2011/05/31

في مكتبة

التقيت بها صدفة في مكتبة عامة .. ركضي وراء مصدر مهم جاء بي الى تلك المكتبة المتخصصة والمحرمة نوعا ما .. تعليمات الاستخدام صارمة نوعا ما قياسا للمكتبات الاخرى .. لكي تدخلها وتتصفح كتبها يجب ان تدخل من دون حقائب .. الاوراق ،الاقلام او الكومبيوتر المحمول هي اشياء يسمح بادخالها .. اما غير ذلك فعذرا .. تستطيع ان تحصل على صندوق حائطي في المدخل تضع فيه حاجياتك .. وبما ان الاعارة غير مسموحة فانت مجبر اما على الاستنساخ اذا كنت مستعجلا .. او التردد عليها .. لم اكن يوما من المستعجلين مع الكتب .. من هنا اخترت الخيار الثاني .

ترددت على تلك المكتبة اكثر من مرة .. وفي كل مرة كان علي ان املى استمارة لكي ادخلها .. هذا الروتين ازعجني في النهاية .. استفسرت عن حل اخر .. فقالت لي موظفة الاستعلامات بانه يمكنني ان احصل على بطاقة لمدة ثلاثة اشهر مما سيمكنني من الدخول من دون المرور بتلك "العقوبة الاملائية".. ولكن ذلك كان يقتضي ان املىء استمارة طلب البطاقة واقدم اوراق ثبوتية .. وهكذا كان .. ملئت استمارة الطلب فرحا بأنها ستكون الاخيرة .. وكان علي ان انتظر نصف ساعة قبل الحصول على تلك البطاقة .. فدخلت المكتبة التي كانت شبهة فارغة هذه المرة .. واخذت الكتاب الذي جئت من اجله وجلست اتصفحه .. وبينما كنت اكتب بعض الملاحظات في اوراقي .. شعرت بشخص يقترب مني .. رفعت رأسي .. امراءة ذات وجه مبتسم .. بصوت هامس قالت لي :

 مسيو فلان.
 قلت نعم. 
 بخصوص طلب البطاقة ، تعال معي لو سمحت .

  تبعتها الى مكتبها الذي يقع في ركن الادارة الداخلي .. جلست هي خلف طاولتها .. وجلست انا على الكرسي المقابل لها .. كنت اتصور انها ستطلب مني معلومات اخرى من اجل مزيد من "الضمان المعلوماتي".. بادرتني بابتسامة رائعة   

قالت ودائما مع نفس الابتسامة :  اذا فأنت عراقي. 
 قلت :   نعم.
 قالت : انا ايضا اصلي عراقي .

 اخذتني الدهشة .. كان ذلك خارج حدود المتوقع .. حتى وانا في ادفىء احلام اليقظة لم اتوقع هكذا سيناريو .. اتسعت ابتسامتها امام دهشتي الغير مصدقة 

قالت :  عائلتي عراقية ارمنية .. هل سمعت باسم  فلان. 
قلت : بالطبع هو مؤرخ عراقي معروف.
  قالت : هو جدي. 

 غمرني شعور رائع عند سماعي لهذا الاسم واحسست لوهلة انني في سوق السراي .. بعد ذلك جاءت اسئلة العراق الذي لم ترى .. منذ متى تركت العراق ؟ ماذا تفعل الان ؟ وبلهجة مازحة : ماذا تفعل في تلك المكتبة التي لايرتادها سوى "جرذان المكتبات" ( كما يقول تحببا التعبير الفرنسي هنا عن مدمني المكتبات) .. خلال نصف ساعة كان العراق هو موضوع حديثنا .. في عيونها التي تؤطرها نظارات طبية انيقة لمحت بعض علامات حزنها على العراق .. البلد الذي استقبل عذابات شعبها الارمني الهارب من مذابح تركية في بداية القرن الماضي .. كان عراقا ارحم بأهله وبمن اختاروه وطنا .. عراق اخر.

 اعطتني اخيرا بطاقة المكتبة. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق