2008/06/18

انهم يرفعون القاذورات

تصور انك في عام 2005 وتقرأ هذا الخبر: " شهدت بغداد يوم امس الثلاثاء انفجار بشاحنة ملغومة بالقرب من سوق مزدحمة بالناس في منطقة تسكنها اغلبية شيعية.. وقد قالت مصادر في الشرطة العراقية ان عدد القتلى قد ارتفع الى نحو 63 قتيلا" وان "أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى" .


تعال الان وافترض انك لم تستمر في قراءة هذا الخبر حتى نهايته.. وبعدها يُطرح عليك سؤال:"من هو المسؤول يا ترى عن هذا العمل الاجرامي ؟؟ قبل الاجابة.. تذكر اننا نتحدث عن عراق 2005.. قليل من الجهد الذهني رجاءً.. لا تستطيع.. حسناً انا ساقول لك.. لو كنت في 2005 وكنت تقرأ هذا الخبر فهناك نسبة 99,99 بالمئة من الحظ من انك ستجد نهاية الخبر تقول ان المسؤول عن هذا الفعل الاجرامي هم "جماعات مسلحة ارهابية سنية فقدت السلطة وتحاول تخريب العملية الديمقراطية".. وستختلف التسميات بعد ذلك بحسب مصدر العواء الاعلامي الذي تقرأ.. صحف اللطم والمظلومية ستكتب " بقايا النظام السابق" او احفاد من كسروا ضلع الزهراء.. اما الـ "لوس انجلس تايمز" واخواتها في مهنة عدم البحث عن المتاعب فان ارهاب"القاعدة" هي كليشة كافية وتبيع اكثر في الكوكب الامريكي.

تعال الان واقرأ خبر هذا اليوم 18. 6. 2008 كما اوردته رويترز :"ارتفع عدد القتلى في تفجير شاحنة في بغداد الى 63 قتيلا يوم الاربعاء.. وقالت الشرطة العراقية ان أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى في الانفجار الذي وقع يوم الثلاثاء بالقرب من سوق مزدحمة في حي الحرية الذي تقطنه أغلبية شيعية في شمال غرب بغداد.. وأصيب 75 في أعنف هجوم تشهده العاصمة العراقية في ثلاثة اشهر.. والقى الجيش الامريكي اللوم على "جماعات خاصة" وهو تعبير يدل على متشددين من الشيعة يقول الجيش الامريكي ان ايران تدعمهم.. وقال الجيش انه يعتقد ان الهجوم يهدف الى تحريض على عنف شيعي ضد السنة العرب ..انتهى

مكان الانفجار.. وسيلة التفجير.. مفردات الخبر وصياغته.. كلها اشياء خبرناها.. الشيء الوحيد الذي تغير في خبر اليوم هو ان المليشيات الشيعية حلت محل الجماعات السنية المسلحة.. ولا تتعب نفسك بالبحث عن ادلة او بالمطالبة بتحقيقات دولية.. دعه يمر..العم سام اصدر بيان.. ووكالات الانباء قد تناقلت البيان.. والصحف قد نشرت الخبر.. والرأي العام قد قرأ الخبر بعجالة.. وعاشوا عيشة سعيدة.. هكذا يتم تكوين الرأي العام .

تعال الان لنغوص في مستوى اعمق لمعنى الخبر.. الجيش الامريكي يصدر بيان يتهم فيه المليشيات الشيعية بقتل الشيعة من اجل التحريض على السنة.. هناك متضمن هائل في هذا الخبر.. نفس المصدر الذي قال لنا ان القاعدة هي من فجرت ضريح العسكري في سامراء.. يقول لنا اليوم ان جماعات خاصة من داخل طائفة الشيعة تفجر الشاحنات في اسواق الشيعة من اجل التحريض على قتل السنة.. هل ترون ما ارى.. هذا يعني استنتاجا ان العديد من تفجيرات السنوات الاخيرة والتي تمت نسبتها الى "القاعدة" كانت "اعمال داخلية" كما حصل في التفجير الاخير من اجل تشويه سمعة المقاومة واثارة الشيعة ضد السنة .

السؤال الان: اذا كانت المجموعات الشيعية تلجا الى مثل تلك الاساليب.. فما الذي يمنع فرق الموت الامريكية من اللجوء الى نفس الاسلوب.. خصوصا وان الامبراطورية اُهينت عسكريا في العراق.. والاهم ان فرق الموت هو اسلوب عمل استخدمته الامبراطورية في ساحات صراع اخرى.. اعمال فرق الموت التي ادارها نغروبونتي في امريكا الوسطى والجنوبية استخدمت نفس هذا الاسلوب من اجل تشويه سمعة المعارضين الشيوعيين لمشاريع امريكا هناك.. حدث ذلك ذات حرب تسمى "باردة" حين كان العدو هو المد الشيوعي.. ايطاليا السبعينات ايضا شهدت هذا النوع من الاعمال حين قامت المخابرات الايطالية، ويقال عملا بنصيحة "اولاد العم سام من ذوي النظارات السوداء"، بتنفيذ تفجيرات "ارهابية" في الاماكن العامة ونسبتها الى المنظمات الشيوعية تحت لافتة الارهاب الشيوعي .. وحشّنة العدو هي انجع سلاح لتحييده امام الرأي العام .

خبر اليوم يفضح مسار واسلوب عمل قذر تسبب في قتل مئات الالوف من العراقيين وهجر اكثر من اربعة ملايين عراقي من منازلهم.. وما يقوله ايضا خبر اليوم هو ان مفهوم الارهاب في القاموس الامريكي هو مفهوم "حركي".. اقتل من العراقيين ما استطعت اليه سبيلا.. لن يمسُك شيء (جرائم فيلق بدر انموذجا).. ولكن في اللحظة التي تتعرض فيها لجندي امريكي فانت ارهابي.. سرسرية جيش المهدي الذين حاولوا افراغ بغداد من السُنة وبدعم الامريكي الذي كان يريد الضغط على مقاومة السنة.. هم من يقوم اليانكي اليوم بافراغ بغداد منهم.. شخصيا ساكون اخر من يقف امام مشروع رفع "القاذورات" من بغداد.. فمن يقتل المدينة التي استقبلته مهاجرا لا يستحق العيش في تلك المدينة ولا حتى في اكوام زبالتها على الاطراف.

