2010/11/28

العصا التي سمّت نفسها جمهورية.. الشخصية البوفارية

بوفاة المؤرخ عبد العزيز الدوري في الاسبوع الماضي .. اختفى اخر ممثل لجيل رصين من الاكاديميين العراقيين .. جيل انتج افضل ما في المكتبة العراقية من كتب ..فعبد العزيز الدوري وشاكر مصطفى سليم هما افضل ممثلي هذا الجيل في العلوم الانسانية .. هذا الجيل الذي انتجه العهد الملكي وكان في طريقه لتأسيس حقل اكاديمي ناضج قتله العهد الجمهوري .. فانقلاب ١٤ تموز ١٩٥٨ الذي جاء بالعسكر والشيوعيين كان ايضا انقلابا في الحقل الاكاديمي .. فقد تم فصل كثير من الاساتذه لاسباب سياسية ومنهم عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد وواحد من مؤسسيها وابدالهم بشيوعيين .. انذاك كانت بغداد تختبرعمليا مقولة باكونين :"حياة الناس لن تكون سهلة حينما تسمي العصّا التي تضربهم نفسها جمهورية".. باكونين قال جملته هذه منتقدا السلطوية النائمة في افكار كارل ماركس.

وهكذا كان.. العصا التي سمت نفسها جمهورية ارست نهجا جديدا : اهل الثقة في محل اهل الخبرة ..الشقاوات بدل العقول.. منذ ذلك الحين بدء الحقل الاكاديمي العراق الناشئ مسار اندثاره.. فهجرة العقول العراقية بدأت يوم احتلت العصي والحبال شوارع العراق.. المذهل هو ان "ماركس ابو دشداشة" لم يفهم حتى الان ان ظاهرة "عبد حمود" هو مسار بدء في تلك اللحظة ! فرض الحزبيين في الحقل الاكاديمي قتل اهم شروط الحقل الاكاديمي: الكفاءة والاستقلالية.. فبلا كفاءة واستقلالية ليس هناك حقل اكاديمي.. وبلا حقل اكاديمي ليس هناك ثقافة.. وبلا ثقافة ليس هناك مجتمعات ناضجة.. منذ ذلك الحين والعراق يعيش في صحراء فكرية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية يهيمن عليها الشعراء والحكواتية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية تهيمن عليها الشخصية البوفارية.
الشخصية البوفارية بحسب جول دوغولتيه هي نتاج خلل في الشخصية يدفع صاحبها الى تصور نفسه شخص اخر لا يمت بصله لذاته الحقيقية.. وسبب هذا التصور هو حماسة واعجاب بتلك الشخصية المتخيلة مما يدفع الشخص الى تقليدها تقليد سطحي في الملبس والخطاب والحركات.. مما ينتج شخص قرقوزي.. سطحي.. شخص يمتلك تصورا خاطئا عن ملكاته الحسية وامكانياته الفكرية.. وسبب شيوع الشخصية البوفارية هو انتشار التعليم على نطاق واسع.. وسيادة نظام تعليمي يقدم الكمي على النوعي.. مما ادى الى ان الافكار الفلسفية والادبية والعلمية تصبح مبذولة امام اشخاص لايمتلكون الادوات الذهنية الكافية لهضمها واستيعابها.. والنتيجة هو وهم الفهم.. مما يخلق ظاهرة انصاف المتعلمين.. ما هو تراكم اجيال من النخب الفكرية يصبح مبذولا امام اشخاص يمتلكون ذهنيات محدودة.. وهذه الفجوة بين تعقيد الفكر وسطحية التلقي يخلق شخصيات منتفخة بوهم الفهم.. شخصيات تستهلك فكرة الواقع قبل تجربة الواقع.. تستهلك فكرة الحب قبل تجربة الحب (مدام بوفاري انموذجا).. وعدم قدرتها على تمييز الفكرة عن الواقع يدفعها الى علاقة مَرَضيّة وصِدامية مع الواقع.. وبالتالي علاقة عنيفة مع محيطها.. والويل للمجتمعات التي تقودها شخصيات بوفارية.

لسؤ حظ العراق ان تراكمه المؤسساتي كان شبه معدوم عندما استلم اليسار العراقي السلطة.. فاليسار العراقي وخصوصا الشيوعيون العراقيون هم نماذج بوفارية بامتياز.. الكليشة السائدة في العراق والتي رسخها صندوق الكليشات علي الوردي هو ان العنف في العراق سببه بداوة الشعب العراقي.. ولكن هذه الكليشة الثقافوية تفشل في فهم حقيقة ان بلدان اكثر بداوة من العراق لم تنتج عنفا سياسيا.. الملك فيصل الاول رجل من بيئة بدوية ولكنه كان قمة في الاعتدال السياسي.. لماذا !؟

الثقافة البوفارية السطحية عملت على اشاعة هذه الكليشة الثقافوية لان امكانياتها الفكرية لاتسمح لها بفهم المعقد.. ثم ان الطرح الثقافوي يعفيها من طرح سؤال مسؤولياتها.. فالعنف السياسي في عراق الخمسينات والستينات هو نتيجة لوصول الشخصية البوفارية الى السلطة.. مسار خراب العراق بدء منذ تلك اللحظة، حين تم تحويل الجامعة العراقية الى دكاكين حزبية.. وبدء مشروع الرجل غير المناسب في "المكان المناسب".. انها اللحظة البوفارية التي كرست ثقافة التسطيح الفكري التي لازالت سائدة في العراق ..اللحظة التي اصبح فيها سحل الناس وشنقهم في الشوارع يسمى حرية !! اللحظة التي اصبحت فيها العصا التي تضرب الناس تُسمى جمهورية !

2010/11/20

الفرق بين الماخور والوطن

واحدة من اغرب الميتات في التاريخ هي حادثة موت ملك بورما ماندابايان عام ١٥٩٩ والذي مات من الضحك بعد ان قال له تاجر ايطالي ان فينيسيا هي جمهورية وليس فيها ملك !! لو ذهب شخص من عراق اليوم والتقى توماس جفرسون في قبره وقال له ان العراق ديمقراطية وليس فيها حكومة منذ ما يقرب السنة ..اعتقد ان توماس جيفرسون "سيموت من الضحك" كما نقول بالعراقي .. اي انه سيعتبرها نكتة.

عندما نعود في ذاكرتنا للوراء سنلاحظ ان كل الاتفاقات التي تمت بين ساسة الاحتلال منذ ٢٠٠٣ كانت اتفاقات "مخبوزة" على عجل .. وعندما نعود في ذاكرتنا للوراء سنلاحظ ان كل طرف يمتلك تفسير مغاير لما تم "الاتفاق" عليه .. مما يعني منطقيا انه ليس هناك اتفاق بالمرة .. والاتفاق الاخير لم يشذ عن ثابت الهرج الذي يسمى ديمقراطية.. "الاتفاق" الاخير اثبت من جديد ان "العملية السياسية" لا تعمل الا "بالدفعات" الامريكية !

ثم ما معنى الديمقراطية وانت تجد امامك وبعد ثماني سنوات ان الوجوه هي نفس الوجوه .. قله من المعلقين توقفوا امام هذه الظاهرة.. عبود احمد هو من هذه القلة ..وعبود هو عراقي شيعي من النجف ويعمل "مهندس" كمبيوتر .. هو يقول لـ " لوس انجلوس تايمز" : "لم يتغير شيء ..الرئيس هو نفسه ورئيس الوزراء هو نفسه، الوجوه نفس الوجوه ونحن من يدفع الثمن"

"Nothing was changed: The president is the same, the prime minister is the same," "All these faces are the same and we are always the victims."

