2012/05/20

الصراع من منظور سوسيولوجي .. استكان شاي مع جورج سيمل


في مقال عنوانه "مرجعية الأعيان ومرجعية المعدان" يقول عدنان طعمة الشطري ما معناه ان عراق ما بعد صدام حسين قد شهد ترسيخ نظام طبقي في السلطة بين الشيعة حيث يسيطر "السادة" على مقاليد الحوزة والدولة مع منح بعض المناصب الشكلية لبعض الساسة المنحدرين من اصول شروكية.. مقال الشطري هذا هو رد غير مباشر ومستحي على مقال اسبق نشرته الـ ميدل ايست أونلاين لـ نبراس الكاظمي عنوانه "الشوفينية الشيعية المستحدثة" .. يقول فيه الكاظمي ان هناك صراع شيعي- شيعي، بين شيعة النجف وكربلاء وبغداد وشيعة العمارة والناصرية والكوت، "وهو صراع سلطوي على المال والقوة، بعضه ظاهر الآن، وبعضه مؤجل الى حين حسم المعركة مع السنة والاكراد. والكاظمي يضيف بأن الغلبة قد آلت مسبقا الى من ينتسب الى العمارة والناصرية والكوت، فأصبحت المراكز التنفيذية والامنية العليا في الدولة مصبوغة بألقابهم العشائرية (الساعدي، البهادلي، الاسدي، السوداني، …إلخ).


كما ترون فأن الكُتّاب الشيعة يستيقضون اليوم فقط على واقع الصراع بين الشيعة.. منهم من ينتقد السادة وابناء البيوتات ويتهمهم بتهميش الشروكية.. ومنهم من ينتقد شوفينية الشروكية ويتهمهم بالسيطرة على المراكز الحساسة في الدولة.. ولكن كتابنا الشيعة ما ان يقرّوا بهذا الصراع الشيعي الشيعي ..حتى يعودوا الى تفسيره من منظور قيمي اخلاقوي يستند الى ثنائية الخير والشر.. في حين ان هناك امكانية لتفسير هذا الصراع من منظور سوسيولوجي تاريخي مُحيّد اولا لما يسميه نيتشة بـ"اخلاقيات الضغينة" التي تنتجها ثنائية الخير والشر الاخلاقوية.. ويساعدنا بالتالي على الخروج من صراع صريفة بني ساعدة الذي ما زال يمعن في قتلنا.

الشطري الذي يوقع مقاله بـتعبير "كاتب علماني" يرى ان تحرير المعدان من استعباد السادة سيتم "بالاعتماد على منهجية كتاب فاطمة، رمز الحكمة العظيمة".. فهل نستغرب بعد ذلك ان علمانية النص ردن هذه تقول لنا ان هناك تشيع جنوبي نقي وتشيع "نجفي" فاسد وعنصري.. باختصار..لا جديد..هناك دائما عقلية ضغائنية تنظر للعالم من منظور الخير والشر الاخلاقوي.. ما يتغير في منطق الشطري هو ان عقدة الضحية تتحول من بعدها المذهبي الى بعدها المناطقي.. من الضدية المذهبية الى الضدية المناطقية.. اما نبراس الكاظمي فهو يقول لنا في بداية مقاله ان الصراع اليوم بين الشيعة هو صراع نفوذ وسلطة.. ولكنه يعود في نهاية مقاله الى المنظور الاخلاقوي ويتكلم عن زمن سحري ولى حيث النقاوة الشيعية وعن "جوهر التشيع ووجدانيته" وعن اجيال شيعية "لم يكن التشيع بالنسبة لهم صراعا سلطويا بين عوائل وعشائر على المال والفيء، بل كان التشيع الذي احبوه هو من اجل نصرة المظلوم " الى اخره من اسطوانة المحكية الشيعية الرسمية التي تخفي مطامعها السياسية تحت غطاء الشعارات الاخلاقوية وهي في ذلك لاتختلف عن الايديولوجيات الاخرى.

ليس غريبا ان الكاظمي الذي يتطرق للفرق الشيعية عبر التاريخ ( الكيسانية، والاسماعيلية، الفاطمية، وحركة حسن الصبّاح، والقرامطة، والنّصيرية، الخرميّة والقزلباشية والكاكية).. يمر مرور الكرام على هذا الموضوع ولايطرح سؤال "لماذا كل هذا التشظي الشيعي تاريخيا".. فخمس دقائق تحليل لهذه الفرق سيظهر لنا ان الصراع بين الفرق الشيعية هو ثابت تاريخي.. حيث "افترقت الزيدية فرقا والإمامية فرقا والغلاة فرقا؛ كل فرقة منها تكفر سائرها" كما يقول عبد القاهر البغدادي في كتابة "الفَرق بين الفُرق".. والصراع على النفوذ والسلطة كان هو المحرك الاساسي وراء التشظي الشيعي.