2008/05/26

حين كان السيستاني يلعب "طم خريزة" مع بريمر


قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الاسوشيتد برس خبرا مفاده ان السيستاني افتى سرا بان المقاومة المسلحة للمحتل مسموح بها .. ولكن مقربين من السيد (دام ظلامه) سارعو بنفي هذا الخبر مطمئنين ان ليس هناك من انقطاع في "العلاقة التحت ارضية" بين سراديب النجف وسراديب المنطقة الخضراء .. الملفت للانتباه هو ان خوان كول الخبير في الشأن الشيعي والذي استشارته الاسوشيتد برس لم يشكّك بخبر الفتوى .. وهو في مدونته كتب مقال مطول شارحا فيه الاسباب والدوافع من وراءها .. اظن ان كول لم يشكّك بخبر الفتوى لانه يعرف ان مثل تلك الطريقة الكتمانية باصدار الفتاوى شائعة تاريخيا .. من هنا فهو لم يستبعدها خصوصا ونحن في عصر الـ "تكتيك" حبيبي !!

قد يكون خبر الفتوى ملفقا وقد لايكون .. ولكن الخبر يطرح للنقاش موقف السيستاني من الاحتلال .. ويطرح للنقاش ايضا شروط فتوى المقاومة المسلحة.. ساضع جانبا الابتذال الهائل الكامن في مفهوم الحاجة الى فتوى لكي تدافع عن وطنك المحتل .. وساركز على موقف السرداب الاعظم من الشيطان الاكبر .. ولمعرفة موقف السيستاني يجب طرح حيثيات هذا الموقف .. السيستاني ممثل للشيعة .. وهو في تعامله مع المحتل يعمل وفقا لمصالح واولويات طائفته .. وطالما ان الشيطان الاكبر (دام ظله ) يراعي مصالح الطائفة والاهم من ذلك لا يضر بدور المرجعية فان موقف السيستاني هو موقف بازاري .. "شيلني واشيلك" .. من هنا موقف السيستاني المهادن للاحتلال .. وساضع في النهاية مقتطفات من مذكرات بريمر تبين هذا الموقف بكلمات السيستاني نفسه .

اما بخصوص شروط فتوى المقاومة المسلحة للاحتلال .. فهي تخضع لنفس المنطق البازاري الاول .. السيستاني لمح عدة مرات في السنوات الاولى من الاحتلال الى ثورة العشرين ولدور المرجعية فيها ( وما ادراك ما ثورة العشرين !! فتوى الشيرازي في "ثورة" العشرين هي فتوى "دفاعية" بمفرداتها وصياغتها الحمالة الاوجه ، وهي لم تصدر الا بعد ان القى الانكليز القبض على ابن الشيرازي ونفوه الى جزيرة هنجام ، في حين ان كثير من مناطق العراق كانت ملتهبة قبل تلك الفتوى ) .. و مع ذلك فعلينا ان نحلل معنى تلميح السيستاني الى ثورة العشرين .. لان هناك في ثقافة اللطم قراءتين لثورة العشرين : باطنية وعلنية .. باطنيا المرجعية لاتريد تكرار ما تسميه ادبيات ثقافة اللطم بالخطأ التاريخي بعدم التعامل مع الانكليز والذي ادى الى تهميش الشيعة .. ثورة العشرين في هذه القراءة هي خطأ ان لم تكن خطيئة .. اما في القراءة العلنية فثورة العشرين هي ليست خطأ وانما حدث يحتفى به بالاحرى يلوح به لاستخدامه سياسيا .

من هذه الازدواجية نستطيع ان نستخلص ان تلميح السيستاني الى ثورة العشرين في سنوات الاحتلال الاولى كان لغرض المقايضة .. "تكتيك حبيبي" .. وخصوصا في اللحظات التي كانت المرجعية تشعر فيها ان الشيطان الاكبر (دام ظله) غير واضح النوايا تجاه الشيعة، كما حصل قبل الانتخابات الاولى حين كان الامريكان يريدون تأجيل الانتخابات لعدم توفر شروطها بينما كان "ابناء البيوتات"الشيعية يريدون فرض واقع ميليشياتهم التي اعطتنا الكارثة الحالية .. من كل ما تقدم فان السيستاني لن يصدر فتوى المقاومة المسلحة الا حين يعتقد ان مصالح الشيعة مهددة .. اما حجة " نرفض الاحتلال ولكننا نعمل على طرده من خلال المقاومة السلمية والاعتصامات" فهو تبرير قد يقنع مشاهدي قناة الفرات اللطمية .. اما لمن يمتلك ذره عقل فهو نوع الاستهبال .

موقف السيستاني من الاحتلال بعد كل تلك السنوات الخمسة واضح لا لبس فيه .. ومن يبحث عن ادلة اكثر يجدها في ما يرويه بول بريمر عن اتصالاته العديدة مع السيستاني في كتابه "سنتي في العراق" الذي صدر عام 2005 وبالتحديد في الصفحات 165 و 166 .. وباختصار فان بريمر يقول انه تبادل مع السيستاني عشرات الرسائل بين شهري تموز وسبتمبر فقط .. وبحسب بريمر فان السيستاني في رسائله كان دائما يشكر سلطة التحالف على ما قدمته للشيعة وللعراق .. والسيستاني كان يرفض اللقاء العلني ببريمر "ليس من باب العداء لسلطة الاحتلال" كما يقول السيستاني لبريمر ولكن لانه يعتقد ان "تجنب الاتصال العلني سيسمح له ان يكون اكثر نفعا للاهداف المشتركة" مع سلطة الاحتلال .. وهنا مقتطفات مما يورده بريمر في كتابه بهذا الخصوص:


