يقال ان خامنئي انتابته نوبة غضب عارمة عندما سمع عن حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي الذي تسبب بتصفية كبار قادة ايران العسكريين والامنيين والعلماء النوويين في بداية حرب الـ ١٢ يوم.. ترى ماذا كان سيقول اليوم بعد ان زاره الصاروخ الإسرائيلي في "مخبئه السري".. الأموات لا يتكلمون!! "المرشد الاعمى" لُدغ من جحره مرتين!! والاختراق الإسرائيلي مستمر.. فردريك الكبير كان يقول: "ثلاثة رجال خلف خطوط العدو أكثر أهمية من خمسين امام خطوط العدو".
أمريكا اليوم تطبق تكتيك قديم في الشطرنج الامبراطوري: عندما لا تستطيع تغيير قواعد اللعبة.. غيّر اللاعبين.. شخصيا كنت أتمنى ان لا يشارك ترامب في "مراسم دفن خامنئي".. من منطلق ان القنابل لا تقتل الفكرة.. الفكرة يجب ان تموت عضويا.. من الداخل.. ولكن للامبراطورية "منطقها".. ومع ذلك.. القنابل الاسرائيلية لم "تقتل" خامنئي.. كل ما فعلته القنابل الإسرائيلية هي انها دفنت جثة ميتة سريريا.. خامنئي باعتباره ممثل لنظام ولاية الفقيه مات سريريا منذ فترة طويلة.. مات بامراض الفساد والفقر والقمع.. وسردية ولاية الفقيه سقطت قبل سقوط القنابل على قم ومشهد.. سردية ولاية الفقيه سقطت عندما تحوّل "المستضعفون في الأرض" الى قادة ثكنات وتجار مخدرات وكبتاغون.. وشعار "الموت لأمريكا" سقط عندما اكتشف الشعب الإيراني ان أبناء وبنات قادة النظام يحملون الجنسية الامريكية.. وان ابنة رئيس مجلس الامن القومي للنظام علي لاريجاني تعمل في جامعة أمريكية!! وتم فصلها من عملها فقط بعد المجزرة الأخيرة!! باختصار.. خامنئي ومعه سردية التشيّع العلوي(كمشروع نقيض للتشيع الصفوي السلطوي) ماتا عندما راح باسيجي ازعر يدوس بسادية رأس امرأة ملقاة على الأرض بعجلة دراجته النارية!! فقط لأنها رددت شعار الموت للدكتاتور!!
الحرب لا تطرق الأبواب.. الطائرات تأتي بلا موعد.. القنابل لا تستأذن قبل الدخول الى "الدار".. مسلمات الحرب هذه عرفناها مذ كنا صغار.. وتلك المشاهد التي نراها اليوم من على الشاشات.. الانفجارت التي تهز المدن وتنشر الهلع.. سحب الدخان الملوثة للسماء.. صمت الشوارع.. وانكسار المدن بطوابير النازحين.. كل مفردات الحرب هذه.. عشناها و عاشتها مدن عربية كثيرة.. واليوم فقط.. تختبر المدن الإيرانية مفردات الحرب هذه.. احدى الايرانيات قالت لصحفية فرنسية قبل يومين: "صور الدمار في غزة والتي اعتدنا على مشاهدتها خلف شاشات التلفاز.. أصبحنا نشاهدها هنا في إيران".
شخصيا لا اعتقد ان حجم الدمار في إيران وبعد أسبوع واحد فقط من القصف.. يمكن ان يقارن بالدمار الذي تعرضت له غزة او الموصل او حلب.. ولكن ليس هنا المهم.. المهم والجديد هو ان العمق الإيراني يعيش اليوم ما عاشته وتعيشه المدن العربية منذ عقود.. فكل استراتيجية الامن القومي الإيراني كانت قائمة على تقسيم "رقعة الشطرنج" الاقليمي الى قسمين: قاطع خلفي هادئ.. يدخن فيه أبناء الحرس الثوري الافيون الافغاني في ليالي طهران الماجنة!! وقاطع امامي "حلال دم الغزال".. تُدَمَْر فيه المدن والعواصم العربية عن بكره ابيها ويشرد اطفالها في العراء!!! هذا الزمن انتهى اليوم.. طهران وقم ومشهد أصبحت اليوم ساحات حرب تعصف بها الانفجارات.. وسماء المدن الإيرانية أصبحت مغطاة بسحب الدخان المغبر ورائحة الموت.. طهران وقم ومشهد أصبحت اليوم "مسرحا للقنابل والغبار والدموع".. كما يقول تقرير صحيفة فرنسية.
واذا ما استمرت المعطيات التي بين أيدينا اليوم من دون تغيير.. بمعنى من دون فرضية وقف الحرب.. إذا ما استمرت الحملة الجوية الامرواسرائيلية بنفس الوتيرة في الأسابيع القادمة.. فان ايران التي مرت بحالة النشوة الثورية "السائلة" في بداية الثورة.. ثم تحولت الى "حالة صلبة" بمساعدة الدبابة الامريكية بعد احتلال العراق.. ستدخل عما قريب المرحلة الغازية.. مرحلة ما قبل التبخر!!
ايران التي استخدمت مضيق هرمز كوسيلة ضغط وهددت الأسواق العالمية.. دخلت بهذه القرصنة خانة "الرجل المريض" في السياسة الدولية.. الدولة العثمانية عاشت ذات يوم نفس الضغط الجيوسياسي.. وأمريكا التي لم تكن تمتلك مبررات قانونية لضرب ايران في الأسبوع الأول.. استلمت بهذه القرصنة مبررا لتحويل مضيق هرمز الى "محمية" أمريكية.. مقال الواشنطن بوست البارحة يتحدث عن وضع فرقة النخبة المظلية ٨٢ الامريكية في حالة تأهب لإرسالها في عن قريب للسيطرة على جزيرة خرج (٩٠٪ من النفط الإيراني يخرج منها للعالم).. وإذا ما صحت هذه الاخبار.. فأننا مقبلون على سيناريو مُعدّل للسيناريو الفنزويلي.. كش مات اقتصادي.