 والشيعة في هذا لايختلفون عن كثير من الحركات الدينية التي انشقت عن ديانات اغلبية.. فمثل هذا الصراع نجده داخل الحركة البروتستانتية.. فما ان انفصل البروتستانت عن الكنيسة الكاثوليكية حتى شبت الخلافات بين البروتستانت ونتج عن ذلك فرق متصارعة فيما بينها على النفوذ والسلطة.. وهذا ما يسجله عالم الاجتماع الالماني جورج سيمل في كتابه البارع "الصراع".. وكتاب سيمل هذا الذي يبرهن فيه ان الصراع ثابت بشري وليس محصور بثقافة معينة ينفع كمضاد حيوي ضد فيروسات وسخافات علي الوردي الذي اشاع بين انصاف المتعلمين كليشة ازدواجية الشخصية العراقية وعنفها. 

باختصار.. الصراع الشيعي الشيعي هو ثابت تاريخي  والغلو الشيعي او"الشوفينية الشيعية" ليست شيئا مستحدثا كما يعتقد الكاظمي..انها قديمة قدم اخلاقيات الضغينة والكراهية التي انتجها الصراع على السلطة في صدر الاسلام .. فالكاظمي ينسى او يتناسى ان العقيدة الشيعية انتجها الصراع على السلطة، الصراع على الخلافة.. وبهذا المعنى فان هاجس السلطة هو في جوهر العقيدة الشيعية.. وهي عقيدة خسرت في امتحان التاريخ فراحت تسكن العوالم الخلفية معتاشة على اخلاقيات الضغينة والكراهية التي تعتقد بان هناك خير ونقاء في جانبها وشر وفساد في الجانب الاخر وهو اعتقاد يكذبه فساد وصراع الشيعة اليوم.

عالم الاجتماع الايطالي باريتو يقول:" تتغير الانظمة ولكن جوهر السياسة وهو الصراع على السلطة والنفوذ هو ثابت تاريخي".. ومقولة باريتو هذه يختصرها جوليان فروند بـ مقولته البارعة :"هناك ثورات سياسية، ولكن ليس هناك "ثورات" في السياسة".. بمعنى ان الصراع على السلطة هو الشيء الوحيد الذي لايتغير في حقل السياسة.. فالصراع على السلطة حصل ويحصل حتى بين ابناء العائلة الواحدة.. والتاريخ العالمي مليء بشواهد على هذا الصراع العائلي على السلطة.. بمعنى ان على الشيعة ان يكفوا عن الفهم القيّمي للتاريخ.. ويحاولوا ان يفهموا ان الصراع على السلطة في صدر الاسلام كان حاصلا لا محالة.. ولو لم يكن هناك امويين مقابل الهاشميين.. لتصارع الهاشميين فيما بينهم كما حدث في بداية العصر العباسي.. حين نكّل العباسيين ببعض العلويين تنكيلا لم يسبق له مثيل.. من هنا المقولة التي تروى عن ما يسمى بـ محمد "ذي النفس الزكية": "لقد كنا نقمنا على بني امية ما نقمنا، فما بنو العباس الا اقل خوفا لله منهم، فلقد كان "للامويين" اخلاق ومكارم وفواضل ليست لابي جعفر".. ولسان حاله يردد قول ابو عطاء الشاعر :

يا ليت جور بني مروان عاد لنا     يا ليت عدل بني العباس في النار

  وبنفس المعنى، لو لم يكن هناك عباسيين مقابل العلويين.. لتصارع العلويين فيما بينهم على السلطة كما يتصارع الشيعة اليوم في ما بينهم.. فمتى سيخرج الشيعة من الفهم السحري للتاريخ ومن النظرة القيمية وبالتالي من اخلاقيات الضغينةّ !!

