2011/04/30

تحول الطموح الى جريمة


نشر باتريك سيل يوم امس مقال بعنوان "المدّ القومي العربي الجديد " يقول فيه "يبدو أنّ المنطقة تشهد لحظة عروبة جامعة جديدة. وهذه العروبة الجامعة الحديثة العهد، التي تبدو أكثر صدقاً من تلك التي روّج لها في الماضي زعماء منفردون، أمثال جمال عبد الناصر أو خصومه في حزب البعث، فهي عبارة عن اتحاد بين الشعوب، وليس اتحاد بين الزعماء . لقد مُنيت العروبة السياسية بالفشل، فهل ستنجح العروبة الشعبية أكثر منها؟" انتهى.

لا اعرف على اي اساس بنى باتريك سيل حجته من ان ما يحصل هو لحظة عروبة جديدة .. فالعروبة او الشعارات القومية لم تكن الدافع الاساس وراء التغييرات التي تحصل في البلدان العربية اليوم .. مطالب الاصلاح المحلية كانت هي الاهداف السائدة.. واذا كان هناك من مستفيد سياسيا من هذه التغييرات فهي التيارات الاسلامية .. وخطاب هولاء يتجاوز الخطاب القومي العروبي الى الاممي الاسلامي.

ثانيا .. حتى وان صحت فرضية اننا ازاء لحظة عروبة جديدة .. فان حجج باتريك سيل تبدو لي هشة وهو يقارن بين ما يسميه "العروبة السياسية" السابقة و "العروبة الشعبية" الحالية .. فهو يعتقد ان فشل العروبة السابقة ناتج عن كونها عروبة مفتعلة وغير صادقة .. لانها كانت عروبة نخبوية روج لها زعماء منفردين كعبد الناصر والبعث .. وهذا ما يميزها برأيه عن لحظة العروبة الشعبية الحالية.. وهذا كلام غير دقيق تاريخيا .. وساذج تحليليا.

اولا ..عروبة الخمسينات لم تكن عروبة نخب روج لها زعماء منفردون كما يدعي باتريك سيل .. لقد كانت حركة جماهيرية واسعة .. لا بل هي اكثر صدقا وعفوية من "العروبة" الحالية اذا ما استحظرنا الجو الايديولوجي الذي كان سائدا في المنطقة انذاك .. ولكن من قال ان عفوية او صدق حركة ما هو سبب نجاحها.. انا شخصيا اعتقد ان احد اسباب فشل العروبة السابقة يكمن في عفويتها وصدقها وخصوصا في سذاجة شعاراتها وعدم مهنية قادتها .

وما يقلقني اليوم بالتحديد .. هو ان "الثورات" العربية الحالية لا تختلف كثيرا عن الثورات التي حصلت في خمسينيات القرن الماضي ..وخصوصا عندما نستمع لسذاجة الخطابات المرافقة لها.. ولديماغوجية التيارات المرشحة للاستيلاء عليها.. فالانقيادية القطيعية للجماهير امام المغناطيسية العالية للخطاب الاسلاموي اليوم لاتختلف عن قطيعية الجماهير امام خطابات "صوت العرب" في الخمسينات .. والتفائل المفرط السائد اليوم لايختلف كثيرا عن التفائل الذي كان سائدا في ثورات الخمسينات .

عندما اسمع وائل غنيم يقول ان مصر ستصبح في المراتب الاولى بين اقتصاديات العالم في السنوات العشر القادمة .. فانني اضع يدي على قلبي !! فقول غنيم يذكرني باحد قادة دول منطقتنا عندما وعد صحفي من "الديرشبيغل" في بداية السبعينات من ان بلاده ستصبح في مستوى المانيا خلال عشر سنوات ! 

الطموح والتفائل هي اشياء مشروعة على شرط ان لا تشطح عاليا في الاوهام .. لان السقوط عندها سيكون مدوي .. هذا هو درس تجربة العروبة السابقة .. لا نحتاج الى عواطف صادقة .. نحتاج الى الوضوح .. وقليل من التواضع .. هناك مقولة رائعة للكاتب الفرنسي شاتوبريان تختصر هذا الدرس : 


L'ambition dont on n'a pas les talents est un crime 
  

الطموح الذي لانملك موهلات تحقيقه هو جريمة.

اجيال كثيرة من العرب بعثرتها مثل هكذا طموحات مجرمة .. وبعض الاوطان تموت اليوم لان قادتها  كانوا طموحين اكثر من اللازم ! 

2011/04/17

العالم "ضيعة" صغيرة




لم اعد اذكر بالتحديد عنوان تلك اللعبة التي كنت احبها وانا صغير.."اعثر على الفروقات بين الصورتين" او شيء من هذا  القبيل.. صورتان متطابقتان تماما.. مع بعض الفروقات في التفاصيل الدقيقة.. وعليك ان تجد هذه الفروقات.. كانت لعبة مسلية جدا ومفيدة في تقوية الملاحظة البصرية.. نوع من الشطرنج البصري.. لم العب هذه اللعبة  منذ زمن بعيد.. بالامس فقط تذكرتها.. وانا احاول المقارنة في تفاصيل "صورتين" قادمتين من قرية سورية.

قبل ثلاثة ايام نشر موقع الثورة السورية هذا الفلم المرفق هنا الذي يظهر مشاهد تعذيب لمواطنين سوريين عزّل من قبل قوات النظام السوري.. مكان الحدث هو قرية البيضا قرب بانياس.. والمواطنين هم من ابناء تلك القرية.. كل من عاش في جمهوريات الاسلاك الشائكة يعرف ان هذه المشاهد تحصل كثيرا.. في اقبية السجون غالبا.. وفي الاماكن المفتوحة في حالات استشنائية كحالات الانتفاض على السلطة.

وكالات الانباء تناقلت هذه المشاهد المدمرة رمزيا للنظام السوري.. ولكن الاعلام الرسمي السوري شكك بهذا الفلم وبصحته وبمكان تصويره.. لا بل ان البعض ذهب في هلوستة الى حد القول ان هذا الفلم مصور في العراق وان القوات الامنية التي تظهر في الفلم هي قوات البيشمركة الكردية.. موقع الثورة السورية وردا على تكذيب الاعلام السوري نشر امس فلم اخر يصور احد المواطنين الذين يظهرون في الفلم الاول .. ويبدو انه نفس المواطن الذي ظهر الاقرب للكاميرا في فلم التعذيب.. والاهم من كل ذلك هو ان الفلم الذي نشر يوم امس قد تم تصويره في نفس الساحة التي تم فيها التعذيب في قرية البيضا.

لقد تفحصت الفلمين طويلا ..واعدت مشاهدتهما عدة مرات.. ولكي اقطع الشك باليقين التقطت صورتين لنفس الخلفية من كلا الفلمين.. ووضعتهما جنبا الى جنب.. وبدأت ابحث عن اوجه الشبه والاختلاف.. وهنا تذكرت لعبة الفروقات بين صورتين التي كنت احبها صغيرا.. وتذكرت ان افضل واسرع طريقة في كشف الفروقات هي عدم التركيز على  الكبير الذي غالبا ما يخدع العين والذهاب الى الخلفيات والاشياء الصغيرة.. وهكذا كان.. كل من يقف مطولا امام الفلمين المرفقين سيجد ان المكان هو نفس المكان.. ساحة في قرية البيضا قرب بانياس.. وسيفهم ان الاعلام السوري يكذب.. وان ما يحويه الفلم هو حدث حقيقي.. حدث حصل في سوريا.. قرب مدينة بانياس.. في قرية البيضا.. في ساحة صغيرة في مساحتها.. ولكنها ستصبح كبيرة في رمزيتها .

ابناء تلك المنطقة السورية يسمون القرية "ضيعة".. رائعة تلك التسمية المولودة لغوياَ من جذر "ضاع".. الضيعة هي مكان بعيد.. مكان ضائع.. يصعب العثور عليه.. ولكن ضيعة "البيضا" ما عادت كذلك .. فنحن نعيش في عصر الانترنيت..الذي جعل من العالم قرية صغيرة.. جعل من العالم "ضيعة" صغيرة.. وهذا ما لم يفهمه الاعلام الرسمي السوري.. الملايين اليوم يعرفون اسم "البيضا".. من هنا فهي لم تعد "ضيعة".. النظام السوري هو من ضاع وسيضيع بعد همجية قواته تجاه مواطنين عُزّل .

باختصار.. ما حصل في البيضا يثبت ان النظام السوري لازال يتصرف وكأن المواطنين السوريين هم بهائم.. يربطهم ويضربهم ويركلهم.. لانه يعتقد ان الوطن هو مزرعة خاصة.. لانه يعتقد ان الوطن هو "ضيعة" كبيرة.. لم يفهم بعد ان زمن الاوطان التي تدار كمزارع قد ولى.