2010/07/31

الاحمر والاسود

زيد الزبيدي في الاخبار يقول "عندما أنشأ الحاكم المدني الأميركي بول بريمر مجلس الحكم عام 2003، عيّن فيه أمين سر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، حميد مجيد، باعتباره شيعياً".. ثم يقول ما معناه ان الحزب الشيوعي لم تكن له طوال تاريخه علاقة بالهويات المذهبية والطائفية.
القول بان الحزب الشيوعي لم تكن له طوال تاريخه علاقة بالهويات المذهبية والطائفية هو قول إطلاقي ويفتقد للدقة.. فالتاريخ يقول لنا ان الحزب الشيوعي لم يخلوا من "رفاق" انتموا للحزب بدوافع طائفية اوعرقية ..حنا بطاطو مثلا يقول لنا ان “المظلومية” الشيعية كانت من بين الدوافع التي دفعت مهدي هاشم للانضمام الى الحزب الشيوعي .. ومهدي هاشم هو واحد من مؤسسي الحزب الشيوعي في عام 1935 .. وهو حتما لم يكن الوحيد في هذا المسار.
والمقارنة بين سلوك مهدي هاشم وبين سلوك عبد القادر اسماعيل امام قضية سحب الجنسية العراقية عنهما مفيدة في هذا الاطار .. فكلاهما من اوائل الشيوعيين العراقيين .. وقد تم اسقاط الجنسية العراقية عن عبد القادر اسماعيل في 10 آب 1937 من قبل حكومة بكر صدقي الانقلابية .. وقد تم اسقاط الجنسية العراقية عن مهدي هاشم في 6 تشرين الاول 1937 من قبل الحكومة اللاحقة.
ان اسقاط الجنسية العراقية عن مهدي هاشم ادى الى ابراز البعد المذهبي من هويته وذلك عبر تركيزه على ثيمة المظلومية الشيعية .. من هنا مقالته في صحيفة مردام الفارسية في عام 1951 حيث يقول مشتكيا " هناك في السلك الدبلوماسي شيعيان فقط. ومن بين 80 ضابط اركان هناك ثلاثة فقط من عائلات شيعية" (بطاطو ، الطبقات ص.423) .. وهي نفس الارقام الكاذبة التي تداولتها بعد ذلك ابواق المظلومية من دون ان تضع في الاعتبار دور المرجعيات الشيعية التي حرّمت على الشيعة الخدمة في الدولة العراقية آنذاك تحت ذريعة ان الدولة قامت تحت حكم المحتل البريطاني.
تعال الان واقرأ رد فعل عبد القادر اسماعيل وهو "سني" على عقوبة اسقاط الجنسية عنه .. ففي عام 1935 استدعى ياسين الهاشمي خليل اسماعيل وهو شقيق عبد القادر اسماعيل وكان يشغل منصب مدير عام في وزارة المالية وقال له بحدة بان صبره قد نفذ بخصوص نشاط عبد القادر ومقالاته في صحيفة الاهالي .. وأضاف ان عبد القادر يستطيع الحصول على وظيفة مرموقة في الحكومة اذا اراد، وبخلاف ذلك فانه يخاطر بفقد الجنسية العراقية .. رجع خليل شقيق عبد القادر الى البيت وهو حانق على شقيقه ..واخبر والدته بذلك .. حاولت الوالدة اقناع عبد القادر بان لا يتسبب بمشاكل للعائلة وان لايكون سببا في تشتيتها لان شقيقه خليل سيتبرأ منه في حالة اصرار على الاستمرار في نشاطاته السياسية .. فاجابها عبد القادر " لي إخوة كثيرين "في الحزب" ..اعتبريني غير موجود". (بطاطو، الطبقات، ص. 422).
بين العائلة والمبادئ اختار عبد القادر اسماعيل المبادئ التي يؤمن بها .. بتعبير اخر بين الروابط الاولية الضيقة وبين المبادئ اختار عبد القادر اسماعيل المبادئ.. اما مهدي هاشم وفي اول اختبار صعب اختار الروابط الاولية على حساب المبادئ .. اختار الطائفة على حساب مبادئ حزبه التي تتعارض كليا مع الروابط الاولية.. وكثير من الشيوعيين الشيعة فعلوا نفس الشيء بعد افلاس الشيوعية .. وبالتحديد بعد ان اختارت الماكنة الاعلامية الامريكية الترويج لشعار المظلومية الشيعية كمقدمة لاحتلال العراق.. من هنا اصطفاف الكثير منهم الى جانب الاسلامجية الشيعة تحت راية المظلومية الشيعية.
باختصار .. حميد مجيد كما مهدي هاشم هما وجهان لنموذج واحد وهو نموذج ماركس ابو دشداشة الهش فكريا .. انهما يحكيان قصة مسار في التاريخ العراقي المعاصر: مسار خروج من عباءة الملا .. ثم دخول في معطف كارل ماركس .. وعودة اخيرا الى عباءة الملا .. انها قصة "الاسود" الذي صبغ وجهه بالاحمر.. قصة الافكار الحمراء التي ولجت رؤوس مظلمة .. وكما يقول المؤرخ الفرنسي هيبوليت تين " عندما تلج فكرة سياسية مثل تلك الرؤوس فانها تنحط بدل ان ترتقي بها."

2010/07/18

١٤ تموز .. ثورة على الاعتدال السياسي.


قرأت مؤخرا مقالات كثيرة بمناسبة انقلاب/ثورة ١٤ تموز .. ما يستوقفني في اغلب المقالات التي قرأتها هي الصورة النمطية السائدة عن عبد الكريم قاسم .. صورة الرجل العصامي والمتواضع .. فهو مرة "ابو الفقراء" كما تسميه بعض الاقلام الشيوعية .. وهو ثانية "صديق للفقراء" كما يسميه مشرق عباس حين يقول: " الثورة التي يختلف المؤرخون في توصيفها ينفرد زعيمها عبد الكريم قاسم بتعاطف الشارع".. لان "الرجل كان صديق للفقراء، يذكر العراقيون سكنه في بيت صغير متواضع".

ابو الفقراء هو لقب ينتمي لحقل الشعارات .. وهو قد يكون مفيدا في مظاهرة شيوعية في ساحة الفردوس .. ولكنه لا يفيدنا بشيء عند قراءة تاريخنا قراءة جدية .. لان وظيفة مثل هكذا تسميات والقاب هي اثاره العواطف والمشاعر من اجل قمع التفكير.. وخصوصا عندما نعرف ان ستالين ايضا كان يلقب بـ "ابو الفقراء" !!

اولا قاسم لم يكن الرئيس العراقي الوحيد الذي سكن في بيت متواضع .. عارف كما احمد حسن البكر كانا ايضا يسكنان في بيوت متواضعة .. فالقصور والفخفخة الرئاسية اتت مع صدام حسين .. وانت عندما لا تكتفي بـ "لغوة" الشيوعيين العراقيين وتقرأ التاريخ بعمق ستجد ان رجالات العهد الملكي ايضا كانوا يعيشون حياة متواضعة نسبيا .. والحكاية التي تروى عن رئيس الوزراء نوري السعيد وحيدا في السوق يشتري الفاكهة من بقال لم تكن استثناء في ذلك العهد.

ثانيا من قال ان معيار الحكم على رجل السياسة هو فقره او غناه ، تواضعة او تكبره ، صداقته للفقراء او نفوره منهم .. مثل هكذا طرح ساذج هو عدم فهم لغاية العمل السياسي .. انت لا تنتقد صدام حسين لانه كان يملك عشرات القصور الرئاسية كما يفعل
صباح علي الشاهر حين يقارن بين بذخ صدام حسين وبين تقشف احمد حسن البكر الذي كان يملك بدلتين مدنيتين فقط يرسلهما للمكوى بالتناوب كما يقول الشاهر .. ولكنك تنتقد صدام حسين او أي سياسي اخر وفقا للقرارات السياسية التي اتخذها ومخلفات تلك القرارات على العراق.

معاوية كان باذخا في حياته وله قصور كثيرة ولكن قراراته السياسية شيدت اسس الامبراطورية الاسلامية ..علي ابن ابي طالب كان يعيش حياة متواضعة ولكنه كان قائدا فاشلا من الناحية السياسية .. بعبارة اخرى وكما يقول
جوليان فروند في كتابه "جوهر السياسة" : "هدف السياسة ليس انجاز غاية اخلاقية ولكن تحقيق غاية السياسة التي هي الامن الداخلي والخارجي لدولة ما".. بمعنى ان معيار الحكم علي من يتصدى للعمل السياسي هو نوعية قراراته واثر تلك القرارات على امن ومستقبل شعب ما .. هذا هي غاية الفعل السياسي .. واذا ما قام السياسي بذلك .. فسيان بعد ذلك ان كان يسكن في بيت متواضع او في قصر باذخ.

بلا شك ان عبد الكريم قاسم كان متواضعا بالمعيار الاخلاقي .. ولكنه بالمعيار السياسي كان مسؤولا عن مسار عسكرياتي انتهى بتدمير العراق .. فقاسم هو العسكري الذي جعل من الانقلاب العسكري منهجا للعمل السياسي .. وقاسم هو الضابط الذي جعل من الدبابة مفردة من مفردات "الحوار" السياسي .. وقاسم هو اول من استخدم شعار دكتاتوري في تاريخ العراق الحديث تحت مسمى "الزعيم الاوحد".

نعم ثورة تموز احدثت تغيرات جوهرية في الواقع العراقي .. ولكن التغيير الاخطر الذي احدثته ثورة 14 تموز هو انها جاءتنا بنمط جديد من الساسة .. ساسة "سايكوباث" يشكّون بكل من حولهم ولا يثقون الا بمن هو قريب بالدم اليهم .. وهنا المسمار الاول في نعش العراق الحديث .. منذ ذلك الوقت وفي جو مشحون بالمؤامرات والخوف من الانقلابات اصبح السياسي يحيط نفسه بـ "اهل الثقة" وليس بـ "اهل الخبرة".. وهنا واحد من اكبر اسباب خراب العراق .. وظاهرة عبد حمود ما هي الا نهاية لهذا المسار الذي بدأه قاسم في 14 تموز 1958.

قبل فترة قصيرة من انقلاب 14 تموز التقى نوري السعيد بعبد الكريم قاسم وسأله مداعبا : "كرومي يقولون انك تخطط لانقلاب" .. فرد عليه عبد الكريم قاسم حالفا بشرفه العسكري بان ليس هناك صحة لهذه الاخبار ..ونوري السعيد استنادا لاخلاقيات ذلك الزمان صدق كرومي .. نعم .. حدث هذا ذات عراق .. عراق لا زالت "الطواطات" الشيوعية تنعت نظامه السياسي بـ
"حكم الفرد" .. هذا العراق انتهى مع 14 تموز .. بعد ذلك جاء عراق اخر .. عراق يتم فيه تصفية من يشك اعتباطيا بولائهم .. فما بالك بمن تحوم حولهم شكوك التحضير لانقلاب .. بهذا المعنى .. وبهذا المعنى فقط .. كانت 14 تموز "ثورة".. ثورة على الاعتدال السياسي النسبي الذي كان سائدا قبل ذلك.