2008/09/29

فنجان قهوة مع لينين .. في مديح البرجوازي


في الاسابيع الاولى بعد وصولي الى هذا البلد الأمين .. وكان ذلك قبل سنوات طويلة .. اصطحبني صديق عراقي في جولة حول المدينة التي يسكن .. احدى محطات تلك الجولة كان مقهى من مقاهي تلك المدينة المزدحمة بالمقاهي .. دخلنا المقهى .. جلسنا .. واذا بصديقي يشير الى طاولة بجانبنا : "هنا كان يجلس لينين" .. وهنا في هذا البلد الذي يحنو على الأشياء التي اتعبها التاريخ .. مثل تلك الطاولة تصبح "محج" سياحي .. "فنجان قهوة مع لينين" قال صديقي .. انا شخصيا لا احب القهوة ولا احب لينين .. ولكنني احب ارتياد المقاهي.

قبل ايام التقيت لينين هذا للمرة الثانية .. التقيته في كتاب يتطرق للسياسة الدولية اثناء الحرب العالمية الاولى وبالتحديد حين كان لينين لاجئا في هذا البلد الامين .. الحرب العالمية كانت مشتعلة آنذاك .. والاشتراكيين الأوربيين كانوا منقسمين حول الموقف السياسي من تلك الحرب .. قرأت الكتاب وطاولة لينين كانت حاضرة معي .. لينين يدخل مقهاه .. لينين يشرب قهوته الصباحية .. لينين يتناول جريدته المستلقية على تلك الطاولة.. لينين يقرأ اخر الأخبار .. وجه لينين (الذي يشبه وجه ملاكم) يبدأ بالتشنج .. لينين قد عرف للتو إن زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية العالمية قد اصطفوا مدافعين كل منهم عن موقف بلاده .. لينين يسافر في نوبة من نوبات غضبه المشهورة .. فم لينين يبدأ بتخريج كلمات نابية : "خونة ، برجوازيون .. سفلة .. أنذال .. كيف يضحون بالمبادئ الاشتراكية من اجل بلدانهم" .. نفهم غضب لينين حين نعرف ان سلوك زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية يزيد من عزلته خصوصا وسط رفاقة الروس الذين لا يفهمون موقفه المعادي لبلدهم روسيا .. لينين يحتاج الى فلسفة موقفه .. لينين ينحني على تلك الطاولة ويبدأ بوضع افكاره على الورق .. لينين يكتب " اطروحاته السبعة عن الحرب" حيث يقول " ان اهون الشرين ، من وجهة نظر الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في روسيا، هو هزيمة الملكية الروسية وجيشها" .. وهكذا كان .

تنجح عقيدة لينين وتسقط روسيا القيصرية .. ولكن عقيدة لينين لم تنجح من دون تعكزها على المساعدات السخية التي قدمتها المانيا والدولة العثمانية للمعارضين الروس.. المانيا والدولة العثمانية كانتا بحاجة ماسة لتحييد الجبهة الروسية.. "المخابرات" الالمانية والعثمانية تجندان عملاء من داخل المعارضين الروس من اجل التسريع بقلب النظام القيصري .. "تاجر الثورة" الكسندر اسرائيل هيلفلاند .. القيادي الشيوعي الروسي من اصل يهودي والذي تحول الى رجل اعمال يؤدي دور الوسيط .. لينين يرفض في البداية .. لينين يتردد بعد ذلك .. لينين يركب في النهاية القطار الالماني الخاص الذي نقله عبر اوربا الى روسيا .. "المخابرات" الالمانية تتمنى لكم رحلة سعيدة .

لا يهمنى في تلك القصة موقف لينين الذي يفضل هزيمة بلده على هزيمة عقيدته .. ما يهمني هو موقف الاشتراكيين الأوربيين .. بين العقيدة والوطن، لماذا اختار الاشتراكيون الأوربيون الوطن ِ؟؟ بين الاممية وبين "الحدود" لماذا اختاروا الدفاع عن حدود بلادهم .. هنا سؤال مهم .. سؤال ضروري ..سؤال ملح خصوصا ونحن نعيش تداعيات زمن "انا الطم اذا انا موجود ، وليذهب الوطن للجحيم " !! أتخيل حجة الاشتراكيين الاوربيين : " الاوطان قبل العقائد" .. "برجوازية " يقول صاحبنا لينين .. ليكن.. مثل هكذا برجوازية تعجبني .. ان تكون برجوازيا امام رومانسية الشعارات يتطلب شجاعة وامانة فكرية ليست متوفرة لكل من هب ودب .

مثل هكذا "برجوازية" تستوقفني .. لانها تطرح اشكالية دمرت العراق .. بين الوطن والعقيدة يختار البرجوازي الوطن .. يختار سلامة الوطن ..امن الوطن ..وجود الوطن المهدد .. هناك عند البرجوازي حس بالمسؤولية لا يتوفر عند المحلقين في فضاء المطلقات المجردة .. هناك عند البرجوازي ارتباط اكبر بحقائق الارض .. بالواقع .. بالدولة .. هل "مُلكيته" تجعله يتخذ مثل هكذا موقف كما يقول لنا لينين ؟؟ اذا فلتحيا المُلكية .. نعم فلتحيا المُلكية المنتجة لمواطنين يفكرون ببرغماتية .. والى الجحيم كل الشعارات التي تجعل الناس يتصرفون كقطعان غنم تركض نحو حتفها .. تلك الروح القطيعية سادت بالامس وحصلنا على "ثقافة" الحبال.. وسادت اليوم وحصلنا على "ثقافة" الدريل .

