2026/03/08

الخريف سيأتي في الربيع هذا العام!!

 يقال ان خامنئي انتابته نوبة غضب عارمة عندما سمع عن حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي الذي تسبب بتصفية كبار قادة ايران العسكريين والامنيين والعلماء النوويين في بداية حرب الـ ١٢ يوم..  ترى ماذا كان سيقول اليوم بعد ان زاره الصاروخ الإسرائيلي في "مخبئه السري".. الأموات لا يتكلمون!! "المرشد الاعمى" لُدغ من جحره مرتين!! والاختراق الإسرائيلي مستمر.. فردريك الكبير كان يقول: "ثلاثة رجال خلف خطوط العدو أكثر أهمية من خمسين امام خطوط العدو". 

أمريكا اليوم تطبق تكتيك قديم في الشطرنج الامبراطوري: عندما لا تستطيع تغيير قواعد اللعبة.. غيّر اللاعبين.. شخصيا كنت أتمنى ان لا يشارك ترامب في "مراسم دفن خامنئي".. من منطلق ان القنابل لا تقتل الفكرة.. الفكرة يجب ان تموت عضويا.. من الداخل.. ولكن للامبراطورية "منطقها".. ومع ذلك.. القنابل الاسرائيلية لم "تقتل" خامنئي.. كل ما فعلته القنابل الإسرائيلية هي انها دفنت جثة ميتة سريريا.. خامنئي باعتباره ممثل لنظام ولاية الفقيه مات سريريا منذ فترة طويلة.. مات بامراض الفساد والفقر والقمع.. وسردية ولاية الفقيه سقطت قبل سقوط القنابل على قم ومشهد.. سردية ولاية الفقيه سقطت عندما تحوّل "المستضعفون في الأرض" الى قادة ثكنات وتجار مخدرات وكبتاغون.. وشعار "الموت لأمريكا" سقط عندما اكتشف الشعب الإيراني ان أبناء وبنات قادة النظام يحملون الجنسية الامريكية.. وان ابنة رئيس مجلس الامن القومي للنظام علي لاريجاني تعمل في جامعة أمريكية!! وتم فصلها من عملها فقط بعد المجزرة الأخيرة!! باختصار.. خامنئي ومعه سردية التشيّع العلوي(كمشروع نقيض للتشيع الصفوي السلطوي) ماتا عندما راح باسيجي ازعر يدوس بسادية رأس امرأة ملقاة على الأرض بعجلة دراجته النارية!! فقط لأنها رددت شعار الموت للدكتاتور!! 

الحرب لا تطرق الأبواب.. الطائرات تأتي بلا موعد.. القنابل لا تستأذن قبل الدخول الى "الدار".. مسلمات الحرب هذه عرفناها مذ كنا صغار.. وتلك المشاهد التي نراها اليوم من على الشاشات.. الانفجارت التي تهز المدن وتنشر الهلع.. سحب الدخان الملوثة للسماء.. صمت الشوارع.. وانكسار المدن بطوابير النازحين.. كل مفردات الحرب هذه.. عشناها و عاشتها مدن عربية كثيرة.. واليوم فقط.. تختبر المدن الإيرانية مفردات الحرب هذه.. احدى الايرانيات قالت لصحفية فرنسية قبل يومين: "صور الدمار في غزة والتي اعتدنا على مشاهدتها خلف شاشات التلفاز.. أصبحنا نشاهدها هنا في إيران".

شخصيا لا اعتقد ان حجم الدمار في إيران وبعد أسبوع واحد فقط من القصف.. يمكن ان يقارن بالدمار الذي تعرضت له غزة او الموصل او حلب.. ولكن ليس هنا المهم.. المهم والجديد هو ان العمق الإيراني يعيش اليوم ما عاشته وتعيشه المدن العربية منذ عقود.. فكل استراتيجية الامن القومي الإيراني كانت قائمة على تقسيم "رقعة الشطرنج" الاقليمي الى قسمين: قاطع خلفي هادئ.. يدخن فيه أبناء الحرس الثوري الافيون الافغاني في ليالي طهران الماجنة!! وقاطع امامي "حلال دم الغزال".. تُدَمَْر فيه المدن والعواصم العربية عن بكره ابيها ويشرد اطفالها في العراء!!! هذا الزمن انتهى اليوم.. طهران وقم ومشهد أصبحت اليوم ساحات حرب تعصف بها الانفجارات.. وسماء المدن الإيرانية أصبحت مغطاة بسحب الدخان المغبر ورائحة الموت.. طهران وقم ومشهد أصبحت اليوم "مسرحا للقنابل والغبار والدموع".. كما يقول تقرير صحيفة فرنسية.

واذا ما استمرت المعطيات التي بين أيدينا اليوم من دون تغيير.. بمعنى من دون فرضية وقف الحرب.. إذا ما استمرت الحملة الجوية الامرواسرائيلية بنفس الوتيرة في الأسابيع القادمة.. فان ايران التي مرت بحالة النشوة الثورية "السائلة" في بداية الثورة.. ثم تحولت الى "حالة صلبة" بمساعدة الدبابة الامريكية بعد احتلال العراق.. ستدخل عما قريب المرحلة الغازية.. مرحلة ما قبل التبخر!! 

ايران التي استخدمت مضيق هرمز كوسيلة ضغط وهددت الأسواق العالمية.. دخلت بهذه القرصنة خانة "الرجل المريض" في السياسة الدولية.. الدولة العثمانية عاشت ذات يوم نفس الضغط الجيوسياسي.. وأمريكا التي لم تكن تمتلك مبررات قانونية لضرب ايران في الأسبوع الأول.. استلمت بهذه القرصنة مبررا لتحويل مضيق هرمز الى "محمية" أمريكية.. مقال الواشنطن بوست البارحة يتحدث عن وضع فرقة النخبة المظلية ٨٢ الامريكية في حالة تأهب لإرسالها في عن قريب للسيطرة على جزيرة خرج (٩٠٪ من النفط الإيراني يخرج منها للعالم).. وإذا ما صحت هذه الاخبار.. فأننا مقبلون على سيناريو مُعدّل للسيناريو الفنزويلي.. كش مات اقتصادي.

 رغم انني شخصيا اعتقد ان تأمين مضيق هرمز هو هدف هذا التحرك.. لان تأمين مضيق هرمز اهم حاليا من السيطرة على جزيرة خرج.. لأنه شريان لوجستي عالمي.. الجنرال الأمريكي عمر برادلي والذي قاد وهندس لوجستيا اكبر حشود عسكرية في تاريخ البشرية ابان الحرب العالمية الثانية.. كان يقول: "الهواة يتكلمون عن الاستراتيجيا، المحترفون يتكلمون عن اللوجستيك".. تأمين الضفة الإيرانية من الخليج العربي سيكون أولى أوليات الاقتصاد العالمي في الأيام القادمة.. ولن استغرب اذا ما استمرت الحرب لفترة أطول ان تتم عمليات انزال فرقة النخبة المظلية ٨٢ الامريكية في الضفة الإيرانية من الخليج العربي.

مصير دول.. لا بل حتى مصير امبراطوريات كثيرة في التاريخ.. حددته معركة واحدة.. معركة مصيرية واحدة.. وايران كدولة تعيش اليوم هذه اللحظة المصيرية.. البعض وبعد أسبوع فقط من الحرب راح يتفلسف عن عامل المعنويات العقائدي في صفوف الحرس الثوري مما سيمنع انهيار النظام.. نعم العامل المعنوي مهم.. ولكن هذا الطرح كان مقبول في معارك ما قبل الحرب العالمية الأولى.. في حروب "هل من مبارز"!! اما بعد الحرب العالمية الأولى ومع التطور التقني والتكنولوجي للسلاح.. تراجع دور العامل المعنوي تدريجيا في تحديد مصير المعارك.. ومراكز الاستراتيجية العسكرية اليوم تمنحه نسبة ضئيلة قياسا لعوامل نوعية التسليح واللوجستيك.

 خذ اكبر جيش عقائدي عددا في كل التاريخ البشري.. تعال الان وضعّ هذا الجيش بمواجهه كتيبة حديثة مجهزة بأحدث تقنيات التسليح اليوم.. تعذرني.. المعركة خاسرة.. ثم لماذا نذهب بعيدا في التاريخ.. الكاميكازي الياباني والانغماسي الجهادي هما أشرس محاربين عقائديين عرفهما التاريخ العسكري الحديث.. ومع ذلك تم هزيمتهما عسكريا.. بالأحرى تقنياََ.. والحرس الثوري الإيراني الذي يستهلك الكبتاغون والحشيش الافغاني لا يمكن ان يقارن بجسارة الانغماسي الجهادي القتالية.. حتى حماس التي كانت "تزامط" قبل اشهر.. رفعت الراية البيضاء اليوم وبعد "خراب البصرة".. وحماس ما هي الا "اخر العنقود" في سلسلة المواجهات بين عنصر المعنويات او العقيدة وبين عنصر السلاح المتفوق تقنيا.

في بداية الرد الإسرائيلي على هجوم ٧ اكتوبر.. وحين بدأت القنابل الإسرائيلية تتساقط على اهل غزة وتدمر بيوتهم وتتركهم في العراء.. سأل أحد الصحفيين محلل قناة الجزيرة الاستراتيجي فايز الدويري: هل من المنطق العسكري ان تدخل حماس في مواجهة غير متكافئة عسكريا مع الجيش الإسرائيلي المدجج بالسلاح؟؟ سؤال استراتيجي بامتياز.. هل تعرفون ماذا كان رد هذا "المحلل الاستراتيجي": "فلسطين عروس جميلة ومهرها غالي" !!!!! وبمثل هذه "الاستراتيجيا الشعرية".. راح مقاتلو حماس يصورون عملياتهم العسكرية ويهدونها بالاسم لهذا المحلل الفلتة..  وبمثل هذا الغزل الاستراتيجي المحفز لمعنويات العشاق تم قتل "العروسة" وتحويل بيتها الى ركام.

 باختصار.. نعم.. العامل المعنوي مهم في المعارك.. ولكن دوره لا يقارن في حروب اليوم بدور السلاح النوعي.. القاذفات الاستراتيجية الامريكية ستدخل في الأيام القادمة المعركة.. وسجاد قنابلها سوف لن يترك للحرس الثوري مجالا للنوم.. الا إذا استهلكوا الحشيش الافغاني بـكمية أكبر من المعتاد.. عندها.. تعددت الأسباب والموت واحد!!

الأول من شباط في عام ١٩٧٩.. كان يوما باردا في طهران.. ملايين من الإيرانيين نزلت للشوارع لاستقبال خميني الذي عاد من فرنسا في ذلك اليوم.. احدى اللافتات التي رُفعت آنذاك كانت تحمل عبارة: "الربيع يأتي في الشتاء هذا العام".. ترحيبا بخميني.. بعد ٤٧ عاما من ذلك اليوم.. ملايين من الإيرانيين تكدسوا في شوارع طهران من جديد.. ولكن هذه المرة هربا باتجاه الأرياف خوفا من الحرب.. وإذا ما استمرت هذه الحرب بنفس الوتيرة.. بإمكاننا القول ان "خريف الملالي" سيأتي في الربيع هذا العام!!   

2026/02/25

فيزياء التشيُّع العلوي

 في السادس من كانون الثاني من عام ١٩٧٨.. نشرت صحيفة اطلاعات الايرانية مقال اتهمت فيه خميني بأنه عميل بريطاني.. وانه ذو ميول جنسية مثلية.. وبأنه هندي الأصل والانتماء لأنه كان يوقع في شبابه اشعاره الايروتيكية/العرفانية!! بتوقيع: "هندي"(علينا ان نذكر هنا ان جد الخميني كان هنديا من كشمير).. وهذه المقال اثار غضب طلاب الحوزة في قم الذين قاموا في اليوم التالي بتنظيم مظاهرة جابت مدينة قم.. وتوقفت في نهاية المطاف امام مركز شرطة المدينة.. وهنا قامت الشرطة بإنذارهم بالتفرق.. ولكن المتظاهرون لم يتفرقوا.. وراحوا يصرخون بشعار: لا نريد حكم يزيد"!!! وهنا قامت الشرطة بإطلاق النار.. الحصيلة عشرات القتلى والجرحى.. هذه هي الشرارة التي اشعلت الاحتجاجات الإيرانية التي أطاحت بالشاه بعد سنة تقريبا من هذا الحدث.

في ١١ من شباط الحالي احتفل النظام الإيراني بذكرى الانتصار على "حكم يزيد".. ١١ شباط ١٩٧٩ هو تاريخ "سقوط" اخر حكومة بهلوية وكانت برئاسة شابور بختيار.. بعد سقوط حكومة بختيار.. كلف الخميني مهدي بازركان بتشكيل اول حكومة اسلامية.. ومهدي بازركان وفي اول خطاب له بعد تشكيل هذه الحكومة قال: ان حكومته لن تكون مثل حكومات الدول الإسلامية الأخرى.. وانما ستكون مثل الحكومة التي كانت اثناء خلافة عليّ ابن ابي طالب!!!

عندما نستحضر خطاب مهدي بازركان.. اول رئيس حكومة في "الجمهورية الاسلامية".. ونضعه جنبا الى جنب خطاب اخر رئيس حكومة فيها.. وهو مسعود بزشكيان الذي قال اثناء الاحتفال الاخير بذكرى انتصار "الثورة" في ١١ شباط الحالي: "إن الجرح الذي نشأ في المجتمع مؤلم".. وأضاف لاحقا "لا أستطيع النوم في كثير من الليالي؛ لأنني حزين جدًا لما وصلنا إليه".. عندما نقوم بوضع الخطابين جنبا الى جنب.. سنفهم ان حلم بازركان الطوباوي تحول الى كابوس.

بزشكيان في خطابه هذا استخدم أسلوب الكناية المستحي ليشير رمزيا الى المجزرة التي ارتكبتها "حكومته" يومي ٨ و٩ من الشهر الماضي.. ارق بزشكيان الحالي يذكرني بأرق الشاه الذي قضى الاسابيع الأخيرة من حكمه حاملا سماعة التلفون لا ينام الليل.. ولكن ما يمنع بزشكيان اليوم من النوم هو ليس مصير رؤساء حكومات الشاه السابقة الذين اُعدموا  من قبل نظام ولاية الفقيه.. ما يؤرق بزشكيان اليوم هو انه يخاف ان يلاقي مصير أتعس.. قتلا وسحلا في الشوارع.. لأنه رئيس الحكومة المسؤولة رسميا وتاريخيا عن أكبر مجزرة في تاريخ إيران الحديث.. الناس قد يحتملون الجوع ولكنهم لا يحتملون الجريمة.. كما يقول روبسبير.

فحجم المجزرة التي ارتكبها النظام العلوي في الشهر الماضي يختلف كماََ ونوعاََ عما سبقه.. وايران بعد هذه المجزرة ليست كما قبلها.. حكومة بزشكيان قالت ان حصيلة القتلى هي ٣١١٧.. ولكن هذه الأرقام تبقى ارقام حكومة.. ارقام رسمية.. وبين الأرقام الرسمية وبين الحقيقة هناك دائما هامش جريمة أكبر!! اما ارقام المعارضة الإيرانية فهي تتحدث عن أكثر من ٣٠ ألف قتيل.. الأرقام سلاح في المعركة السياسية!! منظمات حقوق الانسان لا زالت تدقق بأعداد الضحايا بمنهجية بحث شبه اركيولوجية.. واحدة من هذه المنظمات أعطت رقم مؤقت وهو ٧٠٠٠ قتيل.. وما يُصَعِّب من مهمة منظمات حقوق الانسان الصعبة أصلا.. هو ان "النظام العلوي" "اطفاء الضوء" اثناء ارتكابه للجريمة.. قطع الاتصالات الهاتفية والانترنيتية.. كاد المريب ان يقول خذوني!!

ولكن حتى لو اخذنا بارقام الحكومة العلوية وهي ٣١١٧ كفرضية عمل مؤقته.. نحن هنا امام أكثر من ثلاثة الاف قتيل سقطوا خلال يومين فقط!! وهذا شيء لم تعرفه إيران في كل تاريخها الحديث وربما القديم.. في تظاهرة قم عام ١٩٧٨ والتي كانت الشرارة التي اشعلت الثورة الإيرانية كان هناك ٧٨ قتيل.. اما في "مذبحة" الشيعة الكبرى في كربلاء فكان عدد القتلى ٧٢ فردا (وانا هنا اعطي "تكرما" ارقام السردية الشيعية وبالتحديد الأرقام التي استخدمها خميني سياسيا ذات يوم).. وعندما نقارن هذه الأرقام بأرقام المجزرة الأخيرة ٣١١٧.. اخذين بنظر الاعتبار المسلمة الأخلاقية في حديث: "الناس سواسية كأسنان المشط".. بمعنى ان حياة ابن حمال في البازار الإيراني تساوي حياة حفيد "نبي".. نستطيع ان نقول عندها ان يزيد ابن معاوية ويزيد هذا الزمان (الشاه).. هما "أطفال فرقة انشاد" بريئين حين نقارنهما بـقمعية "حسين هذا الزمان".

أضف الى ذلك.. ان النظام العلوي طالب عوائل القتلى بدفع الاف الدولارات مقابل تسليم جثامين "أبنائهم".. اما ثالثة الاثافي.. وفي ثقافة إيرانية انتجت بكائيات العزاء الحسيني.. فهو الإذلال الذي تعرضت له عوائل القتلى بخصوص مراسم الدفن والعزاء.. فالنظام العلوي اخذ تعهدات من العوائل المكلومة بالالتزام بمراسم دفن سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة وعدم احياء اربعينيات القتلى.. وهو شيء لم يجرؤ عليه حتى نظام الشاه.. ومراسم الدفن في مقبرة " جنة الزهراء" في طهران والتي نشرت عنها "نيويورك تايمز" مقال في ٢٦ من الشهر الماضي.. جرت تحت وابل من الشتائم من قبل موظفي مقبرة " الزهراء".. وكان هناك ضابط يقف فوق رؤوس العوائل ويصرخ بهم محذرا بعدم تجاوز الـ ٣٠ دقيقة للانتهاء من مراسم الدفن.. كما روى لـ "نيويورك تايمز" شاب حضر مراسم دفن أحد اقاربه.. وهذا الشاب اضاف غاضبا: "ان الصمت الذي تحاول السلطات الإيرانية فرضه على الناس لا يمكن له ان يستمر، وان مفردة الكراهية لا تكفي لوصف ما يشعر به الناس تجاه النظام.. هذا النظام انتهى".. هل تعرفون الان لماذا حرق الشباب الايراني حسينية "سيد الشهداء" في مدينة باكدشت التابعة لمحافظة طهران!! انه مكر التاريخ.. كما يقول هيغل.

"لا نريد حكم يزيد".. "نريد حكم عليّ".. مرحبا بكم على كوكب الأرض.. "عندما تريد الالهة عقاب انسان ما، تحقق أحلامه"!! تقول الحكمة الشهيرة الساخرة من كل تصور طوباوي ساذج للعالم.. واليوم وقد انقضت ٤٧ سنة من حكم "التشيع العلوي".. نستطيع ان نقول ان "الهة التاريخ" "حققت" حلم مهدي بازركان.. "فالنظام العلوي" الذي يحكم ايران منذ ٤٧ عاما هو النظام الأكثر دموية في تاريخ إيران.. وفترة حكمه هي الفترة الأكثر دمارا في تاريخ منطقتنا.. وعدد من قُتل من الإيرانيين فقط (حروبا واحتجاجات وغزوات لحماية مراقد "شركة آل البيت اللامحدودة").. هو أكثر مما قُتل خلال حكم الشاه الذي حكم إيران (هو وابوه) نفس المدة تقريبا.. بعبارة أخرى..ان يزيد هذا الزمان (الشاه) هو ارحم بكثير من حسين هذا الزمان (خامنئي).  

مأساة مهدي بازركان الذي قال له علي شريعتي ان هناك تشيّع صفوي سلطوي وتشيّع علوي ملائكي.. هو انه لم يكن يعرف ان خلافة عليّ ابن ابي طالب كانت الفترة الأكثر دموية في التاريخ الإسلامي.. ولم يكن يعرف ان عليّ بن ابي طالب شيّد سلطته على ثلاثة مذابح مشهورة في التاريخ الإسلامي: الأولى هي الانقلاب الدموي الذي انتهى بذبح عثمان بطريقة بشعة.. ثم مذبحة الجمل.. واخيرا مذبحة النهروان.. هذه هي المراحل التاريخية الدموية الثلاثة التي شكلت سلطة عليّ في الكوفة.. ومهدي بازركان الذي لم يسمع بـ "هارد وير" سلطة عليّ ابن ابي طالب هذا.. كان ايضا جاهلا بـ"سوفت وير" سلطة علي ابن ابي طالب في الكوفة.. وهو لذلك لم يكن يعرف ان عليّ ابن ابي طالب كان يحرق بيوت معارضيه في الكوفة ( في رواية أخرى يُشعثها!!).. ويهدمها أخرى.. ويهجرهم قسرا!!

وهذه الوقائع التاريخية لم يفهمها مهدي بازركان.. لأنه لم يكن يميز بين السردية الشيعية والتاريخ.. من هنا العمى التاريخي.. إسرائيل لم تخترع عقوبة هدم بيوت معارضيها وتهجيرهم!! ميكانزمات السلطة القمعية واحدة منذ "قابيل وهايبل"!! ومذبحة النهروان من هذا المنظور السوسيوتاريخي.. لا تختلف الا بوسيلة القتل عن المذبحة الاخيرة التي ارتكبها "النظام العلوي" في الشهر الماضي.. بالأمس "خوارج" واليوم "عملاء للخارج"!! تعددت الاسباب والقمع واحد!!

باختصار.. المهندس مهدي بازركان المختص بفيزياء الطاقة الحرارية والذي كان يريد إعادة انتاج حكومة عليّ.. لم يفهم "قوانين الفيزياء السياسية".. وبالتالي كان جاهلا بميكانيك السلطة.. لأنه ينتمي لجيل التكنوقراط المشرقي الساذج فكريا.. جيل استعار التقنية الغربية ولكنه لم يستوعب الابستيمة الفلسفية والفكرية التي انتجت هذه التقنية.. والنتيجة هي ان مهندسين وأطباء وحتى علماء ذرة.. يمتلكون عقلية اطفال في الصف الخامس الابتدائي.. مهندسون وأطباء وعلماء ذرة.. يصدقون بـ"حكايات أطفال" تقول لهم ان "طفلا اختفى في سرداب قبل اكثر من الف عام سيظهر قريبا لنشر العدل على كوكب الأرض!!

و"نيوتن أبو عمامة" (مهدي بازركان) الذي التحق برعاع خميني في بداية الثورة.. يتحمل مسؤولية تاريخية كبيرة في صعود امثال عباس محمد حسني لواجهة السلطة في ايران.. عباس محمد حسني هو اليوم رئيس هيئة التوجيه العقائدي والسياسي في الجيش الإيراني.. وقال مؤخرا إنه: "يتعيّن علينا تحديد السبل الكفيلة بتسريع تعجيل ظهور المهدي، والسعي إلى حلول عملية لا نظرية، مع إجراء بحوث تطبيقية في هذا المجال، بما يقرّبنا خطوة إضافية من ظهور المهدي".

بحوث تطبيقية لتعجيل ظهور المهدي!!!!!!!!! هزلت ورب اينشتاين!! لحسن الحظ ان "الجماعة" لا يمتلكون قنبلة نووية!!  نحن هنا امام جوهر الازمة الفكرية الإيرانية التي انتجت الثورة الايرانية.. مفاهيم علمية تلوكها "عقول" سراديبية.. نيوتن التقى صدفة بـأمثال مهدي بازركان.. وكارل ماركس بأمثال عليّ شريعتي.. ونتيجة مثل هكذا صدف تاريخية هي دائما فيزياء سراديب!!

2026/02/08

إذا اردت ان تتحدث معي عن إيران.. اجلب معك خريطة !!

في بداية الشهر الأول من سنة ١٩٧٩ وبالتحديد بين ٤ و٧ كانون الثاني.. اجتمع رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية في جزيرة غوادلوب التابعة لفرنسا.. الازمة السياسية التي كان يعاني منها نظام الشاه آنذاك كانت من بين الملفات المطروحة على طاولة النقاش.. الاحتجاجات الإيرانية ضد نظام الشاه كانت مستمرة منذ ما يقارب السنة آنذاك.. وزخمها كان يتصاعد تدريجيا.. القادة الأربعة خلصوا الى قناعة انه لا سبيل الى انقاذ نظام الشاه.. وان بقاءه في السلطة قد يفاقم الازمة ويدخل إيران في حرب أهلية.. وهذا قد يحول إيران الى جغرافيا رخوة جيوستراتيجيا

الاتحاد السوفيتي كان جارا بريا لإيران آنذاك.. وعلينا ان نعرف ان المادتين الخامسة والسادسة من اتفاقية ١٩٢١ بين ايران والاتحاد السوفيتي تعطي الحق للسوفييت بالتدخل في ايران في الحالات الاستثنائية..والقادة الغربيين كانوا يعتقدون ان الفوضى في إيران ستؤدي الى تدخل سوفيتي في إيران (بعد سنة تقريبا من هذا التقييم قام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان بسبب الفوضى السياسية هناك).. وهذا كان اخر ما يريده الغرب.. علينا ان لا ننسى بأن إيران بـ جغرافيتها الحالية هي "دولة حاجز".. رسمتها بريطانيا لمنع "الدب الروسي" من الهبوط الى مياه الخليج العربي.. الخليج في بداية القرن العشرين كان يعتبر ممرا استراتيجيا في الطريق المؤدي للهند.. النفط جاء بعد ذلك.

الامبراطوريات تنظر للعالم من منظور امبراطوري.. بمعنى ان وحدة قياس المسافات على خرائطها هي ليست وحدة الـ "كيلومتر".. وانما وحدة الـ "ألف كيلومتر".. والقادة الغربيون الذي اجتمعوا في غوادلوب آنذاك كانوا ينظرون لخريطة منطقتنا بهذا المنظور الامبراطوري.. قيمة الشاه آنذاك لم تكن بقيمة الحفاظ على إيران كدولة حاجز مع "الدب السوفييتي" .. وبهذا المعنى فان خميني لم يكن خيارا غربيا.. او عميل كما كان يقول الخطاب البعثي الساذج جيوسياسيا.. خميني كان اهون الشرين من منظور امبراطوري غربي.. خصوصا وان خميني كان قد أرسل للقادة الغربيين رسائل مطمئنة عندما كان لايزال لاجئا في فرنسا.. ولكنه لاحقا غَيَّر خطابه السياسي

بعد أيام من انتهاء قمة غوادلوب استلم الشاه "توصية" القادة الغربيين.. والشاه الذي شهد صغيرا عزل والده عن الحكم من قبل الإنكليز (بسبب ميله لألمانيا اثناء الحرب العالمية الثانية).. تذكر ما فعله ابوه حينها.. الشاه الاب.. وقبل ان يغادر للمنفى من بندر عباس على متن بارجة بريطانية.. قام بوضع حفنة من تراب إيران في صندوق وحمله معه.. لأنه فهم ان رحلته تلك كانت بلا عودة.. الشاه الابن فعل نفس الشيء.. وغادر ايران في ١٦ كانون الثاني ١٩٧٩ على متن طائرته الخاصة حاملا معه ما خف حمله وغلى ثمنه.. بعد أسبوعين من مغادرة الشاه قامت فرنسا بنقل خميني من منفاه في ضواحي باريس الى طهران على متن طائرة فرنسية خاصة.. المخابرات الغربية تتمنى للجميع رحلة سعيدة!! 

كنت صغيرا آنذاك.. ولم أكن على دراية بكل هذا الشطرنج الجيوسياسي.. كل ما كنت اعرفه عن إيران آنذاك هو وجه كوكوش.. في بغداد ذلك الزمان كنا نستقبل برامج التلفزيون الإيراني.. وكوكوش بصوتها الجميل كانت تهيمن على الشاشة الإيرانية آنذاك.. كوكوش في مخيلتي الصغيرة آنذاك كانت هي إيران.. فجأة.. "انقطع البث" واختفت كوكوش.. بعد ذلك وتدريجيا.. ظهر امامنا من خلال "الاعلام" العراقي وجه إيران الاخر.. ظهر امامنا "الجانب المظلم للقمر".. ظهر امامنا وجه خميني.. وجه عبوس لا يعرف الابتسام.. تعتليه حواجب معقوفة مخيفة.. وتحيط به لحية "انسان الكهوف".. باختصار.. جمال كوكوش "المطلق" حل محله قبح رجل السراديب المطلق.. هكذا بدت لي "الثورة الإيرانية" صغيرا !! انقلاب في "المفاهيم الجمالية"!! 

 

2026/01/07

هل سيشارك ترامب في "مراسم دفن" خامنئي ؟

 الأنظمة السياسية تموت قبل ان تسقط.. وهذا الموت السياسي الذي يميز الأنظمة الفاشلة.. يشبه ما يسمى طبيا بالموت السريري: توقف الأعضاء الرئيسية (القلب وجهاز التنفس مثلا) عن أداء وظائفها.. يترك خلايا الجسم بلا غذاء.. وفشل الأعضاء الرئيسية هذا يودي الى موت تدريجي وبطيء لأعضاء الجسم الأخرى.. والنتيجة جسم فاشل داخليا.. فاشل عضويا.. وفي هيكلية الدول يقوم الاقتصاد بدور مشابه لوظيفة جهاز التنفس في الجسم.. من هنا عبارة "الرئة الاقتصادية" التي تستخدم في الاقتصاد السياسي.. يفشل الاقتصاد تموت الدولة تدريجيا.. ونظام الملالي يختبر اليوم حالة الموت السريري.

وأفضل من دلّنا على الموت السريري لنظام الملالي هي المتحدثة باسم لجنة الاقتصاد في البرلمان الإيراني فاطمة مقصودي.. التي قالت منتقدة الاحتجاجات التي اندلعت مؤخرا في ايران: "حين يقول ترامب لنتنياهو: تعال لنشرب قهوة، فجأة ترتفع أسعار العملات. وعندما يدلي نتنياهو بأي تصريح، ترتفع الأسعار".. فاطمة مقصودي.. ومن حيث لا تريد.. تصف لنا "بشهادة شاهد من اهلها" مستوى الفشل الذي يعاني منه "جهاز التنفس" الايراني.. فعندما تفقد العملة الايرانية  ٥٪ من قيمتها.. فقط لان ترامب يدعو نتانياهو "لشرب القهوة" في مار الاغو.. او بسبب "تغريده" لـ نتانياهو.. فهذا يعني تحليليا ان نظام الملالي فقد سيطرته على الاقتصاد الإيراني.. وبالتالي فقد سيادته الاقتصادية.. وفشل "جهاز التنفس" الإيراني هذا يضع نظام الملالي في حالة موت سريري.

السؤال الان هو: هل سيشارك ترامب في "مراسم دفن" خامنئي الميت سريريا؟؟ مع ترامب كل شيء ممكن.. من كان يتصور عملية اختطاف مادورو من قلب العاصمة الفنزويلية قبل يومين!! عسكريا وخصوصا تكنولوجيا أمريكا تستطيع فعل ما تشاء اليوم.. وهي بالتالي تستطيع ان تقوم بنفس العملية في ايران التي تشترك مع فنزويلا في الكثير من الخصائص السوسيولوجية والسياسية.. شعب منقسم.. اقتصاد فاشل.. نظام متكلس أيديولوجيا.. ومنظومة امنية مخترقة حتى النخاع.

ولكنني شخصيا.. وخصوصا بعد اندلاع الاحتجاجات الإيرانية.. أتمنى ان لا يشارك ترامب بـ "مراسم دفن" خامنئي.. انا اليوم أتمنى سقوط النظام الايراني بدون تدخل خارجي.. اتمنى ان يسقط نظام ولاية الفقيه من الداخل.. ان يفشل عضويا.. فهذا النظام الذي دمر بلداننا يستحق ان يتذوق ذُل الفشل من الداخل.. ومرارة الاحتضار.. واي تدخل خارجي لأسقاط النظام سيحرمنا من مشهد الاحتضار الذي يستحقه.. ثم ان التدخل الخارجي سيجعل من خامنئي ضحية.. وبالتالي سيحوله الى "شهيد".. وهذا لن يكون على المدى البعيد.. لا في صالح إيران.. ولا في صالح المنطقة.. لهذا السبب اريد لخامنئي ان يُقتل او يطرد على يد "اهل الكوفة".. على يد اهل قم وطهران.. وكفانا الله شر عقلية الضحية وشر المظلومية الشيعية!!

 أكبر حماقة سياسية ارتكبها يزيد بن معاوية (بالأحرى بعض قادته الميدانيين) هو انه حَوّل الحسين من "رجل خفيف" (كما تصفه بعض الروايات).. كان ينكح الجواري والاماء خلال عشرين عاما في المدينة.. الى ضحية وبالتالي الى مظلوم ومظلومية لا زالت تمعن في قتل حاضرنا.. كان على "يزيد" ترك الحسين يكمل رحلة البحث عن السلطة في الكوفة.. كان على يزيد ترك الحسين يدخل معترك السياسة في الكوفة.. كان على يزيد ترك الحسين ينهار سياسيا في الكوفة.. كما انهار ابيه وأخيه الحسن من قبله.. كان على يزيد ترك الحسين يلاقي نفس مصيرهما مطعونا من قبل "اهل الكوفة".. السلطان والمظلومية لا يجتمعان!! عندها ما كنا سنحصل على شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا" الذي دمر عراقنا.. عندها كنا حصلنا على نفس الكارثة السياسية والأخلاقية التي انتجها "اتباع اهل البيت" في العراق وايران اليوم.. خرابُ في خراب في خرابِ.

باختصار.. نظام الملالي مات سريريا.. واكرام الميت دفنه "بهدوء"!! وسيكون أفضل لمستقبل إيران والمنطقة.. ان لا يشارك ترامب في "مراسم الدفن".. لأنه.. إن فَعل.. سيجعل من خامنئي ضحية عند الكثير من الشيعة.. ونحن في هذه البقعة الجغرافية الملعونة بالرعاع.. قد سئمنا من عقلية الضحية الشيعية.. سيكون من العدل تاريخيا ان يقوم "الشعب الايراني" ذو المذهب الشيعي الذي جاء بهذا العفن الفكري.. بإزالته بنفسه.. ويتحمل بذلك تبعات اعماله.. عندها سنكون بصحبة مفهوم المسؤولية.. ومفهوم المسؤولية هو النقيض الاخلاقي لِـ فكرة الضحية الكسولة التي انتجت مجتمعات معاقة أخلاقيا..  وبالتالي دول فاشلة سياسيا.

2025/11/23

ما تقوله الارقام "الفلكية" عن خسوف الهلال الشيعي

 خميني كان يقول ان الحجاب هو راية الجمهورية الإسلامية.. ويبدو ان راية "جمهورية الملالي" بدأت بالانحسار عن رؤوس النساء الايرانيات.. فانت عندما تشاهد اليوم شوارع طهران سترى كثير من النساء الايرانيات بلا حجاب او بنصف حجاب او ربع حجاب!! وهذا الانحسار ازداد وتيرة بعد المظاهرات التي شهدتها ايران بسبب مقتل مهسا اميني.. وهو ترجمة لانحسار سلطة الملالي السياسية في الشارع الايراني..  لهذا السبب ثارت ثائرة المتشددين في الأشهر الاخيرة وطالبوا بتشديد الرقابة من اجل تثبيت "راية الجمهورية الإسلامية" من جديد على رؤوس النساء الايرانيات.. ومن هنا القانون الصارم الذي صاغة المتشددون في البرلمان الإيراني قبل اشهر تحت مسمى " الحجاب والعفة".. والذي يتضمن ٧٤ فقرة صارمة تتفاوت عقوباتها بين الجلد والغرامات والسجن.. لمن تترك خصلات شعرها خارج إطار "الساتر الامامي للجمهورية الإسلامية"!!

هذا القانون الجديد لم تتمكن حكومة الرئيس بزشكيان من تطبيقه لأسباب كثيرة.. اولا.. لأنه واجه معارضة وانتقادات كثيرة في الشارع الإيراني المتذمر من الأوضاع الاقتصادية المزرية وانهيار التومان الإيراني المستمر.. وثانيا.. لان الضربة الإسرائيلية المذلة اضعفت هيبة حكومة الملالي في الشارع الإيراني.. الضربة الإسرائيلية أظهرت للإيرانيين ان "الملا عاري".. وثالثا.. لان مصداقية نظام الملالي الذي يدعو للعفة.. تعرض لضربة رمزية موجعة مؤخرا.. بعد تسريب فيديو حفلة زفاف ابنة علي شمخاني.. وفيه تظهر "بيبي" شمخاني يدا بيد والدها مستشار الولي الفقيه.. شبه عارية الصدر بفستان زفاف فاحش الثراء.. وهذا الفيديو اثار جدلا حادا في إيران.. واصاب "حسين هذا الزمان" في مقتل.. لسان حال الشعب الإيراني بعد هذا الفيديو الذي عرى ازدواجية نظام الملالي يقول: بالوجه تقاة وبالقفى عراة!!  

ما يستوقفني في الجدل الإيراني حول قانون الحجاب الجديد.. هو حوار تلفزيوني دار مؤخرا بخصوص هذا القانون.. بين الصحفي الإيراني محمد مهاجري وأبو الفضل اقبالي (واحد ممن صاغوا قانون الحجاب).. وكان حوار حامي الوطيس.. مهاجري قال لـ اقبالي: ان نزع النساء الايرانيات للحجاب هو رسالة احتجاج سياسي.. اقبالي أجاب: " فقط ٢٪ او ٣٪ من مجموع النساء الايرانيات يعتبرن التخلي عن الحجاب فعل سياسي، اما بقية الايرانيات فلا يعترضن على الحجاب".. وهنا سأله مهاجري بسخرية لاذعة: "من اين اتيت بهذه الأرقام.. هل هو نفس المصدر الذي يقول لنا ان التضخم الاقتصادي في السوق الايراني هو 20٪ فقط"!! المعنى المتضمن في رد مهاجري الساخر.. هو ان الحكومة التي تقول ان التضخم الاقتصادي في السوق الايراني هو 20٪ فقط.. في حين ان حتى ابسط حمّال في البازار الإيراني يعرف ان التضخم زاد على ٤٠٪ خصوصا بعد ان بلغ سعر صرف التومان في البازار الإيراني ١١٢ الف تومان مقابل الدولار الواحد.. وبالتالي فان مثل هكذا حكومة مستهترة بعقول الناس.. فقدت مصداقيتها.. وارقامها لا يصدقها أحد.

عبارة "من اين اتيت بهذه الأرقام" اللاذعة.. يمكن استخدامها لمشاغبة ارقام مفوضية الانتخابات التي أعلنت عن نسبة ٥٦٪ مشاركة في الانتخابات الاخيرة.. أرقام المفوضية المنفوخة.. اثارت الجدل في "الشارع العراقي".. لان هذه الأرقام هي حصيلة "حِسبة" ضمت فقط اعداد من جددوا بطاقاتهم الانتخابية.. وليس العدد الكلي لمن يحق لهم الانتخاب.. وبالتالي فان ملايين من المقاطعين سقطوا من هذه "الحِسبة"!! وارتفعت "بقدرة الزهرة" نسبة المشاركة!! تشكيك الشارع العراقي بأرقام مفوضية الانتخابات "المستقلة عن القانون" والجدل الذي دار حولها.. ان دل على شيء فهو يدل على انعدام الثقة ليس فقط بـمصدر هذه الأرقام (وهي مفوضية الانتخابات " الغير مستقلة").. وانما يدل أيضا على انعدام الثقة بأرقام "ديمقراطية اتباع اهل البيت".. كيف تثق بحرامي فاسد.. وبالتالي كيف تثق بأرقام حرامية.

