2008/07/15

ثقافة الحبال .. و"حبال" الثقافة


كتب عبد الاله الصائغ يوم امس مقال عن "ثورة/ انقلاب" 14 تموز 1958.. المختصون بالتاريخ يميزون بين مفهومي الانقلاب والثورة وفقا لمعايير محددة .. كالطريقة التي يتم فيها التغييرالسياسي، موقع القائمين بـ "الانقلاب" في حقل الصراع الاجتماعي او العدد المشارك في التغيير او حجم التغييرالذي يحدثه النظام الجديد ..مثلا، بعض المؤرخين يعتبرون الانقلاب ثورة اذا ما احدث تغييرا جوهريا في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. ولكن الصائغ في مقاله غير معني بهذه الامور .. فحكمه قيمي قائم على معيار الخير والشرالمسترخي على ثنائية ملائكة وشياطين ..لذلك نستطيع ان نقول ان قراءته هي قراءة "شعرية" للتاريخ (بالمعني الشخابيطي لكلمة شعرية) .. وبهذا المعنى فان مقال الصائغ ليس له قيمة من زاوية النظر الاكاديمية

اضافة الى هذا الغياب الاصطلاحي التام ، فمقال الصائغ يحوي من الاسقاطات والمغالطات التاريخية ومن الثقافوية التحقيرية ما ينفع لعمل بحث كامل عن ضحالة المستوى الفكري السائد في وسط "المثقفين المرتزقة" .. وفيه بعد ذلك من الانتقائية والدسية ما يكفي لتغذيه الرؤوس الاسفنجية لعقود معارك جمل قادمة .. لماذا التوقف اذا امام هكذا مقال ضحل .. اعتقد ان "قيمته" تأتي من كونه يمثل اسلوب شائع ومقرؤ جدا من قبل الرؤوس الاسفنجية .. فنحن امام انموذج للاستخدام "الكيفماشائي" للماضي .. والتوقف عنده ليس مضيعة للوقت


فحوى مقال الصائغ الكيفماشائي يمكن تلخيصها بجمل بسيطة : انقلاب/ ثورة تموز والغوغائية التي صاحبتها قد عملت على "عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وتلك العسكرة قد مهدت لكل الكوارث السياسية اللاحقة .. ساترك جانبا عبارة " عسكرة الوعي الجمعي العراقي" .. وساكتفي بسؤال اطرحه وعيني على الواقع سابقا وحاليا: هل هناك "وعي جمعي عراقي" ؟؟؟؟؟؟ الطامة الكبرى في هذا المقال تكمن في مكان اخر .. الصائغ يدين هوسة "ماركس ابو دشداشة" الغوغائية "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" .. ولكنه بنفس الوقت يستعين بالجواهري كمعين في قراءة تاريخ تلك الفترة

الجواهري في قراءة الصائغ الشعرية يلعب دور الحكيم والحكم ليقول ما معناه بان انحراف الثورة وغرقها في مستنقع الدم ناتج عن اعتماد عبد الكريم قاسم "على اناس غير مؤهلين" .. والجواهري يقول لنا بانه عندما سمع اسماء هولاء في بداية الثورة قرأ الفاتحة على الجمهورية.. السؤال الان : اذا كان اولئك "الساسة" غير مؤهلين، فهل كان الجواهري "مؤهل" انذاك !! والسؤال المكمل للسؤال الاول هو: الم يقرأ الجواهري اشياء اخرى غير الفاتحة انذاك !! قصيدة "تحرك اللحد"مثلا .. التي منها تلك الابيات

فضيق الحبل واشدد من خناقهم فربما كان في ارخائه ضرر

أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ مُنطَبِعٌ وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر


هذه هي "مؤهلات" الجواهري انذاك .. الجواهري كان "حبل ثقافي" يدعو للبطش والتنكيل بخصومه السياسيين .. اتعلم ام انت لاتعلم بان "حِبال" الضحايا فم !! قصيدة "تحرك اللحد" تقول لنا ان لثقافة الحبال فم ..والجواهري كان هذا الفم .. ومن هنا فهو اخر من يحق له الحديث عن "المؤهلات" .. هل يعلم الصائغ ام هو لا يعلم بان قصيدة الجواهري " تحرك اللحد" كانت في الاصل مدحا لمن قاموا بانقلاب 1936 وهو الانقلاب الاول ليس فقط في العراق ولكن ايضا في كل منطقتنا .. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري قد اطلق انذاك اسم "الانقلاب" على جريدته تيمنا بـ "ام الانقلابات" .. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري قد اعاد صياغة هذة القصيدة بعد تموز 1958 لكي تتناسب مع اسم "الانقلابي" الجديد .. ويبقى السؤال : متى قرأ الجواهري اذا سورة الفاتحة على "الجمهورية" !! التاريخ لايرحم

اذا كان الصائغ لايعرف تلك التفاصيل فتلك مصيبة .. واذا كان يعرفها ويعمل بمبدأ الانتقائية فالمصيبة اعظم .. قصة قصيدة الجواهري هذه تبين ضحالة وحدود القراءة "الشعرية" للتاريخ .. وهي وبخلاف ما يقوله الصائغ، تبين ان مسار ثقافة الحبال والسحل والقتل والتصفيات الدموية لم يبدأ في تموز1958 .. انقلاب 1936 هو اسبق في تأسيس مسار "عسكرة الوعي الجمعي العراقي" .. اذا جاز استخدام تلك العبارة الاخيرة

ولكي نبقي في الاهم .. قصيدة "تحرك اللحد" يمكن تسميتها "تحرك الحبل" لانها ببساطة قصيدة مؤسسة لثقافة الحبال والسحل والتصفيات الدموية التي لم يخرج منها العراق بعد .. وهي تقول لنا ان الجواهري كان من نفس طينة "ماركس ابو دشداشة" وهوسته السيئة الصيت .. وهي تقول لنا اخيرا شيء مهم غالبا ما يتناساه "المثقفون" .. نعم ثقافة الحبال لها ساستها وغوغاءها .. ولكن ثقافة الحبال والسحل والقتل لها ايضا شعراءها ومثقفيها وخصوصا انصاف متعلميها

