبين على القوى السياسية" .

ساضع جانبا مسألة ان "المستشار الثقافي" يسمي عملية احتلال العراق ثورة .. وساضع جانبا، لكي لا اصاب بالغثيان، قول المستشار الثقافي "أن قائل هذه العبارة كان قد اتكأ في عبارته هذه على قول "الله سبحانه وتعالى" : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا‏" .. تصورا حجم الاستخفاف بعقول الناس!

ما يستوقفني هو ان المقولة كما يوردها "المستشار" الثقافي هي مقولة مزورة ومحرّفة تعود في الاصل لكاتب فرنسي اسمه بول بورجيه، يقول فيها: "الثورة يفتتحها دائما سُذّج، ويواصلها مغامرون ، ويختتمها مجرمون" .. اذا من اين جاءنا "المستشار" بنسخته الفلمهندية ؟ قليل من الاحترام لعقول الناس لا يضر !!

المستشار يعترف بعد ذلك على مضض قائلا "أن الوضع الحالي في العراق هو أسوأ من الوضع السابق في بعض المعطيات".. والمستشار هنا يستيقض كاغلبية الشيعة من وهم المظلومية الذي استمر قرون .. ليجد نفسه امام كابوس السلطة الشيعية الفاسدة .. كيف ولماذا وما السبب ؟؟ لسؤ حظنا وحظ العراق المستشار لا يمتلك الادوات الفكرية التي تمكنه من طرح ومناقشة هذه الاسئلة الحيوية لمستقبل العراق !! لسوء حظنا وحظ العراق المستشار الثقافي لا يملك غير اقوال مجترّة .. والادهى محرّفة!

لنكن واضحين .. المستشار الثقافي عندما يطرح الازمة الشيعية الحالية من خلال مقولة الثورة تأكل ابناها.. فهو يغلب البعد الشخصي القيمي على البعد البنيوي السوسيولوجي للسلطة .. فهو يتطرق للموضوع من خلال شخصنة المسؤولية .. معتقدا ان وضع مفكر او محروم في مكان من يحكمون اليوم سيغير الامور.. في حين ان المشكلة بنيوية تتعلق بالسلطة التي تفرض على من يتصدى للسلطة ضرورات لاتصمد امامها القيم والمعتقدات الشخصية.

مشكلة "المستشار" هو انه لازال ينام في افكار "المدينة الفاضلة" الافلاطونية حيث يحكم المفكر الفيلسوف مجتمع طوباوي .. ما لا يعرفه المستشار ومعه الثقافة الشعرية السائدة في العراق هو ان تسعة من تلامذة افلاطون ومقربيه تحولوا الى حكّام دكتاتوريين ما ان استلموا السلطه .. كما يقول كارل بوبر في كتابه الرائع "المجتمع المفتوح واعدائه" .. كل القيم والاخلاق الطوباوية لاتستطيع شيئا امام اختبار السلطة .. وفرضية بوبر في كتابه هذا يمكن تلخيصها كما يلي : حيث تجد البؤس السياسي والاجتماعي ابحث عن الطرح الطوباوي فهو اصل البلاء لانه طرح محتقر للواقع ويستند فقط للافكار.
النزعة الطوباوية الاسكاتولوجية هو اهم ما يميز المنظور الشيعي للسلطة ..الغالبية من ائمة الشيعة لم يمارسوا سلطة .. لم يواجهوا اختبار السلطة.. "الامام" الوحيد الذي مارس السلطة هو علي ابن ابي طالب .. وفترة حكمة كانت من اكثر الفترات فوضى واقتتال اهلي في التاريخ الاسلامي .. وهذا الفشل التاريخي على ارض الواقع دفع الشيعة الى الهروب الى "العوالم الخلفية" .. هروب الى الفكر الطوباوي الذي يحلم ساذجا بمجتمع خال من الصراع.. وهو اعتقاد يخالف كل المعطيات التاريخية والانثروبولوجية.
خطورة الفكر الطوباوي تكمن في كونه لا يطبق افكاره هنا والان وعلى كوكب الارض .. لا .. هو يرسلنا دائما الى المستقبل .. الفكر الطوباوي هو مشروع سياسي مؤجل باستمرار .. من هنا فكرة المهدي المنقذ الذي سينشر العدل والسلام بين البشرية كما تقول لنا المحكية الشيعية الاسكاتولوجية.. المنطق التاريخي يقول لنا ان علي ابن ابي طالب وهو "الامام الاكبر" لم يستطع توفير السلم لمدينة صغيرة كالكوفة.. فكيف سيستطيع المهدي وهو الامام الاصغر نشر العدل والسلام بين البشرية !! هنا يكمن الاحتقار الشيعي للتاريخ ولتجارب التاريخ.