Just after Liberation, the ayatollah had let it be known through private channels that he would not meet with anyone from the Coalition. And I had not pressed for a personal meeting. Hume, who understood Islam and the Arab world well, succinctly analyzed this situation. “He can’t be publicly seen as cooperating with the occupying powers, Jerry,” he had told me. “Shades of 1920 and all that. And he’s got to protect his flanks from the hotheads like Muqtada. But the ayatollah will work with us. We share the same goals.” p.165

While both the Arab and the Western media lamented the supposed breach between Ayatollah Sistani and the Coalition, throughout the Coalition’s time in Iraq he and I communicated regularly on vital issues through intermediaries. ….And Hume was right. In the early summer, Sistani had sent word to me that his position had not been taken “out of hostility to the Coalition.” Rather, the ayatollah believed that avoiding public contact with the Coalition allowed him to be more useful in “our joint pursuits,” that he would forfeit some of his credibility among the faithful were he to cooperate openly with Coalition officials. As had many secular Shiites and Sunnis, as well as devout but lower-ranking Shia clergy.… In subsequent exchanges I assured the ayatollah that I was well aware of the suffering of the Shia, noting that my first trip outside Baghdad had been to Al-Hillah’s mass graves. And I pointed out that the Coalition was pumping lots of money into reconstruction projects in the Shia heartland. … Between July and mid-September alone, I had more than a dozen exchanges with the ayatollah. Sistani repeatedly expressed his personal gratitude for all that the Coalition had done for the Shia and for Iraq. Pp.166

MY YEAR IN IRAQ , By L. Paul Bremer III with Matthew McConnell. Illustrated. 417 pp. Simon
& Schuster

2008/05/12

ديالكتيك الهويات الضيقة

1

احمد الكاتب هو "باحث" شيعي نفى وجود شخصية المهدي تاريخيا وقال باسطوريتها .. المهدي "المنتظر" لم يولد ولم يغيب ولم يختفي .. وأبوه ورغم اسطوانة المظلومية لم يكن مضطهدا ولم يُسمم ولم يقتل ولا هم يحزنون .. بل كان ينعم بنعم وهبات الخليفة العباسي في سامراء .. لا شيء من كل ذلك الهراء المستجدي لعقول البسطاء والمسحوقين والسارق لارزاقهم .. شخصية المهدي المنتظر هي بحسب احمد الكاتب من اختراع "وكلاء المهدي الاربعة" من اجل كسب الخُمس ..احمد الكاتب يقول ان الائمة انفسهم لم يعتبروا انفسهم معصومين .. ولم يعتبروا انفسهم ائمة بالطريقة التي تقدمها نظرية الامامة الشيعية الاثنى عشرية والتي سهر على تغذيتها عبر القرون رجال الدين المتاجرين بفكرة الشفاعة والموزعين لمفاتيح الجنة الوهمية .

اسطورية شخصية "المنقذ" المنتظر ليست فكرة جديدة .. سوسيولوجيا الاديان وخصوصا الدراسات التي تستند الى النظرية البنيوية بينت وجود الفكرة في اديان ثقافات كثيرة فضلا عن اسطوريتها .. من هنا فقيمة مساهمة احمد الكاتب لاتأتي من جدة الفكرة .. ولكن لكون القائل بها شيعي درس ودرّس في حوزة شيعية وفرضيته تستند الى نصوص الشيعة "الرسمية" وامهات كتب المذهب .. ورغم ان الكاتب لايذهب في منهجه الى حدوده القصوى كما تفعل سوسيولوجيا الاديان فان مساهمته تعتبر "ثورة" في عالم السراديب .

المذهب الشيعي قائم في جوهره على نظرية الامامة .. احد المختصين الفرنسيين بالشان الشيعي يعرف المذهب الشيعي بـانه "امامولوجي" .. وانت عندما تلغي وجود الامام الثاني عشر فانت تفند بنفس الوقت نظرية الامامة باكملها .. والسؤال هو ماذا يبقى من المذهب الاثنى عشري اذا اسقطنا نظرية الامامة .. السؤال يتضمن اجابته .. ولكن احمد الكاتب لايذهب الى هذا الحد .

2

اطلعت امس على رسالة من احمد الكاتب يناشد فيها السيستاني بخصوص بعض الفتاوى الطائفية الموجودة في موقعه الرسمي على الانترنيت .. الكاتب يبدأ مناشدته للسيستاني بشكره جزيل الشكر على دوره " التاريخي الكبير في المحافظة على وحدة الشعب العراقي" والكاتب يخص بالذكر تصريحات السيستاني " المؤكدة على هامشية الخلافات بين الشيعة والسنة".. و " بعدم وجود خلافات حقيقية بين السنة والشيعة، ودعوته للشيعة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية للسنة قبل أبناء السنة أنفسهم. وتوصيته للشيعة بأن لا يقولوا "إخواننا السنة" وأن يقولوا بدلا من ذلك:" أنفسنا أهل السنة .

بعد قراءتي لهذه الكلمات احسست برغبة بالتقيؤ.. العراقيون يحرقون في تنور الزهراء واحمد الكاتب يشكر السيستاني على دوره في الحفاظ على "وحده الشعب العراقي" .. انا شخصيا لا اعرف عن اية وحدة يتكلم الكاتب .. "المجتمع" العراقي اليوم يعيش اكبر صراع طائفي عرفه في تاريخه .. والملا يقول لنا دعه يمر " الخلافات هامشية" .. تلك الطريقة بمعالجة اكبر كارثة عرفها العراق تصيبني بالغثيان .. تلك الطريقة الغبية التي تطرح الاسئلة بأسلوب يغيّب اسئلة الازمة هي ايضا تساهم بقتل العراق .. "حسجة الاخويات" هذه لا ولن تنتج غير اجوبة "الاخويات" .. ونحن اليوم نعرف الى اين قادتنا شعارات "اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه" : مباشرة الى تنور الزهراء !!