قراءة الصائغ "الشعرية" للتاريخ تستدعي المقولة المأثورة : "التاريخ هو حكايات مجانيين تروى لاغبياء

2008/06/30

قاعة امتحان ولا ساحة حرب


اول امس اطلق حراس وزير التربية الفاقد للتربية(الادب سِز) النارعلى طلاب يؤدون امتحاناتهم النهائية في حي سبع ابكار في بغداد ..هذا الوزير عمل من دون ان يريد على تكذيب مقولة نابليون "ساحة حرب ولا قاعة امتحان" .. لسان حال الطلاب، الذين "زارهم" وزير الرصاص هذا، يقول "قاعة امتحان ( ومروحة اذا امكن) ولا ساحة حرب .. فليس كل الناس يمتلكون "عسكراوية" نابليون .. وخصوصا في عصر القتلقراطية هذا

يوم امس كتب احد "اللطميون الجدد" يقول ان وزير التربية هذا هو بعثي سابق .. عذر اقبح من ذنب .. لا يجرؤ على مثل هكذا احتقار لعقول الناس غير اللطميين .. الوزير هو من نخب المظلومية و"المظلومين" ولكن ما ان يقترف هذا الوزير جريمة او ينهب بضعة ملايين من الدولارت حتى يتحول وبقدرة قادر الى بعثي .. السؤال الان هو لماذا يحتاج اللطمي دائما الى بعثي .. كيف حصل وبعد خمس سنوات زرف رؤوس ولازال اللطمي مستمر بلعب دور الضحية

اعتقد اننا هنا امام احدى ميكانزمات الدفاع الفرويدية .. اليوم وقد عمت الكارثة .. اليوم وقد سقطت المظلومية في وحل الجريمة .. اليوم وقد تحول "المستضعفون في الارض" الى مختصين في ثقب الرؤوس .. اليوم وقد تحول الضحية الى جلاد .. فلابد من وهم يعوض قسوة الواقع .. لابد من واحة وهمية وسط صحراء الجريمة التي اشاعوا .. واحه وهمية يرتادها اللطمي كلما احس بوضاعة سلوكه .. بغوغائية فعله .. او بوحشية جريمته .. باختصار يرتادها حين يجد نفسه في نهاية المطاف وحيدا برفقه فشله وفشل خزعبلاته
هناك عند اللطمي اليوم حنين الى قرون اللامسؤولية التي صاحبت دور الضحية الالفي .. ففي عقدة الضحية يكمن مشروع كسل اخلاقي هائل .. كم كان العالم بسيطا انذاك .. جلاد مغتصب للسلطة وضحية بريء .. شياطين و ملائكة.. المظلومية، تلك النرجسية الهائلة التي استلقت على حافات العالم خلال قرون ونظرت له من خلال ثنائية الشرالمطلق والنقاء المطلق يزيد / الحسين، تحولت اليوم الى ظلم هائل بمجرد نزولها الى ارض الواقع التطبيقي .. المظلومية اليوم يجسدها حرامية ومجرمين وسرسرية .. مستوى السقوط الحالي لا يجاريه الا مستوى الاحتقار الألفي للعالم

امام هكذا سقوط مدوي .. امام صحراء الجريمة الحالية .. لابد من واحة وهم يستلذ فيها اللطمي مازوخيا بلعب دور الضحية ..ولكن "تمثيلية" الضحية لاتكتمل من دون جلاد .. من هنا الحاجة الى البعثي .. ليحمل جرائم اللطميون اليوم .. من هنا قول اللطمي من ان وزير "التربية" الذي اطلق النار على طلاب مدارس هو بعثي سابق .. اذا سقط المرء اصبح لطميا

عندما تكذب في المرة الاولى تكون فعالية الكذبة كبيرة ..وربما منفعتها ايضا ..ولكن باستمرار الكذب تتناقص فعالية الكذب ومنافعه .. ولكن اللطميون يجهلون ذلك ..لانهم يجهلون قانون المنفعة المتناقصة .. اتذكر استاذنا في الثانوية حاملا برتقالة بيده يستخدمها كمثال لشرح هذا القانون : "عندما تأكلون برتقالة واحدة تكون المنفعة كاملة .. وبعد ذلك تتناقص المنفعة بازدياد عدد البرتقالات المسافرة في الاحشاء" .. كانت صفوفا ارحم رغم كل شيء

2008/06/18

انهم يرفعون القاذورات


تصور انك في عام 2005 وتقرأ هذا الخبر: " شهدت بغداد يوم امس الثلاثاء انفجار بشاحنة ملغومة بالقرب من سوق مزدحمة بالناس في منطقة تسكنها اغلبية شيعية .. وقد قالت مصادر في الشرطة العراقية ان عدد القتلى قد ارتفع الى نحو 63 قتيلا" وان "أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى" .. تعال الان وافترض انك لم تستمر في قراءة هذا الخبر حتى نهايته .. وبعدها يُطرح عليك سؤال: "من هو المسؤول يا ترى عن هذا العمل الاجرامي ؟؟ قبل الاجابة .. تذكر اننا نتحدث عن عراق 2005 .. قليل من الجهد الذهني رجاءً .. لاتستطيع .. حسناً انا ساقول لك .. لو كنت في 2005 وكنت تقرأ هذا الخبر فهناك نسبة 99,99 بالمئة من الحظ من انك ستجد نهاية الخبر تقول ان المسؤول عن هذا الفعل الاجرامي هم "جماعات مسلحة ارهابية سنية فقدت السلطة وتحاول تخريب العملية الديمقراطية" .. وستختلف التسميات بعد ذلك بحسب مصدر العواء الاعلامي الذي تقرأ .. صحف اللطم والمظلومية ستكتب " بقايا النظام السابق" او احفاد من كسروا ضلع الزهراء ..اما الـ "لوس انجلس تايمز" واخواتها في مهنة عدم البحث عن المتاعب فان ارهاب"القاعدة" هي كليشة كافية وتبيع اكثر في الكوكب الامريكي