الشيعة اليوم يحكمون.. وهو شيء ايجابي.. لان نزول الفكر الشيعي الطوباوي الى ارض الواقع وتصديه لمهمة السلطة سيؤدي الى فضح هشاشة الاحكام القيمية المجردة عن السلطة التي ظل الشيعة يجترونها خلال قرون .. الطوباويون ينزلون اليوم الى ارض الواقع .. والواقع مقبرة للمحكيات الطوباوية .. وهذا ما يعيشه الشيعة اليوم.. ومن هنا حيرة "المستشار"!
باختصار.. ما لا يفهمة "المستشار الثقافي" ومعه الكثير من الكتاب الشيعة الذين ربتهم الافكار الطوباوية القرووسطوية هو ان جوهر السياسة ثابت تاريخيا.. سواء اكان الحاكم "اماما" او غير امام .. تلميذا لافلاطون او غبي كمقتدى الصدر .. مسلما او مسيحي .. سني او شيعي .. فسيان .. كل انسان هو مشروع تسلط ما لم يكبح بمؤسسات مؤطرة لسلطته.. تجربة المالكي في الحكم تُكذِب خطابات نهج البلاغة المفبركة والطوباوية !! 

واخيرا .. نعم "هناك ثورات سياسية، ولكن ليس هناك ثورات في السياسة" كما يقول جوليان فروند مستندا الى فكرة عالم الاجتماع الايطالي باريتو.. الذي يقول : تتغير الانظمة السياسية ولكن جوهر السياسة وهو الصراع على السلطة والنفوذ هو ثابت تاريخي.. فاهلا بكم على كوكب الارض!

2010/08/30

في هجاء "دال" الدكتور !!

