2011/12/31

في البدء كانت الاساطير .. استكان شاي مع فردريك دِليتش


 اطلعت مؤخرا على مقال لـ سليم مطر يقول فيه ان منظمة سرية عالمية تتحكم بامريكا وغالبية الدول الغربية هي من دفع امريكا لاحتلال العراق ليس بسبب مواردة النفطية او بسبب موقعه الاستراتيجي في الشرق الاوسط وانما لاسباب سرية اهم ..سليم مطر الذي يورد قناعاته في هذا المقال مختفيا خلف قناع عضو في هذه المنظمة السرية يقول ان هناك "قوى جبارة خفية مجهولة اختارت الشرق الاوسط ليكون موطنها. وقد اختارت عاصمتين لها: الاولى في مصر حيث توجد حضارة روحانية أخروية جوهرها تقديس الحياة الاخرى، لهذا فأن اعظم رموزها هي (الاهرام)، وكتابها المقدس هو(كتاب الموتى). والعاصمة الثانية في العراق حيث توجد الحضارة العراقية وهي النقيض تماما للمصرية، لانها مادية دنيوية لا تؤمن بالحياة الاخرى ولا بجنة موعودة، بل غايتها الدنيا والمتعة، لهذا فأن اعظم رموزها هو (برج بابل والجنائن المعلقة) وهي رموز دنيوية غايتها العظمة والمتعة، اما كتابها المقدس فهو(قصة كلكامش)..اما لماذا قررت المنظمة السرية احتلال العراق وليس مصر فذلك لأن الحضارة المصرية حضارة مسالمة، لم تنبثق فيها دولة توسعية ولم تمارس الغزو الخارجي وهي لا تخيف ولا تنافس المنظمة السرية او الغرب.اما الحضارة العراقية فهي نارية استحواذية توسعية، لهذا كان العراق مقرا لامبراطوريات كبرى توسعية منذ البابلين والآشوريين، وصولا لأخطرها امبراطورية العباسيين فهي لذلك المنافس الاكبر للحضارة الغربية التي هي صورة محدثة عنها، أي ذرورة الحضارة المادية الدنيوية. انتهى.

لن اتطرق لكل المغالطات التي يحويها مقال سليم مطر لان ذلك سيحتاج الى اكثر من مقال .. ولكنني ساركز على الاسس التي يبني عليها حجته .. ضرب هذه الاسس كفيل بهدم خطابه الاسطوري اللاتاريخي .. اولا، سليم مطر يخلط بين الثابت الجغرافي (ارض الرافدين) والمتغير التاريخي (الانظمة السياسية والايديولوجيات التي قامت على تلك الارض) .. من هنا فالعراق والعراقي في قراءته هما ماهية ثابته غير قابلة للصرف التاريخي .. هناك روح عراقي عابر للقرون اياً كان الجسد او المكان .. كلكامش ومقتدى الصدر يمتلكان نفس الروح العراقي .. حمورابي وعبد حمود .. سيان .. ما يؤمن به سومري من اور هو نفس ما يؤمن به شروكي من مدينة الناصرية .. اسس ومعتقدات الامبراطورية الاشورية هي نفس اسس ومعتقدات الامبراطورية العباسية .. باختصار .. من نبوخذنصر الى صدام حسين: "امة عراقية" واحدة ذات رسالة خالدة !! وهذا سخف فكري يطلق عليه علماء التاريخ اسم المغالطة التاريخية .. وهو خطأ شائع في الوسط الثقافي العراقي الذي يقرصنه امثال سليم مطر.

 ثانيا، وخلافا لما يقوله سليم مطر فان مادية او روحانية حضارة ما، لا يحدده ايمانها او عدم ايمانها بالحياة الاخرى او بجنة موعودة .. فهناك ثقافات روحانية (كالبوذية مثلا) وحضارات (كالصينية) ليس فقط انها لا تؤمن بالحياة الاخرى او بجنة موعودة بل انها شيدت مفهومها الديني والاخلاقي من دون رب .. من هنا فعدم ايمان الحضارة "العراقية" القديمة بالحياة الاخرى او بجنة موعودة لا يكفي ليجعل منها حضارة مادية ودنيوية.. ثم تعال ارجوك وقل لي .. من قال ان فكرة الجنة الموعودة هي فكرة روحانية ؟؟ ان تفعل الخير في هذا العالم لكي تحصل على مكافأة في الحياة الاخرى هي فكرة في قمة النفعية وليست روحانية بالمرة .. انها مقايضة مادية مع الرب .. وهذا بالتحديد ما تعيبه الفلسفات الروحانية على الاديان التوحيدية. 

ثالثا، سليم مطر يقول ان حضارة ما بين النهرين هي مادية ودنيوية لان اعظم رموزها (برج بابل) هو رمز دنيوي غايته العظمة والمتعة.. وهذا استهتار بحقائق التاريخ .. فبرج بابل بحسب علماء الاثار هو زقورة .. والزقورة في حضارة ما بين النهرين هو معبد لخدمة الرب .. وبهذا المعنى فـان "برج بابل" هو رمز ديني وليس رمزا دنيويا كما يعتقد سليم مطر ..سليم مطر يرتكب هذا الخطأ التاريخي لانه يعتمد على اسطورة "برج بابل" التي اشاعتها المحكية التوراتية الضدية ومفادها ان بابل هي مدينة دنيوية ولا اخلاقية وان "برج بابل" ذو الارتفاع الشاهق كان نوع من التطاول على الاله .. في حين ان البابليون شيدوا هذ البرج الزقورة اجلالا وتقربا للاله مردوخ ..لان بابل كانت تعتبر نفسها "المدينة المقدسة" التي يقيم فيها الاله..من هنا تسمية "بابل" التي تعني بالاكادية "بوابة الاله". 

وكل هلوسات سليم مطر في مقاله تستند في الواقع الى هذه الاسطورة وبالتالي الى فهم مغلوط للمعتقدات الدينية لحضارة ما بين النهرين.. فالعقيدة الدينية الاولى لحضارة ما بين النهرين تنص على ان الالهة خلقت البشر لكي يقوموا بخدمتها.. لقد كان الناس انذاك يعتقدون ان كل ما يجري في هذا العالم صادر عن ارادة الهية.. وان كل خطأ مهما كان حجمه هو تمرد ضد الالهة وهو ما يستدعي عقوبة الهية .. ويمكن الرجوع في هذا الموضوع الى كتاب " في البدء كانت الالهة" لـ جان بوتيرو .. وهو من افضل المختصين في حضارة ما بين النهرين.. بوتيرو يلخص عقيدة الرافديني القديم كالتالي : " اذا كنت اعاني، فهذا يعني انني معاقب من قبل الالهة، وبما ان الالهة  قد عاقبتني فهذا يعني انني ارتكبت خطيئة بحقها".. باختصار.. حضارة ما بين الرافدين لا تؤمن بالحياة الاخرى ولا بجنة موعودة لانها كانت تعتقد ان العقوبة الالهية تنزل على البشر في حياتهم وليس بعد مماتهم .. والرافديني القديم الذي كان يعتقد ان ظواهر طبيعية كالبرق اوالفيضان هما عقوبات الهية كان يلجأ للصلوات والنذور خوفا من غضب الالهة او انتظارا لغفرانها .. وطبقة رجال الدين (كما هو دورها في كل زمان ومكان) كانت تسهر على افزاع الناس من اجل سرقة نذورهم .. وسليم مطر يقول لنا ان حضارة ما بين الرافدين كانت مادية غايتها الدنيا والمتعة!!  

لقد عانت بابل خلال قرون من المحكية الاسطورية التي اشاعتها التوراة .. وظلت هذه  المحكية الاسطورية سائدة حتى الثلث الاخير من القرن التاسع عشر ..حين تمكّن البريطاني جورج سميث في عام ١٨٧٢ من اكتشاف وقراءة لوح طيني يسجل قصة الطوفان التي ترد في التوراة .. ثم تبين له تدريجيا ان الالواح الطينية البابلية تحتوي على قصص اخرى موجودة في التوراة .. مما دفعه للاستنتاج بان التوراة قد استعارت الكثير من معتقداتها من البابليين.. وقد قام سميث بنشر هذه الاستنتاجات في كتاب عام ١٨٧٥.. وبالرغم من هذا الاكتشاف الاركيولوجي الهائل استمرت المؤسسة الدينية المسيحية بالترويج لفكرة التفوق الروحي والاخلاقي للتوراة مقارنة بالعقائد البابلية.. وقد جاء الرد على هذا الادعاء من البروفيسور الالماني فردريك دِليتش في محاضراته الشهيرة "بابل والتوراة" .. لقد قام البروفيسور دِليتش بتحليل ومقارنة قصة الطوفان في النسختين البابلبة والتوراتية وبرهن ان البعد الاخلاقي والروحي في القصة البابلية هو اكثر انسانية مما هو موجود في القصة التوراتية .. ليس هذا وحسب بل انه بيّن ان البابليين كانوا في طريقهم نحو فكرة الاله الواحد وبهذا المعنى فان فكرة التوحيد هي فكرة بابلية وليست يهودية .. لقد كان لاراء البروفيسور دِليتش وقع العاصفة الفكرية في المانيا واوربا.. مما دفع احد رجال الدين بالكتابة للقيصر مشتكيا :" ان حديث الشارع الالماني هو ان الكتاب المقدس لم يعد له قيمة".. لقد كانت محاضرات البروفيسور دِليتش المسمار الاخير في نعش الاسطورة التوراتية.. منذ ذلك الوقت اصبح معروفا ومقبولا في الاوساط العلمية ان الديانات التوحيدية هي في الحقيقة مسار نشأ وتطور في البقعة التي تسمى اليوم بالمشرق العربي .. والاستعارات والنسخ فيما بينها هو امر لايخفى على عاقل.. كل دين جديد يظهر كان ينتقد السابق بحجة انه حاد عن الطريق القويم .. وهذا بالتحديد ما فعلته التوراة مع الديانة البابلية حين اشاعت اسطورة ان بابل هي مدينة دنيوية غايتها الدنيا والمتعة لذلك دمرها الاله.. وهذا ما يروج له سليم مطر اليوم. 

