2021/04/30

حسين يبحث عن وظيفة

 نشرت وكالة "فرانس برس"مؤخرا تحقيقا صحفيا بعنوان "جيل ما بعد صدّام بلغ سن الرشد ...".. فرانس برس التقت ببضعة شباب .. من بينهم شاب عمره ٢١ عاما واسمه ابراهيم .. ابراهيم هذا ترك المدرسة منذ المرحلة المتوسطة بهدف العمل.. تقرير فرانس برس  يقول ان ابراهيم يقضي يومه في نقل البضائع على دراجة نارية إلى بقالته الصغيرة في وسط مدينة كربلاء لبيعها.. وابراهيم الذي يقف في بقالته بين قطع غزل البنات (شعر بنات) الوردية يقول لـ  "فرانس برس" : "كنت أحلم بالالتحاق بالكلية العسكرية". لكن "الفقير لا يستطيع أن يعيش هنا".


فرانس برس التقت ايضا بشاب اخر من الناصرية إسمه حسين ..  وحسين بحسب تقرير فرانس برس يحاول التوفيق بين الدراسة و العمل لإعالة عائلته المكونة من سبعة أفراد منذ أن كان في سن الثالثة عشرة، وهو يتابع حاليا دراسته الجامعية في كلية العلوم السياسية .. و"رغم أن حسين سيكون أول فرد في عائلته يحصل على شهادة جامعية، لكن أمله بالحصول على وظيفة ضئيل".. لماذا .. لان حسين  يقول لفرانس برس  إن التعيينات "تعطى فقط للمنتمين إلى أحزاب في السلطة أو الى الميليشيات".


كان يا ما كان في قديم الزمان  .. عندما لم يكن الشيعي يحصل على وظيفة في العهود السابقة كان تجار المظلومية يسافرون في قوافل "حرب الجمل" تبريرا لهذه المظلومية الوظيفية !! آنذاك كان تجار المظلومية يقولون لوالد حسين الذي لم يستطع الحصول على وظيفة ان سبب ذلك هو لانه شيعي يعيش في دولة يحكمها السنة .. آنذاك كان تجار المظلومية يقولون لوالد ابراهيم الذي لم يستطع الالتحاق بالكلية العسكرية ان وراء ذلك سبب طائفي اقصائي .. ترى ماذا سيقولون بعد الان لحسين الذي لا يستطيع الحصول على وظيفة ؟؟  وماذا سيقولون بعد الان لابراهيم الذي لم يستطع الالتحاق بالكلية العسكرية ؟؟


حسين يكتشف اليوم فقط ان كونه شيعي لا يمنحه امتياز الحصول على وظيفة في دولة يحكمها حاكم من نفس طائفته.. حسين يكتشف اليوم ما كان يعرفه مئات الألوف من الشباب السُنة في العهود السابقة وهو ان ميكانيك السلطة يعمل بمبدأ الأقربون أولى "بالمعروف".. الاقربون اولى بالسلطة وبالوظائف ..و ان "الانتماء" الطائفي ليس "شرطا كافيا" للحصول على وظيفة .. فمرحبا بحسين على "كوكب الارض".. ان تأتي متاخرا خير من ان لا تأتي !!


حسين يبحث عن وظيفة .. وهناك  ٧٠٠ ألف شاب تقريبا مثل حسين يدخلون كل عام سوق العمل في العراق ويبحثون عن عمل .. وحسين في هذه الأحوال لن يجد وظيفة ..وهذا خبر سيء لتجار المظلومية .. لان"الانسان الجوعان هو انسان غضبان" كما يقول المثل الانكليزي :

 A hungry man is an angry man


ولكنني لا ارى في غضب حسين عمقا سياسيا.. لأنه غضب ضغائني .. غضب مصالح شخصية منفصل عن المصلحة العامة.. حسين لا ينتقد احزاب السلطة لانهم حاملين لايديولوجيا قرووسطوية دمرت العراق.. حسين لا ينتقد احزاب السلطة لانهم يرفعون شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا" الذي حول العراق الى ساحة لتصفية حسابات قرووسطوية.. كلا .. حسين ينتقد احزاب السلطة فقط لانهم لا يمنحوه وظيفة.. امنح حسين وظيفة ستراه غدا يصفق لاحزاب السلطة الحالية ويدافع عن سياساتها.. امنح ابراهيم امكانية الدخول الى الكلية العسكرية ستراه غدا ضابطا يقتل المتظاهرين بالرصاص دفاعا عن السلطة.


تقرير فرانس برس يقول ان جيل ما بعد صدام بلغوا سن الرشد.. ربما بلغوا سن الرشد بايولوجيا.. ولكن ليس هناك اشارات تدل انهم بلغوا سن الرشد فكريا وسياسيا.. لا اطلب من ابراهيم الذي يقضي نصف يومه في نقل البضائع إلى بقالته رأيه في "جمهورية افلاطون".. لا اطلب ذلك من شخص كانت النقطة الابعد في فضاء احلامه هو الالتحاق بالكلية العسكرية"!! الناس اكِلوا خبز قبل كل شيء كما يقول فلاسفة اليونان .. ولكنني كنت انتظر من حسين الذي يدرس العلوم السياسية ان يقول لنا اشياء اخرى اكثر اهمية بملايين المرات من الوظيفة .. فالعلوم السياسية تحتم عند دارسها موقفا "جدليا" مع العالم وهي بذلك ليست كتعلم مهنة ميكانيك السيارات.. انت لا تدرس العلوم السياسية لكي تعثر على وظيفة.


 لهذا السبب كنت انتظر من حسين الذي اكتشف مؤخرا ان انتمائه الطائفي لا يمنحه امتياز الحصول على وظيفة التوقف امام المغزى السياسي الكامن في هذا الاكتشاف المبعثر لمفهوم الطائفة.. كنت انتظر من شخص يدرس العلوم السياسية أن يستنتج تبعات هذا الاكتشاف على مفهوم الحكم في العراق.. على شكل الدولة.. على مستقبل الهوية العراقية.. كنت على اقل تقدير اتوقع من حسين ان يربط ديالكتيكيا بين عدم حصوله على وظيفة في واحد من أغنى بلدان العالم وبين شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا" الذي بعثر مليارات العراق.. ولكن حسين الذي يدرس العلوم السياسية غير معني بكل هذه الاسئلة.. حسين يبحث فقط عن وظيفة.. وحسين في هذا الموقف لايختلف كثيرا عن ابراهيم الذي يقول لفرانس برس "الفقير لا يستطيع أن يعيش هنا" ثم يسكت بعدها.. فكلاهما لا يكلفان نفسيهما عناء السؤال عن الأسباب العميقة المنتجة للفقر والخراب الذي يعم مدنهم وبلدهم.


على بعد امتار من بقاله ابراهيم في وسط كربلاء يتم سنويا صرف مئات الملايين من الدولارات على توسيع وترصيع ضريح شخص مات قبل اكثر من الف وثلاثمائة عام.. ومع ذلك ابراهيم لا يرى اي اشكالية في كل هذه الملايين المهدورة على قبر.. لا بل ان ابراهيم سيذهب لزيارة هذا القبر بين الحين والاخر.. وسيشتري من تجار التصاوير "المقدسة"القابعين هناك صورة علي ماسكا سيف ذو الفقار وفي أسفلها مقولة "لو كان الفقر رجلا لقتلته".. ابراهيم سيعلق هذه الصورة في بقالته كتعويذة ضد الفقر.. ابراهيم سيبقى طوال حياته يبيع "شعر بنات" !!