هناك 4 تعليقات:

  1. صباح هاشم20 مايو, 2012

    هذا البيت لأبي عطاء السندي كثيرا ما يستشهد به في غير محله، ويطيب ذلك لخطباء الشيعة دون سواهم. رغم أن قصته لا علاقة لها بالجور والعدل في الرعية، بل في منح الشعراء عطاياهم التي يعتاشون عليها:

    "مساوئ منع الشعراء والبخل
    قيل: كان أبو عطاء السندي بباب أمير المؤمنين أبي العباس وبنو هاشم يدخلون ويخرجون، فقال:

    إن الخيار من البرية هاشـمٌ .. وبنو أمـية أرذل الأشـرار
    وبنو أمية عودهم من خِروعٍ .. ولهاشم في المجد عود نضار
    أما الدعاة إلى الجنان فهاشـمٌ .. وبنو أمية من دعاة الـنـار
    وبهاشمٍ زكت البلاد وأعشبت .. وبنو أمية كالسراب الجاري

    فلم يؤذن له في الدخول على أبي العباس ولم يصله أحد من بني هاشم، فولّى وهو يقول:

    يا ليت جور بني مروان عاد لنا .. وأن عدل بني العباس في النار "

    ردحذف
  2. غير معرف23 مايو, 2012

    بل لطمية مع جورج سيمل
    صراع هذه الحثالات على السلطة شئ  طبيعي و مفروغ  منه  و مخطط له و هم في كل الاحوال جزء من ادوات اللعبه القذرة  بمقدرات الشعوب  و هذه المجموعات التي تكلمت عنهم من المعممين و غيرهم من المرتزقة و العملاء و بمختلف أشكالهم و أساليبهم  ليست  و لن تكون بايديهم  أي سلطة لأنهم  اصلاً لا يملكونها و هي  بايدي اطراف خارجية كالولايات المتحدة و ايران الحليف المستتر لها و غيرها فهم الأدوات لها فقط .
     عندما تنتهى ادوار كل منهم  و كغيرهم  من السابقين سوف يساقون الى مزبلة التاريخ و هذا رأيناه يحدث و  يتكرر  كل يوم و لا يحتاج لأي دليل .
    هؤلاء لا تنطبق عليهم مطلقا أي نظرية عقلانية او تحليل علمي او حكمة يمكن الخروج منها بنتيجة مفيدة .
    و السبب ان هذا الواقع حدث بالفعل عندما  خرج  الخميني من ايران بعد ان جهزت القوى الاجنبية  للآية حاضنته في  فرنسا في ضاحية نوفيل لو شاتو (Neauphle le Chateau) و وصوله لإيران  على طائرة فرنسية (هل كل هذا نفذ لعوامل إنسانية و حقوق الانسان و الديمقراطية و مصلحة  شعوب دول المنطقة ؟؟؟؟) و من ثم قيام الحرب و  خدعة حماية البوابة الشرقية  ثم غزو صدام الغبي للكويت و تشريد شعب عربي آمن بطريقة وحشية و همجية واسر مواطنين عزل  و سرقة البيوت و المدارس و الجامعات و حتى القرطاسية و حرق آبار النفط و تخريب فكرة المصير العربي المشترك  و الامن الوطني للعرب  و تدمير العراق  فكل هذا حدث و بدون أدنى شعور لنتائج هذه الافعال المشينة و من نتائجها أيضاً  وصول سفلة و لصوص و متخلفين لسدة الحكم  و التي من أسوأ   نتائجها  ايضاً احتلال العراق و من ثم تسليمه لايران و وصول حثالة  مجرمة ,  ايرانية التبعية , شعوبية الاصل , صفوية الهوية , لصوصية التربية ,  لا يمكن لواحد ان يتصور ان واحداً منهم يصلح لإدارة مراحيظ عامة مثل مقتدى,حكيم,مالكي,عامري,دباغ,و غيرهم .
    هذي الحثالات اجهظت و ابطلت كل القوانين الطبيعية و البديهيات المعترف فيها و الامثال في هذا الكون والتي تعلمناها  منذ صغرنا سواء في المدارس او الجامعات فكيف نفسر إذن  ؟؟ نظرية البقاء للأصلح  عندما كان الأساتذة الكبار يشرحونها لنا و يتبجحون و يتغنون بتأثيرها على التاريخ و تطور المجتمع البشري !!!! فاذا بنا بعد ان استوعبناها لنتفاجأ  بفشلها كلياً  و لم يظهر في العراق و لا حتى حاكم صالح واحد  منذ اكثر من 60 عاماً بل ان الامور ازدادت سوءً على سوء  و لم ترتفع فيه  الا الزبالة .
    هل يعقل و كيف نفسر  و نحن مسلمون (بالاسم طبعاً )ان الآية الكريمة والتي انطبقت واقعاً على جميع شعوب الارض قاطبتاً و حتى الكفرة منهم و هي  (فأما الزبد فيذهب جفاءا و اما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) فلم تنطبق  هذه الاية الكريمة على العراق بتاتاً بل ان الواقع الذي حدث ان الزبالة هي التي ارتفعت و اختفى و هرب و تشرد و مات  كل  من كان فيه أي امل لكي  ينفع هذا البلد.
    هل يعقل أن إيراني (فقط انظر ملامح وجه وهو علي دباغ لتحكم على ما آلت إليه  الامور سوءاً و ايضاً انظر لصاحب الوجه  الخنزيري هادي عامري ) وصل جده الايراني دباغ في الايام الغابرة على ظهر حمار اعور من ايران  للنجف الاشرف للزيارة و طلب الرزق و الاستيطان  طبعاً كغيره من الملايين , فحصل على الثانوية و حولها لدكتوراة بالتصعلق و الدجل و الشعوذة فهو يستغبي نفسه اولاً  عندما يصرح  ان ثروته  جائت له من نعم  و بركة و رضي آل البيت الكرام عليه بينما  هو حصل عليها من السمسرة و  السرقة و فساد الذمم و سرقة أموال النفط و البنوك هو و سادته الصفويون ناسياً انه قبل بضعة سنين كان يتسكع في شوارع العواصم المعروفة بلا استحمام , مثقب الحذاء , مرقع البنطار يتحسر حتى على وجبة  طعام الجلو كباب الايراني بينما هو اصبح الان من اختصه  آل البيت الكرام بملايين الدولار و ليس الدينار الذي ليس له اي قيمة الا بجهنم ..
    جميع هولاء المرتزقة و الدجالين المتلحفين بالدين  و بعد ثمان سنوات من تسلطهم عليه و تشريد شعبه في أصقاع الارض و تحويلة لدولة إيرانية و نظام ولاية الفقيه بمباركة شيطانيهم  يفتقر لادني الاحتياجات الحضارية بلا آمان و لا ماء و لا كهرباء تسوده الطائفية الحقيرة  و يسوده حكم الغاب   .
     لذا ارجوا التوقف و اعلان الاضراب  كلياً عن شرب الشاي من الان فصاعداً مع اي من هؤلاء الفلاسفة الكبار المحترمين و الاستبدال  عنها بعمل  لطمية جماعية معهم في احدى حسينيات جنيف لان كل أفكارهم و نظرياتهم فاشلة  في هذه الحالة فقط و غير قابلة  لتحليل الوضع المزري على هولاء الاوباش و حتى كيفية صلاحه .