مفهوم الديمقراطية الكلاسيكي القديم هو "حكم الشعب من قبل الشعب".. اما في العصر الحديث فقد طور العم "أبو ناجي" هذا المفهوم المباشر للفعل السياسي الى مفهوم "تمثيلي" غير مباشر.. يقوم فيه الشعب بانتخاب ممثلين ليقوم هؤلاء بـدورهم بإدارة شؤون "الشعب".. ولكن للانتخاب وظيفة اخرى كامنة وهي منح شرعية للنظام السياسي.. ونسبة المشاركة في هذا الإطار هي معيار تقييم هذه الشرعية.. لان نسبة مقاطعة كبيرة تعني ان "النظام" السياسي المعني لا يحظى بتأييد الشعب وبالتالي يفقد مصداقيته داخليا وخارجيا.. من هنا الأهمية التي تأخذها عملية نفخ الأرقام في الأنظمة الدكتاتورية التي تُنظّم دوريا انتخابات صورية ويفوز بها الزعيم دائما بنسبة ٩٦٪.. والهدف من هذه الأرقام المنفوخة هو اظهار ان السلطة تحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من الشعب.

 بمعنى اخر.. الأرقام في "جمهوريات الموز" هي أداة ليست محايدة.. ويمكنك ان تفعل ما تشاء مع الأرقام.. تستطيع خفض نسبة التضخم اعتباطيا كما تفعل حكومة الملالي في إيران.. كما تستطيع رفع نسبة المشاركة في الانتخابات كما تفعل "ديمقراطية ما ننطيها".. تستطيع احتقار قوانيين اللوجستيك الزمكانية وتقول ان عدد المشاركين في الزيارة الحسينية بلغ ٣٠ مليون.. كما يمكنك "لوي عنق" قواعد الانتخاب وتغيرها حسب الظرفية والطلب: دوائر مغلقة مرة ودوائر مفتوحة ثانية و"سان ليغو" اخيرا.. لكي تحصل على الأرقام التي تريد والوجوه التي تريد.. باختصار.. الأرقام في "الديمقراطيات" الشكلية التي لا تمتلك التراكم الثقافي والحضاري والمؤسساتي الضروري لممارسة الديمقراطية.. الأرقام في "الديمقراطيات" التي يشترى بها الصوت بـ٢٠٠ دولار.. الارقام في مثل هذه المواخير السياسية تصبح وسيلة لِفرض منطق: "تريد ارنب اخذ ارنب، تريد غزال، اخذ ارنب!! 

من هنا.. فان "سؤال" انتخابات الذيول التي جرت مؤخرا هو ليس: هل تم تزوير الانتخابات ام لا؟؟ وهل الأرقام دقيقة ام منفوخة بفيتامين "فاء" الفساد؟؟ لا أحد ينتظر من حرامي ان يكون نزيها.. ولا أحد كان يتوقع من "ديمقراطية ما ننطيها" ان "تنطيها"!! فقط ساذج يمكن ان يتوقع من اتباع مفهوم "اهل البيت" الوراثي ان يطبقوا مفهوم الديمقراطية المعادي لفكرة الوراثة.. نحن هنا امام "عركة" مفاهيم سياسية.. ومثل هكذا "هوسة" ثقافية وسياسية لم ولا ولن تنتج انتخابات عادلة.. لكل شيء شروط امكانية.. وشروط الديمقراطية في "ديمقراطية ما ننطيها" غائبة كغياب "المهدي".

أحد علماء الانثروبولوجيا كان يقول ساخرا من منطق الأرقام الذي استفحل في العلوم الاجتماعية في العقود الاخيرة: "الإحصاءات والأرقام هي مثل الـ بيكيني (لباس السباحة النسائي)، تعطيك الانطباع بإظهار كل شيء، ولكنها تخفي دائما ما هو جوهري"!!ّ! ويمكننا النظر للانتخابات الاخيرة بنفس المنظار.. بمعنى ان المهم فيها هو ليس الأرقام وانما ما تخفيه هذه الأرقام.. ما تعنيه رمزيا هذه الأرقام المنفوخة.. لماذا قامت ديمقراطية "اتباع اهل البيت" بنفخ أرقام نسبة المشاركة في الدورة الانتخابية الحالية؟؟؟ ولم تقم بنفس الشيء في الدورة السابقة.. الم يقل لنا واحد من ابواقهم ابان الانتخابات السابقة والتي شهدت نسبة مشاركة هزيلة: "حتى لو كانت نسبة المشاركة ١٠٪ في الانتخابات فان شرعيتها ستبقى قائمة".. اذا لماذا لم يكتفِ "اتباع اهل البيت" في هذه الدورة بنسبة ٢٠٪ او ٣٠٪ وهي النسبة الأقرب للواقع؟؟ لماذا ارادوا نسبة ٥٦٪ ؟؟ 

الاجابة على هذا السؤال نجدها في الظرفية.. نجدها في الظرف الحرج الذي يمر به "اتباع اهل البيت" إقليميا ودوليا.. فموازين القوى تغيرت كثيرا منذ الانتخابات السابقة.. ففي الانتخابات السابقة كانت ايران تسيطر على اربع عواصم عربية.. و"اتباع اهل البيت" كانوا آنذاك مسترخين في "ظل" اسراب الطائرات الامريكية و الروسية.. حشيش أفغاني في طهران وكبتاغون في "السيدة" زينب.. والتحشيش الاستراتيجي آنذاك وصل حد ان التاجر الإيراني كان يرى بلدان المشرق العربي مجرد بضاعة قابلة للمقايضة مع العم سام :سوريا مقابل الخليج ام سوريا مقابل العراق!! باختصار .. "اتباع اهل البيت" كانوا يعيشون نشوة "الانتصار" آنذاك.. ولهذا السبب لم تكن نسبة المشاركة في الانتخابات مهمة.. من يسيطر على نصف الشرق الأوسط لا يبالي بنسبة المقاعد في برلمان "لا يحل ولا يربط" جيوسياسيا. 

اما اليوم فان "الفلك" الإقليمي دار دورة هائلة.. و"الهلال الشيعي" منذ سنة تقريبا دخل مرحلة الخسوف.. النظام العلوي في دمشق اختفى في ليلة ظلماء مثل كوكب ابتلعه ثقب اسود.. اما حزب الكبتاغون فقد بعثرته بيجرات قادمة تكنولوجيا من كوكب اخر.. حزب الكبتاغون اليوم لا يجرؤ حتى على إطلاق العاب نارية على إسرائيل التي تمارس لعبة "قنص الحمام" يوميا في لبنان!! اما نظام الملالي الذي تعرض لضربة إسرائيلية مذلة فلم يعد قادر اليوم حتى على تثبيت "راية الجمهورية الإسلامية" على رؤوس الايرانيات!! طهران تقف اليوم على حافة الجفاف المائي.. والاقتصاد الايراني على حافة الانهيار.

ضمن اطار هذه الهزيمة الاستراتيجية النكراء للهلال الشيعي.. يجب فهم عملية نفخ الأرقام في انتخابات اخر "معاقل" ايران في المنطقة.. أولا من اجل نفخ الذات ورفع معنويات القطيع داخليا.. وثانيا من اجل منح مهلة صلاحية اكبر لـ"بضاعة" ايران الفاسدة في العراق.. نفخ الأرقام في الانتخابات الاخيرة هي محاولة من التاجر الإيراني ليقول للأمريكي: "ما زلت امتلك "بضاعة" ثمينة في العراق.. ويمكننا لعب لعبة المقايضة كما في السابق"..ولكن لاعب البوكر الأمريكي يعرف ان "بضاعة" التاجر الايراني في العراق فاسدة.. ومصير العراق سيحدده رد فعل لاعب البوكر الامريكي امام الثمن الذي سيقدمه تاجر السجاد الإيراني لإرضائه.. تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية قبل يومين بخصوص التخلي عن التخصيب تبدو كـ بالون اختبار.