انا شخصيا كنت اريد بقاء نفس الوجوه اربع سنوات اخرى .. لانني اراهن على امثال عبود احمد .. كنت اريد نفس الوجوه لاربع سنوات اخرى لانني اراهن على مثل هكذا ردود فعل داخل الاوساط الشيعية .. فماذا يفيد العراق من منظور بعيد المدى ان حصل علاوي او الهاشمي على رئاسة الوزراء او على رئاسة الجمهورية ؟؟ لا شيء .. ماذا يفيد العراق "زوبعي" مرتشي هنا .. و"بطيخ" لايقل عنه في الفساد هناك .. ماذا تعني بضعة مناصب لحفنة من "السنة" المرتشيين لمستقبل العراق.. قبول مثل هولاء المرتشين من تجار السياسة بمناصب بحجة انهم يمثلون السنة سيكون ترسيخا للمحاصصة الطائفية .. مما يعني تحويل العراق الى ماخور سياسي كلبنان .. ساحة لتصفية حسابات القوى الاقليمية والعالمية.

في حين ان بقاء الاسلامجية الشيعة في السلطة اربع سنوات اخرى من الفساد سينتج عدد اكبر من امثال عبود احمد .. وتذمر اكبر داخل الاوساط الشيعية وبالتالي فشل مشروع الاسلامجية الشيعة.. وهذا انفع للعراق على المدى البعيد .. الشيعي العراقي الذي ربته قرون من المظلومية يمتلك سايكولوجية ضدية .. وعلاج هذه السايكولوجية هو ان يعيش الشيعي تحت فساد حاكم شيعي .. والاربع سنوات القادمة هي جزء من الفترة العلاجية التي يحتاجها الشيعة في العراق لكي يستعيدوا توازنهم النفسي ويتجاوزا عقدة المظلومية.

قد يقول قائل انني اراهن على خيول خاسرة لان الشيعة لن ينتخبوا يوما ما سياسي سني كما فعل السنة عندما اختاروا علاوي .. صحيح ان هناك صنف من الشيعة لن يفعلوا ذلك حتى لو ظهر المهدي واثبتت التجربة انه لايستطيع ربط "رجل دجاجة" !! ولكن رهاني ليس على هذا الصنف اللطمي .. رهاني على من اعتقدوا ان فقرهم سببه الحاكم السني .. رهاني على من صدقوا بسذاجة وعود ابناء البيوتات الشيعية الذين بشروهم بسقوط الخير .. فليس باللطم وحده يحيا الانسان .. الفلاسفة اليونان يعلموننا درسا في غاية الاهمية وهو ان البشر اكلي خبز قبل كل شيء .. وعندما سيفهم جمهور الشيعة ان حاكم من نفس مذهبهم لايعني بالضرورة حاكم جيد .. وان فقرهم ومشاكلهم ليست بسبب الحاكم السني .. عندها لن يحتم انتماءهم المذهبي ولاءهم السياسي .. وهنا شرط الوطن.

السنة يعرفون بالتجربة ان حاكم من نفس مذهبهم لايعني بالضرورة حاكم جيد .. لانهم اختبروا تاريخيا واقع الحكم .. اختيارهم لشخص "شيعي" كعلاوي في الانتخابات الاخيرة يبين ان انتماهم المذهبي لايفرض عليها سلوكا سياسيا .. وعندما سيتوصل اكبر عدد من الشيعة الى تلك الحقيقة .. فان الانتماء الشيعي لن يفرض عليهم ولاء سياسيا .. وفساد الاسلامجية الشيعة سيساهم في انضاج هذا المسار .. لن يكون هناك عراق طالما ان الانتماء المذهبي هو المحدد للولاء السياسي .. إما ان ينتج العراقيون ولاءً سياسيا خارج الانتماء المذهبي.. او سيصبح العراق ماخورا سياسيا كلبنان يلعب فيه امراء الطوائف وابناء البيوتات دور العاهرات لمن يدفع اكثر من الدول الاقليمية .. هناك من لايزعجه العيش في ماخور طالما ان حقوق الطائفة محفوظة .. انا شخصيا لا اسمي ماخورا وطني.