    ردحذف
  3. غير معرف27 مايو, 2012

    ملاحظة على مقالك المتميز بودي إضافتها .
    اذا كان عالم الاجتماع الايطالي باريتو يقول:" تتغير الانظمة ولكن جوهر السياسة  : الصراع على السلطة والنفوذ هو ثابت تاريخي".. 
    هذه الآية الكريمة في قوله تعالى :{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} تؤكد بما ليس به شك أن اختلاف البشر  في كل شئ و الاختلاف هو المحرك الاساسي للصراع على المنافع و السلطة  فهو ليس ثابت تاريخي  و حسب بل ثابت خلقي .

    ردحذف
  4. غير معرف29 يونيو, 2012

    ذكرت في مقالك القيم (الغلبة قد آلت مسبقا الى من ينتسب الى العمارة والناصرية والكوت، فأصبحت المراكز التنفيذية والامنية العليا في الدولة مصبوغة بألقابهم العشائرية (الساعدي، البهادلي، الاسدي، السوداني...)

    القاب هولاء لا تعني شئ  مطلقاً بل دمائهم و اصولهم فالكثير من هولاء بالتاكيد زوروا اسمائهم و ألقابهم عبر السنين المضلمة بعد مجيئهم من وراء النهر في فترة الحدود المفتوحة خلال الفترة الاستعمارية المختلفة و الحروب و الغزوات .
    إذن كيف تفسر ان كثيرين من هولاء الذين يحملوا القاباً لقبائل عربية (كمثل الحمار يحمل أثقالا) في حكومة الصفوي مالكي و هو وكيل في وزارة الداخلية العراقية عدنان اسدي  يعطي الجنسية للإيرانيين و تبعيتها و يسحبها من مواطنين وعرب أقحاح (سحب الجنسية العراقية من 160 عائلة عربية سورية مقيمة بمحافظة الأنبار لعقود من الزمن)  إن لم يكن دم هولاء  الشرذمة الحاكمة من نفس دماء أجدادهم الايرانيين .

    ردحذف