ما يستوقفني هو ان احمد الكاتب يستغرب من ان السيستاني يدعو الى الوحدة مع "انفسنا اهل السنة" في حين ان موقعه على الانترنيت ينشر فتاوى في قسم الأسئلة والأجوبة بخصوص الصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي السيستاني " بالصلاة ظاهريا معهم" ، ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال " .. واحمد الكاتب يستغرب هذا التناقض بين التصريحات الاخوية والفتاوى الطائفية .

انا شخصيا لا ولن استغرب فقه السراديب .. ما استغربه هو استغراب احمد الكاتب الذي يطلب من رجل دين بالكف عن فعل ما يُقيم سلطته .. ما لا يفهمه احمد الكاتب هو ان من دون تلك الفتاوى التي تُنظّر للاختلاف المذهبي لن يبقى هناك مذهب .. المذهب تاريخيا قام ضديا ومن دون تلك الضدية لن يعود هناك مذهب .. فعندما يتوقف السيستاني عن اصدار من مثل هكذا فتاوى منتجة للاختلاف فان سلطته ستنتفي .. واحمد الكاتب الذي قال بنفعية الدوافع التي كرست نظرية الامامة يطلب من رجل دين تقوم سلطته على التنظير للاختلاف بان لايفعل ذلك ..افتونا يرحمكم الله !!


يقال ان طريقة طرح السؤال تحدد مسبقا الاجابة .. واحمد الكاتب عندما يطرح مشكلة الطائفية والتعايش المذهبي من خلال التوجه الى رجل دين فهو يحصر الاجابة بفتوى رجال الدين .. وهو بذلك لايقوم الا بتقوية سلطة رجال الدين الرمزية .. لا غرابة فاحمد الكاتب يبقى بعد كل شي مُنتج حوزوي .. ولكن هذه الطريقة بطرح سؤال التعايش المذهبي تغيّب اشياء كثيرة واولها الظروف التاريخية التي انتجت التعايش المذهبي في عراق كان يا ما كان في قديم الزمان ..التعايش والتزاوج العبرطائفي الذي عرفه العراق قبل حكم العمامة لم تؤسس له فتوى .. لا بل ان مثل تلك الفتاوى الطائفية كانت موجودة .. لان عمرها قرون .. ولكنها لم تمنع التزاوج العبر طائفي.. السؤال الان هو كيف حصل ذلك التعايش المذهبي رغم وجود تلك الفتاوى الطائفية ؟

طرح السؤال بهذه الطريقة يقترح منظور اخر للاجابة غير المنظور الذي يفرضه احمد الكاتب لمعالجة مسألة التعايش المذهبي وبالتالي التزاوج العبرطائفي .. تكلمت في السابق عن ظاهرة التزاوج العبرطائفي .. التزاوج العبرطائفي هو نتاج مشروع الدولة العراقية الحديثة .. والمدرسة المصنع الجيش الجامعة الخ كانت هي الحاضنات التي مكنت التعايش المذهبي وبالتالي الزواج العبرطائفي .. هذه هي مصانع الاوطان في كل الدول .. ونظرية الدولة فيها دراسات كثيرة عن هذا الموضوع .. ليس غريبا ان رجال الدين في النجف وكربلاء قد حاربوا المدارس الحديثة وحاربوا الجيش في بدايات تأسيسه .. تلك المؤسسات هي الادوات التي فتت نسبيا الغيتوهات الطائفية وبالتالي هي قد فتت سلطة رجال الدين القائمين والعاملين على ابقاء الغيتوهات الطائفية .

3

احمد الكاتب هو من جيل "جاهد" في سبعينيات القرن العراقي الماضي من اجل تطبيق ما كانوا يسمونه "حكم المرجعية" في العراق .. وهو وكثيرين من امثاله شاركوا في تأجيج الصراع الطائفي في السبعينات .. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. الحركات المهدوية التي ظهرت في السنوات الخمس الاخيرة في العراق استخدمت نفس اسلوب جيل احمد الكاتب في تسييس المناسبات الدينية ..وشيعة السلطة قد ردوا عليها بعنف افضع من عنف سلطة البعث في السبعينات .. امس كما اليوم السلطة قد تحركت ضد خطر يهددها والعامل المذهبي ليس له علاقة في الموضوع ..ولكن ثقافة اللطم وظفت تحرك السلطة ضدهم في عام 1974 و 1977 من اجل وصف السلطة بالطائفية .. لم يكن التركيز على قمعية النظام .. لا ..وانما على طائفيته .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي .. وهم في ذلك كانوا متناغمين مع مشروع عالم السراديب .

خطتهم في تسييس "المقدس" والاستفادة منه حركيا كانت فعالة .. ورغم ان رد السلطة البعثية على "مهدويات" السبعينات كان متواضعا قياسا للقمع الذي مارسه شيعة السلطة مؤخرا ضد مهدويات اليوم .. إلا انهم ضربوا على اوتار حساسة داخل "نخب" سياسية خرجت توا من سجن الملّة ... مقالة اوفرا بنجيو في الـ "ميدل ايسترن ستديز" وعنوانها "الشيعه والسياسة في العراق البعثي" (المجلد 21 عدد 1 لسنة 1985) تتناول تلك الاحداث بتفصيل جيد .. وهي تقول ان تلك الاحداث قد ساهمت في تهميش وبالتالي سقوط جناح احمد حسن البكر المعتدل داخل مجلس قيادة الثورة وصعود جناح صدام حسين المتطرف .. وتقول ان اقصاء احمد حسن البكر ووضعه تحت الاقامة الجبرية جاء نتجة لهذا الصراع بين الجناحين حول كيفية التعامل مع خطر الاسلام الشيعي في الداخل وخصوصا بعد قيام الثورة الايرانية .. بمعنى ان جيل احمد الكاتب قد ساهم على طريقته باشعال الحرب العراقية الايرانية .. واحمد الكاتب يعترف بذلك .. ومنظمة العمل الاسلامي التي ينتمي اليها الكاتب هي اول من لجأ الى التفجيرات الارهابية في عراق ما قبل الحرب العراقية الايرانية .

دارت عجلة الزمن .. جيل احمد الكاتب "يحكم" اليوم في العراق بفضل "الشيطان الاكبر" كما تسميه ادبياتهم .. وهم حتى اليوم لم ينجحوا في ادارة مدينة كما ينبغي .. وقد وصلوا بالعنف الطائفي الى درجة لم يشهدها العراق في تاريخه .. وتدميرية نظامهم الميليشياوي هو اسؤ شيء حصل للعراق منذ المغول .. واحمد الكاتب يناشد السيستاني اليوم من اجل التعايش المجتمعي .. "شكرا" احمد الكاتب على الجهود .. ولكننا لا ننتظر شيئا من رجل دين قروسطوي .. لانه ببساطة جزء من المشكلة .. و"شكرا" ايضا على بحوثكم .. ولكننا لم نكن ننتظر "غودو" .. نحن لم نكن ننتظر اساطير وخزعبلات غبية .. كنا ننتظر اشياء من هذا العالم .. كنا ننتظر تراكم اكبر .. كنا ننتظر نضوج وطن .. وطن تقتله اليوم ثقافة الكُره التي غذتها عمامات السراديب التي ربتكم .. تلك المسوخ التي تقتل اليوم بتنور الزهراء والدريل هي مخلوقات ساهم في خلقها نضال سراديبكم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .. كل فتاوى العالم لن تستطيع بعد اليوم اعادة ذلك التعايش الذي كان يا ما كان في قديم الزمان .. قبل ان تخرجوا من سراديبكم .

2008/04/30

شيء من التاريخ

في كتابه "المسألة العراقية" يستغرب بيير جان لويزار وهو احد الباحثين الفرنسيين في الشأن العراقي من ان حنا بطاطو الذي كتب "انجيل العراق" بحسب تعبيره لايكرس اهتماما كبيرا لدور الدين في المشهد السياسي العراقي .. الخطأ الذي يقع فيه الباحث الفرنسي هو انه يرى عراق الستينات بنظارات عراق اليوم وهو بذلك يسقط الحاضر على الماضي .. احد الفلاسفة الالمان كان يقول من في رأسه مطرقة يرى كل الاشياء امامه على شكل مسامير.. وهذا الباحث الفرنسي كرس حياته لدراسة الحركات الاسلامية وهو لا يرى غير ذلك .. من هنا فهو لايتقبل حقيقة ان دور الدين انذاك لم يكن كبير في المشهد السياسي العراقي كما هو اليوم .

كما ان عراق العشرينات من القرن الماضي لايشبه عراق الستينات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. فان عراق الستينات والسبعينات لايشبه عراق التسعينات وعراق اليوم .. استغراب الباحث الفرنسي هذا يمكن طرحه على شكل سؤال : ترى لماذا تطرق حنا بطاطو لتاريخ العراق المعاصر من خلال المنظور الطبقي وليس الديني او الطائفي ؟ هنا نحن امام سؤال اكثر حيادية من استغراب الباحث الفرنسي والذي ينظر للماضي من خلال الحاضر وهو بالتالي يفرض ديناميكية الحاضر على الماضي .

حنا بطاطو كان يرى عراق الخمسينات والستينات والسبعينات فلا غرابة انه ركز على البعد الطبقي وعلى الاحزاب العلمانية التي شكلت تجربة حزبية عبرطائفية .. وهو لم يعطي اهتماما لدور الدين لانه لم يكن مؤثرا في الساحة السياسية العراقية انذاك .. لقد اكتسحت افكار الاحزاب العلمانية الشارع العراقي لانها كانت تجيب على اسئلة وحاجات ذلك الجيل .. علينا ان نتذكر مثلا ان مكتبات النجف كانت انذاك تبيع كتب من مثل "السيف البتار على الكفار الذين يقولون المطر من البخار" ..والباحث الفرنسي لايعرف ذلك .. فقط عندما نعرف ذلك نستطيع ان نفهم اثر "المادية الديالكتيكية " او حتى افكارها المبسطة على شباب ذلك الجيل .


لا بل ان تأثير الماركسية نجده حتى عند رجال الدين وابرز مثال هو محمد باقر الصدر .. فكتابيه "فلسفتنا" و"اقتصادنا" ليس سوى محاولة ضحلة لاستعارة مكشوفة واسلمة للكثير من الافكار والمصطلحات الماركسية .. وعناوين كتب الصدر لوحدها تحكي هذا التأثير.. فتوى محسن الحكيم ومرتضى الياسين في الستينات والتي حرمت الانظمام الى الحزب الشيوعي هي ايضا دليل على تعاضم دور الافكار العلمانية في الوسط الشيعي .. وهي رد فعل على الحزب الشيوعي الذي كان يحصد الرفاق حتى داخل بيوتات رجال الدين .. وتلك الفتوى لم تمنع الكثير من الشيعة من الانضمام الى الحزب الشيوعي .