لقد جعلت الايديولوجيا الشيوعية من مفردة برجوازية شتيمة .. ولكن معنى المفردة لم يكن تاريخيا كذلك .. صحيح ان المفهوم الفرنسي الحديث يعطي للبرجوازي معنى "شخص محافظ او نمطي وبلا مثاليات" ولكنه استخدام متأخر زمنيا .. وهو معنى من بين معاني اخرى كثيرة .. في سويسرا التي احتضنت لينين لاجئا يشرب قهوته الصباحية بهدوء على تلك الطاولة .. في هذا البلد الامين يأخذ مفهوم البرجوازية معنى المواطنة .. ولقب برجوازي في كثير من مدنها يمنح للشخصيات المميزة في المدينة تقديرا لمساهمتها في تطوير المدينة .. وهذا الاستخدام السويسري يعيدنا الى المعنى الاصلي للكلمة .. البرجوازي (من الالمانية بورغ) هو ساكن المدينة .. وفيه نجد اهم ما يميز البرجوازي سوسيولوجيا : هضمه لسلوكيات وقواعد التعامل المديني .. من خلال تطويره لسايكولوجية نمت فيها الانا العليا (الرقيب الذاتي) الى درجة انها لاتحتاج الى رقابة خارجية كبيرة لكي تتصرف مع الاخرين بتحضر .. اما عن نمطية البرجوازي التي يشير اليها المعنى السلبي للكلمة فسببها احترام صارم للقواعد الاجتماعية .



المثقفون عملوا على إشاعة صورة سلبية عن البرجوازي .. هو عندهم نقيض لصورة الفنان او الفوضوي الرومانسية .. من حق المثقف الغربي الذي راكمت بلاده مؤسساتها المدنية والسياسية ان يدعو الى الفوضوية .. ولكن مثل هكذا دعوة عند المثقف العربي تستحيل الى سذاجة في احسن الاحوال .. و في اسوءها خيانة لعذابات الناس المطحونين في فوضى مجتمع يتخبط في خزعبلاته .. مجتمع لم يراكم بعد ثقافة مدنية على الاقل عند الاغلبية القادمة من الارياف .. ثقافة الشعراء البزاخة القادمة من "خلف السدة" لازالت تفتخر بمشهد شاعران يتعاركان بالأيادي من اجل قصيدة .. يحدث ذلك عادة بعد اول قدح !! شخصان فقط .. لكنهما غير قادرين على التعايش حول طاولة !!"مثقفونا" يتسألون وعبر طرح غبي عن سر ثقافة العنف والدكتاتور.. وهم أنفسهم لم ينموا او يطورا سلوكيات مدنية .. السيطرة على الغرائز الشخصية وكبت نوازع العنف الداخلي هي اهم ما يميز السلوك المدني البرجوازي المستند الى سايكولوجيا مدينية .. والمجتمعات المسالمة هي مجتمعات انتجت ، وعبر تراكم اجتماعي اقتصادي وخصوصا تربوي طويل، هذا النوع من البشر الحاملين لتلك السايكولجيا المدينية .

احد المؤرخين الفرنسيين يقول "بلا برجوازية ما كان ليكون هناك حضارة فرنسية" .. جان كوكتو يقول نفس الشيء بجملة رائعة : "خلف كل عمل فرنسي مهم هناك بيت، حساء، نار ، نبيذ ، غليونات" .. كوكتو ومن خلال ثقافة عميقة يعرف ان الفلسفة الفرنسية انتجتها صالونات شجعت الفكر كما اشاعت سلوك التعامل الاجتماعي المتحضر .. ناهيك عن ان دور النشر في اوربا كانت مهنة "برجوازية" .. من أين لنا بشعراء على هذا المستوى من الفهم العميق للتطور الاجتماعي !! الجواهري كان يعتاش على موائد وعطايا رجالات الملكية في الليل ويخرج في النهار في مظاهرات ترفع شعارات " الموت للبرجوازية" !! لامسؤولية هذا "الحبل الثقافي" ليس لها حدود .

كل ما له قيمة في العراق المعاصر كان من انتاج "البرجوازيات" العراقية .. حتى ازدهار الحركة الثقافية في خمسينات العراق وستينياته كان نتيجة للتراكم الذي تم في العهد الملكي .. مثقفو اليسار العراقي يعتقدون انهم هم من كانوا وراء تلك الحركة .. عقليتهم اللاسوسيولوجية تمنعهم من فهم شروط امكانية مثل تلك الحركة .. فهم يختزلوها باسماء مشهورة كما يختزلون الازمة بشخص الدكتاتور.. الواقع كذّب "محكياتهم" .. فالواقع اثبت أنهم ما ان استلموا السلطة حتى اختصروا الثقافة في ثنائية الحبال و الردح .

قبلهم كان هناك "كشك جرائد".. واختلاف سياسي يظهر نسبيا في الشارع .. وجامعة يحاضر فيها اساتذة من عيار البرت حوراني .. كل ذلك اختفى حين طفح على السطح "ماركس ابو دشداشة" وجيل انصاف المتعلمين البوقي : "الموت للبرجوازية .. الموت للبرجوازية" .. لم لا .. ولكن كان علينا ان نفهم ما يعنيه ذلك .. فعندما تموت البرجوازية في مدينة ما، يموت كل شيء في تلك المدينة .. من "البزونة" الى أستاذ الجامعة .

هناك تعليقان (2):

  1. شكرا للمواضيع الجميله و المفيده

    ردحذف
  2. غير معرف18 مارس, 2009

    ابو يحيى العراقي
    هل هذا يعني ان البرجوازي لن يكون من ضمن جوقة اللبراليين الجدد و مجموعة كتاب المارينز العرب لابد لكي تكتمل الصورة و يصح الاستقراء لابد من اجالة النظر اكثر و نحن بحاجة لهكذا استنارة على يديك

    ردحذف