التاجر الإيراني الذي كان يتباهى في السابق بانه "اخترع الشطرنج" ويعرف اللعب على عامل الوقت.. يجد نفسه للمرة الأولى امام "لاعب بوكر" امريكي ذو مزاج زئبقي ولا يمكن التنبؤ بحركاته.. طائرات الشبح التي زارت ايران في وقت متأخر من الليل مرت من هنا!! ونظام الملالي لن يتحمل جولة أخرى من القصف الشديد.. وهذا يثقل على أعصاب الإيراني الذي فقد "قلعته" السورية و"حصانه" اللبناني الثمين.. اما ما تبقى له من بيادق وذيول في العراق.. فهو يعرف تماما المعرفة بأنهم "سوائل" قابلة للتبخر عند ارتفاع درجة حرارة الإقليم (كما حصل اثناء الضربة الاسرائيلية الأخيرة).. وبالتالي فلا يمكن التعويل عليهم متى ما جد الجد.. اللاعب الايراني خسر الكثير مؤخرا.. وعامل الوقت ليس من مصلحة الخاسر في لعبة الشطرنج.. تِك تاك.. تِك تاك.. تِك تاك.. وفي مثل هذه الأحوال تكون الاعصاب متوترة.. مما يزيد من فرص الخطأ القاتل.. وكل ما نحتاجه في لعبة الشطرنج الإقليمية الحالية.. هي حركة خاطئة واحدة.. خطأ بسيط.. لنحصل على الـ كش مات!!    

2025/10/23

لماذا تركت "عبد الزهرة" عاطلا عن العمل؟؟

  

الانتخابات على الأبواب.. وكعادة "الأحزاب" الشيعية التي لا تملك أفكار سياسية.. ولا برامج اقتصادية.. ولا شخصيات كاريزمية لجذب الناخبين!! تلجأ هذه "الأحزاب" الى الشيء الوحيد الذي في جعبتها: اللغة الطائفية.. جلال الدين الصغير.. إمام جامع براثا الذي كان ذات يوم ساحة اعدام لكل من يحمل اسم عمر وعثمان.. قال مؤخرا مهددا "الرعية" الشيعية التي تريد مقاطعة الانتخابات: "هل تريدون ان يعود عبد الزهرة الى خدمة عمر".. اما عمار الحكيم فقد قال اثناء "مهرجانه" الانتخابي بان "هناك من يروج بأن أتباع أهل البيت ليسوا أهلا للحكم والإدارة".. ولهذا السبب اختار "الحكيم" عبارة "لا تضيعوها" شعارا لحملته الانتخابية.. أي انه يحذر الشيعة بأنهم سيضيّعون السلطة إذا ما قاطعوا الانتخابات.

نحن هنا امام نفس حكاية "السعلوة" السنية التي يستخدمها رجال الدين الشيعة في كل مرة يحاول فيها "زعطوط" شيعي الخروج من عتبة "البيت الشيعي"!! نحن هنا امام اجراس الضغينة التي يدقها "رعاة القطيع" في كل مرة يحاول فيها "خروف" شيعي عبور سياج الطائفة وهجرة القطيع..  نحن هنا امام صفارة الإنذار الطائفي التي يطلقها "حرس حدود" الطائفة في كل مرة يحاول فيها شيعي عبور حدود الطائفة للسفر خارج "القبيلة" الشيعية.. باختصار نحن هنا امام سؤال الحدود الطائفية.. التي يسهر على ادامتها رجال الدين الشيعة.. فبلا حدود طائفية ليس هناك طائفة.

السؤال الذي تطرحه فرضية المقاطعة الشيعية للانتخابات من منظور العلوم السياسية هو: لماذا ينوي الكثير من الشيعة مقاطعة الانتخابات.. فالمقاطعة الانتخابية هو موضوع اشبعته العلوم السياسية بحثا ودراسة وتحليلا.. لانه اشكالية تواجه الكثير من الديمقراطيات حول العالم..  ولكن حرامية "اهل البيت" بدل ان يحاولوا طرح هذا السؤال بجدية.. من خلال مناقشته بطريقة عقلانية معاصرة.. ومحاولة إيجاد حلول له من خلال تقنيات الهندسة السياسية التي توفرها العلوم السياسية.. يصرون على "حل" هذا السؤال من خلال "درنفيسات" سقيفة بني ساعدة: إذا لم تنتخب يا شيعي فأن "السعلوة السنية" سوف تأتي للسلطة وستخطف "فريخاتك".. وسترسلهم خدما في بيوت عمر ومعاوية !!! فلا تضيعوها !! 

رجال الدين الشيعة يتطرقون لموضوع مقاطعة الانتخابات من خلال هذا "الديالكتيك" الطائفي.. لأن غرضهم هو "تضييع السالفة".. الغرض هو ازاحة سؤال الازمة السياسية التي تضرب الشارع الشيعي.. فخلف المقاطعة تقف ازمة "النخب" الشيعية مع "رعيتها" الشيعية.. من هنا فان السؤال هو ليس: هل سيخدم عبد الزهرة عمر بعد الانتخابات.. ام سيبقى عبدا ازلياََ لفاطمة؟؟ لا، لا.. السؤال الجوهري الذي تحاول "جقلمبات" جلال الدين الصغير اخفائه تحت سجادة الجمناستك الطائفي الممل هو : لماذا يعيش "عبد الزهرة" عاطلا عن العمل بعد اكثر من عقدين من حكم "اتباع اهل البيت" ؟؟؟ هذا هو السؤال الذي دفع ويدفع اليوم الكثير من "الأصابع البنفسجية" لمقاطعة انتخابات حرامية اهل البيت.. وعمر ومعاوية ليس لهما "لا ناقة ولا جمل" في معمعة "ذات الدولارات" الحالية !!! 

كيف حصل ان العراق الذي يملك من الموارد ما يؤهله لكي يكون بمصاف سنغافورة خدميا.. يموت فيه والد "عبد الزهرة"  في مستشفيات استعمرتها الجرذان ؟؟؟ كيف حصل ان العراق الذي باع من النفط في العشرين سنة الأخيرة ما يعادل عشرات الترليونات من الدولارات.. كانت كفيلة ببناء دولتين بحجم العراق "من جدة وجديد".. كيف حصل ان هذا العراق ما يزال بلا كهرباء وبلا ماء صالح للشرب؟؟؟؟ كيف حصل ان العراق الذي يقطعه طوليا نهران منحا العالم نظم الري الأولى والحضارات الأولى .. كيف حصل ان هذا العراق يستورد الطماطة من ايران .. بينما عبد الزهرة (كما الملايين) يجلس عاطلا عن العمل؟؟؟؟ هذه هي الأسئلة التي طرحها ويطرحها الشيعي منذ سنوات.. والاجابة الوحيدة التي توصل اليها هي ان "نخب" الشيعة "ليسوا أهلا للحكم والإدارة".. من هنا دعوات مقاطعة انتخاباتهم المحسومة سلفا لنفس الحرامية ممن يمتلكون المال المسروق والسلاح.

قالوا لهم في السابق أنتم فقراء لأنكم شيعة في دولة يحكمها السنة!! وجندوهم بشعار "ماكو ولي الا علي ونريد قائد جعفري".. وخاضوا بهم معارك وانتفاضات طائفية.. قالوا لهم انذاك بأن السماء ستمطر فقهاء ومصلحين.. ولكن السماء امطرت حرامية.. وخيبة امل"الرعية" الشيعية بالحاكم الجعفري كبيرة.. من هنا الاهزوجة التي خرجت من الناصرية ابان انتفاضة تشرين: ما نريد قائد جعفري، تاليها يطلع سرسري"!!

 واحد من تلاميذ الحكيم الصيني "كونفوشيوس" سأله ذات يوم: ما هي الاشياء التي يجب ان تتوفر للحكومة لكي تقوم بواجبها.. كونفوشيوس رد قائلا: الغذاء (لكي تطعم الشعب)، والسلاح (لكي توفر الأمن)، وثقة الشعب". وهنا سأله تلميذه: وإذا ما طُلب منك ان تستغني عن واحدة من بين هذه الأشياء الثلاثة.. فأجابه كونفوشيوس: " السلاح". عندها سأله تلميذه الذي كان يريد الوصول الى جوهر الاشياء: وإذا ما طُلب منك ان تستغني عن واحدة مما تبقى.. فأجابه كونفوشيوس: الغذاء. فبلا ثقة بين الحاكم والمحكوم سينهار كل شيء.