هنا مقتطفات من كتاب بطاطو تشرح نبض الشارع العراقي آنذاك .. في المقتطف الاول يصف حنا بطاطو الجو الفكري والاجتماعي لتلك الايام ويصف دور الاسلام في المجتمع العراقي انذاك او على الاقل ضمن الشريحة التي شكلت التجربة الحزبية .. ثم هو يروي بعد ذلك قصة انجذاب عبدالله مسعود وهو شيعي من عائلة متدينه نحو الشيوعية .. ومسعود كان احد قيادي الحزب الشيوعي عندما التقاه بطاطو :


“ there was an unassuaged thirst for ideals. The elements directly affected were, of course, the youth of Iraq, and especially the students. The Islamic (Shi’i or Sunnis) ideas, which had for long been the mainstay of the people, were in state of progressive decomposition. At least as then formulated and interpreted, they were out of accord with the needs, desires, and life experience of an ever-widening number of socially conscious Iraqis. Islam to be sure, still preserve its impressive outward front, but in reality had lost much of its life-furthering power” (Batatu 1978, p.480

“ when reading a forbidden book he first came across the idea that the distinction between men were not God-given but were du to humain and historical causes, the idea was to him “something like revelation”. There was nothing in his previous experience to suggest anything different. He had taken for granted the Qur’anic injunction: “and as to the mean of livelihood we have preferred some of you to others” (Batatu 1978, 481
 

2008/04/09

حكومة من ورق



L’anarchie n’est pas l’absence de gouvernement mais c’est un gouvernement faible


الفوضى ليست غياب الحكومة ولكنها حكومة ضعيفة" .. لم اعد اذكر من هو صاحب هذه الجملة الكثيفة .. اليوم تكتمل خمس سنوات احتلال .. خمس سنوات فوضى .. في عراق الاحتلال الفوضى هي العلامة الطاغية .. في كل مكان فوضى .. في المدارس حيث عاد الملا القروسطوي .. في المستشفيات حيث يعالج الناس بأدوية فاسدة او مخصصة للحيوانات .. وفي الجامعات التي شوهتها قاعات اللطمية .. وفي الوزارات التي ما ان يسرق قسما من اقسام احداها حتى يشب فيه حريق يمحو اثار "مظلومية" مرت من هناك على عجل .. خمس سنوات احتلال .. خمس سنوات فوضى.

كل ما تلمسه يد حكومة الاحتلال يتحول الى فوضى .. واخر "لمسة" حكومية لم تشذ عن ثابت الفوضى هذا .. ما اراد لها المالكي ان تكون "صولة فرسان" .. احتفالية عرض عضلات تتزامن مع "ذكرى" خمس سنوات على "تحرير" الفوضى الخلاقة قد انتهت بأكبر صفعة تلقاها "المشروع الامريكي في العراق .. "صولة الفرسان" كشفت عن عمق الفوضى في ما يفترض ان يكون "النموذج" المؤسساتي لحكومة الاحتلال .. الجيش الذي خصصت له مليارات الدولارات (ونهبت في صفقات تسليحه مليارات) ظهر في اول اختبار له على شكل فوضى .

لقد وصل الفشل في "صولة الفرسان" الى درجة ان قائد كبير في الجيش يرفض تنفيذ الاوامر لانه يعتقد ان الحكومة غير قادرة على حمايته و حماية عائلته اذا ما هو قاتل مليشيا جيش المهدي المتنفذة امنيا .. البعض تحدث عن عصيان عسكري داخل الجيش .. المصادر الحكومية تكلمت عن الف جندي وضابط رفضوا القتال او سلموا اسلحتهم لميليشيا الصدر .. من يصدق ارقام الحكومة ؟؟ الواشنطن بوست ذكرت ان مسؤول كبير في وزارة الدفاع العراقية لم تكشف عن اسمة قال لها ان ثلاثين بالمئة من القوات العراقية قد فر من المعركة .. اما شبكة الـ "ان بي سي " الامريكية فقد قالت ان نصف عدد القوات العراقية قد فر .

فقط عندما نعرف تلك الارقام نفهم الحالة العصبية المهتزة التي ظهر فيها المالكي وعكستها هستيرية تصريحاته وتناقض قراراته .. وفقط عندما نعي خطورة تلك الفوضى التي ضربت الجيش نفهم عرض الهدنة الاول لثلاثة ايام .. ثم تمديدها بعرض هدنة اطول .. كل تلك الخطوات كانت من اجل كسب الوقت وللتغطية على التشرذم الذي ضرب الجيش .. وفقط النفوذ الايراني وقدرته على جمع خيوط الاطراف الشيعية المتصارعة كان قادرا على تدارك هذا الفشل الكارثي وانقاذ ماء الوجه .. فليس من مصلحة ايران ان يظهر شيعة السلطة بهذا المظهر القرقوزي .. الطريقة التي جمع بها ممثل خامنئي الاطراف الشيعية المتقاتلة في قم وحل الازمة خلال ساعات تنم عن قدرة هائلة في تحكم "الملا" الايراني ببيادقه .. الطريقة التي تم بها "الاتفاق" وسرعة اتمامه تبين ان مصطلح "الاحتلال الايراني" ليس تعبيرا مبالغا فيه .

فشل "صولة الفرسان" في البصرة وامام مليشيا سرقة نفط أدت الى تطور مهم في الجنوب : الحكومة اضطرت الى الاستعانة ببنادق العشائر.. وهنا نحن امام اهم مخلفات "الصولة" ميدانيا .. اغلب الاطراف في "الائتلاف" الشيعي كانت ترفض دورا امنيا للعشائر .. هم يعرفون ان اعطاء العشائر دورا امنيا سيعني اعطاء الشيخ على المدى البعيد دورا سياسيا قد ينافس العمامة .. لذلك هم رفضوا خيار الصحوات قبل هذا التاريخ .. ولكن فشل الاجهزة الامنية في البصرة قد ترك الحكومة بلا بنادق .. "الملك عاري" .. المالكي بعد عرض التشرذم الاخير لم يعد يملك اوراق كثيرة يناور بها امام مخطط الامريكي "حلول عراقية لمشاكل عراقية" الرامي الى الاعتماد على بنادق العشائر في فرض الامن .. الامريكي يريد تغير اللاعبين من اجل تغير اتجاه اللعبة .. موسم هجرة الصحوات الى الجنوب قد حل .