باختصار.. سليم مطر الذي يعتقد ان منظمة سرية دفعت امريكا لاحتلال العراق لان حضارته دنيوية من صنع "قوى جبارة خفية مجهولة، لغتها الرموز الكونية وابراج النجوم".. هو عندي لا يختلف عن الدجال محمد صادق الصدر الذي يقول في هذا الفيديو ان "امريكا  اسست قوات التدخل السريع وافتعلت حرب الخليح لاجل ان تملىء الخليج بالبوارج الحربية تحسبا لظهور المهدي .. وان للمهدي ملف كامل في البنتاغون ولكنهم لايملكون الصورة الشخصية له"!! فكلاهما يروج لمنطق غيبي اسطوري .. وهذا المنطق الغيبي الاسطوري هو بالتحديد سبب خراب العراق ..فالعراق وصل الى ما وصل اليه لان فيه قادة اغبياء اعتقدوا كما سليم مطر انهم ورثة نبوخذنصر فارتكبوا الحماقة السياسية تلو الحماقة.. والعراق وصل الى ما وصل اليه بعد ذلك لان فيه شعب متناحر لا زال يستنشق غبار معارك الجمل ..شعب "زقورات" واضرحة يغتصبه فكريا رجال الدين والفهلوية .. شعب يسمي امثال سليم مطر مثقفين وامثال مقتدى الصدر قادة !!

2011/12/21

العالم بالمقلوب .. محاكمات قاسم عطا !!


قرأت مؤخرا كتاب"النفس المبتورة" للكاتب الايراني داريوش شايغان .. وهو كتاب نقدي للتشوهات التي تعاني منها المجتمعات الاسلامية نتيجة موقفها المزدوج من الحضارة الغربية .. فهي تستعير كل منتجات الغرب ولكنها تحتفظ بعقلية القرون الوسطى .. شايغان  يكرس جزء كبير من كتابه لايران ما بعد الثورة الايرانية .. لم يعجبني الجزء النظري في كتابه (ربما بسبب الترجمة الرديئة) .. ولكن تحليله للتغيير المجتمعي الذي حصل في ايران بعد مجيء الملالي، وخصوصا وصفه لشخوص هذا التغيير اعجبني كثيرا..هناك في الكتاب بعض المقاطع المكتوبة بتسجيلية رائعة .. ساضع هنا نكتة طريفة شاعت بعد الثورة الايرانية .. يوردها شايغان ليدلل على انقلاب المفاهيم في المجتمع الايراني ما بعد الثورة .. حيث اصبح العالم يعمل بالمقلوب .. النكتة تقول:

" يروى ان رجل مغترب عاد للبلد بعد غياب عدة سنوات. وما ان وصل الى مطار طهران، حتى اخذ سيارة تاكسي لتقله الى بيته. في منتصف الطريق، طلب الرجل من سائق التاكسي التوقف امام بائع سجائر. فسأله سائق التاكسي :
ـ لماذا التوقف يا سيدي؟
ـ لاجل شراء السجائر.
ـ السجائر!!! السجائر تباع في الجامع.
ـ لكن الجامع بيت الله ويُذهب اليه للصلاة.
ـ خطأ !!!  للصلاة، يا سيدي، يجب الذهاب للجامعة. 
ـ  واين تجري الدراسات اذا؟
ـ يا سيدي الكريم، الدراسات تجري في السجن.
ـ ولكن السجن هو المكان الذي يُوضع فيه المجرمين.
ـ خطأ !!! المجرمون، يا سيدي الكريم ، يوضعون في الحكومة."

شايغان يعلق على هذه النكتة المفعمة بالرمزية فيقول :" جميع الوظائف تبدلت في هذه النكتة .. فالدين تحول الى تجارة رابحة ، والجامعة الى حسينيات والسجن ملاذا لاساتذة الجامعات والحكومة للمجرمين".

هذه النكتة تصف ايضا حال العراق بعد مجيء المليشيات الشيعوية للسلطة .. ربما الاختلاف الوحيد في العراق هو ان اساتذه الجامعة والعلماء قد جرى تصفيتهم او تشريدهم .. لذلك فان "الدراسات" لاتجري في السجن كما هو الحال في الحالة الايرانية وانما في "القبر" او في المهجر!! فالحكومات في عراق ما بعد الدبابة الامريكية هي عبارة عن شلة مجرمين .. مَن لم يقتل او ساهم في سياسة القتل او التهجير الطائفي فهو قد سرق او ساهم في سرقة الملايين .. وكلاهما مجرم .. اما بخصوص حال الجامعات، فانت عندما تشاهد اليوم صور الجامعة المستنصرية ذات المعمار الرائع .. ستعتقد انك في حسينية من كثرة السواد الذي يغطي جدرانها .. جمال مطلق تحوّل الى قبح مطلق .. اما عن تحول الدين الى تجارة رابحة فحدث ولا حرج. 

ما جرى في العراق في الايام الاخيرة يؤكد ايضا ان الحكومة في العراق العماماتي هي مافيا .. والدليل هو قيام "محكمة قاسم عطا" (التي بزت محاكم ستالين في سرعة انتزاعها للاعترافات التلفزيونية ) باتهام طارق الهاشمي باعطاء اوامر لحمايته بارتكاب اعمال ارهابية .. ليس من المفيد التذكير هنا بأن اسلوب الاعترافات التلفزيونية هو اسلوب مرفوض حسب المعايير القانونية الدولية .. وليس من المفيد التذكير ايضا بأن لا احد في العالم باستثناء مشاهدي قناة العراقية صدّق هذه الاتهامات ذات الدوافع الطائفية.

لا ولن ادافع عن طارق الهاشمي .. خصوصا وهو قد شارك في المشروع الامريكي الذي وضع في العراق برميل بارود طائفي وسماه ديمقراطية !! ولكنني اعتقد ان اتهام نائب رئيس جمهورية المنطقة الخضراء هو مناسبة جيدة لفتح تحقيقات ولو نظريا مع كل المجرميين الذين وضعتهم امريكا في السلطة واجراء محاكمات لهم .. اقول محاكمات وليس محاكم تفتيش على شاكلة محاكم قاسم عطا.. تصورا عندها حجم التهم التي ستوجه الى حكومة ضمت وتضم بين صفوفها مجرمين من مثل صولاغ او هادي العامري .. او عادل عبد المهدي الذي سرقت حمايته مصرف الزوية .. ولما لا مقتدى الصدر قائد "جيش الضال" الذي قام بأكبر مذبحة جماعية في تاريخ العراق .. عندها لتكن المقولة التي تُنسب للمسيح مدافعا عن امرأة اتهمها الناس بالزنى هي المعيار : "من لم يزنِ منكم فليرمها بحجر".

2011/11/27

سوريا مقابل الخليج ام سوريا مقابل العراق !! مقايضات التاجر الايراني


حين شبت "الثورات" العربية في تونس ومصر هللت ايران والاحزاب الشيعية في العراق لهذه الثورات .. لا بل انهم ذهبوا حد التزاحم من اجل ادعاء الاولوية في الهام هذه الثورات .. ايران قالت ان الثورة الايرانية هي من الهمت الثورات العربية !! اما الاحزاب الشيعية في العراق فقد ادعت ان "انتفاضة" ١٩٩١ هي من الهمت الثورات العربية اليوم .. وفي ذلك تصدق المقولة المأثورة : التاريخ هو حكايات مجانين تروى لاغبياء.

اما حين اشتعلت "الثورة" في سوريا  فان خطاب ايران والاحزاب الشيعية في العراق اخذ نبرة مختلفة تماما .. امام اتساع الثورة السورية وخطر سقوط النظام في سوريا .. تغير الخطاب ..خامنئي قال في ٣١ حزيران الماضي إن "الثورة السورية نسخة مزيفة عن الثورات في مصر وتونس واليمن وليبيا" واتهم الولايات المتحدة الأمريكية بصنع هذه النسخة المزيفة .. اما المالكي فقد قال في ايلول الماضي ان : "إسرائيل هي الرابح الأكبر من الربيع العربي" !! باختصار الثورة السورية هي من صنع الولايات المتحدة الأمريكية .. اما الحكومة الشيعية في العراق فهي من صنع الملائكة !! 

لا تحتاج ان تكون خبيرا استراتيجيا لكي تفهم ان خلف هذه الازدواجية الشيعية تقف المصالح الجيوشيعية.. احد الاقلام التي يمولها حزب الله واسمه ايلي شلهوب وهو مقرب من اصحاب القرار الشيعي في ايران والعراق كتب قبل فترة يقول ان "المالكي قد قام أوائل تموز الماضي بزيارة لطهران لمناقشة موضوع الانسحاب الامريكي، تم فيها التطرق الى الوضع السوري، انقسم فيه اصحاب القرار الشيعي إلى فئتين: الأولى فضلت المرونة مع امريكا، لأن الأميركي محشوراً في الزاوية، ولن يقبل بأن ينسحب من العراق ويبقى نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، وبالتالي لا ضرر من التجاوب مع محاولات الغرب في القيام بنوع من المقايضة بين تخفيف الضغط على الأسد في مقابل إبقاء بضع آلاف من الأميركيين في العراق. أما المجموعة الثانية، التي حسمت النقاش لمصلحتها، فقالت بعدم وجود مبرر دفع ثمن أشياء قد أصبحت أصلاً بين أيدينا، بمعنى أن طهران قادرة على فرض الانسحاب الكامل من العراق وحماية نظام الأسد في الوقت عينه، مشددة على أن المعادلة التي وضعتها القيادة الايرانية هي «سوريا مقابل الخليج»، لا «سوريا مقابل العراق».

هكذا يفكر ايات الله في ايران .. المشرق العربي اصبح بضاعة في بازار طهران .. التاجر الايراني يقول : لماذا ندفع ثمن أشياء قد أصبحت أصلاً بين أيدينا وهو يقصد العراق .. بمعنى ان المضاربة مع الامريكي هي ليست  «سوريا مقابل العراق» .. لا،لا التاجر الايراني يريد «سوريا مقابل الخليج» .. هذا هو تفكير المرشد الاعلى الشيعي باطنيا في حين انه يقول لك في الاعلام "اخوان سنة وشيعة...." الى اخره من الكلام الفارغ .

ما لا يفهمه التاجر الايراني المتشاطر هو انه خسر سوريا منذ اشهر طويلة .. من يقول للتاجر الايراني ان يفتح اذنيه ليستمع الى الشارع السوري ليفهم حجم العداء الذي تحمله شعارات المتظاهرين السوريين لايران.. لقد خسرت ايران سوريا في اللحظة التي صرح فيها المرشد الاعمى ان الثورة السورية هي نسخة مزيفة عن الثورات العربية صنعتها امريكا .. وخسرت ايران سوريا في اللحظة التي نظم فيها حزب الله مؤتمرات لدعم شيعة البحرين في حين انه ابدى تأييده للنظام العلوي في سوريا.. وخسرت ايران سوريا في اللحظة التي ارتفعت ابواق الاحزاب الشيعية في العراق لتعرب عن خشيتها من وصول السلفيين المتطرفين إلى السلطة في سورية مما قد يؤدي الى تعاظم المشكلة الطائفية في المنطقة كما قال جلال الدين الصغير القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي!!