و"عبد الزهرة" سيقاطع الانتخابات لأنه فقد الثقة بالحرامية الذين نهبوا "البيت واهل البيت".. والسيستاني لن يجرؤ هذه المرة على نهي الشيعة عن مقاطعة الانتخابات كما فعلها في السابق.. في السياسة كما في التجارة والعلاقات الاجتماعية.. عندما تفقد مصداقيتك.. تفقد كل شيء.. واظن ولست متأكدا ان كثيرين من الشيعة الذين استمعوا لخطبة عمار الحكيم التي طالبهم فيها بان "لا يضيعوها".. اظن ولست متأكدا.. ان كثيرين من هؤلاء قالوا في ذواتهم شيئا ما يشبه المعنى الذي نجده في جملة نيتشه البارعة: "ما يزعجني هو ليس إنك كذبت عليّ، ولكن هو انني لن اصُدقك بعد اليوم"!! 

2025/09/23

فاصل .. ونعود الى سقيفة بني ساعدة !!

قبل أربعة ايام دعا قائد ميليشيا "حزب الله" نعيم قاسم السعودية إلى "فتح صفحة جديدة" وتنحية الخلافات وإنشاء جبهة موحدة في وجه إسرائيل.. ودعا أيضا الى "حوار يجمد الخلافات التي مرت في الماضي على الأقل في هذه المرحلة الاستثنائية".. نعيم قاسم زادنا في الاستغفال السياسي بيت.. حين أضاف: "نؤكد لكم أن سلاح المقاومة وجهته العدو الإسرائيلي، وليس لبنان ولا السعودية ولا أي مكان ولا أي جهة في العالم".

من كان يتصور حتى الأسبوع الماضي ان "حزب الله".. الذي كانت ابواقه الاعلامية تصف دول الخليج "بالأنظمة العميلة".. يدعو نفس هذه "الأنظمة العميلة" اليوم للتحالف!! من كان يتصور حتى الأسبوع الماضي ان بيادق إيران الذين كانوا حتى وقت قريب يتوعدون "بتحرير مكة والمدينة من رجس ال سعود العميل"!! يدعون اليوم ال سعود للتحالف!!   

متغيرات كثيرة حتمت هذا التحول في الخطاب الشيعي!! هزائم كثيرة حدثت منذ شعار "منصورة يا شيعة حيدر" الذي جاء مع الدبابات الامريكية التي احتلت العراق.. "اصنام" كثيرة سقطت في حملة الدفاع عن "السيدة زينب" التي قتلت وهجرت الملايين من السوريين.. بيجرات كثيرة تفجرت بوجوه من ذهبوا في طريق القدس الذي مر بحلب!! الجغرافية الجيوشيعية تضاءلت كثيرا منذ ذلك الوقت.. ومعها تضاءلت الطموحات الإيرانية.. الحاجة الى حليف تزداد بازدياد شعور الخطر.. نحن هنا في ابجديات السياسة الدولية.. نظام الملالي الذي كان حتى الامس القريب يتباهى بالسيطرة على اربع عواصم عربية.. يلجأ اليوم للعرب بحثا عن حلفاء للوقوف بوجه إسرائيل.

المقولة الشهيرة تقول ان "الإمعات لا تستدير وانما الريح هي من تغير اتجاهها".. وريح السياسة الإقليمية قد تغيرت بشكل كبير مؤخرا.. والغزل السياسي الشيعي للسعودية هو نتيجة لتقلبات المناخ السياسي الإقليمي الذي سببه تذبذب "الضغط الجوي" الإسرائيلي!! واستدارة نعيم قاسم في هذا "الجو العاصف" الذي يسود منطقتنا لا تختلف جوهريا عن استدارة "رئيس هيئة الحشد" فالح الفياض الذي قال مؤخرا ان: "الحشد الشعبي يأتمر حصراً بإمرة القائد العام للقوات المسلحة، وهو غير معني بالرد على أي دولة خارجية".. والفياض ذهب في الغزل السياسي للعم سام الى درجة انه قال في ختام هذا التصريح أن "الحشد معني بالدفاع عن أي جهة، متى ما كُلِّف بذلك رسمياً، ومستعد لفعل ذلك حتى لو كانت السفارة الأمريكية"!!

من الدفاع عن "السيدة" زينب الى الدفاع عن السفارة الامريكية!!!! هذه "الطفرة الجينية" في خطاب حشد السرسرية وسراق المال العام هي نتيجة طفرة تكنولوجية في اسلحة المعركة .. البيجرات مرت من هنا .. قبل ذلك كان حشد السرسرية يستهزئ بالدولة العراقية ومتحديا "القائد العام للقوات المشلحة" بلغة الشقاوات: "الحشد جاء بفتوى ولا يُحل الا بفتوى"!!  

وعود على بدء.. الملايين من السوريين الذين قتلهم وهجرهم سلاح حزب الله بدعوى الدفاع عن "السيدة" زينب.. سيضحكون من قلة حياء نعيم قاسم الذي يقول اليوم بكل صلافة: "نؤكد لكم أن سلاح المقاومة وجهته العدو الإسرائيلي".. عذرا يا سوريين.. حزب الله كان لا يمتلك آنذاك خرائط المنطقة!! وكان يعتقد ان طريق القدس يمر بحلب!!

نعيم قاسم الذي يدعو اليوم لتحالف يقف بوجه إسرائيل ويدعو العرب الى تحديد هوية العدو.. مستشهدا بالآية "ان الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدوا".. هذا "الهتلي" يعتقد اننا نمتلك ذاكرة اسماك.. وبالتالي فأننا نسينا خطاب قائد الباسيج الذي قال ذات يوم ان: "سوريا هي محافظتنا الثانية والثلاثين وهي الأهم استراتيجيا. وإذا ما هاجمنا العدو وحاول الاستيلاء على سوريا والاحواز، فان اولويتنا هو الحفاظ على سوريا والتخلي عن الاحواز. لأننا اذا ما استطعنا الحفاظ على سوريا فأننا سنكون قادرين على استرجاع الاحواز. ولكننا اذا ما فقدنا سوريا فأننا لن نستطيع الحفاظ على طهران"!!  ربما في الجحيم هناك شيطان واحد.. اما على كوكب الارض فهناك شياطين كثيرة!! وبين "شيطانين" نرفض اختيار اقلهما شرا.   

ولكن الادهى من هذا وذاك.. هو ان نعيم قاسم يدعوا الى "حوار يجمد الخلافات التي مرت في الماضي على الأقل في هذه المرحلة الاستثنائية".. بمعنى انه يريد هدنة مؤقته لوضع تجاذبات سقيفة بني ساعدة جانبا.. ثم وبعد ان يتم "تحرير القدس" بسرايا الكبتاغون.. نعود للحرب الطائفية.. فاصل وفاق ونعود بعد ذلك الى تجاذبات سقيفة بني ساعدة!!  تحالف موقت في "هذا الظرف الاستثنائي".. ونعود الى شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا"!!

نعيم قاسم لا يفهم حتى اليوم ان ما يسميه "خلافات" (تصغيرا للحرب الطائفية).. هي اكبر كارثة جيوسياسية حلت بمنطقتنا منذ غزو هولاكو.. فهذه "الخلافات" التي أدت الى تدمير العراق وسوريا واحتلالهما من قبل ايران.. هذه "الخلافات الاخوية" التي قتلت وشردت الملايين.. هذه "الخلافات" القرووسطوية هي من دفعت الملايين من ضحاياها في المشرق العربي بوضع ايران قبل إسرائيل في سلم العداوة.. مما سهّل في نهاية المطاف من مهمة إسرائيل باستباحة المنطقة..  من هنا .. فان شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا" الذي قسم منطقتنا الى احفاد الحسين واحفاد يزيد.. هذا الشعار الضغائني هو من مكّن إسرائيل من استباحة منطقتنا بهذا الشكل المهين.. وبهذا المعنى.. فان "الحسين" ونتانياهو هما فوهة واحدة!!