تعال الان واقرأ خبر هذا اليوم 18. 6. 2008 كما اوردته رويترز : "ارتفع عدد القتلى في تفجير شاحنة في بغداد الى 63 قتيلا يوم الاربعاء .. وقالت الشرطة العراقية ان أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى في الانفجار الذي وقع يوم الثلاثاء بالقرب من سوق مزدحمة في حي الحرية الذي تقطنه أغلبية شيعية في شمال غرب بغداد .. وأصيب 75 في أعنف هجوم تشهده العاصمة العراقية في ثلاثة اشهر .. والقى الجيش الامريكي اللوم على "جماعات خاصة" وهو تعبير يدل على متشددين من الشيعة يقول الجيش الامريكي ان ايران تدعمهم .. وقال الجيش انه يعتقد ان الهجوم يهدف الى تحريض على عنف شيعي ضد السنة العرب. وأغلب الهجمات بمركبات ملغومة في العراق القي اللوم فيها على تنظيم القاعدة السني ..انتهى

مكان الانفجار .. وسيلة التفجير .. مفردات الخبر وصياغته .. كلها اشياء خبرناها .. الشيء الوحيد الذي تغير في خبر اليوم هو ان المليشيات الشيعية حلت محل الجماعات السنية المسلحة .. ولا تتعب نفسك بالبحث عن ادلة او بالمطالبة بتحقيقات دولية .. دعه يمر ..العم سام اصدر بيان .. ووكالات الانباء قد تناقلت البيان .. والصحف قد نشرت الخبر .. والرأي العام قد قرأ الخبر بعجالة ..وعاشوا عيشة سعيدة ..هكذا يتم تكوين الرأي العام

تعال الان لنغوص في مستوى اعمق لمعنى الخبر .. الجيش الامريكي يصدر بيان يتهم فيه المليشيات الشيعية بقتل الشيعة من اجل التحريض على السنة .. هناك متضمن هائل في هذا الخبر .. نفس الجيش الذي قال لنا ان القاعدة هي من فجرت ضريح العسكري في سامراء .. يقول لنا اليوم ان جماعات خاصة من داخل طائفة الشيعة تفجر الشاحنات في اسواق الشيعة من اجل التحريض على قتل السنة .. هل ترون ما ارى .. هذا يعني استنتاجا ان العديد من تفجيرات السنوات الاخيرة والتي تمت نسبتها الى "القاعدة" كانت "اعمال داخلية" كما حصل في التفجير الاخير من اجل تشويه سمعة المقاومة واثارة الشيعة ضد السنة

السؤال الان : اذا كانت المجموعات الشيعية تلجا الى مثل تلك الاساليب .. فما الذي يمنع فرق الموت الامريكية من اللجوء الى نفس الاسلوب .. خصوصا وان الامبراطورية قد تمت اهانتها عسكريا في العراق .. والاهم ان فرق الموت هو اسلوب عمل استخدمته الامبراطورية في ساحات صراع اخرى ... اعمال فرق الموت التي ادارها نغروبونتي في امريكا الوسطى والجنوبية استخدمت نفس هذا الاسلوب من اجل تشويه سمعة المعارضين الشيوعيين لمشاريع امريكا هناك .. حدث ذلك ذات حرب تسمى "باردة" حين كان العدو هو المد الشيوعي .. ايطاليا السبعينات ايضا شهدت هذا النوع من الاعمال حين قامت المخابرات الايطالية، ويقال عملا بنصيحة "اولاد العم سام من ذوي النظارات السوداء"، بتنفيذ تفجيرات "ارهابية" في الاماكن العامة ونسبتها الى المنظمات الشيوعية تحت لافتة الارهاب الشيوعي .. وحشّنة العدو هي انجع سلاح لتحييده امام الرأي العام

خبر اليوم يفضح مسار واسلوب عمل قذر تسبب في قتل مئات الالوف من العراقيين وهجر اكثر من اربعة ملايين عراقي من منازلهم .. وما يقوله ايضا خبر اليوم هو ان مفهوم الارهاب في القاموس الامريكي هو مفهوم "حركي" .. اقتل من العراقيين ما استطعت اليه سبيلا .. لن يمسُك شيء (جرائم فيلق بدر انموذجا) .. ولكن في اللحظة التي تتعرض فيها لجندي امريكي فانت ارهابي .. سرسرية جيش المهدي الذين حاولوا افراغ بغداد من السنة وبدعم الامريكي الذي كان يريد الضغط على مقاومة السنة .. هم من يقوم اليانكي اليوم بافراغ بغداد منهم .. شخصيا ساكون اخر من يقف امام مشروع رفع "القاذورات" من بغداد .. من يقتل المدينة التي استقبلته مهاجرا لايستحق العيش في تلك المدينة ولا حتى في اكوام زبالتها على الاطراف

2008/05/26

حين كان السيستاني يلعب "طم خريزه" مع بريمر


قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الاسوشيتدبرس خبرا مفاده ان السيستاني قد افتى سرا بان المقاومة المسلحة للمحتل مسموح بها .. ولكن مقربين من السيد (دام ظلامه) نفوا بسرعة هذا الخبر مطمئنين ان ليس هناك من انقطاع في العلاقة التحت ارضية بين سراديب المنطقة الخضراء وسراديب النجف .. الملفت للانتباه هو ان خوان كول الخبير في الشأن الشيعي والذي استشارته الاسوشيتدبرس لم يشكّك بخبر الفتوى .. وهو في مدونته كتب مقال مطول شارحا فيه الاسباب والدوافع من وراءها .. اظن ان كول لم يشكّك بخبر الفتوى لانه يعرف ان مثل تلك الطريقة الكتمانية باصدار الفتاوى شائعة تاريخيا .. من هنا فهو لم يستبعدها خصوصا ونحن في عصر الـ "تكتيك" حبيبي