تصورا الصفاقة .. جلال الدين الصغير الذي حوّل جامع براثا الى سجن لتعذيب وقتل عراقيين ذنبهم الوحيد انهم يحملون اسم عمر اوعثمان يخشى من ان صعود السلفيين في سوريا قد يؤدي الى تعاظم المشكلة الطائفية في المنطقة !! الاحزاب الشيعية التي سخرت سياسيا شعارات المظلومية والمواكب التطبيرية المجترة لاحقاد القرون الوسطى تتخوف من  وصول احزاب متطرفة الى السلطة في سوريا  !! احمد الجلبي صاحب فكرة البيت الشيعي والذي قال ذات يوم لصحفي امريكي ان الطائفية مفيدة انتخابيا قلق من تعاظم المشكلة الطائفية في المنطقة !!   

كان على الشيعيون ان يفهموا ان الطائفية هي سلاح مدمر عابر للحدود.. كان عليهم ان يفهموا ان من يزرع الريح يحصد العاصفة .. الكارثة الحقيقية هو ان الشيعيين في العراق لا زالوا ينامون في اكاذيبهم عن الارهاب والسلفيين كما لو انهم لم يساهموا في اشعال الحرب الطائفية .. لم يفهموا بعد ان التطرف فكرة قبل كل شيء وبهذا المعنى فان محكية المظلومية المجترة لتجاذبات صريفة بني ساعدة هي اصل التطرف .. لقد صنعوا برميل بارود طائفي وسموه ديمقراطية.. وهم اليوم قلقون من تعاظم المشكلة الطائفية في المنطقة !! توماس هوبز الذي وضع اول نظرية سياسية لحل الحرب الاهلية يقول: "الجحيم هو حقيقة نراها متأخرين".

Hell is truth seen too late 

2011/11/21

حكاية رجل وضيع


نشرت جريدة الاخبار قبل ثلاثة ايام خبر يقول ان فضائية «آسيا»، ستبدأ بثّها التجريبي رسمياً مطلع الشهر المقبل وان انتفاض قنبر (بيدق احمد الجلبي) هو مديرها العام. الاخبار سألت قنبر عن علاقة احمد الجلبي بهذه الفضائية .. ولكن قنبر ينتفض امام هذا السؤال المحرج، فيقول إنه لا علاقة لـ احمد الجلبي بالمحطة.

الاخبار تقول : "رغم نفي قنبر أي علاقة للجلبي بـ «آسيا»، فإن مصدراً مقرّباً من القناة أكّد لـ «الأخبار» أن رجل الأعمال والسياسي العراقي هو أحد الممولين الرئيسيين للمحطة «إلى جانب إيران، التي دفعت مبالغ كبيرة لدعم التلفزيون». ويضيف المصدر إنّ هناك ما يشبه القرار في الفضائية بتفادي ذكر ارتباط الجلبي بالقناة «رغم أن الجميع يعرف ذلك».

رد فعل انتفاض قنبر وقرار القائمون على الفضائية بتفادي ذكر ارتباط احمد الجلبي بها يكشف الحضيض الذي وصلت اليه سمعة الجلبي في العالم العربي .. لقد اصبح اسم احمد الجلبي مرادفا للعمالة من الناحية السياسية .. ولعدم الثقة من الناحية التجارية.. احمد الجلبي هو اليوم بضاعة فاسدة.. سمعة سيئة يجب تجنبها.

اختيار احمد الجلبي لبنان مقرا لمحطته الفضائية يدفعنا لطرح سؤال لماذا لبنان وليس العراق ؟؟ غريب .. الم يقل لنا احمد الجلبي ان عمالته كانت في سبيل تحويل العراق الى واحة للحرية وللديمقراطية !! ترى الا يتسع فضاء الحرية في العراق الامروعماماتي لفضائية الجلبي ؟؟ 

المذهل في الخبر هو ان انتفاض قنبر يقول لنا أنّ فضائية الجلبي "لن تتردّد في فضح ملفات الفساد في العالم العربي".. احمد الجلبي سارق البنوك لن يتردد في فضح ملفات الفساد في العالم العربي !! هَزُلَت و"رب الكعبة"!

المفكر الالماني والتر بنجامين يقول :

When prostitutes call themselves "sex-workers", work has become a prostitution    

عندما تطلق العاهرات على انفسهن اسم "عاملات الجنس" فان مفهوم العمل ذاته يصبح عهراً.

 قيمة عمل ما مرتبط بقيمة القائم به او القائم عليه ..وعندما يحاول احمد الجلبي لعب دورالاعلامي الذي يريد فضح ملفات الفساد في العالم العربي .. فهو مثل قواد يحاضر في موضوع الشرف .. او مثل حرامي يوزع صكوك النزاهة .. صفاقة هذا الرجل لا تعادلها الا وضاعته.

2011/10/24

الله اكبر ام اصغر .. تحت ضوضاء الشعارات !!

المشاهد البشعة لتعذيب وقتل القذافي من قبل الاسلامجية الليبيين تحت ضوضاء الله اكبر تضعنا من جديد امام كارثية مستوانا الحضاري.. وبالتالي السياسي.. ما هو اكيد ان الحياة عندنا ليس لها قيمة سواء اكان صاحب السلطة دكتاتور "جلاد" ام معارض "ضحية".. التعامل مع الاخر هي بندقية تستند الى شعار.. الكتاب الاخضر .. او الله اكبر.. سيان.. الهلوسة الشعارتية واحدة.. السلطة عندنا هي جبن اخلاقي يستند الى "بندقية".. من عبد الكريم قاسم الذي جعل من الدبابة مفردة من مفردات "الحوار السياسي" الى قوادي الدين ممن يعذبون البشر تحت ضوضاء الله اكبر.

 ما هو اكيد ايضا هو ان المشاهد البشعة لتعذيب وقتل القذافي تحت ضوضاء الله اكبر قد قزّمت الله.. ضوضاء "الله اكبر" في هذا المشهد البشع قد جعلت الله اصغر.. كلما استقرت رصاصة في راس انسان برفقة عبارة الله اكبر.. يصغر الله.. وتكبر مساحة الجريمة .. ليس هناك معجزات !!

لنكن متواضعين.. كلنا في الهمجية سواء.. ما جرى للقذافي على يد الاسلامجية الليبيين يمكن ان يحدث في اي بلد عربي.. شاهدتم كيف عامل الشيعة البحرينيين جثة الشرطي الذي سقط بين ايديهم.. تصورا اذا مصير امير البحرين لو وقع بين ايديهم.. الاسلامجية المصريون كانوا يرفعون اعمدة المشانق لمبارك في ميدان التحرير.. تصورا لو ان مبارك وقع بين ايديهم.. او بن علي بين ايادي التونسيين.. او علي عبد الله صالح بين ايادي اليمنيين!! صدام حسين نجى من طريقة قتل القذافي فقط لانه لم يقع في براثن الاسلامجية الشيعة.. هل تعرفون الان لماذا يتمنى السجناء في العراق سجّان امريكي ولا "اخ" شيعي !!  

هناك من خرج علينا مبررا المشهد البشع لقتل القذافي تحت ذريعة ان القذافي كان يقتل ويعذب.. حجة "العين بالعين"هذه تنتمي الى عقلية الثار البدائية.. نعم الثأر هي عدالة بدائية  كانت نافعة في اطر وتنظيمات بدائية.. ولكن منطق الثأر داخل تنظيم اجتماعي وسياسي معقد كالدولة هو سرطان مدمر لاسس هذه الدولة.. وعراق المليشيات المجترة لثارات السقيفة مثال صارخ في هذا الاطار.. حتى من منظور اخلاقي فان ذريعة "العين بالعين" غير مقبولة.. فعنف وجرائم الخصم لاتبرر ان نكون مجرمين مثله.. التغيير الذي يجلب للسلطة معارض يلجأ الى اساليب الحاكم السابق هو ليس تغيير.. انه انتكاسة.

L'esprit avec lequel on jugera le roi sera le même que celui avec lequel on établira la République
   
"الطريقة التي سنحكم فيها على الملك هي نفس الطريقة التي سنؤسس بها الجمهورية".. هذه الجملة هي لـ سان جوست احد رموز الثورة الفرنسية.. قالها اثناء النقاش حول مصير ملك فرنسا بعد الثورة.. لقد حُكِم على الملك بالاعدام بالمقصلة.. والجمهورية التي شيدتها الثورة الفرنسية بعد ذلك كانت جمهورية المقصلة.. التي وضعت فرنسا خلال سنوات طويلة تحت ارهاب المقصلة التي انتهت بقطع رؤوس قادة الثورة الفرنسية انفسهم.  

تاريخ العراق الحديث ايضا يؤكد هذا الدرس التاريخي.. طريقة قتل الحاكم السابق في العراق كانت دائما هي نفس الطريقة التي حُكِم بها البلد بعد ذلك.. مقتل العائلة المالكة على يد عسكر عبد الكريم قاسم شيّد جمهورية "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة".. ومقتل عبد الكريم قاسم على يد القوميين شيد تراكميا جمهورية الاسلاك الشائكة.. اما اعدام صدام حسين تحت صيحات الثار لعائلة الصدر.. فقد اسس جمهورية المليشيات الطائفية التي تنهب وتدمر العراق اليوم.

 وبنفس المعنى فان الطريقة البشعة لتعذيب وقتل القذافي من قبل الاسلامجية الليبيين هي الطريقة التي ستشيد وتحكم "الجماهيرية الاسىلامية الليبية".. الويل لليبيا من قادم الايام.."الضحية" الذي يتبع اساليب"الجلاد" يتحول الى جلاد.. انها قصة قديمة.. ولكنها في كل مرة تختفي تحت ضوضاء الشعارات.. شيوعية مرة.. قومية اخرى.. اسلامية اخيرا.. تتغير الانظمة.. تتغير الشعارات.. الثابت الوحيد هم الغوغاء.. المجد للضوضاء!!

2011/10/08

نقد الخطاب التأويلي .. ابن العلقمي في ضيافة حزب الله


نشر محمد فضل الله مؤخرا مقالا في الاخبار يقول فيه : " بُعيد حرب 2006، نُقل أنّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وفي اجتماع داخلي صَرّح: «لقد غسلنا عار العراق». بغضّ النظر عن دقة النقل، إلا أنّ ذلك كان لسان حال شيعة لبنان، حين يناقشون الملف العراقي". انتهى.

ساتوقف اولا امام لغة محمد فضل الله .. فهي لغة تحتاج الى مترجم .. فجملة حسن نصر الله المفترضة " لقد غسلنا عار العراق" اذا ما تم وضعها في السياق العام لمعنى النص يجب ان تكتب هكذا:" لقد غسلنا عار الشيعة في العراق".. عار الشيعة في العراق في تمكين الاحتلال الامريكي .. وليس "عار العراق" ..اولا لان نصر الله يتكلم من منطلق كونه شيعي يحس بالعار من موقف طائفته في العراق .. ثانيا لان العراق ليس له عار .. فما فعلته المقاومة العراقية بالجيش الامريكي خلال سنة احتلال هو اهم من كل ما قام به حزب الله خلال عقود ..ولكن يبدو ان يسار الكافيار اللبناني لا يرى المقاومة الا في لبنان.. ومع ذلك فليس هنا المهم.

محمد فضل الله في هذا المقال يطلب من اللبنانيين الشيعة وخصوصا من حزب الله بان يتفهموا "عار الشيعة في العراق".. وحجته ان الليبيون قد استعانوا مؤخرا بالاجنبي ولم ينالوا من التخوين ما ناله الشيعة في العراق .. وهي حجة اثارتها ابواق شيعية كثيرة مؤخرا.. رغم ان المقارنة ليست دقيقة بين الحالتين الليبية والعراقية.. وان تلك الحجة اذا ما تم دفعها الى نهاياتها المنطقية فانها ستنقلب عليهم.

فدفع حجة محمد فضل الله الى نهاياتها المنطقية يدفعنا الى مطالبته هو وحزب الله بان يتفهموا عارعملاء اسرائيل في لبنان ويكفوا عن اعدامهم وان يتفهموا الاحتلال الاسرائيلي لجزء صغير من لبنان .. ثانيا، دفع حجة محمد فضل الله الى نهاياتها المنطقية يدفعنا الى مطالبته هو وحزب الله وايران بان يتفهموا الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين .. ويكفوا عن المتاجرة بقضية فلسطين من اجل التبشير بالمذهب الشيعي في المنطقة العربية.. ثالثا، دفع حجة محمد فضل الله الى نهاياتها المنطقية يدفعنا الى مطالبته هو وحزب الله وايران بان يتفهموا عارعملاء امريكا في المنطقة وان يتفهموا رغبة امريكا في التواجد في المنطقة .. وكفى مزايدات و"حلّوا عن طيزنا" كما يقول التعبير اللبناني!! 

بعد كل هذا يأتي محمد فضل الله ويتسائل في مقاله عن سبب ضعف الخطاب الشيعي امام الخطاب السني تاريخيا وحاضرا .. انا شخصيا لدي اجابة بسيطة وسريعة .. الخطاب الشيعي محكوم عليه بالاقلية تاريخيا وحاضرا لانه خطاب ينزع نحو تأويلية تقترب في كثير من الاحيان من حدود الكذب .. وثانيا لانه خطاب في منتهى الضدية .. والتاريخ يتجاوب مع المحكيات التوافقية .. والبشر ينزعون نحو الاعتدال.. ومقال محمد فضل الله بالذات هو نموذج للتأويلية التي تميزالخطاب الشيعي تاريخيا.. فهو يقول لك " نُقل أنّ الأمين العام لحزب الله صرح... " ثم يردفها بجملة "بغضّ النظر عن دقة النقل فان شيعة لبنان يفكرون كذا وكذا" .. اي ان ما هي رواية غير موثوقة وربما هي رغبة من خيالات الكاتب تتحول بتعميم قسري الى حدث ثم الى حقيقة تاريخية !!  

باختصار .. محمد فضل الله يريد ان يقنعنا وعبر خطاب تأويلي قاسر للاحداث بأن حزب الله لايؤيد الاحزاب الشيعية في العراق .. وانه غير طائفي في مواقفه .. لِيسار الكافيار اللبناني .. ولعبد الباري عطوان .. ولمشاهدي قناة المنار ان يصدقوا ذلك .. اما نحن فلا نصدق الخطابات التأويلية .. موقف حزب الله الاخير من احداث سوريا واحداث البحرين لا يدع اي مجال للشك بطائفية حزب الله .. حزب الله الذي نظم يوم امس في بيروت مؤتمر لدعم الشيعة في البحرين .. والادهى انه دعى لهذا المؤتمر احمد الجلبي عراب الاحتلال واحد المسؤولين عن "عار الشيعة في العراق" .. وقد نقلت قناة المنار فعاليات المؤتمر وكلمة الجلبي بالمباشر .. ومحمد فضل الله يقول لنا ان حسن نصر الله، في اجتماع داخلي صَرّح وبُعيد حرب 2006 : «لقد غسلنا عار الشيعة في العراق»!! فمن نصدق  الخطابات التأويلية ام الوقائع ؟؟

 مهمة حسن نصر الله في الايام القادمة ستكون صعبة ..خصوصا بعد استضافته "لابن العلقمي" بالامس .. فهو لا يحتاج فقط لغسل عار الشيعة في العراق .. ولكنه سيحتاج لكل ماء البحر لغسل عار الشيعة في لبنان !!

2011/09/10

نهج السخافة .. ما لا يظهر على الشاشة الشيعية !!


اثار مسلسل الحسن والحسين ومعاوية  الكثير من ردود الافعال.. ومستوى هذه الردود قارب في الغالب الاعم المستوى الهابط للمسلسل.. الذي صُنع على النمط الحكواتي التلقيني الذي تعشقه الذائقة العربية.. هناك نوعان من ردود الافعال.. النوع الاول يعترض على ظهور احفاد "النبي" وبعض الصحابة على الشاشة.. ساضع جانبا هذا الاعتراض الشكلي العقيم الذي يكشف عن عجز مخيف في النظر لشخصيات الاسلام الاول كبشر يأكلون ويشربون ويتبرزون ويتصارعون ولهم نفس دوافع وغرائز البشر.. وهذا العجز هو ما منع ويمنع فهم ديناميكية الفتنة من منظور انثروبولوجي باعتبارها صراع بين بشر على السلطة.. غياب هذا المنظور الانثروبولوجي للصراع  جعل من التاريخ الاسلامي تاريخ صراع بين محكيات فبركتها المواقف المتحزبة والمتشيعة التي لازالت تمعن في قتلنا.. واذا كان هناك من ايجابي في المسلسل فهو يكمن في تجسيد شخصيات الاسلام الاول على الشاشة.. رغم ان معالجته الدرامية استمرت باحاطة تلك الشخصيات بهالة القداسة التي تفرّغ تلك الشخصيات من واقعيتها.

 اما النوع الثاني من ردود الافعال فهو يعترض على المحتوى التاريخي الذي تضمّنه المسلسل.. واغلب تلك الردود نشرها كتاب شيعة صدمتهم الصورة الايجابية لمعاوية في المسلسل.. لانهم تعودوا على اجترار صور نمطية كاريكاتورية تم انتاجها في بداية العصر العباسي عن علي القديس ومعاوية الداهية الشرير.. وهي صور كانت مفيدة سياسيا للعباسيين في بداية حكمهم وقبل ان يضيقوا ذرعا بالشيعة وينقلبوا عليهم. 

  ساتوقف هنا امام مقال د. علي الصكر الذي يمثل نموذج لردود الافعال هذه.. الصكر في مقاله يرتدي عمامة الواعظ التاريخي ويقول لنا ان " من حق المشاهد أن يتساءل عن مدى صحة الحدث الذي يراه على الشاشة".. من هنا مطالبته كاتبي المسلسل بـ "أن يخبرا المشاهد أين ومتى كان معاوية يسير في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس مثل معظم الزعماء العرب المحبوبين لدى شعوبهم".. وهذا التساؤل يُبيّن ان الصكر لم يعرف غير اتربة وغبار المصادر الشيعية مما يجعله غير قادر على فهم علاقة معاوية الجيدة مع اهل الشام.. لن استعين بمصادر كلاسيكية لانها حتما لن ترضي الصكر وامثاله  ممن لازالوا يستنشقون غبار معارك الجمل.. يكفيني فلهاوزن.. والرجل الماني وليس ناصبيا !! وهو "سيد مؤرخي الاسلام بين المستشرقين" كما يصفه عبد الرحمن بدوي.. ماذا يقول فلهاوزن في كتابه "الدولة العربية" حين يصف علاقة معاوية مع اهل الشام مقارنة بعلاقة علي مع اهل الكوفة ؟  

The men of Iraq, amongst the foremost of whom are always to be understood the men of Kufa, held fast, as a whole, to Ali. But his relations to them were different from these of Muàwia to the Syrians, and not so kindly. Muàwia was not risen from the ranks, but held the authority of a superior over them ; he did not owe his position to his inferiors, but was independent of them, when he ordered they obeyed.... . They had long known and respected him.... . On the other hand, men could not forget that Ali owed his power to a revolution, and he had neither the time nor the means to make up for this detraction by exceptional personal qualities. The men of Iraq did not forget that it was they who had advanced him ; they were too undisciplined, or perhaps too devout, to follow their Khalifa where he led them.   (Wellhausen. Arab Kingdom, pp.58  


باختصار، فلهاوزن يقول "ان علاقة معاوية مع اهل الشام هي علاقة جيدة لان شرعيتة لم تكن موضع شك عندهم. لانها متأتية من كونه مُعين من قبل الخليفة ولم يكن مدينا لهم بشيء في هذا الاطار. وان اهل الشام كانوا يطيعونه لانهم كانوا يعرفونه منذ سنين طويلة ويحترمونه. اما علاقة علي مع اهل الكوفة فقد كانت علاقة طارئة وسيئة. لانهم يعرفون ان مصدر خلافته يرجع للثورة او الانقلاب العسكري على عثمان. ولم يمتلك علي لا الزمن الكافي ولا القدرة على التغلب على هذا النقص بقدرات شخصية ممتازة . ثم ان اهل الكوفة  لم ينسوا انهم هُم من ساعدوا علي  في تثبيت سلطته".. ما يهمنا في قول فلهاوزن هو ان اهل الشام كانوا يطيعون معاوية لانهم كانوا يعرفونه منذ سنين طويلة ويحترمونه".. فما الغريب اذا في ان يسير معاوية في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس ؟! خصوصا وان الرجل شارك اهل الشام في كل معارك "فتح" الشام وكان قد قضى فيها انذاك اكثر من عشرين سنه واستطاع ان يبني "مجال نفوذ حقيقي  قوامه الولاءت والتحالفات" كما يقول هشام جعيط في كتابه "الفتنة"، ص. ٣٢١.

