2011/01/31

مصر ليست موقعا على الفيسبوك

تعليقا على ما حصل في تونس موخرا نشر ابو الحسن بني صدر مقال في النيويورك تايمز عنوانه " ما تعلمته من الثورة الايرانية الفاشلة" .. في هذا المقال يحلل بني صدر ما عاشه ايام الثورة الايرانية كاحد قادتها ويبين سبب فشلها ديمقراطيا .. ما يستوقفني في هذا المقال هو قول بني صدر ان الثورات تنجح ديمقراطيا فقط عندما يتم هدم النظام السابق كليا وبناءه من جديد .. وهو لذلك يعتبر ان دخول قادة الحركة الجماهيرية في تونس في مفاوضات مع نخب النظام السابق من اجل تشكيل حكومة انتقالية هو خطأ كبير.. لان الحرس القديم سينتهز الفرصه ويعيد بناء نفس المنظومة القديمة.

اعتقاد بني صدر بان هدم النظام السابق كليا والقطيعة مع نخبه هو شرط نجاح الديمقراطية ينم عن سطحية مذهلة .. فاغلب الثورات في التاريخ الحديث ومنها الثورة الايرانية نجحت في هدم النظام السابق واجتثاث نخبه ولكنها لم تنتج غير العنف والتسلط .. المفكر الفرنسي توكفيل في كتابه الشهير "النظام السابق والثورة" يقول لنا : "ان الحكومات التي خرجت من رحم الثورة الفرنسية كانت مئة مرة اكثر سلطوية من حكومات النظام الملكي" .. والثورة البلشفية كانت ثورة هدمت النظام القيصري كليا ولكنها انتجت التوتاليتارية السوفيتية وشيدت جمهوريات الاسلاك الشائكة.
فكرة ان الثورة لكي تنجح لابد ان تهدم النظام السابق هي فكرة تنتمي فلسفيا الى الديالكتيك الهيغلي/الماركسي الذي يؤكد على النفي/ الهدم كاساس للتقدم .. وهو الديالكتيك الذي سهّل كل جرائم الثورات الحديثة .. كل الثوار ما ان استلموا سلطة حتى تحولوا الى مجرمين ..ولسان حالهم كان يقول "لكي تعمل "اومليت" لابد من كسر "البيض" !! كثيرون ممن حكموا بلداننا كانوا قبل عقود ثوريين ينادون بالقضاء على الفساد ويجترون شعارات النقاوة الثورية .. وما ان استلموا الحكم حتى اصبحوا افسد بمئات المرات من السلطات التي حكمت قبلهم .

انا اعتقد ان دخول بعض قادة المعارضة في تونس في مفاوضات مع نخب النظام السابق من اجل تشكيل حكومة انتقالية هو دليل نضج سياسي .. وما يحصل اليوم في مصر سيجعلهم يعون ذلك اكثر فاكثر .. لا بل انني اعتقد ان هذا هو شرط نجاح اي تغيير سلمي في بلداننا العربية الهشة مؤسساتيا.. وسبب نجاح هذا النموذج التونسي هو لانه نقيض لنموذج "اهدم كليا ثم ابني من جديد" .. اي انه غير انتقامي .. مما شجع نخب النظام السابق في تمكين وتسهيل التغيير السياسي .. والبلد هو الرابح الاول.. ومصر ستربح كثيرا اذا ما استعارت هذا النموذج التونسي .

واحدة من اهم مساوئ منطق "هدم النظام السابق كليا وبناءه من جديد" هو انه يهدر طاقات ويضيع خبرات تراكمت في النظام السابق .. كل التغييرات الثورية شكلت نكسة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية للبلدان التي حدثت فيها .. لانها دفعت النخب للهجرة ومعها ضاعت خبرات لا تقدر بثمن .. وكل التغييرات الثورية جلبت للسلطة اناس بلا ادنى خبرة في شؤون الادارة مما تسبب في كوارث ادارية.

 في الايام الاولى للثورة الروسية طلب لينين من ستالين ان يدير "وزارة" القوميات .. ولكن ستالين رد على لينين قائلا بانه لا يمتلك خبرة في ادارة وزارة .. وهنا ضحك لينين قائلا لـ ستالين " وهل تعتقد انه يوجد بيننا من من يمتلك خبرة في شؤون الحكم".. وهكذا كان .. ملايين من البشر دفعوا حياتهم ثمنا لعدم خبرة ستالين ورفاقه .. اجيال كاملة في منطقتنا .. وخصوصا في العراق .. ضاعت لان اشباه ستالين وجدوا انفسهم ذات ثورة او انقلاب او احتلال في موقف ستالين .
الكاتب الفرنسي بول بورجيه يقول ان"الثورة يفتتحها دائما سُذّج، ويواصلها مغامرون ، ويختتمها مجرمون" .. ولكي نتجنب المجرمون في المستقبل علينا ان نعري السذج وشعارات السذج منذ البداية .. ما لا يجب ان ينساه رافعي شعارات الثورة هو ان حسني مبارك الفاسد هو احد ابناء ثورة يوليو التي رفعت شعارات القضاء على الفساد.. باختصار.. نعم للتغيير بتدرج .. اي باعتدال وعدم الانجرار خلف الشعارات الثورية الاجتثاثية .. لان الفوضى في مصر ستقتل كل منجزات التغيير والحرية .. لذلك على مصر ان تحذر من الغوغاء.. بلطجية كانوا ام "مثقفون" سُذّج يعتقدون أن ادارة دولة مثل مصر كادارة موقع على الفيسبوك.

2011/01/16

الغوغاء والتغيير السياسي

ان يتخلى رئيس او رئيس وزراء غربي عن منصبه امام ضغط الشارع هو دائما حدث مدهش .. ولكن ان يتخلى رئيس عربي عن منصبه امام ضغط الشارع فهو شيء ما كنا لنتخيله حتى في احلامنا .. من هنا فما حصل في تونس قبل يومين يشكل علامة فارقة في تاريخ العالم العربي .. واذا ما نجح هذا النموذج التونسي فانه سيقدم شحنة سايكولوجية .. والاهم نموذج عملي وفكري للشارع العربي .. نعم اذا ما تجاوز النموذج التونسي هذا الاختبار الصعب جدا .. فان مفهوم المواطنة والمواطن في العلاقة السياسية سيطرد مفهوم الحاكم والمحكوم او الراعي والرعية البهائمي .. وهذا المفهوم البهائمي كان ولازال اهم اسباب خرابنا .. نحن اذا امام حدث سياسي هائل بكل المقاييس.

الخطر في مثل هذا النموذج من التغيير في البلدان التي لاتمتلك تراكما مؤسساتيا هو ان فراغ السلطة يترك المجال مفتوحا امام الغوغاء الذين لاينظرون للامر الا من زاوية الشرطة والحرامية .. يغيب الشرطي فيظهر الحرامي .. وللاسف فان ما يحصل في تونس من افعال نهب وسلب وحرق للمتلكات العامة يهدد بتحريف معنى هذا الحدث السياسي الهائل .. والاخطر انه قد يؤثر على طبيعة وتوجهات الحكم القادم ..الغوغاء كانوا دائما عنصر محرف للاحداث السياسية .. وهم في عالمنا العربي كانوا دائما سندا للديماغوجيات اليسارية والاسلاموية.

محزن جدا ان ترى فعل الشاب التونسي الذي احرق نفسه واشعل بذلك شرارة الغضب والتغيير .. قد تحول عند الغوغاء الى افعال نهب وسلب وحرق لممتلكات الدولة .. هناك من يقول ان هذه الافعال هي من تدبير عناصر النظام السابق .. لسوء الحظ التاريخ يقول لنا ان هذه السلوكيات الغوغائية ترافق كل فراغ في السلطة .. ونحن في العراق اختبرنا ونعرف جيدا قدرة الغوغاء على تحريف وقتل معاني الاحداث السياسية.

البعض قد يفكر بما حدث في الايام الاولى من الاحتلال الامريكي .. انا شخصيا انظر للحدث التونسي واقارنه بما حصل بعد الانسحاب الكارثي للجيش العراقي من الكويت .. فقط من عاش جحيم تلك الايام يعرف المشاعر التي ادت الى انتفاظة الجيش العراقي عند دخوله الى البصرة .. والقذيفة التي دمرت جدارية صدام في ساحة سعد انطلقت من دبابة ضابط عراقي تلقى صفعة رمزية من قبل سلطة متهورة.. للمرة الاولى في حياة جيلنا كان هناك امكانية تغيير داخلية للنظام .. والجيش الذي انتفض كان الوسيلة الوحيدة للتغيير انذاك .. وهنا تدخّل الغوغاء .. ليس فقط نهبا وسلبا وحرقا للممتلكات العامة .. ولكنهم رفعوا شعارات طائفية : "ماكو ولي الا علي ونريد حاكم جعفري".

احد الكتاب الشيعة (حيدر سعيد) كتب قبل فترة يقول : "أن هذا الشعار الإسلامي فُرِض على "ثوّار" آذار 1991، و أنه جرت أسلمة قسرية للانتفاضة".. من دون ان يقول لنا كعادة الكتاب الشيعة من فرض على من !! خوفا من "تشوير" دريلات السادة !! لقد صدمتنا هذه الشعارات الطائفية انذاك نحن الذين كنا نتمنى تغيير النظام .. الطائفية لم تكن ثيمة جديدة في تاريخ العراق عند البعض .. ولكنها كانت المرة الاولى في تاريخ العراق الحديث التي ترفع فيها شعارات بهذا الوضوح الطائفي وفي تلك اللحظة المصيرية.. في تلك اللحظة لم تمت فقط امكانية التغيير داخليا ولكن ماتت معها فكرة العراق.. ونحن اليوم ندفع ثمن تلك اللحظة الغوغائية.

باختصار ..عندما يظهر الغوغاء تضيع امكانيات التغيير.. واكثر ما اخشاه في تونس اليوم هو تحالف الغوغاء مع الاسلامويين .. فالغوغائي الذي يسرق اليوم سنجده غدا يصلي بقطيعية في الجامع.. كما حصل في عراق الحسينيات .. واذا ما حصل ذلك فلن يكون هناك تغيير حقيقي وانما تغييرشكلي .. عندها سيكون مفهوم الحاكم والمحكوم قد خرج من الباب ليعود من الشباك متخفيا تحت عباءة مفهوم الراعي والرعية البهائمي .. تجربة العراق تعلمنا الاتي : حيث يسود الغوغاء يظهر "مقتدى الصدر".. وحيث يظهر مقتدى الصدر تختفي الحضارة .. فهل ستفعلها تونس وتنقذنا من هذا العقم السياسي؟