قد يكون خبر الفتوى ملفقا وقد لايكون .. ولكن الخبر يطرح للنقاش موقف السيستاني من الاحتلال ويطرح للنقاش ايضا شروط فتوى المقاومة المسلحة.. ساضع جانبا الابتذال الهائل الكامن في مفهوم الحاجة الى فتوى لكي تدافع عن وطنك المحتل .. وساركز على موقف السرداب الاعظم من الشيطان الاكبر .. ولمعرفة موقف السيستاني يجب طرح حيثيات هذا الموقف .. السيستاني ممثل للشيعة .. وهو في تعامله مع المحتل يعمل وفقا لمصالح واولويات طائفته .. وطالما ان الشيطان الاكبر (دام ظله ) يراعي مصالح الطائفة والاهم من ذلك لا يضر بدور المرجعية فان موقف السيستاني هو موقف بازاري .. "شيلني واشيلك" .. من هنا موقف السيستاني المهادن للاحتلال .. وساضع في النهاية مقتطفات من مذكرات بريمر تبين هذا الموقف بكلمات السيستاني نفسه

اما بخصوص شروط فتوى المقاومة المسلحة للاحتلال .. فهي تخضع لنفس المنطق البازاري الاول .. السيستاني لمح عدة مرات في السنوات الاولى من الاحتلال الى ثورة العشرين ولدور المرجعية فيها ( وما ادراك ما ثورة العشرين !! فتوى الشيرازي في "ثورة" العشرين هي فتوى "دفاعية" بمفرداتها وصياغتها الحمالة الاوجه ، وهي لم تصدر الا بعد ان القى الانكليز القبض على ابن الشيرازي ونفوه الى جزيرة هنجام ، في حين ان كثير من مناطق العراق كانت ملتهبة قبل تلك الفتوى ) .. و مع ذلك فعلينا ان نحلل معنى تلميح السيستاني الى ثورة العشرين .. لان هناك في ثقافة اللطم قراءتين لثورة العشرين : باطنية وعلنية .. باطنيا المرجعية لاتريد تكرار ما تسميه ادبيات ثقافة اللطم بالخطأ التاريخي بعدم التعامل مع الانكليز .. ثورة العشرين في هذة القراءة هي خطأ ان لم تكن خطيئة .. اما في القراءة العلنية فثورة العشرين هي ليست خطأ وانما حدث يحتفى به بالاحرى يلوح به لاستخدامه سياسيا
من هذه الازدواجية نستطيع ان نستخلص ان تلميح السيستاني الى ثورة العشرين في سنوات الاحتلال الاولى كان لغرض المقايضة .. "تكتيك حبيبي" .. وخصوصا في اللحظات التي كانت المرجعية تشعر فيها ان الشيطان الاكبر (دام ظله) غير واضح النوايا تجاه الشيعة كما هو الحال في بداية الاحتلال او كما حصل ما قبل الانتخابات حين كان الامريكان يريدون تأجيل الانتخابات لعدم توفر شروطها بينما كان "ابناء البيوتات"الشيعية يريدون فرض واقع مليشياتهم التي اعطتنا الكارثة الحالية .. من كل ما تقدم فان السيستاني لن يصدر فتوى المقاومة المسلحة الا حين يعتقد ان مصالح الشيعة مهددة .. اما حجة " نرفض الاحتلال ولكننا نعمل على طرده من خلال المقاومة السلمية والاعتصامات" فهو تبرير قد يقنع مشاهدي قناة الفرات اللطمية .. اما لمن يمتلك ذره عقل فهو نوع الاستهبال

موقف السيستاني من الاحتلال بعد كل تلك السنوات الخمسة واضح لا لبس فيه .. ومن يبحث عن ادلة اكثر يجدها في ما يرويه بول بريمر عن اتصالاته العديدة مع السيستاني في كتابه "سنتي في العراق" الذي صدر عام 2005 وبالتحديد في الصفحات 165 و 166 .. وباختصار فان بريمر يقول انه تبادل مع السيستاني عشرات الرسائل بين شهري تموز وسبتمبر فقط .. وبحسب بريمر فان السيستاني في رسائله كان دائما يشكر سلطة التحالف على ما قدمته للشيعة وللعراق .. والسيستاني كان يرفض اللقاء العلني ببريمر "ليس من باب العداء لسلطة الاحتلال" كما يقول السيستاني لبريمر ولكن لانه يعتقد ان "تجنب الاتصال العلني سيسمح له ان يكون اكثر نفعا للاهداف المشتركة" مع سلطة الاحتلال .. وهنا مقتطفات مما يورده بريمر في كتابه بهذا الخصوص


Just after Liberation, the ayatollah had let it be known through private channels that he would not meet with anyone from the Coalition. And I had not pressed for a personal meeting. Hume, who understood Islam and the Arab world well, succinctly analyzed this situation. “He can’t be publicly seen as cooperating with the occupying powers, Jerry,” he had told me. “Shades of 1920 and all that. And he’s got to protect his flanks from the hotheads like Muqtada. But the ayatollah will work with us. We share the same goals.” p.165

While both the Arab and the Western media lamented the supposed breach between Ayatollah Sistani and the Coalition, throughout the Coalition’s time in Iraq he and I communicated regularly on vital issues through intermediaries. ….And Hume was right. In the early summer, Sistani had sent word to me that his position had not been taken “out of hostility to the Coalition.” Rather, the ayatollah believed that avoiding public contact with the Coalition allowed him to be more useful in “our joint pursuits,” that he would forfeit some of his credibility among the faithful were he to cooperate openly with Coalition officials. As had many secular Shiites and Sunnis, as well as devout but lower-ranking Shia clergy.… In subsequent exchanges I assured the ayatollah that I was well aware of the suffering of the Shia, noting that my first trip outside Baghdad had been to Al-Hillah’s mass graves. And I pointed out that the Coalition was pumping lots of money into reconstruction projects in the Shia heartland. … Between July and mid-September alone, I had more than a dozen exchanges with the ayatollah. Sistani repeatedly expressed his personal gratitude for all that the Coalition had done for the Shia and for Iraq. Pp.166