 المذهل ان علي الصكر المشكك بمصادر كاتبي المسلسل يتساءل ما اذا كانا قد اطلعا على كتاب نهج البلاغة.. اي ان الصكر يعتبر نهج البلاغة مصدر تاريخي موثوق !! غير عارف بان نهج البلاغة هو كتاب مفبرك وضعه الشريف الرضي (وهو احد اعضاء شركة ال البيت اللامحدودة) ايام البويهيين الذين كانوا يزخرفون سيوفهم برسم علي.. التاريخ يقول لنا ان اقدم مصدر تاريخي يورد مقاطع من خطب علي هو ابو مخنف.. وهشام جعيط يقول ان حتى تلك المقاطع القصيرة هي اسلوبيا من "تأليف" ابو مخنف.. ومع مرور الزمن راحت هذه المقاطع تتضخم حجما وتُصقل اسلوبا حتى اصبحت كتاب كامل.. يحتوي على خطب مفبركة.. في غاية البلاغة نعم.. ولكنها في غاية السخف من الناحية التاريخية لانها خُطب وضعتها الاجيال اللاحقة.

الصكر يقول ايضا ان المسلسل:"يقدم لنا رؤية جديدة تماما لمبدأ التوريث الذي يعرف الجميع أن معاوية هو أول من ابتكره وسنه".. ونحن هنا نقف امام "ربع حقيقة".. فالتاريخ يقول لنا ان اول ظهورعملي لمفهوم الوراثة في الاسلام كان مع تنصيب الحسن خليفة في الكوفة بعد مقتل علي..آنذاك تم تنصيب الحسن ليس فقط باعتباره ابن لـ علي ولكن ايضا كحفيد " للنبي".. من هنا مفهوم ال البيت وهو مبدأ وراثي بامتياز.. وهذا المبدأ الوراثي هو اساس النظرية الشيعية للحكم التي تقصر الحكم على احفاد علي!! وكما يقول فلهاوزن فان "الشيعة لم يرفضوا المبدأ الوراثي في الحكم كما فعل الخوارج ولكنهم ارادو في معارضتهم لبني امية ابدال عائلة بعائلة اخرى" (فلهاوزن ، الدولة العربية، ص. ٦٦).

باختصار المسلسل فاشل ليس للاسباب التي يطرحها بعض الكتاب الشيعة.. من يصدق اناس يتورم حسهم النقدي امام مشهد معاوية يمشي في السوق ويسلم على الناس.. ولكنهم يصمتون صمت القبور على خرافة المهدي المنتظر!! لا.. المسلسل فاشل لانه تعبير عن مجتمع فاشل ما زال نائما في رؤية اسطورية غير تاريخية لفترة الاسلام الاول.. مجتمع يستمتع بحكايات الاطفال التاريخية كما يسمي فويرباخ الاساطير المسيحية.. فـ علي الفاشل تاريخيا في اختبار السلطة بسبب ضعف قدراته الادارية كما يقول فلهاوزن.. يتحول في القرن القادم ومع مجيء العباسيين الى السلطة الى بطل اسطوري شبه قديس.. اما طلحة والزبير وعائشة فقد كانوا يحرضون الناس على عثمان واصبحوا بعد مقتله يطالبون بثأره لان السلطة ذهبت الى علي او قل علي ذهب الى السلطة برفقة قتلة عثمان !! في حين ان الحسين الذي يذهب الى الكوفة من اجل ورث جده وابيه في السلطة يتحول بقدرة قادرالى شهيد ثأئر ضد الظلم!!

 هذه التحريف للتاريخ هو اسقاط سايكولوجي تعويضي يقوم به "مجتمع" يعاني من اعراض ما بعد الصدمة.. صدمة الفتنة الكبرى.. لانه مجتمع يمتلك تصور قيمي ساذج للسلطة ولميكانزمات السلطة .. مجتمع يدفعه احباطه التاريخي الى انتاج اساطير كنوع من التعويض.. مجتمع مازال يجتر جروحه لانه لا يفهم معنى الحداد.. او قل هو مجتمع يفهم الحداد كونه اما استرجاع ثأري للجروح او عمل ترقيعي لاخفاء العورات.. وليس مكاشفة مع الذات والاشياء.. وبهذا المعنى فان المسلسل هو حداد اخر فاشل.

2011/08/14

الشروكية .. بين الحقيقة التاريخية والتأويل الشيعوي


نشر كويتب شيعي مؤخرا مقال عنوانه "إنجازات الشروكية في حكم العراق" يقول فيه  ان مفردة شروكية "هي مفردة جغرافية يقابلها في المجال الجغرافي العام وفي المجال الاجتماعي الخاص في العراق مفردة " الغربية ". واذا كان المعني بوصف الشروكية ابناء المناطق الشرقية في الجنوب والفرات الاوسط وامتداداته في بغداد فان وصف الغربية يشيرالى محافظات الانبار والموصل وتكريت.. وهو يضيف بعد ذلك "ان استخدام وصف الشروكية القصد منه النيل من كرامة ومكانة الغالبية الساحقة للشعب العراقي" وهو يقصد الشيعة.

ما لا يعرفه هذا الكويتب هو ان مفردة "الشروكية" ليست مقابل جغرافي  لمفردة  "الغربية".. وبالتالي فليس هناك بعداً طائفيا لمفردة شروكية.. اي انها ليست نعتا تحقيريا ابتدعه السنة.. فمفردة الشروكية ومضمونها التحقيري تاريخيا هي تسمية استخدمتها عشائر الفرات الاوسط  الشيعية لنعت العشائر الشيعية القاطنة الى الشرق منها قرب دجلة.

وهذا ما يؤكده علي الوردي في كتابه " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" حيث يقول: " ينبغي ان نذكر ان قبائل الفرات الاوسط  تنظر الى قبائل دجلة القاطنة الى الشرق منها نظرة لاتخلوا من احتقار.. وهي تطلق عليها اسم "الشروقيين" نسبة الى الشروق اي الشرق"(ص. ١٦١) و"ان قبائل الفرات الاوسط تنظر الى المعدان مثل نظرتها االى الشروقيين" (ص. ١٦١).. وعلي الوردي يضيف بنظرة قِيَميّة شائعة في كتبه ولا تمت لعلم الاجتماع بصلة :" يبدو ان قبائل الفرات الاوسط لها بعض الحق في احتقار المعدان .. فالمعدان لم يستطيعوا ان يحافظوا على القيم البدوية" ويضيف مستشهداً بالكاتب البريطاني ثيسيغر ان "لهم سمعة واسعة باللصوصية" (ص. ١٦٢). انتهى. 

اذا وخلافا لما يعتقده كويتبنا فان مفردة "شروكية" هي نعت تحقيري صادر من  قبل شيعي بحق شيعي اخر.. وثانيا، ان تحليل مفردة "الشروكية" يكشف عن مناطقية متورمة تاريخيا في الجنوب.. وهذا ما تحاول ان تخفيه المحكية الشيعوية الحالية من خلال منح مفردة الشروكية بُعداً مذهبيا طائفيا.. وثالثا، فان الشيعة ليس كلهم شروكية .. فهناك كان دائما فرقا اجتماعيا واقتصاديا ومعنويا بين "السادة" وعبيد السادة.

كويتبنا يعتقد ان المالكي وعادل عبد المهدي هم شروكية من هنا تراه يتكلم عن حكم الشروكية اليوم.. في حين ان اجداد هولاء في الفرات الاوسط هم اول من استخدم المفردة تحقيرا للشروكية .. اقرأوا التاريخ قليلا ياسادة .. او يا عبيد السادة !

2011/07/31

عن الروبّيات الهندية


نصرالدين شاه هو احد ملوك ايران الصفوية.. في احدى زياراته لفرنسا بلغت ديونه في المواخير الباريسية حدا دفعه للتنازل لفرنسا عن حقوق التنقيب والاحتفاض بالقطع الاثرية التي يتم العثورعليها في جميع المواقع الاثرية الايرانية.. لكي يسدد ديونه ويعود لايران!! تاريخ ايران مليء بمثل هذا النمط من الملوك الذين كانوا من حين لاخر يفيقون من بين افخاذ الجواري ومؤخرات الغلمان طالبين زيارة العتبات "المقدسة" الشيعية والتقرب الى الائمة من خلال الاموال والهدايا التي كانت تُخْمَط من الفقراء.  

في القرن التاسع عشر كانت هناك امارة شيعية  قائمة في شمال الهند.. وكانت تحكمها سلالة مغولية مدعومة من قبل البريطانيين ..اغلبية سكان هذه الامارة كانوا من السنة ولكن السلالة المغولية التي كانت تحكمهم كانت شيعية.. امراء هذه الامارة كانوا يسحقون الفلاحين بضرائب مجحفة.. ويقرضون البريطانيين الملايين لمساعدتها في حربها الاستعمارية في جنوب شرق اسيا.. ويستلمون من ذلك فوائد مصرفية هائلة رغم انها تعتبر ربا ومحرمة اسلاميا.. ولكن رجال الدين الشيعة في العراق منحوهم فتاوي تحلل استثماراتهم المصرفية.. وهولاء الامراء الهنود كانوا ايضا يرسلون الاموال والهدايا لرجال الدين في النجف وكربلاء.

مقال الباحث خوان كول "المال الهندي والعتبات الشيعية في العراق" والمنشور في الـ" ميدل ايست جورنال" عام ١٩٨٦ يخبرنا عن تاريخ هذه الاموال الهندية.. والاهم هو انه يُبيّن لنا سلوكيات الفساد المالي التي كانت سائدة بين رجال الدين الشيعة.. وبالتحديد في النجف المرجع محمد حسن النجفي صاحب "جواهر الكلام" جد الشاعر الجواهري.. وفي كربلاء المرجع ابراهيم القزويني .