يبقى السؤال الاشكالية الذي سيفرض نفسه بعد اليوم بقوة : اذا كان الجيش، وهو المؤسسة التي يفترض بها ان تكون الاكثر التزاما بالنظام، على هذا المستوى من الفوضى .. واذا كان ولاء هذا الجيش ليس للحكومة وانما للميليشيات .. فأين اذا ستجد الحكومة الطاعة والولاء .. هنا نحن امام المعطى السياسي الاهم لـ "صولة الفرسان".. الضعف البنيوي للجيش قد كشف عن الخواء "المعنوي" لحكومة الاحتلال .. "صولة الفرسان" كشفت عن مرض نقص المناعة الذي يصيب عادة حكومات الاحتلال .. نقص الشرعية يؤدي الى نقص "معنوي" .. والنقص المعنوي بدوره يسبب نقص في الولاء الوطنى .. وبلا ولاء وطني، تتحول البندقية الى كتلة حديد ترمى في اول اشتباك حار .. وحكومة بلا بنادق .. هي حكومة من ورق
.

2008/03/25

توماس جفرسون في الفلوجة


مقالة سادرسان راغافان في الواشنطن بوست عن حال الفلوجة اليوم تستحق القراءة .. هي تصور الطريقة العنيفة التي تدار بها مدينة الفلوجة من قبل الزوبعي قائد شرطتها .. الصحفي يستعين بالزوبعي وهو ضابط سابق في الحرس الجمهوري ليقول لنا ما يحتاجه المجتمع العراقي الذي لايحترم الا لغة القوة ويفسر الرحمة على انها ضعف .. يقول الصحافي مستندا الى منطق مدير شرطة الفلوجة : بما ان الرجال في عراق اليوم يحرقون البشر احياء فان الاساليب العنيفة في الادارة ضرورية لحفظ النظام والامن.

قصة الزوبعي في الفلوجة كما يقول الصحافي تعطي فكرة عن العراق بعد خمس سنوات احتلال .. وبما ان هناك في الكوكب الامريكي من لازال يصدق المبررات الامريكية الرسمية لاحتلال العراق .. فاننا نسمع الصحافي يقول ان "المُثل" الامريكية التي كانت من ضمن مبررات غزو العراق كالديمقراطية وحقوق الانسان تترك المجال اليوم لقيم نابعة من الموروث العراقي والثقافة البدوية مثل قيم الاحترام والخوف والعنف .. خلاصة هذا الطرح الثقافوي هو رمي مسؤولية الكارثة الحالية على القيم العراقية التي تُحتم العنف كوسيلة حكم .. وبهذه الطريقة الفهلوية يستل الصحفي "الارنب" الامريكي من قبعة المسؤولية .. وهنا يتدخل الضابط الامريكي ويقول للصحفي كلمة الختام : " لايوجد هنا شخص مثل توماس جفرسون" .
مثل تلك الحجج الثقافوية فعالة فقط لانها تُغيّب المسار التاريخي لبناء الدول والمجتمعات .. نستطيع ان نذهب الى عصر توماس جفرسون ونرى مقدار العنف الامريكي انذاك على مستوى الافراد كما على مستوى "الدولة" الامريكية التي قتلت عشرين مليون هندي احمر.. ولكن بما انني اريد ان اركز على نقطة اخرى فانني اكتفي بالقول ان امريكا ايضا كانت حتى وقت قريب "ارض يحرق فيها البشر احياء" .. وهذا كان يحصل في شيكاغو العشرينات وميسيسيبي الستينات من القرن العشرين تحت ما يعرف بقوانين لينش ، اي القتل او الحرق الغوغائي للسود .. ومن يريد ان يشاهد حفلات القتل والحرق البشري االامريكية يستطيع ان يزور موقع جيمس الن المختص بالموضوع .


القتل الغوغائي لايعرف حدود ثقافية والامثلة كثيرة من فرنسا الى المانيا مرورا بجنوب افريقيا والمكسيك وانتهاء بالهند والصين .. العنف الغوغائي لغة كونية حين يهيمن الخوف ويغيب الاطار القانوني الرادع والمنظم للصراع الموجود في كل مجتمع .. وهذا ليس تبريرا للعنف الحاصل في العراق ولكن فقط لدحض تحليل الصحافي الذي يُرجع العنف الحاصل اليوم في العراق فقط الى عوامل الثقافة العراقية او قيم البداوة العربية .. كل الثقافات قتلت وتقتل تحت ظرفية ما .. والامريكي اليوم اخر من يعطي دروسا في التحضّر لأنه المسؤول الاكبر عن العنف الحاصل اليوم في العراق وهذا ما لا يقوله الصحفي .


ولكنني سأتوقف عند جملة الضابط الامريكي حين يقول "لايوجد هنا شخص مثل توماس جفرسون".. وساحاول ان اعيد تكوين الجملة : ترى ماذا لو كان توماس جفرسون في العراق اليوم .. فكرة فنطازية .. ولكن لما لا .. سادفع هذه الفكرة الفنطازية الى حدودها القصوى علها تظهر لنا ما تخفية الافكار والصور النمطية .. انا سأتخيل "الشيخ" توماس في الفلوجة حتى .. بل انني ساتخيله مرتديا الدشداشة والكوفية الحمراء !! قليل من الخيال لا يضر.


لوكان توماس جفرسون في الفلوجة فأظن ، ولست متأكدا، انه كان سيعجب بشيئين ...اولا كان سيعجب بالتنظيم العشائري لسكان الفلوجة وهو حتما كان سيعكف على دراسة التنظيم العشائري فيها .. فتوماس جفرسون تاريخيا كان معجبا بالتنظيم العشائري للهنود الحمر وهو كان يحسدهم على سعادتهم الناتجة عن نمط حياتهم المتكافل .. ثانيا هو سيكون سعيدا في الفلوجة لانه سيجد فيها ألذ "كباب" في العراق !! فالمعروف عن جفرسون حبه الخرافي للطعام حتى ان البعض كان يؤاخذه على شراهته امام الطعام .


