2009/12/27

ما قاله ارسطو عن الهريسة

Le juge d’un diner n’est pas le cuisiner, mais celui qui doit le manger. Aristote

فريد زكريا وفي مقال نشرته الواشنطن بوست قبل ايام يقول ان في العراق دلائل تشير الى ان البلد في طريقه لكي يصبح نموذج ديمقراطي للبلدان العربية.. المذهل ان من بين الدلائل التي يستند اليها زكريا في حجته هذه هو ان "خطب الجمعة في العراق اليوم اصبحت تركز نقمتها على الفساد السائد في العراق وليس على المخططات الامريكية" !! تصورا.

من يقول لـ فريد زكريا ان البلدان العربية التي تستقبل ملايين اللاجئين العراقيين اللذين شردتهم الديمقراطية.. ستضحك على سذاجته حين يسمعونه يقول ان العراق الحالي هو نموذج للبلدان العربية .. ومن يقول لـ زكريا ان بعض اشد المعارضين العرب للدكتاتوريات العربية اصبحوا اليوم يترددون امام كلمة ديمقراطية بعد ان شاهدوا مخلفاتها الكارثية.. ومن يقول اخيرا لـ فريد زكريا ان تركيز خطب الجمعة على الفساد هو بالتحديد مؤشر على فساد تلك "الديمقراطية".

هذا العمى في تقييم الوضع في العراق هو نتيجة جهل بما يعيشه الناس في العراق .. زكريا يقول ما يقول لانه يجهل معاناة العراقيين في ظل الديمقراطية المحمولة جوا.. فـ فريد زكريا وامثاله من المعلقين السياسيين الأمريكيين يعتمدون في استنتاجاتهم على ما تقوله تقارير سكان المنطقة الخضراء.. والمعايير التي يستندون اليها في تكوين احكامهم هي معايير مجردة لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الناس اللذين يعيشون ذلك الواقع .

فريد زكريا الحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من اشهر الجامعات الامريكية بحاجة الى اعادة قراءة كتاب "السياسة" لـ ارسطو .. وهو اذا ما فعل فانه سيجد العنصر الغائب في تحليله .. ذلك ان ارسطو يقول لنا في كتابه هذا:" ليس الطباخ هو من يحكم على وجبة عشاء اعدها وانما الحُكم لمن يجب عليه اكلها".. وهذا هو المعيار الارسطي في الحكم على الحكومات والانظمة السياسية.

وترجمة ارسطو عراقيا تعني الأتي : لا يحق لـ جورج بوش او جو بايدن الحكم على الديمقراطية المحموله جوا الى العراق .. لا .. من يحكم عليها هم العراقيون الذين يعيشون ويلاتها .. ومن يحكم على طبخة "الهريسة" الامريكية هم ليسوا مساعدي الطباخ الامريكي من سيستاني او مالكي.. لا .. من يحكم على "زقنبوت" هولاء هم من اكلوه وتسمموا به .. واخيرا ليس لصحفي يعيش في كوكب الكوكا كولا ان يحكم عن هريسة مسمومة لم يتذوقها.

من هنا.. فمن يريد الحكم على طبخة "الهريسة" الامريكية عليه اولا ان يستمع الى من "اكلوها" وتسممت حياتهم بسببها.. من يريد الحكم على الديمقراطية المحمولة جوا عليه ان يستمع مثلا الى العراقي ميرو بركات وهو مهندس زراعي متقاعد .. بركات قال يوم امس لاحد الصحفيين: " لا نتأمل شيئا من المسؤولين في الحكومة والاحزاب الحاليين ، عمري اكثر من سبعين عاما ولو اتيحت لي الفرصة لغادرت البلد حالا" .. هل يفهم فريد زكريا معنى ان يتمنى رجل في السبعين مغادرة ارضه !!


2009/12/13

Un Suisse construit un minaret .. La Suisse que j’aime

سويسري يبني مئذنة .. سويسرا التي احب





منذ اسابيع وسويسرا تعيش على ايقاع قانون حظر بناء المآذن .. نعم حزب الشعب اليميني هو حزب متطرف وهو يلعب على مشاعر الخوف من الاجانب لكي يحصل على اصوات اكثر .. والقانون الذي تم التصويت عليه هو قانون مجحف من الناحية المبدئية .. كل هذا صحيح .

ولكن ما هو صحيح ايضا هو ان سويسرا تبقى رغم كل شيء ارحم للإسلاميين من كل البلدان الاسلامية .. وما هو صحيح ايضا هو ان السلطات السويسرية هي ارحم الاف المرات مما تفعله بعض الانظمة العربية ضد الاحزاب الاسلامية او مما تفعله الاحزاب الاسلامية بعضها ببعض .. مذهل في هذا الاطار ان يخرج علينا القذافي منتقدا سويسرا .. القذافي الذي تنام في سجونه حشود من الاسلاميين .. القذافي الذي يتحمل مسؤولية كبيرة في نتيجة هذا التصويت لان حجزه للرهائن السويسريين وطريقه معاملته للحكومة السويسرية قد اعطى حطبا لنار حزب اليمين.

لا اقول ان سويسرا هي جنة .. ولا اقول انها تخلوا من عنصريين .. ولا اقول ان حياة المغتربين هنا وردية .. ولا اقول ان ليس هناك عدم تسامح في سويسرا .. لا .. في سويسرا يعيش بشر وليس ملائكة ..ولكن قليل من الانصاف لتلك البلدان التي تستقبل ملايين العرب والمسلمين الهاربين من جحيم الانظمة القرووسطوية لا يضر .. خصوصا عندما نأخذ بعين الاعتبار مستوى عدم التسامح السائد عندنا.. ثم ما الذي يعطينا الحق لنقد السويسريين في هذا المجال!!

أنا القادم من بلد تُهدم وتُفخخ وتُغتصب فيه الجوامع.. انا القادم من كوكب الثملين باحقاد القرون الوسطى .. انا القادم من بلد جعل من الدريل وسيلة للقتل .. لا اسمح لنفسي ان اعطي دروسا للسويسريين عن كيفية تعاملهم مع دين اخر .. انا القادم من بلد يهجر ربع سكانه خلال عقد من الزمن اخجل ان انتقد سويسرا التي يشكل الاجانب فيها اكثر من ربع السكان .. انا القادم من بلد الحرب الاهلية التي قتلت وشردت الملايين لايحق لي ان اعطي دروسا لشعب انتهت اخر حرب اهلية خاضها قبل قرنين وخلفت بالكاد مئة قتيل .. تعال ارجوك وقل لي على ماذا استند في نقدي لهولاء ..عندما نبني مجتمعات لا تذبح بعضها بعضا باسم احقاد القرون الوسطى..عندها فقط يحق لنا اعطاء دروس للاخرين.. اما قبل ذلك فلا.

قد لا اعرف الكثير ولكنني متيقن من شيء واحد بهذا الخصوص وهو ان الاسلامويين الممولين من قبل المال البترودولاري لا يقلون تطرفا عن الاحزاب اليمينية هنا .. فهم لا يكتفون بتكفير ابناء البلد الذي استقبلهم .. ولكنهم يكفرون حتى ابناء ثقافتهم الذين لا يتفقون معهم في الرأي .. وهم في ازدواجية منقطعة النظير يريدون الاستفادة من مناخ الحرية هنا ولكنهم يحتقرون الشروط التاريخية التي ادت الى تلك الحرية .. وهذه الازدواجية هي واحدة من اهم ما يميز خطاب الاسلامويين.

قبل ايام اتصلت بي صحافية سويسرية تطلب مني ان اترجم لها شفهيا وبالمباشر حلقة الاتجاه المعاكس مساء الثلاثاء الماضي والتي جمعت بين عزام التميمي وبين فرايزنغر احد اعضاء حزب الشعب اليميني الذي كان وراء قانون منع المأذن .. تلك الصحافية كانت مهتمة بما سيقوله فرايزنغر امام ملايين العرب.. قالت لي ان هناك خوف من قبل الاوساط السياسية هنا من ان يقوم فرايزنغر بصب الزيت على النار كما هي عادته هنا مما قد يساهم في تشويه صورة سويسرا اكثر بنظر العالم العربي .. كنت اترجم وانا خجل من ضحالة خطاب عزام تميمي ..الادهى ان فرايزنغر ظهر بمظهر حمامة وديعة امام ردحيات عزام تميمي .. التميمي مثلا اتهم فرايزنغر بالعمالة للصهيونية غير عارف ان فرايزنغر ربما يكره اليهود اكثر من كرهه للاسلامويين .. اسمعوا خطاب التميمي .. انتبهوا الى تناقضاته .. الى ضحالة حججه والازدواجية التي تنام فيها .. ستعرفون مستوى النخب التي تقود الاسلام في الغرب.. وستفهمون السمعة السيئة التي تحيط بالاسلام هنا.

ينبغي القول اخيرا ان الاحتجاجات الحقيقية ضد نتيجة التصويت جاءت من الشعب السويسري نفسه .. لقد خرجت مظاهرات كثيرة تتعاطف مع المسلمين هنا .. واخر هذه الاحتجاجات وربما اجملها هي تلك التي قام بها غييوم موران قبل ايام .. ما فعله غييوم موران هو انه قام ببناء مئذنة على مدخنة بناية شركته الواقعة في احدى ضواحي مدينة لوزان (الصورة) .. غييوم موران قال لوكالة الصحافة الفرنسية "اشعر بالعار بسبب نتيجة التصويت، وهذه المئذنة رسالة سلام الى المسلمين ".

غييوم موران هو ايضا سويسرا .. هو سويسرا التي احب.