2008/05/12

ديالكتيك الهويات الضيقة

1

احمد الكاتب هو "باحث" شيعي نفى وجود شخصية المهدي تاريخيا وقال باسطوريتها .. المهدي "المنتظر" لم يولد ولم يغيب ولم يختفي .. وأبوه ورغم اسطوانة المظلومية لم يكن مضطهدا ولم يُسمم ولم يقتل ولا هم يحزنون .. بل كان ينعم بنعم وهبات الخليفة العباسي في سامراء .. لا شيء من كل ذلك الهراء المستجدي لعقول البسطاء والمسحوقين والسارق لارزاقهم .. شخصية المهدي المنتظر هي بحسب احمد الكاتب من اختراع "وكلاء المهدي الاربعة" من اجل كسب الخُمس ..احمد الكاتب يقول ان الائمة انفسهم لم يعتبروا انفسهم معصومين .. ولم يعتبروا انفسهم ائمة بالطريقة التي تقدمها نظرية الامامة الشيعية الاثنى عشرية والتي سهر على تغذيتها عبر القرون رجال الدين المتاجرين بفكرة الشفاعة والموزعين لمفاتيح الجنة الوهمية .

اسطورية شخصية "المنقذ" المنتظر ليست فكرة جديدة .. سوسيولوجيا الاديان وخصوصا الدراسات التي تستند الى النظرية البنيوية بينت وجود الفكرة في اديان ثقافات كثيرة فضلا عن اسطوريتها .. من هنا فقيمة مساهمة احمد الكاتب لاتأتي من جدة الفكرة .. ولكن لكون القائل بها شيعي درس ودرّس في حوزة شيعية وفرضيته تستند الى نصوص الشيعة "الرسمية" وامهات كتب المذهب .. ورغم ان الكاتب لايذهب في منهجه الى حدوده القصوى كما تفعل سوسيولوجيا الاديان فان مساهمته تعتبر "ثورة" في عالم السراديب .

المذهب الشيعي قائم في جوهره على نظرية الامامة .. احد المختصين الفرنسيين بالشان الشيعي يعرف المذهب الشيعي بـانه "امامولوجي" .. وانت عندما تلغي وجود الامام الثاني عشر فانت تفند بنفس الوقت نظرية الامامة باكملها .. والسؤال هو ماذا يبقى من المذهب الاثنى عشري اذا اسقطنا نظرية الامامة .. السؤال يتضمن اجابته .. ولكن احمد الكاتب لايذهب الى هذا الحد .

2

اطلعت امس على رسالة من احمد الكاتب يناشد فيها السيستاني بخصوص بعض الفتاوى الطائفية الموجودة في موقعه الرسمي على الانترنيت .. الكاتب يبدأ مناشدته للسيستاني بشكره جزيل الشكر على دوره " التاريخي الكبير في المحافظة على وحدة الشعب العراقي" والكاتب يخص بالذكر تصريحات السيستاني " المؤكدة على هامشية الخلافات بين الشيعة والسنة".. و " بعدم وجود خلافات حقيقية بين السنة والشيعة، ودعوته للشيعة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية للسنة قبل أبناء السنة أنفسهم. وتوصيته للشيعة بأن لا يقولوا "إخواننا السنة" وأن يقولوا بدلا من ذلك:" أنفسنا أهل السنة .

بعد قراءتي لهذه الكلمات احسست برغبة بالتقيؤ.. العراقيون يحرقون في تنور الزهراء واحمد الكاتب يشكر السيستاني على دوره في الحفاظ على "وحده الشعب العراقي" .. انا شخصيا لا اعرف عن اية وحدة يتكلم الكاتب .. "المجتمع" العراقي اليوم يعيش اكبر صراع طائفي عرفه في تاريخه .. والملا يقول لنا دعه يمر " الخلافات هامشية" .. تلك الطريقة بمعالجة اكبر كارثة عرفها العراق تصيبني بالغثيان .. تلك الطريقة الغبية التي تطرح الاسئلة بأسلوب يغيّب اسئلة الازمة هي ايضا تساهم بقتل العراق .. "حسجة الاخويات" هذه لا ولن تنتج غير اجوبة "الاخويات" .. ونحن اليوم نعرف الى اين قادتنا شعارات "اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه" : مباشرة الى تنور الزهراء !!

ما يستوقفني هو ان احمد الكاتب يستغرب من ان السيستاني يدعو الى الوحدة مع "انفسنا اهل السنة" في حين ان موقعه على الانترنيت ينشر فتاوى في قسم الأسئلة والأجوبة بخصوص الصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي السيستاني " بالصلاة ظاهريا معهم" ، ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال " .. واحمد الكاتب يستغرب هذا التناقض بين التصريحات الاخوية والفتاوى الطائفية .

انا شخصيا لا ولن استغرب فقه السراديب .. ما استغربه هو استغراب احمد الكاتب الذي يطلب من رجل دين بالكف عن فعل ما يُقيم سلطته .. ما لا يفهمه احمد الكاتب هو ان من دون تلك الفتاوى التي تُنظّر للاختلاف المذهبي لن يبقى هناك مذهب .. المذهب تاريخيا قام ضديا ومن دون تلك الضدية لن يعود هناك مذهب .. فعندما يتوقف السيستاني عن اصدار من مثل هكذا فتاوى منتجة للاختلاف فان سلطته ستنتفي .. واحمد الكاتب الذي قال بنفعية الدوافع التي كرست نظرية الامامة يطلب من رجل دين تقوم سلطته على التنظير للاختلاف بان لايفعل ذلك ..افتونا يرحمكم الله !!


يقال ان طريقة طرح السؤال تحدد مسبقا الاجابة .. واحمد الكاتب عندما يطرح مشكلة الطائفية والتعايش المذهبي من خلال التوجه الى رجل دين فهو يحصر الاجابة بفتوى رجال الدين .. وهو بذلك لايقوم الا بتقوية سلطة رجال الدين الرمزية .. لا غرابة فاحمد الكاتب يبقى بعد كل شي مُنتج حوزوي .. ولكن هذه الطريقة بطرح سؤال التعايش المذهبي تغيّب اشياء كثيرة واولها الظروف التاريخية التي انتجت التعايش المذهبي في عراق كان يا ما كان في قديم الزمان ..التعايش والتزاوج العبرطائفي الذي عرفه العراق قبل حكم العمامة لم تؤسس له فتوى .. لا بل ان مثل تلك الفتاوى الطائفية كانت موجودة .. لان عمرها قرون .. ولكنها لم تمنع التزاوج العبر طائفي.. السؤال الان هو كيف حصل ذلك التعايش المذهبي رغم وجود تلك الفتاوى الطائفية ؟

طرح السؤال بهذه الطريقة يقترح منظور اخر للاجابة غير المنظور الذي يفرضه احمد الكاتب لمعالجة مسألة التعايش المذهبي وبالتالي التزاوج العبرطائفي .. تكلمت في السابق عن ظاهرة التزاوج العبرطائفي .. التزاوج العبرطائفي هو نتاج مشروع الدولة العراقية الحديثة .. والمدرسة المصنع الجيش الجامعة الخ كانت هي الحاضنات التي مكنت التعايش المذهبي وبالتالي الزواج العبرطائفي .. هذه هي مصانع الاوطان في كل الدول .. ونظرية الدولة فيها دراسات كثيرة عن هذا الموضوع .. ليس غريبا ان رجال الدين في النجف وكربلاء قد حاربوا المدارس الحديثة وحاربوا الجيش في بدايات تأسيسه .. تلك المؤسسات هي الادوات التي فتت نسبيا الغيتوهات الطائفية وبالتالي هي قد فتت سلطة رجال الدين القائمين والعاملين على ابقاء الغيتوهات الطائفية .