لقد ارسل الامراء الهنود وعبر وكلاء بريطانيين الملايين من الروبيات.. جزء منها لشق  قناة الهندية (سُميت هندية لان المال هندي).. وجزء لتوزيعها على الفقراء وطلاب الحوزة ولترميم الاضرحة.. ولكن الامراء الهنود يكتشفون بعد سنين طويلة وعبر وكلاهم البريطانيين ان رجال الدين لايقدمون وصولات بما كانوا يستلمونه من لاموال الطائلة.. وان جزء يسير جدا منها يذهب للفقراء.. وان قناة الهندية اخذت من الاموال ما يكفي لشق عدة قنوات.. ودائما بلا ادنى وصولات او حتى اي تقرير مالي وهو ما كان يلح بطلبه النواب الهنود.. الادهى ان من بين الاتفاقات ان يتم ايواء الزوار الهنود في اماكن كان يجب بناءها لهم من هذه الاموال ولكن الامر لم يتم.

عندما نقرأ مقال خوان كول نجدنا مضطرين للقول ما اشبه اليوم بالبارحة.. ولكن ما هو اهم في مقال كول هو انه يمكننا من فهم الظروف التاريخية التي مهدت الى تحرر الكثير من الشيعة من سلطة رجال الدين.. كثيرون من شيوعيوا الجنوب كانوا من عوائل دينية شيعية.. شاهدوا رجال الدين عن قرب وعرفوا فسادهم.. فهجروهم  الى "دين" اخر فاشل.. قصيدة الجواهري "الرجعيون" التي تصور فساد السراديب لم تأت من فراغ .. الجواهري ينتمي الى عائلة دينية لها تاريخ حافل بخمط اموال الفقراء.

قبل فترة قرأت تقريرا يقول ان ارتداء الناس لزي رجال الدين قد قَلَ كثيرا في النجف بعد ان شهد اقبالا واسعا في سنوات الاحتلال الاولى.. والسبب هو السمعة السيئة التي تشوب رجال الدين مع قدوم مليارات "الروبيات" الخضراء الامريكية.. غزارة الروبيات الامريكية جعل تصفية الحسابات بين ابناء البيوتات الشيعية على المكشوف مما افقدهم احترام الكثير من الشيعة.. سياسة الارض المحروقة البعثية جعلت من رجال الدين ملجأ للنفوس الهشة  في عقود الفقر الاخيرة.. الروبيات والسلطة ستجعل منهم  عاجلا ام اجلا مصدر للنفور.. فمجدا للروبيات الفاضحة لجشع قوادي الدين. 

2011/07/17

عن الحجاج والجاموس ..استكان شاي مع فلهاوزن

كثيرون في العالم العربي يعرفون هشام جعيط وكتابة القيّم " الفتنة الكبرى".. ولكن قلة تعرف المؤرخ الالماني يوليوس فلهاوزن ومساهمته الهائلة في كتابة التاريخ العربي الاسلامي.. فكتاب فلهاوزن "الدولة العربية وسقوطها " الذي صدر في ١٩٠٢ هو من اسس للمنهجية النقدية للتاريخ العربي الاسلامي.. قبل فلهاوزن كان التاريخ العربي الاسلامي يسير على نمط "قال فلان عن ابن خالة علان".. وبعد فلهاوزن اصبح هذا التاريخ عملية مقارنة للنصوص وتحليل لخلفيتها التاريخية وبالتالي تفكيك للمبالغات والفبركات التي تحفل بها كتب التاريخ العربي القديمة.. بفضل منهجية فلهاوزن خرج التاريخ العربي الاسلامي من خزعبلات واحقاد القرون الوسطى.. ودخل علم التاريخ ومكتسباته الحديثة.

تعرفون ان التاريخ العربي الاسلامي الذي وصلنا كُتِب في العصر العباسي.. واقدم الوثائق التي استند اليها هذا التاريخ كُتبت في الكوفة.. وكاتبها هو ابو مخنف ذو الهوى الشيعي.. تصورا اسلاموي شيعي يكتب تاريخ البعث في العراق.. او شيوعي عراقي  يكتب تاريخ الملكية في العراق.. اترك لمخيلتكم حجم المبالغات والفبركات التي ستحفل بها مثل هكذا تواريخ..  قيمة فلهاوزن تكمن في انه فضح ماكنة الكذب العباسية والشيعية التي عملت على تزوير العصر الاموي وشخوصه. 

واذا كان المؤرخ لامنس قد كرس بحثا كاملا لمعاوية لكي يخلص هذه الشخصية التاريخية الفريدة من المبالغات والاكاذيب التي احاطته بها ماكنة الكذب الشيعية والعباسية.. فان فلهاوزن في كتابه "الدولة العربية وسقوطها" يقوم بنفس الشيء بخصوص الحجاج.. فشخصية الحجاج هي من اكثر الشخصيات التي نالت منها ماكنة الكذب العباسية والشيعية.. وساضع هنا مقتطف مما يقوله فلهاوزن عن الحجاج .. هو مقتطف طويل من الترجمة الانكليزية لكتابه ولكنه مفيد في عرض طريقة فلهاوزن.

   His government regulations in matters of coinage, measures and taxes, and in the importance assigned to agriculture were epoch-making. In Iraq, exhausted and demoralised as it was by the constant succession of wars, he bad difficulty in maintaining the state-revenues, but all the same he was always in funds. He had the gift of ready speech, rather pluming himself on the elegance of his Arabic style, and , disliking to he surpassed in it , so that it is not without reason that the traditionalists adorn his introductory speech in Kufa with carefully-chosen turns of speech. He never let his courage fail under any circumstances; it took misfortune to bring out his greatness. But he was a little too impetuous, and was quick to get impatient with those who were executing his orders. His iron hand was covered with no velvet glove, nor had he any winning ways of  conversation. He was harsh and at times hard, but not cruel; neither was he petty and bigoted. He showed mercy, and freed a notable rebel, prisoner because he did not try to excuse himself but told the truth ... He was not so prejudiced by superstition and tradition as his contemporaries, but neither was he godless, and certainly not a hypocrite. Living and dying, he had a clear conscience. To the ordinary mind in the Hijaz and Iraq, it was of course a proof of his wickedness that he fearlessly cleared out the nest in Mecca, and did not allow the piety of the seditionists to be their justification. 

Other shameful deeds laid to his charge are inventions and fabrications of the hatred of his enemies, which even after his death did not abate. For example he is said, according to an anonymous account in Tabari (p.1128) to have slaughtered in Basra, after the battle of Zawia, 11,000 or even 120,000 - 130,000 men. Kremer and Vloten apparently believe this nonsense. The old and genuine tradition, however, says the opposite. In Basra, as in Kufa, immediately after the victory, he had a general pardon proclaimed for those who gave up the struggle, and did his best to prevent the licence of the Syrian soldiery in the conquered towns. (p. 255 -256) 

لن اترجم هذا المقتطف الطويل .. ولكن فحواه هو اولا، ان الحجاج لم يكن السفاح المتعطش للدم الذي صورته ماكنة الكذب العباسية والشيعية.. وان التهم التي لحقت به هي من اختراع وفبركة اعدائه .. نعم الحجاج كان حاكما شديدا .. ولكنه لم يكن سفاحا .. ورواية الطبري التي ينقلها عن مصدر مجهول والتي تزعم بان الحجاج قد ذبح١٢٠ الف شخصا او حتى احد عشر الف شخصا عند دخوله البصرة هي كذب لا يقبله الا عقل خزعبلاتي .. فالروايات الاسبق والاكثر دقة بحسب فلهاوزن تقول العكس تماما .. فالحجاج بعد دخوله الكوفة والبصرة اصدر عفوا عاما وفعل كل ما في وسعه من اجل منع تجاوزات جنوده في هاتين المدينتين .. وثانيا، وهو ان الاصلاحات الادارية التي قام بها الحجاج اثناء حكمه للعراق الذي خربته عشرون عاما من الحروب والثورات كانت اصلاحات تاريخية بمقاييس ذلك الزمان.

وهناك خطوات اقتصادية في غاية الاهمية اتخذها الحجاج .. يذكرها فلهاوزن في كتابه :

Under Walid Hajjaj reaped the fruit of the hard work which he had had to do undar Abdul-malik. In Iraq peace prevailed. He used it to heal the wounds which a twenty-years war had inflicted upon the well-being of the country... He devoted his attention to the canal-systems upon which depends the fertility of the marshy land on the lower Tigris and Euphrates, and in the midst of the chief marshy region he founded his town of Wasit. He tried to stem the depopulation of the alluvial lands which was resulting from the thronging of the inhabitants into the large towns. It is said he also forbade the peasants to slaughter oxen, in order to keep them for the plough.( p.252) 

الكل يعرف ان الحجاج هو مؤسس مدينة واسط .. ونعرف ايضا اهتمامه الكبير بمشاريع الري والزراعة .. ولكن اهم خطواته هي محاولته منع المزارعين من الهجرة من الارياف الى المدينة .. لانه كان يعتقد ان ذلك خراب اقتصادي للارياف وخراب اجتماعي للمدن.. ومن يعرفون الخراب الاجتماعي الذي تعرضت له مدينتي بغداد والبصرة في العقود الاخيرة بسبب هجرات "الشروكية" سيقدر حكمة الحجاج في هذا الاطار.. نقطة اخيرة مهمة .. فالحجاج هو من ادخل الجاموس الهندي الى اهوار العراق ضمن خطته الزراعية لتلك المنطقة والتي فاقت بحسب فلهاوزن كل ما قام به ملوك الفرس . .باختصار .. لولا الحجاج لما عرفنا القيمر !! فماذا ادخلت " شركة ال البيت اللامحدودة " للعراق غير النواح واللطم !!

2011/06/30

"كسلة" برفقة شسترتون


There are some who complain of a man for doing nothing, there are some, still more mysterious and amazing, who complain of having nothing to do. When actually presented with some beautiful blank hours or days, they will grumble at their blankness. When given the gift of loneliness, which is the gift of liberty, they will cast it away, they will destroy it deliberately with some dreadful game with cards, or a little ball … I cannot repress a shudder when I see them throwing away their hard won holidays by doing something. For my own part, l can never get enough Nothing-to-do 

2011/06/19

الشخصية العراقية .. في بُرْكة علي الوردي


امام ما يجري في مصر من غوغائية وشيوع سلوكيات البلطجة نشر عزيز الحاج مؤخرا مقال يقول فيه متسائلا :"هل تبدلت الشخصية المصرية فجأة، بعد أن كان المصري معروفا بالاعتدال بالعكس من الشخصية العراقية الموسومة بالعنف؟ أم إن الشخصية المصرية الأصلية كانت راقدة وسنحت لها اليوم فرص وظروف البروز؟" 

شيء ايجابي ان ينتقد عزيز الحاج ما يسميه بالـ"ثورية المنفلتة" في مصر.. هو القيادي الشيوعي الذي ساهم بنشر سلوكيات "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" في الشارع العراقي  في نهاية الخمسينات.. وشيء ايجابي ايضا ان ينتقد عزيز الحاج  "شباب الثورة" في مصر الذين يرفعون "في ميدان التحرير وبطريقة غوغائية شعار "لا بديل عن الإعدام" لحسني مبارك.. نعم شيء جيد ان يقول لنا ذلك من ساهم في نصب اعمدة المشانق في شوارع بغداد وكركوك والموصل.. ان يتعلم الناس من اخطاهم السابقة هو شيء جيد.. الى الامام "رفيق".. سر ونحن من وراءك !!

ولكن ما يستوقفني في مقال عزيز الحاج هو قوله ان "الشخصية العراقية موسومة بالعنف" وان الشخصية المصرية معتدلة.. ساضع جانبا مسألة التعميم الاعتباطي لمفردة"الشخصية" على شعب كامل.. واكتفي بملاحظة يعرفها كل طلاب المرحلة الاولى في علم الاجتماع.. وهي ان الشخصية او بالاحرى مكونات الشخصية هي نتاج مجموع الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيش فيها انسان ما.. وسايكولوجية شخص ما هي رهن باشباع او عدم اشباع حاجاته المتنوعة.. بمعنى ان المصري الذي يعيش في حي راقي في القاهرة يختلف في شخصيته عن مصري اخر يعيش في حي شعبي من نفس المدينة.. فما بالك بمن يعيش في العشوائيات او في الارياف.. وهناك بين فرنسي يسكن في حي راقي في باريس وامريكي يسكن في حي راقي في نيويورك مشتركات سلوكية ونفسية اكبر مما هي بين هذا الفرنسي والفرنسي الذي يعيش في اطراف باريس.. وبنفس المنطق هناك بين مصري يسكن في الزمالك وبين عراقي يسكن في حي راقي من بغداد مشتركات شخصية وسلوكية اكبر مما هي بين مصري الزمالك وبين ومصري العشوائيات.

ما الذي يجمع بين شخصية بغدادي وبين شخصية فرد قادم من خلف السدة ؟ لا شيء.. اذا فالقول بان هناك شخصية عراقية هو قول ينتمي الى العصر الحجري سوسيولوجيا.. وفقط سذاجة علي الوردي تسمح له بالكلام عن "شخصية الفرد العراقي" وعن "طبيعة المجتمع العراقي" في وقت كانت الحكومات العراقية تحاول جاهدة توحيد فسيفساء من الاثنيات والمذاهب والعشائر التي لا يجمعها سوى الارض.. ونحن اليوم نكتشف بحساب الواقع وليس بالشعارات عدم وجود هذا المجتمع او بالاحرى عدم تكونه لا فكريا ولا سايكولوجيا.. كل من يعرف المنهجية السوسيولوجية يعرف هذه الهشاشة الاصطلاحية عند علي الوردي.. وفقط مشهد ثقافي عراقي بائس يسود فيه الحكواتية والشعراء الرداحة جعل من علي الوردي صنما فكريا.

الفكرة الكليشة التي يتضمنها مقال عزيز الحاج هي فكرة نجدها عند الكثير ممن يسمونهم عندنا بالمثقفين.. وفحواها ان الشخصية العراقية عنيفة بينما الشخصية المصرية معتدلة والسبب هو ان النيل نهر متزن ولا يسلك سلوكا مفاجئا ويفيض في اوقات محددة.. اما دجلة والفرات فهما يرتفعان بدون انذار سابق وسلوكهما على الدوام مفاجئ.. مما ينتج شخصيات عنيفة.. وهي فكرة استعارها مثقفونا من علي الوردي في كتابة "طبيعة المجتمع العراقي".. وهذا الابتذال الثقافي اوصلنا اليوم الى درجة ان احد الفنانين العراقيين يستخدم نفس الفكرة ليفسر للصحافي الامريكي انطوني شديد العنف السائد في عراق الاحتلال.. وفي مقال نشرته الـ نيويورك تايمز قبل سنة تقريبا :

For Egypt, with its reputation for humor and revelry, the Nile was that country’s good fortune, surging waters bringing farms to the desert. The Tigris, an artist once told me, destroyed when it flooded, reckless and unpredictable as it was. It left hard personalities in its wake, delivering Iraqis their well-deserved reputation for toughness


هذا الفنان العراقي ومعه الصحفي الامريكي لا يكلفا نفسيهما عناء التذكير بان اخر فيضان لنهر دجلة  كان في بداية الخمسينات من القرن الماضي.. اي منذ اكثر من نصف قرن.. والاغلبية الساحقة من العراقيين اليوم لم يشاهدوا في حياتهم فيضانا.. فاذا كان صحيحا ان انعدام الفيضانات ينتج شخصيات معتدلة  فكان المفروض ان عراقيوا اليوم هم ملائكة !! هل ترون سخافة الفكرة وتناقضها.

وعزيزالحاج يقف اليوم حائرا امام نفس التناقض.. قال له علي الوردي ان المصري معتدل لان النيل نهر متزن.. ولكن النيل اليوم اكثر "اتزانا" لقلة مناسيبه بسبب السدود الاثيوبية !! في حين ان المصري اصبح عنيفا.. غريب .. حيرة عزيز الحاج كبيرة.. وهزيمته الفكرية اكبر.. فهو بعد ان كان يعتقد بان "الشخصية العراقية هي الشخصية الوحيدة الموسومة بالعنف".. تراه يلجأ اليوم الى تعميم هذه الكليشة على الشخصية المصرية والعربية !!

السوسيولوجيا التاريخية تقول لنا ان العنف مشترك بشري عرفته وتعرفه كل الثقاقات.. وفي ظروف تاريخية متشابهة (غياب السلطة مثلا ) كل الثقافات ارتكبت العنف.. والمصري او الليبي او الجزائري او العراقي لا يختلفون في ذلك عن الفرنسي او الروسي او الصيني او الامريكي .. وكل حديث عن شخصية عراقية او مصرية بطريقة ماهياتية غير تاريخية هو سخف فكري وتحقيري للذات.. واصرار عزيز الحاج على الاعتقاد بان هناك شخصية مصرية اوعربية عنيفة بعد ان كان يعتقد بعنف الشخصية العراقية فقط، هو استمرار بالسباحة في بركة علي الوردي الثقافوية الآسنة .

2011/05/31

في مكتبة

التقيت بها صدفة في مكتبة عامة .. ركضي وراء مصدر مهم جاء بي الى تلك المكتبة المتخصصة والمحرمة نوعا ما .. تعليمات الاستخدام صارمة نوعا ما قياسا للمكتبات الاخرى .. لكي تدخلها وتتصفح كتبها يجب ان تدخل من دون حقائب .. الاوراق ،الاقلام او الكومبيوتر المحمول هي اشياء يسمح بادخالها .. اما غير ذلك فعذرا .. تستطيع ان تحصل على صندوق حائطي في المدخل تضع فيه حاجياتك .. وبما ان الاعارة غير مسموحة فانت مجبر اما على الاستنساخ اذا كنت مستعجلا .. او التردد عليها .. لم اكن يوما من المستعجلين مع الكتب .. من هنا اخترت الخيار الثاني .

ترددت على تلك المكتبة اكثر من مرة .. وفي كل مرة كان علي ان املى استمارة لكي ادخلها .. هذا الروتين ازعجني في النهاية .. استفسرت عن حل اخر .. فقالت لي موظفة الاستعلامات بانه يمكنني ان احصل على بطاقة لمدة ثلاثة اشهر مما سيمكنني من الدخول من دون المرور بتلك "العقوبة الاملائية".. ولكن ذلك كان يقتضي ان املىء استمارة طلب البطاقة واقدم اوراق ثبوتية .. وهكذا كان .. ملئت استمارة الطلب فرحا بأنها ستكون الاخيرة .. وكان علي ان انتظر نصف ساعة قبل الحصول على تلك البطاقة .. فدخلت المكتبة التي كانت شبهة فارغة هذه المرة .. واخذت الكتاب الذي جئت من اجله وجلست اتصفحه .. وبينما كنت اكتب بعض الملاحظات في اوراقي .. شعرت بشخص يقترب مني .. رفعت رأسي .. امراءة ذات وجه مبتسم .. بصوت هامس قالت لي :

 مسيو فلان.
 قلت نعم. 
 بخصوص طلب البطاقة ، تعال معي لو سمحت .

  تبعتها الى مكتبها الذي يقع في ركن الادارة الداخلي .. جلست هي خلف طاولتها .. وجلست انا على الكرسي المقابل لها .. كنت اتصور انها ستطلب مني معلومات اخرى من اجل مزيد من "الضمان المعلوماتي".. بادرتني بابتسامة رائعة   

قالت ودائما مع نفس الابتسامة :  اذا فأنت عراقي. 
 قلت :   نعم.
 قالت : انا ايضا اصلي عراقي .

 اخذتني الدهشة .. كان ذلك خارج حدود المتوقع .. حتى وانا في ادفىء احلام اليقظة لم اتوقع هكذا سيناريو .. اتسعت ابتسامتها امام دهشتي الغير مصدقة 

قالت :  عائلتي عراقية ارمنية .. هل سمعت باسم  فلان. 
قلت : بالطبع هو مؤرخ عراقي معروف.
  قالت : هو جدي. 

 غمرني شعور رائع عند سماعي لهذا الاسم واحسست لوهلة انني في سوق السراي .. بعد ذلك جاءت اسئلة العراق الذي لم ترى .. منذ متى تركت العراق ؟ ماذا تفعل الان ؟ وبلهجة مازحة : ماذا تفعل في تلك المكتبة التي لايرتادها سوى "جرذان المكتبات" ( كما يقول تحببا التعبير الفرنسي هنا عن مدمني المكتبات) .. خلال نصف ساعة كان العراق هو موضوع حديثنا .. في عيونها التي تؤطرها نظارات طبية انيقة لمحت بعض علامات حزنها على العراق .. البلد الذي استقبل عذابات شعبها الارمني الهارب من مذابح تركية في بداية القرن الماضي .. كان عراقا ارحم بأهله وبمن اختاروه وطنا .. عراق اخر.

 اعطتني اخيرا بطاقة المكتبة. 


2011/05/21

كما تكونوا تكون ديمقراطيتكم .. استكان شاي مع برناردشو


 واحد من اغرب التصريحات التي قرأتها موخرا هو تصريح من يسمى بالمرشد الروحي لحزب الفضيلة الشيخ محمد اليعقوبي الذي يقول ان «الديموقراطية أثبتت فشلها في العراق». والسبب هو أن «النظرية الغربية المبنية على الديموقراطية أثبتت فشلها في تحقيق العدالة لأن أساس الحكم هو العدل، والهدف منه توزيع الحقوق والواجبات على الناس بالقسط والعدل وهذا ما لم تستطع تحقيقه تلك النظرية الغربية».

الديمقراطية هي مجموعة ضوابط لتنظيم العمل السياسي في بلد ما.. وهي بذلك لاتختلف عن مجموعة الضوابط  والقواعد المرورية التي تنظم حركة السير في شارع ما .. وعندما  لا يلتزم الناس بقواعد المرور .. يتحول الشارع الى فوضى  .. فهل هذا يعني ان قواعد المرور هي السبب ؟ بالطبع لا.. السبب يكمن في عدم التزام الناس بقواعد المرور .. ونفس الشيء يمكن ان يقال عن الديمقراطية التي هي مجموعة ضوابط وقواعد لتنظيم حركة المرور السياسي بين الاحزاب والتيارات المتصارعة على السلطة.. وعندما تفشل الديمقراطية فالسبب في ذلك هُم من يدّعون ممارستها ولايلتزمون بضوابطها.

اما القول بان الديمقراطية هي نظرية غربية وانها لاتتوافق مع "المجتمع الاسلامي" كما يدل المتضمن في تصريح "المرشد الروحي".. فهي حجة قرووسطوية ولا تقنع الا ساذج .. فهناك بلدان اسلامية تطبق نظرية الديمقراطية وتنعم باستقرار سياسي وتطور اقتصادي لابأس به.. تركيا انموذجا.. ثم تعال يا شيخ وقل لي.. المطبعة التي تطبع نهج البلاغة هي ايضا من اختراع غربي..السيارة اوالطائرة التي تحمل السيستاني للعلاج في لندن هي اختراع غربي!! حتى ملابس نسائكم الداخلية هي صناعة غربية!!  فلماذا تستخدمون كل المنتجات الغربية وتنتفعون منها وتعيبون على الديمقراطية منشأها الغربي.. ثم ماذا لديكم انتم كبديل في هذا الاطار.. الف واربعمئة عام وكل مالديكم هي حروب جمل لم تنتهي بعد.. الف واربعمئة عام وكل ما لديكم هو مشروع حرب اهلية.. هذا هو نموذجكم السياسي حتى الان.. فمن نصدق .. لغوتكم عن العدل والعدالة ام فسادكم ودريلاتكم!! 

ثم من قال ان هدف الديمقراطية هو تحقيق العدالة الاجتماعية ؟  فلو كان هدف الديمقراطية هو تحقيق العدالة الاجتماعية لكان علينا اعتبار الاتحاد السوفيتي نظام ديمقراطي.. لانه العدالة الاجتماعية  كانت متوفرة في الاتحاد السوفييتي.. ونفس الشيء ينطبق على الصين.. ثم ان هناك بلدان ديمقراطية كثيرة ولكن العدالة الاجتماعية فيها تتفاوت.. امريكا هي بلد ديمقراطي من ناحية الحريات.. ولكنها متخلفة في حقل العدالة الاجتماعية  قياسا للبلدان الاسكندنافية.. بمعنى ان الديمقراطية هي عدالة سياسية قبل ان تكون عدالة اجتماعية.. جوهر نظرية الديمقراطية هي الحريات المتساوية للجميع.. والعدالة الاجتماعية من دون حرية سياسية هي دكتاتورية.. واستخدام الملا الفضفاض لمفردتي العدالة والعدل هدفه دفن مبدأ الحريات الذي يرفضه الاسلامجية.

للديمقراطية شروط واهمها هو شرط الحرية.. ومن دون تلك الحرية ليست هناك ديمقراطية.. مبدأ الديمقراطية الاول هو "وان فويس، وان فوت" بمعنى ان كل مواطن يملك صوته.. وهذا المبدأ يتعارض مع منطق الفتوى التي هي مصادرة وقتل لهذا المبدأ .. ان تُخيّر"عبد السادة" بين التصويت لقائمة شيعية او حرمانة من حصته التموينية هو اغتصاب فكري لعبد السادة وقتل للحرية التي هي اساس الديمقراطية.. اذا من فشل في العراق.. الديمقراطية ام من اغتصبوا مبادئها ويحاولون اليوم رمي مسؤولية الفشل عليها ؟؟ لا ، ما فشل في العراق هو ليس الديمقراطية.. ما فشل في العراق هي ديمقراطية الملا.. ديمقراطية المرشد الروحي.. "ديمقراطية الفتوى".. وهنا نحن امام صراع اضداد.. تناقض منطقي.. لأن الفتوى هي نقيض ونقض لمبادئ الديمقراطية.

هناك مقولة رائعة لـ برناردشو يصعب ترجمتها من دون خيانة جماليتها الاسلوبية وعمقها.. لذلك ساحاول ان اترجمها حرفيا.. لانها مقولة تشاكس وتفضح المنطق التبريري الكبشفدائي والضدي النائم في تصريح "المرشد الروحي" لحزب الفضيلة المفقودة .. برناردشو يقول :

Democracy is a device that ensures we shall be governed no better than we deserve  

الديمقراطية هي جهاز يضمن اننا لن نُحْكَم افضل مما نستحق.

ومع بعض التصرف بالمقولة العربية الشهيرة فهي تعني كما تكونوا تكون ديمقراطيتكم .. وهذا ما لم ولا ولن يفهمه "المرشد الروحي".. مرشد روحي بحاجة الى ارشاد!! هل نستغرب كل هذا الخراب !! 

2011/04/30

تحول الطموح الى جريمة


نشر باتريك سيل يوم امس مقال بعنوان "المدّ القومي العربي الجديد " يقول فيه "يبدو أنّ المنطقة تشهد لحظة عروبة جامعة جديدة. وهذه العروبة الجامعة الحديثة العهد، التي تبدو أكثر صدقاً من تلك التي روّج لها في الماضي زعماء منفردون، أمثال جمال عبد الناصر أو خصومه في حزب البعث، فهي عبارة عن اتحاد بين الشعوب، وليس اتحاد بين الزعماء . لقد مُنيت العروبة السياسية بالفشل، فهل ستنجح العروبة الشعبية أكثر منها؟" انتهى.

لا اعرف على اي اساس بنى باتريك سيل حجته من ان ما يحصل هو لحظة عروبة جديدة .. فالعروبة او الشعارات القومية لم تكن الدافع الاساس وراء التغييرات التي تحصل في البلدان العربية اليوم .. مطالب الاصلاح المحلية كانت هي الاهداف السائدة.. واذا كان هناك من مستفيد سياسيا من هذه التغييرات فهي التيارات الاسلامية .. وخطاب هولاء يتجاوز الخطاب القومي العروبي الى الاممي الاسلامي.

ثانيا .. حتى وان صحت فرضية اننا ازاء لحظة عروبة جديدة .. فان حجج باتريك سيل تبدو لي هشة وهو يقارن بين ما يسميه "العروبة السياسية" السابقة و "العروبة الشعبية" الحالية .. فهو يعتقد ان فشل العروبة السابقة ناتج عن كونها عروبة مفتعلة وغير صادقة .. لانها كانت عروبة نخبوية روج لها زعماء منفردين كعبد الناصر والبعث .. وهذا ما يميزها برأيه عن لحظة العروبة الشعبية الحالية.. وهذا كلام غير دقيق تاريخيا .. وساذج تحليليا.

اولا ..عروبة الخمسينات لم تكن عروبة نخب روج لها زعماء منفردون كما يدعي باتريك سيل .. لقد كانت حركة جماهيرية واسعة .. لا بل هي اكثر صدقا وعفوية من "العروبة" الحالية اذا ما استحظرنا الجو الايديولوجي الذي كان سائدا في المنطقة انذاك .. ولكن من قال ان عفوية او صدق حركة ما هو سبب نجاحها.. انا شخصيا اعتقد ان احد اسباب فشل العروبة السابقة يكمن في عفويتها وصدقها وخصوصا في سذاجة شعاراتها وعدم مهنية قادتها .

وما يقلقني اليوم بالتحديد .. هو ان "الثورات" العربية الحالية لا تختلف كثيرا عن الثورات التي حصلت في خمسينيات القرن الماضي ..وخصوصا عندما نستمع لسذاجة الخطابات المرافقة لها.. ولديماغوجية التيارات المرشحة للاستيلاء عليها.. فالانقيادية القطيعية للجماهير امام المغناطيسية العالية للخطاب الاسلاموي اليوم لاتختلف عن قطيعية الجماهير امام خطابات "صوت العرب" في الخمسينات .. والتفائل المفرط السائد اليوم لايختلف كثيرا عن التفائل الذي كان سائدا في ثورات الخمسينات .

عندما اسمع وائل غنيم يقول ان مصر ستصبح في المراتب الاولى بين اقتصاديات العالم في السنوات العشر القادمة .. فانني اضع يدي على قلبي !! فقول غنيم يذكرني باحد قادة دول منطقتنا عندما وعد صحفي من "الديرشبيغل" في بداية السبعينات من ان بلاده ستصبح في مستوى المانيا خلال عشر سنوات ! 

الطموح والتفائل هي اشياء مشروعة على شرط ان لا تشطح عاليا في الاوهام .. لان السقوط عندها سيكون مدوي .. هذا هو درس تجربة العروبة السابقة .. لا نحتاج الى عواطف صادقة .. نحتاج الى الوضوح .. وقليل من التواضع .. هناك مقولة رائعة للكاتب الفرنسي شاتوبريان تختصر هذا الدرس : 


L'ambition dont on n'a pas les talents est un crime 
  

الطموح الذي لانملك موهلات تحقيقه هو جريمة.

اجيال كثيرة من العرب بعثرتها مثل هكذا طموحات مجرمة .. وبعض الاوطان تموت اليوم لان قادتها  كانوا طموحين اكثر من اللازم !