MY YEAR IN IRAQ , By L. Paul Bremer III with Matthew McConnell. Illustrated. 417 pp. Simon & Schuster

2008/05/12

ديالكتيك الهويات الضيقة

1

احمد الكاتب هو "باحث" شيعي نفى وجود شخصية المهدي تاريخيا وقال باسطوريتها .. المهدي المنتظر لم يولد ولم يغيب ولم يختفي وأبوه ورغم اسطوانة المظلومية لم يكن مضطهدا ولم يُسمم ولم يقتل ولا هم يحزنون، بل كان ينعم بنعم وهبات الخليفة العباسي في سامراء .. لاشيء من كل ذلك الهراء المستجدي لعقول البسطاء والمسحوقين والسارق لارزاقهم .. شخصية المهدي المنتظر هي بحسب احمد الكاتب من اختراع "وكلاء المهدي الاربعة" من اجل كسب الخُمس ..احمد الكاتب يقول ان الائمة انفسهم لم يعتبروا انفسهم معصومين ولم يعتبروا انفسهم ائمة بالطريقة التي تقدمها نظرية الامامة الشيعية الاثنى عشرية والتي سهر على تغذيتها عبر القرون رجال الدين المتاجرين بفكرة الشفاعة والموزعين لمفاتيح الجنة الوهمية

اسطورية شخصية "المنقذ" المنتظر ليست فكرة جديدة بالمرة .. سوسيولوجيا الاديان وخصوصا الدراسات التي تستند الى النظرية البنيوية بينت وجود الفكرة في اديان ثقافات كثيرة فضلا عن اسطوريتها .. من هنا فقيمة مساهمة احمد الكاتب لاتأتي من جدة الفكرة .. ولكن لكون القائل بها شيعي درس ودرّس في حوزة شيعية وفرضيته تستند الى نصوص الشيعة "الرسمية" وامهات كتب المذهب .. ورغم ان الكاتب لايذهب في منهجه الى حدوده القصوى كما تفعل سوسيولوجيا الاديان فان مساهمته تعتبر "ثورة" في عالم السراديب

المذهب الشيعي قائم في جوهره على نظرية الامامة .. احد المختصين الفرنسيين بالشان الشيعي يعرف المذهب الشيعي بـانه "امامولوجي" .. و انت عندما تلغي وجود الامام الثاني عشر فانت تفند بنفس الوقت نظرية الامامة باكملها .. والسؤال هو ماذا يبقى من المذهب الاثنى عشري اذا اسقطنا نظرية الامامة .. السؤال يتضمن اجابته .. ولكن احمد الكاتب لايذهب الى هذا الحد

2

اطلعت امس على رسالة من احمد الكاتب يناشد فيها السيستاني بخصوص بعض الفتاوى الطائفية الموجودة في موقعه الرسمي على الانترنيت .. الكاتب يبدأ مناشدته للسيستاني بشكره جزيل الشكر على دوره " التاريخي الكبير في المحافظة على وحدة الشعب العراقي" والكاتب يخص بالذكر تصريحات السيستاني " المؤكدة على هامشية الخلافات بين الشيعة والسنة".. وتصريحاته "، بعدم وجود خلافات حقيقية بين السنة والشيعة، ودعوته للشيعة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية للسنة قبل أبناء السنة أنفسهم. وتوصيته للشيعة بأن لا يقولوا "إخواننا السنة" وأن يقولوا بدلا من ذلك:" أنفسنا أهل السنة

بعد قراءتي لهذه الكلمات احسست برغبة بالتقيؤ.. العراقيون يحرقون في تنور الزهراء واحمد الكاتب يشكر السيستاني على دوره في الحفاظ على "وحده الشعب العراقي" .. انا شخصيا لا اعرف عن اية وحدة يتكلم الكاتب .. "المجتمع" العراقي اليوم يعيش اكبر صراع طائفي عرفه في تاريخه .. والملا يقول لنا دعه يمر " الخلافات هامشية" .. تلك الطريقة بمعالجة اكبر كارثة عرفها العراق تصيبني بالغثيان .. تلك الطريقة الغبية التي تطرح الاسئلة بطريقة تغيّب اسئلة الازمة هي ايضا تساهم بقتل العراق .. "حسجة الاخويات" هذه لا ولن تنتج غير اجوبة "الاخويات" .. ونحن اليوم نعرف الى اين قادتنا شعارات "اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه" : مباشرة الى تنور الزهراء

احمد الكاتب يستغرب بعد ذلك من ان السيستاني يدعو الى الوحدة مع "انفسنا اهل السنة" وموقعه على الانترنيت ينشر فتاوى في قسم الأسئلة والأجوبة وتتعلق بالصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي السيستاني " بالصلاة ظاهريا معهم" ، ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال " .. احمد الكاتب يستغرب هذا التناقض بين التصريحات الاخوية والفتاوى الطائفية .. انا شخصيا اعتقد ان فقه السراديب هنا لا يناقض نفسه ويمكن تلخيص منطقه الداخلي كما يلي : اهل السنة هم انفسنا.. وبما ان الزواج من النفس ضلال ..فالزواج من اهل السنة ضلال !! ودمتم للنضال الطائفي

انا شخصيا لا ولن استغرب فقه السراديب .. ما استغربه هو استغراب احمد الكاتب الذي يطلب من رجل دين بالكف عن فعل ما يُقيم سلطته .. ما لا يفهمه احمد الكاتب هو ان من دون تلك الفتاوى التي تُنظّر للاختلاف المذهبي لن يبقى هناك مذهب .. المذهب تاريخيا قام ضديا ومن دون تلك الضدية لن يعود هناك مذهب .. فعندما يتوقف السيستاني عن اصدار من مثل هكذا فتاوى منتجة للاختلاف فان سلطته ستنتفي .. واحمد الكاتب الذي قال بنفعية الدوافع التي كرست نظرية الامامة يطلب من رجل دين تقوم سلطته على التنظير للاختلاف بان لايفعل ذلك ..افتونا يرحمكم الله


يقال ان طريقة طرح السؤال تحدد الاجابة .. واحمد الكاتب عندما يطرح مشكلة الطائفية والتعايش المذهبي من خلال التوجه الى رجل دين فهو يحصر الاجابة بفتوى رجال الدين .. وهو بذلك لايقوم الا بتقوية سلطة رجال الدين الرمزية .. لا غرابة احمد الكاتب يبقى بعد كل شي مُنتج حوزوي .. ولكن هذه الطريقة بطرح سؤال التعايش تغيّب اشياء كثيرة واولها الظروف التاريخية التي انتجت التعايش المذهبي في عراق كان يا ما كان في قديم الزمان ..التعايش والتزاوج العبرطائفي الذي عرفه العراق قبل حكم العمامة لم تؤسس له فتوى .. لا بل ان مثل تلك الفتاوى الطائفية كانت موجودة .. لان عمرها قرون .. ولكنها لم تمنع التزاوج العبر طائفي.. السؤال الان هو كيف حصل ذلك التعايش المذهبي رغم وجود تلك الفتاوى الطائفية ؟

طرح السؤال بهذه الطريقة يقترح منظور اخر للاجابة غير المنظور الذي يفرضه احمد الكاتب لمعالجه مسألة التعايش المذهبي وبالتالي التزاوج العبرطائفي.. تكلمت هنا عن ظاهرة التزاوج العبرطائفي .. التزاوج العبرطائفي هو نتاج مشروع الدولة العراقية الحديثة .. والمدرسة المصنع الجيش الجامعة الخ كانت هي الحاضنات التي مكنت التعايش المذهبي وبالتالي الزواج العبرطائفي .. هذه هي مصانع الاوطان في كل الدول .. ونظرية الدولة فيها دراسات كثيرة عن هذا الموضوع .. ليس غريبا ان رجال الدين في النجف وكربلاء قد حاربوا المدارس الحديثة وحاربوا الجيش في بدايات تأسيسه .. تلك المؤسسات هي الادوات التي فتت نسبيا الغيتوهات الطائفية وبالتالي هي قد فتت سلطة رجال الدين القائمين والعاملين على ابقاء الغيتوهات الطائفية

3

احمد الكاتب هو من جيل "جاهد" في سبعينيات القرن العراقي الماضي من اجل تطبيق ما كانوا يسمونه "حكم المرجعية" في العراق .. وهو وكثيرين من امثاله شاركوا في تأجيج الصراع الطائفي في السبعينات .. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. الحركات المهدوية التي ظهرت في السنوات الخمس الاخيرة في العراق استخدمت نفس اسلوب جيل احمد الكاتب في تسييس المناسبات الدينية ..وشيعة السلطة قد ردوا عليها بعنف افضع من عنف سلطة البعث في السبعينات .. امس كما اليوم السلطة قد تحركت ضد خطر يهددها والعامل المذهبي ليس له علاقة في الموضوع ..ولكن ثقافة اللطم وظفت تحرك السلطة ضدهم في عام 1974 و 1977 من اجل وصف السلطة بالطائفية .. لم يكن التركيز على قمعية النظام .. لا ..وانما على طائفيته .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي .. وهم في ذلك كانوا متناغمين مع مشروع عالم السراديب

خطتهم في تسييس "المقدس" والاستفادة منه حركيا كانت فعالة .. ورغم ان رد السلطة البعثية على "مهدويات" السبعينات كان متواضعا قياسا للقمع الذي مارسه شيعة السلطة مؤخرا ضد مهدويات اليوم .. إلا انهم ضربوا على اوتار حساسة داخل "نخب" سياسية خرجت توا من سجن الملّة ... مقالة اوفرا بنجيو في الـ "ميدل ايسترن ستديز" وعنوانها "الشيعه والسياسة في العراق البعثي" (المجلد 21 عدد 1 لسنة 1985) تتناول تلك الاحداث بتفصيل جيد .. وهي تقول ان تلك الاحداث قد ساهمت في سقوط جناح احمد حسن البكر المعتدل داخل مجلس قيادة الثورة وصعود جناح صدام حسين المتطرف .. وتقول ان اقصاء احمد حسن البكر ووضعه تحت الاقامة الجبرية جاء نتجة لهذا الصراع بين الجناحين حول كيفية التعامل مع خطر الاسلام الشيعي في الداخل وخصوصا بعد قيام الثورة الايرانية .. بمعنى ان جيل احمد الكاتب قد ساهم على طريقته باشعال الحرب العراقية الايرانية .. واحمد الكاتب يعترف بذلك .. ومنظمة العمل الاسلامي التي ينتمي اليها الكاتب هي اول من لجأ الى التفجيرات الارهابية في عراق ما قبل الحرب العراقية الايرانية

دارت عجلة الزمن .. جيل احمد الكاتب "يحكم" اليوم في العراق بفضل "الشيطان الاكبر" كما تسميه ادبياتهم .. وهم حتى اليوم لم ينجحوا في ادارة مدينة كما ينبغي .. وقد وصلوا بالعنف الطائفي الى درجة لم يشهدها العراق في تاريخه .. وتدميرية نظامهم الميليشياوي هو اسؤ شيء حصل للعراق منذ المغول .. واحمد الكاتب يناشد السيستاني اليوم من اجل التعايش المجتمعي .. "شكرا" احمد الكاتب على الجهود .. ولكننا لا ننتظر شيئا من رجل دين قروسطوي .. لانه ببساطة جزء من المشكلة .. و"شكرا" ايضا على بحوثكم .. ولكننا لم نكن ننتظر "غودو" .. نحن لم نكن ننتظر اساطير وخزعبلات غبية .. كنا ننتظر اشياء من هذا العالم .. كنا ننتظر تراكم اكبر .. كنا ننتظر نضوج وطن .. وطن تقتله اليوم ثقافة الكرهه التي غذتها عمامات السراديب التي ربتكم .. تلك المسوخ التي تقتل اليوم بتنور الزهراء والدريل هي مخلوقات ساهم في خلقها نضال سراديبكم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .. كل فتاوى العالم لن تستطيع بعد اليوم اعادة ذلك التعايش الذي كان يا ما كان في قديم الزمان .. قبل ان تخرجوا من سراديبكم

كلمة اخيرة .. "ابو ذر" يسأل متعجبا : لماذا تعيش في لندن وقد دعوت الى حكم السراديب .. هو يفهم انك هربت من ايران لأنها قد تحولت الى دكتاتورية ولاية الفقيه كما تقول .. ولكن هناك "خلف السدة" يحكم فقه "مدرسكم" اية السرداب العظمى .. عجّل ثم عجّل .."ابو ذر" يدعوك الى اجتماع عاجل خلف مخيمات اللاجئين الشيعة في اطراف النجف وكربلاء .. ابو ذر مستاء يقول ان اهالي المدينتين لايرحبون بـ "الشروكية" .. لا بل انه استاء اكثر حين سمع احد المسؤولين فيهما يقول ان اهالي النجف يريدون المحافظة على هوية مدينتهم .. تصور .. مدن السراديب ..المدن المقابر .. تقبل الاموات من كل العالم لكنها ترفض احياء العراق .. ابو ذر يقول لك ان ديالكتيك الهويات الضيقة يكشف هنا عن عهره

2008/04/30

شيء من التاريخ


في كتابه "المسألة العراقية" يستغرب بيير جان لويزار وهو احد الباحثين الفرنسيين في الشأن العراقي من ان حنا بطاطو الذي كتب "انجيل العراق" بحسب تعبيره لايكرس اهتماما كبيرا لدور الدين في المشهد السياسي العراقي .. الخطأ الذي يقع فيه الباحث الفرنسي هو انه يرى عراق الستينات بنظارات عراق اليوم وهو بذلك يسقط الحاضر على الماضي .. احد الفلاسفة الالمان كان يقول من في رأسه مطرقة يرى كل الاشياء امامه على شكل مسامير.. وهذا الباحث الفرنسي كرس حياته لدراسة الحركات الاسلامية وهو لا يرى غير ذلك .. من هنا فهو لايتقبل حقيقة ان دور الدين انذاك لم يكن كبيرا في المشهد السياسي العراقي كما هو اليوم

كما ان عراق العشرينات من القرن الماضي لايشبه عراق الستينات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..فان عراق الستينات والسبعينات لايشبه عراق التسعينات وعراق اليوم.. استغراب الباحث الفرنسي هذا يمكن طرحه على شكل سؤال : ترى لماذا تطرق حنا بطاطو لتاريخ العراق المعاصر من خلال المنظور الطبقي وليس الديني او الطائفي ؟ هنا نحن امام سؤال اكثر حيادية من استغراب الباحث الفرنسي والذي ينظر للماضي من خلال الحاضر وهو بالتالي يفرض ديناميكية الحاضر على ديناميكية الماضي

حنا بطاطو كان يرى عراق الخمسينات والستينات والسبعينات فلا غرابة انه ركز على البعد الطبقي وعلى الاحزاب العلمانية التي شكلت تجربة حزبية عبرطائفية .. وهو لم يعطي اهتماما لدور الدين لانه لم يكن مؤثرا في الساحة السياسية العراقية انذاك .. لقد اكتسحت افكار الاحزاب العلمانية الشارع العراقي لانها كانت تجيب على اسئلة وحاجات ذلك الجيل .. علينا ان نتذكر مثلا ان مكتبات النجف كانت انذاك تبيع كتب من مثل "السيف البتار على الكفار الذين يقولون المطر من البخار" ..والباحث الفرنسي لايعرف ذلك .. فقط عندما نعرف ذلك نستطيع ان نفهم اثر "المادية الديالكتيكية " او حتى افكارها المبسطة على شباب ذلك الجيل

لا بل ان تأثير الماركسية نجده حتى عند رجال الدين وابرز مثال هو محمد باقر الصدر .. فكتابيه "فلسفتنا" و"اقتصادنا" ليس سوى محاولة ضحلة لاستعارة مكشوفة واسلمة للكثير من الافكار والمصطلحات الماركسية .. وعناوين كتب الصدر لوحدها تحكي هذا التأثير.. فتوى محسن الحكيم ومرتضى الياسين في الستينات والتي حرمت الانظمام الى الحزب الشيوعي هي ايضا دليل على تعاضم دور الافكار العلمانية في الوسط الشيعي .. وهي رد فعل على الحزب الشيوعي الذي كان يحصد الرفاق حتى داخل بيوتات رجال الدين .. وتلك الفتوى لم تمنع الكثير من الشيعة من الانضمام الى الحزب الشيوعي

هنا مقتطفات من كتاب بطاطو تشرح نبض الشارع العراقي انذاك .. في المقتطف الاول يصف حنا بطاطو الجو الفكري والاجتماعي لتلك الايام ويصف دور الاسلام في المجتمع العراقي انذاك او على الاقل ضمن الشريحة التي شكلت التجربة الحزبية ثم هو يروي بعد ذلك قصة انجذاب عبدالله مسعود وهو شيعي من عائلة متدينه نحو الشيوعية .. ومسعود كان احد قيادي الحزب الشيوعي عندما التقاه بطاطو


“ there was an unassuaged thirst for ideals. The elements directly affected were, of course, the youth of Iraq, and especially the students. The Islamic (Shi’i or Sunnis) ideas, which had for long been the mainstay of the people, were in state of progressive decomposition. At least as then formulated and interpreted, they were out of accord with the needs, desires, and life experience of an ever-widening number of socially conscious Iraqis. Islam to be sure, still preserve its impressive outward front, but in reality had lost much of its life-furthering power” (Batatu 1978, p.480).

“ when reading a forbidden book he first came across the idea that the distinction between men were not God-given but were du to humain and historical causes, the idea was to him “something like revelation”. There was nothing in his previous experience to suggest anything different. He had taken for granted the Qur’anic injunction: “and as to the mean of livelihood we have preferred some of you to others” (Batatu 1978, 481).

2008/04/09

حكومة من ورق


L’anarchie n’est pas l’absence de gouvernement mais c’est un gouvernement faible.


الفوضى ليست غياب الحكومة ولكنها حكومة ضعيفة" .. لم اعد اذكر من هو صاحب هذه الجملة الكثيفة .. اليوم تكتمل خمس سنوات احتلال .. خمس سنوات فوضى .. في عراق الاحتلال الفوضى هي العلامة الطاغية .. في كل مكان فوضى .. في المدارس حيث عاد الملا القروسطوي .. في المستشفيات حيث يعالج الناس بأدوية فاسدة او مخصصة للحيوانات .. وفي الجامعات التي شوهتها قاعات اللطمية .. وفي الوزارات التي ما ان يسرق قسما من اقسام احداها حتى يشب فيه حريق يمحو اثار "مظلومية" مرت من هناك على عجل .. خمس سنوات احتلال .. خمس سنوات فوضى

كل ما تلمسه يد حكومة الاحتلال يتحول الى فوضى .. واخر "لمسة" حكومية لم تشذ عن ثابت الفوضى هذا .. ما اراد لها المالكي ان تكون "صولة فرسان" .. احتفالية عرض عضلات تتزامن مع "ذكرى" خمس سنوات على "تحرير" الفوضى الخلاقة قد انتهت بأكبر صفعة تلقاها "المشروع الامريكي في العراق .. "صولة الفرسان" كشفت عن عمق الفوضى في ما يفترض ان يكون "النموذج" المؤسساتي لحكومة الاحتلال .. الجيش الذي خصصت له مليارات الدولارات (ونهبت في صفقات تسليحه مليارات) ظهر في اول اختبار له على شكل فوضى

لقد وصل الفشل في "صولة الفرسان" الى درجة ان قائد كبير في الجيش يرفض تنفيذ الاوامر لانه يعتقد ان الحكومة غير قادرة على حمايته و حماية عائلته اذا ما هو قاتل مليشيا جيش المهدي المتنفذة امنيا .. البعض تحدث عن عصيان عسكري داخل الجيش .. المصادر الحكومية تكلمت عن الف جندي وضابط رفضوا القتال او سلموا اسلحتهم لميليشيا الصدر .. من يصدق ارقام الحكومة ؟؟ الواشنطن بوست ذكرت ان مسؤول كبير في وزارة الدفاع العراقية لم تكشف عن اسمة قال لها ان ثلاثين بالمئة من القوات العراقية قد فر من المعركة .. اما شبكة الـ "ان بي سي " الامريكية فقد قالت ان نصف عدد القوات العراقية قد فر

فقط عندما نعرف تلك الارقام نفهم الحالة العصبية المهتزة التي ظهر فيها المالكي وعكستها هستيرية تصريحاته وتناقض قراراته .. وفقط عندما نعي خطورة تلك الفوضى التي ضربت الجيش نفهم عرض الهدنة الاول لثلاثة ايام .. ثم تمديدها بعرض هدنة اطول .. كل تلك الخطوات كانت من اجل كسب الوقت وللتغطية على التشرذم الذي ضرب الجيش ... وفقط النفوذ الايراني وقدرته على جمع خيوط الاطراف الشيعية المتصارعة كان قادرا على تدارك هذا الفشل الكارثي وانقاذ ماء الوجه .. فليس من مصلحة ايران ان يظهر شيعة السلطة بهذا المظهر القرقوزي .. الطريقة التي جمع بها ممثل خامنئي الاطراف الشيعية المتقاتلة في قم وحل الازمة خلال ساعات تنم عن قدرة هائلة في تحكم "الملا" الايراني ببيادقه .. الطريقة التي تم بها "الاتفاق" وسرعة اتمامه تبين ان مصطلح "الاحتلال الايراني" ليس تعبيرا مبالغا فيه

فشل "صولة الفرسان" في البصرة وامام مليشيا سرقة نفط أدت الى تطور مهم في الجنوب : الحكومة اضطرت الى الاستعانة ببنادق العشائر.. وهنا نحن امام اهم مخلفات "الصولة" ميدانيا .. اغلب الاطراف في "الائتلاف" الشيعي كانت ترفض دورا امنيا للعشائر .. هم يعرفون ان اعطاء العشائر دورا امنيا سيعني اعطاء الشيخ على المدى البعيد دورا سياسيا قد ينافس العمامة .. لذلك هم رفضوا خيار الصحوات قبل هذا التاريخ .. ولكن فشل الاجهزة الامنية في البصرة قد ترك الحكومة بلا بنادق .. "الملك عاري" .. المالكي بعد عرض التشرذم الاخير لم يعد يملك اوراق كثيرة يناور بها امام مخطط الامريكي "حلول عراقية لمشاكل عراقية" الرامي الى الاعتماد على بنادق العشائر في فرض الامن .. الامريكي يريد تغير اللاعبين من اجل تغير اتجاه اللعبة .. موسم هجرة الصحوات الى الجنوب قد حل

يبقى السؤال الاشكالية الذي سيفرض نفسه بعد اليوم بقوة : اذا كان الجيش، وهو المؤسسة التي يفترض بها ان تكون الاكثر التزاما بالنظام، على هذا المستوى من الفوضى .. واذا كان ولاء هذا الجيش ليس للحكومة وانما للميليشيات .. فأين اذا ستجد الحكومة الطاعة والولاء .. هنا نحن امام المعطى السياسي الاهم لـ "صولة الفرسان".. الضعف البنيوي للجيش قد كشف عن الخواء "المعنوي" لحكومة الاحتلال .. "صولة الفرسان" كشفت عن مرض نقص المناعة الذي يصيب عادة حكومات الاحتلال .. نقص الشرعية يؤدي الى نقص "معنوي" .. والنقص المعنوي بدوره يسبب نقص في الولاء الوطنى .. وبلا ولاء وطني، تتحول البندقية الى كتلة حديد ترمى في اول اشتباك حار .. وحكومة بلا بنادق .. هي حكومة من ورق