د. محمد فلحي يقول "ان النظام الملكي فشل في تحقيق أهم الأهداف التي كان ينبغي العمل على تحقيقها في مرحلة التأسيس، وهو زرع الشعور بالانتماء الوطني، وتذويب الفوارق، بدلاً من تكريس الانقسام العرقي والديني والطائفي".. ويضيف في مكان اخر "وعلى الصعيد المذهبي كان هيكل الدولة يعاني من التشوه والاختلال، فقد كانت الأكثرية تنظر إلى نظام الحكم على أنه حكم الأقلية سواء في العهد الملكي، أو في عهد الانقلابات والدكتاتوريات العسكرية .. و"هذه التركيبة السياسية المشوهة، التي يحيطها شعور عميق بالغبن وإحساس بالظلم، من جانب الأكثرية، ظل يترسب في النفوس، طوال عقود عديدة، أدت إلى نشوء أوضاع اقتصادية واجتماعية أكثر اختلالاً وخطورة".
اولا .. القول بان النظام الملكي هو من كرس الانقسام العرقي والديني والطائفي" في العراق هو تحليق حر في فضاء الاستخفاف.. وهي كليشة سائدة عند انصاف المتعلمين من الشيعة الذين لم يذهبوا في قراءة التاريخ ابعد من فهلويات حسن العلوي .. ونظرة سريعة لما يقوله حنا بطاطو في هذا الاطار تكفي لفضح كذب وضحالة هذه الكليشة .. فالنظام الملكي لم يكرس الطائفية لان الطائفية كانت موجودة قبل ذلك .. وفتاوى رجال الدين الشيعة التي "تحرم الزواج من السني خوفا من الظلال" عمرها قرون .. واذا ما استندنا الى معطيات الواقع وليس الى المحكيات المتحزبة فاننا سنجد ان تأسيس الدولة العراقية هو ما ساعد على الخروج من الغيتوهات الطائفية التي كانت سائدة قبل ذلك .. لا بل ان الفترة الوحيدة في التاريخ التي عرف فيها العراق تعايشا طائفيا حقيقيا كان بفضل قيام الدولة العراقية الحديثة .. والبرهان على ذلك هو برهان انثروبولوجي وليس سياسي متحزب .. ويتمثل في حقيقة ان ثلث العوائل العراقية اليوم متزاوجة طائفيا بعد ان كان الزواج عبرالطائفي ممنوع اجتماعيا قبل قيام الدولة العراقية الحديثة.. اذا، عندما تتكلم الوقائع تصمت المحكيات المتحزبة!!
ثانيا، شعور الشيعة بالغبن والإحساس بالظلم لم يكن وليد العقود الاخيرة كما يجتر الدكتور محمد فلحي .. بمعنى ان هذا الشعور لم يكن بسبب سيطرة "السنة" على مقاليد الحكم في العهدين الملكي والجمهوري .. احساس الشيعة بالظلم هو قديم قدم محكية المظلومية .. وهو ما يسميه المؤرخ اريل دان بـ"العقدة الشيعية".. من هنا قول بهاء الاعرجي قبل اشهر بان الشيعة كانوا مظلوميين من زمن ابو بكر الى زمن احمد حسن البكر.. وهي فكرة سائدة عند اغلبية الشيعة .. رغم انها تنطوي على مغالطة تاريخية كبيرة .. فالشيعة لم يكن لهم وجود في زمن ابو بكر .. والاعرجي هنا لايقل سذاجة عن المغني محمد عبدة عندما قال بان "النبي" محمد سعودي .. فهو يسقط تسمية متأخرة على زمن متقدم.. وكما قلت سابقا فان اسقاط الماضي القرووسطوي على الحاضر هو رياضة شيعية بامتياز!
ثالثا القول بان الاقلية السنية كانت تسيطر على الحكم يحتوي على فهم شمولي لمفردة السنة .. نعم من حكموا في العراق الملكي والجمهوري ينتمون لعوائل سنية .. ولكن الرابطة السنية لم تكن تجمعهم خلافا لما تدعية المحكية الشيعية .. نوري السعيد والضباط الشريفيون كانوا من عوائل سنية ولكنهم عملوا ضد العثمانيون ذو المذهب السني .. "الضباط الاحرار" كانوا اغلبهم من عوائل سنية ولكنهم قاموا بانقلاب ضد الحكم الملكي الذي يصفه فلحي بالسني .. وهنا ياتي السؤال : ما معنى ان يكون المر "سنيا" وينقلب على "نظام سني" .. انه تناقض في المفاهيم سببه خلل في الاصطلاح .. وبعض الشيعة بدأوا يفهمون هذا التناقض اليوم فقط بعد ان جاء للحكم ساسة شيعة .. من هنا التصنيف الذي شاع مؤخرا بين شيعة السلطة وبين شيعة العراق .. وهو "تصنيف" اطلقه من كانوا حتى وقت قريب يردحون بمقولة الدولة السنية.
فلحي كما عبد الامير الركابي واخرين غيرهم من الكتاب الشيعة يتكلمون عن المواطنة والانتماء الوطني ولكنهم لازالوا يجترون خطاب الاقلية والاكثرية .. هم يشهدون اليوم الصراع بين الشيعة على السلطة .. ويمييزون بين شيعة العراق وبين شيعة السلطة ولكنهم مازالوا يجترون محكية الاقلية السنية التي حكمت العراق.. رغم ان التاريخ يقول لنا ان السنة لم يشكلوا مجموعة متجانسة سياسيا ..من هنا فليس من باب المبالغة القول ان وحدة "السنة" كطائفة شمولية توجد فقط في رؤوس الشيعة الذين يرفضون الخروج من المنظور المذهبي للتاريخ .. الكتاب الشيعة يصرون على يكون هناك طائفة سنية مقابله لهم .. لان عدم وجودها سيفتت محكية المظلومية التي هي اسبق زمنيا من الدولة العراقية الحديثة .. انه منطق خلق العدو من اجل تبرير وجودك وتبرير محكيتك .. نعم الطائفية خطاب قبل كل شيء .. وخطاب المظلومية الذي يرفض النظر للصراع على السلطة في العراق خارج اطار المنظور المذهبي هو خطاب طائفي بامتياز .
باختصار .. الاصرارعلى اجترار مقولة ان الحكم الملكي هو حكم طائفي لان شخوصه كانوا من عوائل سنية هو اصرار على تكريس المنظور المذهبي في تحليل الصراع على السلطة في العراق .. ان تضع المواطنه معيارا للوطن وتاتي بعد ذلك وتتكلم عن اكثرية واقلية وفقا للمذهب هو اصرار على مذهبة الخطاب السياسي .. ان تصف بالطائفي نظام ساعد على الخروج من الغيتوهات الطائفية وتسكت على نظام مسؤول عن ابشع حرب اهلية في كل تاريخ العراق هي طائفية لاتقول اسمها .. ان تنتقد النظام الملكي العراقي لانه ولد "ولادة قيصرية على يد المحتل البريطاني ثم تأتي بعد ذلك وتُشيد "بالنموذج الخليجي" متناسيا ان "النموذج الخليجي" ولد ايضا "ولادة قيصرية على يد المحتل البريطاني" فهذا يدفعنا على اقل تقدير للتسأؤل عن قيمة "دال" الدكتور الذي يقوم بمثل هذا التشخيص العمياوي.

2010/08/21

عندما يدخل ماكيافلي صريفة بني ساعدة

أوليفر أوغست في تقرير عن العراق نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية قبل ايام يقول "إن الخطر الأكبر من خطر القاعدة ، هو الخوف السائد داخل النظام السياسي العراقي الحالي: خوف الزعماء من فقدان مزايا المنصب، ومن خذلان الحلفاء لهم، ومن أن يقتلوا بمجرد خروجهم من الحكومة، وهذا الخوف يجعلهم يتمسكون بكراسيهم”.
حتى غير المتخصص في السياسة عندما ينظر لمهزلة الديمقراطية التي يقدمها لنا الساسة الحاليون .. سيقول لك ان ما يجري هو صراع على السلطة .. صراع على السلطة ليس فقط بينالمكوناتكما تسميها لغة ما بعد الدبابة ابرامز .. ولكنه صراع داخلالمكوناتوخصوصا بين الاسلامجية الشيعة.. ماذا نستنتج من هذا الصراع على السلطة وهذا التشبث بالكراسي وهذا الشك والخوف السائد حتى بين ابناء الطائفة الواحدة ؟ اعنى ماذا نستطيع ان نقول اذا ما وضعنا جانبا تحليلات الصحافة الاجنبية التي فهمت متأخرة جدا ان الديمقراطية المحمولة جوا لا تعمل .. ما هو الدرس الذي نستخلصه من هذا الصراع على السلطة ؟
أحد مستشاري نوري المالكي يقول لـ التايمز مبررا هذا الصراع على السلطة المنتج للعطل الديمقراطي : "نحن أبناء صدام (وهو من) شكّل أسلوب تفكيرنا في السياسة".. الصحف الغربية تلتذ بمثل هكذا تفسيرات لان ذلك يعفيها من طرح مسؤوليات بلدانها في الخراب الحالي.. وهي ايضا تفسيرات مريحة للرعاع في جمهورية اللطم الفكري .. مستشار المملوك لم يفهم بعد ان زمن تحميل الماضي اسباب خراب الحاضر قد ولى منذ سنوات .. وخصوصا بعد ان بز الحاضر كل ما سبقة في مضمار الفساد .. وقد بينت سابقا وبالتفاصيل ان الخوف والشك المتبادل السائد بين من يتصدون للعمل السياسي في العراق لم يكن منتج نظام صدام لان جذوره اقدم من ذلك.
ويبقى السؤال ..الا يوجد معنى اعمق لظاهرة الصراع الحالي على السلطة ؟ وبالتحديد ماذا يقول لنا الصراع الحالي بين الاسلامجية الشيعة؟ الم يقولوا لنا في السابق بانهم اقصوا من السلطة لاسباب مذهبية .. الا نجد في الصراع بين ابناءالمكونالشيعي اليوم ما يكذب تلك المحكية ؟ الا يوجد في هذا الصراع على السلطة بين الشيعة ما يكذب كل محكية المظلومية التاريخية التي تعتقد ان معارك الجمل كانت صراعا بين الخير والشر وليس صراعا على السلطة؟ باختصار الا يوجد لهذا الصراع على السلطة معنى سوسيولوجي تاريخي يخلصنا من سجن النظرة الطائفية التي قتلت العراق؟
تاريخنا القديم مليء بحوادث صراع دموي على السلطة .. وكثيرا ما يتم الاستشهاد بحقيقة ان ثلاثة من الخلفاء الاربعة ماتوا قتلا .. وهو ما دفع بعض المستشرقين الى كليشة عنف الثقافة العربية بسبب طبعها البدوي .. وعلي الوردي هو حامل لواء تلك السخافة الفكرية عندنا .. ولكن الصراع الدموي على السلطة هو شيء عرفته كل الثقافات .. المؤرخ الفرنسي الرصين بول فين يقول مثلا في كتابهالامبراطورية الرومانية” : “خلال اربعة قرون، ثلثي قياصرة روما ماتوا موتا عنيفا” .. نتيجة للصراع على السلطة .. وهو رقم مذهل.
اذا الصراع على السلطة هو ثابت انثروبولوجي/ انساني عابر للثقافات .. وهو ما يؤكده ماكيافلي .. الذي يقول لنا ما معناه : اذا استندنا الى التجربة والوقائع كمصادر لمعرفتنا .. واذا كانت الافعال وليس المحكيات هي معيارنا في الحكم على الاشياء .. فعلينا ان نستنتج ان الصراع بين البشر من اجل المنافع والسلطة هو ثابت تاريخي .. وماكيافلي يعتبر رائد الفكر السياسي الحديث لانه علّم اوربا هذا الدرس الثمين: لفهم السياسة يجب الانطلاق من الواقع والوقائع التي امام اعيننا لانها اصدق الف مرة من كل المحكيات التاريخية.. وماكيافلي مكروه من قبل اصحاب الخطابات الاخلاقية لانه بالتحديد يعري واقع السلطة .. فهو قد رسم الطبيعة البشرية كما راها وليس كما تقدمها المحكيات التي تتصارع دمويا على السلطة وتخفي صراعها خلف خطابات اخلاقية.. من هنا رده الشهير على من اتهموه بـ سؤ اراءه حيث يقول : ارائي ستكون سيئة لو كان البشر طيبون .. ولكن البشر ليسوا كذلك”.
« Mes avis seraient mauvais si les hommes étaient bons - mais les hommes ne sont pas bons»

وكيل السيستاتي يمارس الجنس معزينبياتالحوزة ويصورفتوحاتهالجنسية بالموبايل .. وقلت حتى قبل هذه الفضيحة ان ما خفي اعظم .. مليارات الدولارات تختفي في جيوب اسلامجية صدعوا رؤوسنا بخطابات عن القيم المحلية والاخلاق الاسلامية وهي خطب استهوت حتى علمانيوالنص ردنمن صنف ماركس ابو دشداشة .. مخصصات برلماني اسلامجي تصل شهريا الى سبعين الف دولار في بلد يعيش فيه عشرات الالوف على نفايات المزابل .. وكل هذا غير كافٍ لكي تفتح مجتمعات الفضيلة الزائفة عيونها على الواقع كما هو لا كما تقدمه المحكيات الاخلاقية .. فمجتمعات الفضيلة الزائفة يفزعها النظر الى الواقع كما هو.. وهي ان فعلت فهي لاتستنتج الدروس والعبر من ذلك.
باختصار ..عندما ننظر للواقع اليوم كما هو امام اعيننا .. فاننا نرى الاسلامجية الشيعة يتقاتلون في ما بينهم من اجل السلطة .. هم الذين فسروا الصراع على السلطة في العراق على اساس مذهبي فقط .. مقتدى الصدر قتل عبد المجيد الخوئي شر قتلة .. المالكي انقلب على رفيق حزبه الجعفري بسبب عدم رغبة هذا الاخير بترك الكرسي .. الجعفري وعبد المهدي والصدر يقفون اليوم ضد المالكي .. ولو امتلك المالكي امكانيات السلطة لصفاهم دمويا .. ولكنه مجردمملوكمحمي من قبل الدبابة ابرامز .

 كل هذا يقول لنا شيء في غاية الاهمية خصوصا في مجتمع ما زال ينام في خنادق مذهبية .. وهو ان دافع السلطة اقوى من دافع المذهب .. وفهم ذلك سوسيولوجيا يفند محكية المظلومية التاريخية التي فسرت ثابت الصراع الاسلامي على السلطة كصراع افكار ومبادئ : فتجاذبات صريفة بني ساعدة كانت صراعا على السلطة .. وصراع بني امية وبني هاشم، والذي ما زال يمعن في قتلنا، كان صراعا بين ابناء بيوتات على السلطة .. ومعارك الجمل كانت معارك من اجل السلطة .. مقتدى الصدر قتل عبد المجيد الخوئي من اجل السلطة كما قتل يزيد الحسين من اجل السلطة .. وكل المحكيات التاريخية التي تخندقت ضديا لتفسر معارك الجمل ما هي الاقصص اطفال بتعبير فويرباخ..هكذا تكلمت السوسيولوجيا التاريخية.
لنا ان نستمر في الفهم السحري للتاريخ .. ولنا ان نستمر في الاحتماء بالسايكولوحية البدائية الضدية .. ولنا ان نستمر في الاستمتاع بـقصص الاطفالالتاريخية .. ولكن عندها علينا ان نكف عن نقد السلطة والمتصارعين عليها .. لاننا مثلهم مجرمين .. فالاستمرار في الاستماع الىقصص الاطفالالتاريخية في زمن يُقتل الناس فيتنور الزهراءهو جريمة .. جريمة لن تنتهي الا عندما يتم ادخال ماكيافلي في صريفة بني ساعدة .