3

احمد الكاتب هو من جيل "جاهد" في سبعينيات القرن العراقي الماضي من اجل تطبيق ما كانوا يسمونه "حكم المرجعية" في العراق .. وهو وكثيرين من امثاله شاركوا في تأجيج الصراع الطائفي في السبعينات .. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. الحركات المهدوية التي ظهرت في السنوات الخمس الاخيرة في العراق استخدمت نفس اسلوب جيل احمد الكاتب في تسييس المناسبات الدينية ..وشيعة السلطة قد ردوا عليها بعنف افضع من عنف سلطة البعث في السبعينات .. امس كما اليوم السلطة قد تحركت ضد خطر يهددها والعامل المذهبي ليس له علاقة في الموضوع ..ولكن ثقافة اللطم وظفت تحرك السلطة ضدهم في عام 1974 و 1977 من اجل وصف السلطة بالطائفية .. لم يكن التركيز على قمعية النظام .. لا ..وانما على طائفيته .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي .. وهم في ذلك كانوا متناغمين مع مشروع عالم السراديب .

خطتهم في تسييس "المقدس" والاستفادة منه حركيا كانت فعالة .. ورغم ان رد السلطة البعثية على "مهدويات" السبعينات كان متواضعا قياسا للقمع الذي مارسه شيعة السلطة مؤخرا ضد مهدويات اليوم .. إلا انهم ضربوا على اوتار حساسة داخل "نخب" سياسية خرجت توا من سجن الملّة ... مقالة اوفرا بنجيو في الـ "ميدل ايسترن ستديز" وعنوانها "الشيعه والسياسة في العراق البعثي" (المجلد 21 عدد 1 لسنة 1985) تتناول تلك الاحداث بتفصيل جيد .. وهي تقول ان تلك الاحداث قد ساهمت في سقوط جناح احمد حسن البكر المعتدل داخل مجلس قيادة الثورة وصعود جناح صدام حسين المتطرف .. وتقول ان اقصاء احمد حسن البكر ووضعه تحت الاقامة الجبرية جاء نتجة لهذا الصراع بين الجناحين حول كيفية التعامل مع خطر الاسلام الشيعي في الداخل وخصوصا بعد قيام الثورة الايرانية .. بمعنى ان جيل احمد الكاتب قد ساهم على طريقته باشعال الحرب العراقية الايرانية .. واحمد الكاتب يعترف بذلك .. ومنظمة العمل الاسلامي التي ينتمي اليها الكاتب هي اول من لجأ الى التفجيرات الارهابية في عراق ما قبل الحرب العراقية الايرانية .

دارت عجلة الزمن .. جيل احمد الكاتب "يحكم" اليوم في العراق بفضل "الشيطان الاكبر" كما تسميه ادبياتهم .. وهم حتى اليوم لم ينجحوا في ادارة مدينة كما ينبغي .. وقد وصلوا بالعنف الطائفي الى درجة لم يشهدها العراق في تاريخه .. وتدميرية نظامهم الميليشياوي هو اسؤ شيء حصل للعراق منذ المغول .. واحمد الكاتب يناشد السيستاني اليوم من اجل التعايش المجتمعي .. "شكرا" احمد الكاتب على الجهود .. ولكننا لا ننتظر شيئا من رجل دين قروسطوي .. لانه ببساطة جزء من المشكلة .. و"شكرا" ايضا على بحوثكم .. ولكننا لم نكن ننتظر "غودو" .. نحن لم نكن ننتظر اساطير وخزعبلات غبية .. كنا ننتظر اشياء من هذا العالم .. كنا ننتظر تراكم اكبر .. كنا ننتظر نضوج وطن .. وطن تقتله اليوم ثقافة الكُره التي غذتها عمامات السراديب التي ربتكم .. تلك المسوخ التي تقتل اليوم بتنور الزهراء والدريل هي مخلوقات ساهم في خلقها نضال سراديبكم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .. كل فتاوى العالم لن تستطيع بعد اليوم اعادة ذلك التعايش الذي كان يا ما كان في قديم الزمان .. قبل ان تخرجوا من سراديبكم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق