2011/09/10

نهج السخافة .. ما لا يظهر على الشاشة الشيعية !!


اثار مسلسل الحسن والحسين ومعاوية  الكثير من ردود الافعال.. ومستوى هذه الردود قارب في الغالب الاعم المستوى الهابط للمسلسل.. الذي صُنع على النمط الحكواتي التلقيني الذي تعشقه الذائقة العربية.. هناك نوعان من ردود الافعال.. النوع الاول يعترض على ظهور احفاد "النبي" وبعض الصحابة على الشاشة.. ساضع جانبا هذا الاعتراض الشكلي العقيم الذي يكشف عن عجز مخيف في النظر لشخصيات الاسلام الاول كبشر يأكلون ويشربون ويتبرزون ويتصارعون ولهم نفس دوافع وغرائز البشر.. وهذا العجز هو ما منع ويمنع فهم ديناميكية الفتنة من منظور انثروبولوجي باعتبارها صراع بين بشر على السلطة.. غياب هذا المنظور الانثروبولوجي للصراع  جعل من التاريخ الاسلامي تاريخ صراع بين محكيات فبركتها المواقف المتحزبة والمتشيعة التي لازالت تمعن في قتلنا.. واذا كان هناك من ايجابي في المسلسل فهو يكمن في تجسيد شخصيات الاسلام الاول على الشاشة.. رغم ان معالجته الدرامية استمرت باحاطة تلك الشخصيات بهالة القداسة التي تفرّغ تلك الشخصيات من واقعيتها.

 اما النوع الثاني من ردود الافعال فهو يعترض على المحتوى التاريخي الذي تضمّنه المسلسل.. واغلب تلك الردود نشرها كتاب شيعة صدمتهم الصورة الايجابية لمعاوية في المسلسل.. لانهم تعودوا على اجترار صور نمطية كاريكاتورية تم انتاجها في بداية العصر العباسي عن علي القديس ومعاوية الداهية الشرير.. وهي صور كانت مفيدة سياسيا للعباسيين في بداية حكمهم وقبل ان يضيقوا ذرعا بالشيعة وينقلبوا عليهم. 

  ساتوقف هنا امام مقال د. علي الصكر الذي يمثل نموذج لردود الافعال هذه.. الصكر في مقاله يرتدي عمامة الواعظ التاريخي ويقول لنا ان " من حق المشاهد أن يتساءل عن مدى صحة الحدث الذي يراه على الشاشة".. من هنا مطالبته كاتبي المسلسل بـ "أن يخبرا المشاهد أين ومتى كان معاوية يسير في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس مثل معظم الزعماء العرب المحبوبين لدى شعوبهم".. وهذا التساؤل يُبيّن ان الصكر لم يعرف غير اتربة وغبار المصادر الشيعية مما يجعله غير قادر على فهم علاقة معاوية الجيدة مع اهل الشام.. لن استعين بمصادر كلاسيكية لانها حتما لن ترضي الصكر وامثاله  ممن لازالوا يستنشقون غبار معارك الجمل.. يكفيني فلهاوزن.. والرجل الماني وليس ناصبيا !! وهو "سيد مؤرخي الاسلام بين المستشرقين" كما يصفه عبد الرحمن بدوي.. ماذا يقول فلهاوزن في كتابه "الدولة العربية" حين يصف علاقة معاوية مع اهل الشام مقارنة بعلاقة علي مع اهل الكوفة ؟  

The men of Iraq, amongst the foremost of whom are always to be understood the men of Kufa, held fast, as a whole, to Ali. But his relations to them were different from these of Muàwia to the Syrians, and not so kindly. Muàwia was not risen from the ranks, but held the authority of a superior over them ; he did not owe his position to his inferiors, but was independent of them, when he ordered they obeyed.... . They had long known and respected him.... . On the other hand, men could not forget that Ali owed his power to a revolution, and he had neither the time nor the means to make up for this detraction by exceptional personal qualities. The men of Iraq did not forget that it was they who had advanced him ; they were too undisciplined, or perhaps too devout, to follow their Khalifa where he led them.   (Wellhausen. Arab Kingdom, pp.58  


باختصار، فلهاوزن يقول "ان علاقة معاوية مع اهل الشام هي علاقة جيدة لان شرعيتة لم تكن موضع شك عندهم. لانها متأتية من كونه مُعين من قبل الخليفة ولم يكن مدينا لهم بشيء في هذا الاطار. وان اهل الشام كانوا يطيعونه لانهم كانوا يعرفونه منذ سنين طويلة ويحترمونه. اما علاقة علي مع اهل الكوفة فقد كانت علاقة طارئة وسيئة. لانهم يعرفون ان مصدر خلافته يرجع للثورة او الانقلاب العسكري على عثمان. ولم يمتلك علي لا الزمن الكافي ولا القدرة على التغلب على هذا النقص بقدرات شخصية ممتازة . ثم ان اهل الكوفة  لم ينسوا انهم هُم من ساعدوا علي  في تثبيت سلطته".. ما يهمنا في قول فلهاوزن هو ان اهل الشام كانوا يطيعون معاوية لانهم كانوا يعرفونه منذ سنين طويلة ويحترمونه".. فما الغريب اذا في ان يسير معاوية في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس ؟! خصوصا وان الرجل شارك اهل الشام في كل معارك "فتح" الشام وكان قد قضى فيها انذاك اكثر من عشرين سنه واستطاع ان يبني "مجال نفوذ حقيقي  قوامه الولاءت والتحالفات" كما يقول هشام جعيط في كتابه "الفتنة"، ص. ٣٢١.

 المذهل ان علي الصكر المشكك بمصادر كاتبي المسلسل يتساءل ما اذا كانا قد اطلعا على كتاب نهج البلاغة.. اي ان الصكر يعتبر نهج البلاغة مصدر تاريخي موثوق !! غير عارف بان نهج البلاغة هو كتاب مفبرك وضعه الشريف الرضي (وهو احد اعضاء شركة ال البيت اللامحدودة) ايام البويهيين الذين كانوا يزخرفون سيوفهم برسم علي.. التاريخ يقول لنا ان اقدم مصدر تاريخي يورد مقاطع من خطب علي هو ابو مخنف.. وهشام جعيط يقول ان حتى تلك المقاطع القصيرة هي اسلوبيا من "تأليف" ابو مخنف.. ومع مرور الزمن راحت هذه المقاطع تتضخم حجما وتُصقل اسلوبا حتى اصبحت كتاب كامل.. يحتوي على خطب مفبركة.. في غاية البلاغة نعم.. ولكنها في غاية السخف من الناحية التاريخية لانها خُطب وضعتها الاجيال اللاحقة.

الصكر يقول ايضا ان المسلسل:"يقدم لنا رؤية جديدة تماما لمبدأ التوريث الذي يعرف الجميع أن معاوية هو أول من ابتكره وسنه".. ونحن هنا نقف امام "ربع حقيقة".. فالتاريخ يقول لنا ان اول ظهورعملي لمفهوم الوراثة في الاسلام كان مع تنصيب الحسن خليفة في الكوفة بعد مقتل علي..آنذاك تم تنصيب الحسن ليس فقط باعتباره ابن لـ علي ولكن ايضا كحفيد " للنبي".. من هنا مفهوم ال البيت وهو مبدأ وراثي بامتياز.. وهذا المبدأ الوراثي هو اساس النظرية الشيعية للحكم التي تقصر الحكم على احفاد علي!! وكما يقول فلهاوزن فان "الشيعة لم يرفضوا المبدأ الوراثي في الحكم كما فعل الخوارج ولكنهم ارادو في معارضتهم لبني امية ابدال عائلة بعائلة اخرى" (فلهاوزن ، الدولة العربية، ص. ٦٦).

باختصار المسلسل فاشل ليس للاسباب التي يطرحها بعض الكتاب الشيعة.. من يصدق اناس يتورم حسهم النقدي امام مشهد معاوية يمشي في السوق ويسلم على الناس.. ولكنهم يصمتون صمت القبور على خرافة المهدي المنتظر!! لا.. المسلسل فاشل لانه تعبير عن مجتمع فاشل ما زال نائما في رؤية اسطورية غير تاريخية لفترة الاسلام الاول.. مجتمع يستمتع بحكايات الاطفال التاريخية كما يسمي فويرباخ الاساطير المسيحية.. فـ علي الفاشل تاريخيا في اختبار السلطة بسبب ضعف قدراته الادارية كما يقول فلهاوزن.. يتحول في القرن القادم ومع مجيء العباسيين الى السلطة الى بطل اسطوري شبه قديس.. اما طلحة والزبير وعائشة فقد كانوا يحرضون الناس على عثمان واصبحوا بعد مقتله يطالبون بثأره لان السلطة ذهبت الى علي او قل علي ذهب الى السلطة برفقة قتلة عثمان !! في حين ان الحسين الذي يذهب الى الكوفة من اجل ورث جده وابيه في السلطة يتحول بقدرة قادرالى شهيد ثأئر ضد الظلم!!

 هذه التحريف للتاريخ هو اسقاط سايكولوجي تعويضي يقوم به "مجتمع" يعاني من اعراض ما بعد الصدمة.. صدمة الفتنة الكبرى.. لانه مجتمع يمتلك تصور قيمي ساذج للسلطة ولميكانزمات السلطة .. مجتمع يدفعه احباطه التاريخي الى انتاج اساطير كنوع من التعويض.. مجتمع مازال يجتر جروحه لانه لا يفهم معنى الحداد.. او قل هو مجتمع يفهم الحداد كونه اما استرجاع ثأري للجروح او عمل ترقيعي لاخفاء العورات.. وليس مكاشفة مع الذات والاشياء.. وبهذا المعنى فان المسلسل هو حداد اخر فاشل.