2010/12/31

استكان شاي مع ايتيان دولابويسي

اعتقد ان "خطاب حول العبودية الطوعية" لـ ايتيان دولابويسي هو اروع ما انتجه الادب الانساني عن ثيمة الحرية والعبودية.. في هذا الخطاب يروي دولابويسي حكاية حدثت في مدينة اسبارطة اليونانية.. احد مشرّعي تلك المدينة يقوم بتربية كلبين صغيرين من نفس الام ..اخوة .. يربي احدهما في بيته ويترك الاخر في البرية.. في احد الايام يقوم هذا المشرّع الاسبارطي بجمع الناس في ساحة عامة.. يجلب الكلبين ويضع امامهما صحن حساء وارنب.. وما ان يطلقهما حتى ينطلق الكلب الذي عاش في البرية بسرعة خلف الارنب.. اما الكلب الذي عاش في البيت فيتوقف امام صحن الحساء.. هذا المشرّع الاسبارطي اراد ان يبيّن لسكان مدينته ان التربية وليست الجينات الوراثية هي المسؤولة عن السلوكيات.. بمعنى اخر، ان الثقافة وليست الطبيعة هي من تحدد سلوكيات البشر.. وان العبودية او الحرية هما تربية قبل كل شيء.. لماذا اروي هذه الحكاية؟

هاشم العقابي نشر قبل ايام مقال عن قيمة الحرية عند العراقيين.. يقول فيه ان "حب العراقيين للحرية لم يأت مصادفة، بل توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين من ايام حضاراتهم الاولى".. وهو لكي يدعم هذه الحجة يقول انه سمع "في محاضرة للباحث الدكتور علي الشوك في ديوانية الكوفة بلندن في نهاية التسعينيات ، ان السومريين اذا نصبّوا ملكا جديدا ياتون به الى ساحة عامة وينادون على مواطن من اقل الدرجات الاجتماعية، وقد يكون شحاذا، ليصفع الملك الجديد. هذه الطريقة فسرها الشوك بانها رسالة للملك ليتعلم الاذعان لشعبه". انتهى

ساترك جانبا المغالطة التاريخية النائمة في جملة هاشم العقابي الاولى بخصوص مفردة العراقيين العابرة للقرون.. وساتحاشى "سالفة" الجينات المتوارثة عبر الاف السنين لان حكاية كلاب اسبارطة كفيلة بتفنيدها.. ولكنني ساتوقف عند "حزورة" ان السومرين اذا نصبوا ملكا ينادون بشحاذ ليصفعه !! العقابي يقول انه سمع هذه الحكاية في التسعينات.. وان الدكتور علي الشوك "كشفها" .. ترى الا يوجد بعد كل هذه السنوات كتابا يسجل هذا الكشف ؟؟ يبدو ان المصادر هي اخر هموم ثقافة القيل والقال الحكواتية.

اولا، المعلومات التي نملكها عن تاريخ ما بين النهرين القديم وعلى قلتها تقول لنا ان عقلية ذلك الزمان تعتبر الملك "نصف اله".. فهل يُضرب نصف اله !! ثانيا من قال ان ملوك سومر كانوا ينصبون من قبل الشعب.. العرش كان وراثيا وفي احيان كثيرة كان يتم الاستيلاء على السلطة بالقوة.. ميكانزمات السلطة هي هي لم تتغير منذ القدم.. السلطة تستند دائما على هيبة صاحب السلطة.. وبلا هيبة ليس هناك سلطة.. وعلم الاجتماع االسياسي يعلمنا ان كل طقوس ومراسم السلطة تهدف الى خلق انطباع القوة والعظمة في نفوس الناس.. غاية البروتوكول والمراسم هو خلق مسافة مادية وبالتالي رمزية بين الحاكم والمحكوم.. لن اتوقف امام بطش ملوك ذلك الزمان فوحشيتهم معروفة.. يكفي ان نعرف مثلا ان الملوك الاشوريين نادرا ما كانوا يظهرون علنا.. من اجل ان يخلقوا انطباعا عند الناس بانهم يمتلكون شيء فوق بشري.. شبه الهي .. اما في اور السومرية فقد بلغت سطوة الملوك مستوى مخيف بحيث ان طقوس دفن الملك يرافقها قتل جميع حاشيته ودفنهم معه لكي يسلوه في رحلته الى العالم الاخر.. والقيثارات السومرية التي نراها اليوم في المتاحف هي لمغنين دفنوا مع الملوك السومريين.. وهاشم العقابي يقول لنا ان شحاذاً كان يضرب الملك السومري عند تنصيبه !!

قلت سابقا رايّ في الثقافة العراقية السائدة اليوم.. ويوم بعد اخر اصل الى قناعة اثق بها: نعم هناك اسباب كثيرة اوصلتنا الى الخراب الحالي.. ولكن فشل الثقافة العراقية في انتاج نخب فكرية رصينة هو احد هذه الاسباب..غياب حقل اكاديمي رصين كرس الحكواتية والشعراء نموذجا للثقافة.. وضحالة هولاء، استداراتهم، سلوكيات المرتزقة التي يمارسون.. دفع الناس الى عدم احترامهم.. وبالتالي فقدت الثقافة دورها التنويري.. وهذا ما اوصلنا الى ان دجال كـ محمد صادق الصدر يقول للناس في الفيديو المرفق هنا ان "امريكا اسست قوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي وانها افتعلت حرب الخليح  لاجل ان تملىء الخليج بالبوارج الحربية تحسبا لظهور المهدي.. وان للمهدي ملف كامل في البنتاغون ولكنهم لايملكون الصورة الشخصية له".. وهذا الدجال يقدسه الملايين من الشيعة العراقيين.. والحكواتية ما زالوا يتحدثون عن حب العراقيين للحرية الذي توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين.. لا اعرف عن اي عراقيين يتحدثون؟ نحن في القرن ٢١ بعد الميلاد وفي العراق ملايين ممن يمتلكون هذه النظرة السحرية الغيبية.. فما بالك بمن كانوا يعيشون في القرن ٣٠ قبل الميلاد !!

باختصار.. النظرة السحرية وبالتالي ثقافة العبيد سادت العراق القديم وتسود العراق اليوم.. والخروج من النظرة السحرية يقتضي مواجهه الحقائق كما هي ماضيا وحاضرا.. وكل طرح اسطوري للتاريخ او للعالم هو مساهمة في ادامة النظرة السحرية وبالتالي في ادامة ثقاقة العبيد.. من هنا فكل حديث عن طبيعة عراقية (علي الوردي انموذجا) او جينات عراقية او عراقي عابر للقرون هو طرح اسطوري يساهم في ادامة ثقافة العبيد.. كلاب اسبارطة فهمت ذلك منذ قرون.. فمتى سيفهم "مثقفوا" العراق ؟

2010/12/11

على الجانب الايسر من التاريخ

قبل ايام نشر عصام الخفاجي مقال ينتقد فيه ما يسميه ظاهرة " إدانة الحاضر من خلال تجميل الماضي" وهي ظاهرة يعتبرها عصام الخفاجي "مثيرة للقلق في حياتنا الفكرية".. ما يثير قلق الخفاجي هو ان كُتّاب ينتمون الى جيل استفاد من منجزات الانظمة الثورية يكتشفون مع مرور السنين "جماليات جديدة" في العهد الملكي .. لذلك يقوم الخفاجي بتذكير هذا الجيل العاق من الكتاب ببضعة ارقام تحكي عن بؤس "الزمن الجميل" حين "كان العراق يسجل 50 الف حالة وفاة سنوياً بالملاريا بين عامي 1943 و1950" وحين "كانت نسبة الأمية لدى البالغين في العراق 82 بالمئة عام 1960" .. وهو يختم مرافعته بتقرير صادر عن برنامج المساعدة الأميركية في اذار(مارس) 1957، يعتبر فيه النظام السياسي في العراق الملكي «من أكثر الدول بوليسية في العالم الحر، إذ ثمة خمسون الف رجل أمن لسكان عددهم ستة ملايين».

قد يبدو غريبا ان يستعين شيوعي سابق بارقام برنامج المساعدة الأميركية لكي يكتب التاريخ .. ولكن الغرابة ستزول عندما نعرف ان هذا "الرفيق" كان من ضمن ثلة خبراء الشأن العراقي الذين استعانت بهم وزارة الخارجية الامريكية عام ٢٠٠٢ لوضع خطة ما بعد الاحتلال..انا اعتقد ان العراقيين الذين اختبروا الانظمة السياسية المتعاقبة لايحتاجون ارقام موظف وكالة امريكية ليفهموا الفرق بين الحريات النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي وبين جمهوريات الاسلاك الشائكة التي انتجها اليسار العراقي .. واذا كان لابد من ارقام في هذا الاطار فان ارقام الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي تقول ان عدد رجال الامن في نهاية عام ١٩٥٦ كان ٢١ الف رجل امن لسكان عددهم ستة ملايين .. اذا قليل من الاحترام لعقول الناس لايضر! ولو كان النظام الملكي نظام بوليسي عام ١٩٥٧ لما استطاعت كتيبة جنود احتلال القصر الملكي وقتل العائلة المالكة عام ١٩٥٨.

عصام الخفاجي يعيب على الجيل الجديد من الكتاب انتقائيتهم في التعامل مع الماضي وتزييفهم لواقع "الزمن الجميل" .. ولكنه في مقاله يستخدم نفس الاسلوب الانتقائي والمزيف للتاريخ .. الخفاجي يقول مثلا ان "نسبة الأمية لدى البالغين في العراق كانت 82 بالمئة عام 1960" ويترك القارئ تحت صدمة هذا الرقم الكبير .. من دون ان يقول له كم هي نسبة البالغين من مجموع عدد السكان في العراق انذاك .. فعندما نعرف ان الاطفال تحت سن العاشرة في العراق يشكلون ٣٤ بالمئة من السكان حسب احصاء ١٩٤٧.. وعندما نضيف الى ذلك الفئة العمرية من ١٠ سنوات الى ١٧ سنة وهي شريحة لاتدخل في فئة البالغين .. فان فئة غير البالغين ستشكل تقريبا نصف عدد السكان عام ١٩٤٧.. واذا علمنا ان هذه الفئة قد ازدادت في عام ١٩٦٠.. سنفهم عندها ان فئة غيرالبالغين هي في الحقيقة اكثر من نصف عدد السكان .. اي ان "نسبة 82 بالمئة من الأمية لدى البالغين في العراق عام 1960" تنطبق عمليا على اقل نصف السكان.

اختيارعصام الخفاجي لفئة البالغين ليس اختيارا بريئا.. فهو يفعل ذلك لكي لايتطرق لنسبة التعليم داخل فئة غير البالغين .. واهم انجازات العهد الملكي نظرا لحداثة عمره تكمن هنا .. يكفي ان نعرف ان مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة في عام ١٩١٥ كان يبلغ ثمانية الاف تلميذ فقط ..اما في عام ١٩٥٤ فقد بلغ مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة ٤٣٩٤٨٤، اي ما يقرب النصف مليون تلميذ .. وعدد التلاميذ من هذه الفئة قد ازداد حتما عام ١٩٦٠ وهي السنة التي يتوقف عندها الخفاجي.. وهذه الارقام ليست ارقام "ابناء باشوات" ولكنها ارقام نجدها عند اكاديميين من مثل فيب مار ومايكل ابل ..عندما نستحضر هذه الارقام، سنفهم الطفرة الهائلة التي حصلت في مجال التعليم رغم الامكانيات المادية المحدودة للعهد الملكي.

وساضع هنا مقتطف من تقرير الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي عن موارد العراق من النفط انذاك لا عطاء صورة عن امكانيات العهد الملكي المتواضعة.. وبحسب هذا التقرير فان موارد العراق من النفط عام ١٩٥٠ كانت ستة ملايين دينار .. وعام ١٩٥٥ بلغت ٧٤ مليون دينارا .. وعام ١٩٥٦ بلغت ٦٩ مليون دينار .. وسبعين بالمئة من هذه المبالغ كانت تخصص لمكتب التنمية العراقي .. وهو المكتب الذي خطط ونفذ الاغلبية الساحقة من البنى التحتية في العراق وخصوصا السدود التي كانت ضرورية لمنع الفيضانات المدمرة التي كانت تفتك بسكان العراق سنويا.

The main-spring of the progress has been the great increase in government oil revenues which grew from some six million Dinars in 1950 to 74 million Dinars in 1955. In 1956, they were 69 million Dinars. These revenues have been carefully husbanded and 70 per cent is allotted to the Development Board each year for productive capital expenditure. - K. G. Fenelon, National income in Iraq

من هنا فالسؤال هو ليس لماذا يكتشف الجيل الجديد "جماليات جديدة" في العهد الملكي ..فالتاريخ اراء وحجج لا تنتهي كما يقول المؤرخ بيتر جيل في كتابه "ضد ومع نابليون" حيث يقول ان تقييم شخصية نابليون قد تباينت من جيل فرنسي لاخر.. ولكن السؤال هو لماذا يستمر مجترو المادية الديالكتيكية في النظر للتاريخ من منظور غير ديالكتيكي .. لماذا لا ينظر الخفاجي للتاريخ من منظور تراكمي..هل من الامانة التاريخية ان ننسب بقايا قرون من التخلف الى العهد الملكي .. هل كان بامكان النظام الملكي الذي حكم اقل من اربعة عقود ازالة تخلف اربعة قرون ؟ 

هذه الاسئلة لاتخطرعلى بال الخفاجي لانه من جيل طوباوي .. جيل لم يقارن واقع العهد الملكي بواقع اسبق ولكن بافكار مجردة فقط .. جيل تمنعه ايديولوجيته من فهم حقيقة ان الامراض والامية التي كانت سائدة في العراق هي ليست من مخلفات العهد الملكي ولكنها بقايا قرون من التخلف الاداري والحضاري .. جيل غير قادر حتى اليوم على فهم حقيقة تاريخية بسيطة وهي ان العهد الملكي هو من انتج الجيل الاول من الاطباء والمهندسين والاساتذة والكوادر التي بنت الدولة العراقية .. جيل لم يفهم بعد ان العراق الحديث قام بفضل الملك فيصل الاول .. وهو ما يعترف به على الوردي في اخر ايامه وفي كتابه "علي الوردي يدافع عن نفسه".. فالوردي قبل ان يطلع على الارشيف البريطاني كان يردد كليشة اليسار العراقي من ان الملك فيصل كان دمية بيد بريطانيا.

عصام الخفاجي يقول ان كون معظم كتاب ومروجي ما يسميه خرافة الماضي الجميل منحدرون من اصول اجتماعية متواضعة يعني أن مجتمعاتنا مصابة بمرض انسداد أفق المستقبل.. انا شخصيا اعتقد ان اعتراف اشخاص ينحدرون من اصول اجتماعية متواضعة بالعرفان للعهد الملكي هو شيء ايجابي .. ان يستطيع هولاء النظر للامور من دون تأثيرات انتماءتهم الفئوية الضيقة هو دليل نضوج سياسي .. فالعراق قتلته وتقتله الايديولوجيات والانتماءات الضيقة .. فعندما يحدد الانتماء الضيق الموقف من الوطن .. يموت الوطن .. هناك مقوله رائعة لـ البير كامو قالها ردا على الشيوعيين الفرنسيين الذين انزعجوا من نقده لجرائم الاتحاد السوفييتي واخذوا يذكرونه بتاريخه الاشتراكي واصولة المتواضعة .. كامو رد عليهم قائلا : "اذا ما بدت لي الحقيقة في معسكر اليمين فاساكون يمينيا".. بمعنى ان الحقائق وليس الخنادق الايديولوجية هي من تحدد موقف الانسان من العالم.

وعصام الخفاجي ما زال يكتب التاريخ عبر ثنائية ابناء الباشوات وابناء الاصول المتواضعة.. وهو لذلك يطلب من ابناء الاصول المتواضعة ان يحكموا على التاريخ وفقا لانتمائاتهم الفئوية .. فقط عندما نفهم هذه السطحية في النظر للتاريخ من قبل استاذ جامعي كعصام الخفاجي .. سنفهم مستوى القحط السائد على "الجانب الايسر" من التاريخ حيث يسود نموذج ماركس ابو دشداشة.. وسنفهم ايضا السهولة التي نزع فيها جمهور اليسار العراقي معطف كارل ماركس وارتدى العمامة..فالرؤوس الهشة بحاجة دائما الى انتمائات فئوية..طبقية ام طائفية..سيان..المهم ان تختفي الضحالة الشخصية في بهائمية المجموع.