رغم انني شخصيا اعتقد ان تأمين مضيق هرمز هو هدف هذا التحرك.. لان تأمين مضيق هرمز اهم حاليا من السيطرة على جزيرة خرج.. لأنه شريان لوجستي عالمي.. الجنرال الأمريكي عمر برادلي والذي قاد وهندس لوجستيا اكبر حشود عسكرية في تاريخ البشرية ابان الحرب العالمية الثانية.. كان يقول: "الهواة يتكلمون عن الاستراتيجيا، المحترفون يتكلمون عن اللوجستيك".. تأمين الضفة الإيرانية من الخليج العربي سيكون أولى أوليات الاقتصاد العالمي في الأيام القادمة.. ولن استغرب اذا ما استمرت الحرب لفترة أطول ان تتم عمليات انزال فرقة النخبة المظلية ٨٢ الامريكية في الضفة الإيرانية من الخليج العربي.
مصير دول.. لا بل حتى مصير امبراطوريات كثيرة في التاريخ.. حددته معركة واحدة.. معركة مصيرية واحدة.. وايران كدولة تعيش اليوم هذه اللحظة المصيرية.. البعض وبعد أسبوع فقط من الحرب راح يتفلسف عن عامل المعنويات العقائدي في صفوف الحرس الثوري مما سيمنع انهيار النظام.. نعم العامل المعنوي مهم.. ولكن هذا الطرح كان مقبول في معارك ما قبل الحرب العالمية الأولى.. في حروب "هل من مبارز"!! اما بعد الحرب العالمية الأولى ومع التطور التقني والتكنولوجي للسلاح.. تراجع دور العامل المعنوي تدريجيا في تحديد مصير المعارك.. ومراكز الاستراتيجية العسكرية اليوم تمنحه نسبة ضئيلة قياسا لعوامل نوعية التسليح واللوجستيك.
خذ اكبر جيش عقائدي عددا في كل التاريخ البشري.. تعال الان وضعّ هذا الجيش بمواجهه كتيبة حديثة مجهزة بأحدث تقنيات التسليح اليوم.. تعذرني.. المعركة خاسرة.. ثم لماذا نذهب بعيدا في التاريخ.. الكاميكازي الياباني والانغماسي الجهادي هما أشرس محاربين عقائديين عرفهما التاريخ العسكري الحديث.. ومع ذلك تم هزيمتهما عسكريا.. بالأحرى تقنياََ.. والحرس الثوري الإيراني الذي يستهلك الكبتاغون والحشيش الافغاني لا يمكن ان يقارن بجسارة الانغماسي الجهادي القتالية.. حتى حماس التي كانت "تزامط" قبل اشهر.. رفعت الراية البيضاء اليوم وبعد "خراب البصرة".. وحماس ما هي الا "اخر العنقود" في سلسلة المواجهات بين عنصر المعنويات او العقيدة وبين عنصر السلاح المتفوق تقنيا.
في بداية الرد الإسرائيلي على هجوم ٧ اكتوبر.. وحين بدأت القنابل الإسرائيلية تتساقط على اهل غزة وتدمر بيوتهم وتتركهم في العراء.. سأل أحد الصحفيين محلل قناة الجزيرة الاستراتيجي فايز الدويري: هل من المنطق العسكري ان تدخل حماس في مواجهة غير متكافئة عسكريا مع الجيش الإسرائيلي المدجج بالسلاح؟؟ سؤال استراتيجي بامتياز.. هل تعرفون ماذا كان رد هذا "المحلل الاستراتيجي": "فلسطين عروس جميلة ومهرها غالي" !!!!! وبمثل هذه "الاستراتيجيا الشعرية".. راح مقاتلو حماس يصورون عملياتهم العسكرية ويهدونها بالاسم لهذا المحلل الفلتة.. وبمثل هذا الغزل الاستراتيجي المحفز لمعنويات العشاق تم قتل "العروسة" وتحويل بيتها الى ركام.
باختصار.. نعم.. العامل المعنوي مهم في المعارك.. ولكن دوره لا يقارن في حروب اليوم بدور السلاح النوعي.. القاذفات الاستراتيجية الامريكية ستدخل في الأيام القادمة المعركة.. وسجاد قنابلها سوف لن يترك للحرس الثوري مجالا للنوم.. الا إذا استهلكوا الحشيش الافغاني بـكمية أكبر من المعتاد.. عندها.. تعددت الأسباب والموت واحد!!
الأول من شباط في عام ١٩٧٩.. كان يوما باردا في طهران.. ملايين من الإيرانيين نزلت للشوارع لاستقبال خميني الذي عاد من فرنسا في ذلك اليوم.. احدى اللافتات التي رُفعت آنذاك كانت تحمل عبارة: "الربيع يأتي في الشتاء هذا العام".. ترحيبا بخميني.. بعد ٤٧ عاما من ذلك اليوم.. ملايين من الإيرانيين تكدسوا في شوارع طهران من جديد.. ولكن هذه المرة هربا باتجاه الأرياف خوفا من الحرب.. وإذا ما استمرت هذه الحرب بنفس الوتيرة.. بإمكاننا القول ان "خريف الملالي" سيأتي في الربيع هذا العام!!