وبجدية اكبر .. لو كان توماس جفرسون في الفلوجة فأظن انه كان سينزعج من شيئين .. اولا كان سينزعج لان الفلوجة ليس فيها عبيد !! فبالرغم من ان هذا "الاب المؤسس" للديمقراطية الامريكية قد جعل من الحرية ام الحقوق .. ورغم انه دعى الى الغاء الرق والعبودية .. الا انه كان يستخدم حتى نهاية حياته العديد من العبيد السود في مزرعته ( مفهوم العدالة في امريكا كان دائما مفهوم نسبي عندما يتعلق الامر بالمصالح وجفرسون ليس استثناء) .. وثانيا وهنا المهم، لو كان جفرسون في الفلوجة فهو سيغضب كثيرا لان الاحتلال سوف لن يُسمح له ان يطالب بالاستقلال ويدعو للتمرد على المحتل .. كما فعل حين ساهم في كتابة "اعلان استقلال الولايات الامريكية " عن التاج البريطاني في فيلادلفيا عام 1776.


الضابط الامريكي لايرى جفرسون في العراق اليوم لانه لايعرف كيف كان البريطانيين يسمون جفرسون ورفاقه الموقعين على "اعلان الاستقلال " أبان حرب الاستقلال الامريكية .. توماس جفرسون اكتسب شهرته في التاريخ الامريكي ليس لانه "فيلسوف سياسي" او مصلح .. لا، لا.. فكل افكاره السياسية مستقاة من المفكر البريطاني جون لوك ومفكري عصر التنوير .. جفرسون شهير في امريكا لانه المساهم الاكبر في كتابة "اعلان استقلال الولايات المتحدة" الذي دعى الى استقلال امريكا عن التاج البريطاني ونص اول ما نص على حق مقاومة المحتل البريطاني .. بمعنى ان مكانته متأتية من كونه مقاوم بالدرجة الاولى وليس من كونه مفكر او مصلح .. انذاك كان البريطانيون يسمون الامريكيين الداعين للاستقلال بالمتمردين .. وهذا ما لايعرفه الضابط الامريكي .


باختصار .. لو كان جفرسون في الفلوجة اليوم .. فهو حتما سيشارك في كتابة "اعلان استقلال العراق" داعيا فيه الى حق مقاومة المحتل الامريكي .. ولكنهم سيسمونه متمردا .. واولهم هذا الضابط الامريكي .. نعم .. لو كان توماس جفرسون في العراق اليوم لسموه ارهابيا .

2008/03/16

خمس سنوات احتلال .. مراجعات ناقصة


اقرأ مقال جون بارنز في " النيويورك تايمز" لهذا اليوم .. بارنز قضى وقتا طويلا كمراسل في العراق .. وهو يلوم نفسه وزملائه الصحفيين على عدم فهمهم للثقافة العراقية وللتاريخ العراقي .. جون بارنز يعترف بسذاجته امام كثير من الاحداث التي كان يغطيها من دون ان يفهمها .. ويعطي مثالا الانتخابات التي صوت فيها "الشيعة" بطريقة قطيعية .. اراد بارنز لمقالته المعنونة "خمس سنوات" ان تكون مراجعة لما لم يفهمه في السابق .. ولكنك تتقدم في قراءة المقال وتجد نفسك امام جملة : "الاقلية السنية حكمت العراق لقرون" .. خمس سنوات قتلت فيها الاكاذيب والكليشات مئات الالوف وهجرت الملايين .. وفي مقالة يراد لها ان تكون مراجعة نقدية .. ولازال الصحافي الامريكي يستخدم الكليشة وعلى صفحات الجريدة الاكبر في العالم .. وهنا تبدأ بطرح الاسئلة عن جدية تلك المراجعة !!

لطالما سألت نفسي : كيف حصل ان الحقل الاكاديمي الامريكي انتج افضل الدراسات عن العراق والصحفيين الامريكيين على هذا المستوى من عدم الفهم للمجتمع العراقي .. لو قرأ بارنز مثلا كتاب اسحاق نقاش " شيعة العراق" لعرف ان "الاغلبية" الشيعية الحالية في العراق هي نتيجة مسار تشيّع لعشائر الجنوب العراقية بلغ قمته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .. وبهذا المعنى فأن جملة "الاقلية السنية حكمت العراق لقرون" التي يستخدم هنا ليس لها معنى تاريخيا .. لان السنة لم يكونوا اقلية قبل ذلك التاريخ.

مراجعة بارنز ذكرتني بمراجعة ناقصة اخرى قام بها "فارس" من الفرسان الذين حملوا لواء المظلومية الشيعية .. وهو حسن العلوي .. ومراجعة العلوي مهمة لان كلماته ربت الكثير من اصحاب الرؤوس الاسفنجية .. وهنا مقتطفات مما قاله حسن العلوي في حوار معه نشرته جريدة الراية القطرية قبل فترة :

أنا أعتقد أن التجربة الإسلامية للحكم، أي الحكم الحالي، ممثلاً بالشيعة الإسلاميين غير مشجعة علي الإطلاق. ففي عهدها أحرقت ثلث جوامع بغداد السنية ونصف حسينيات بغداد الشيعية وعدد كبير من الكنائس.. وبالعودة علي الماضي القريب نجد أن ثمانين عاماً من الحكم العلماني لم ينكسر خلالها زجاج لنافذة ضمن جامع أو حسينية أو كنيسة" ..."هذه الحكومة فقدت صفتها فهي حكومة شيعية كردية، والشيعة في السلطة لا يمثلون إلا أنفسهم, الأكراد يمثلون الشعب الكردي بينما الشيعة لا يمثلون الشعب الشيعي" ..."وأنا عندما أتكلم عن الشيعة لا أقصد شيعة العراق.. فأنا أفرق بين شيعة العراق وشيعة السلطة، رجاء أيها القارئ الكريم أفهم ما أقصد، حين ترد كلمة الشيعة في هذا الحديث فهي شيعة السلطة وليست شيعة العراق، مثل سنة السلطة في الأنظمة السابقة، لم يكن أبو حنيفة حاكماً ولا ابن حنبل ولا الإمام مالك أو الشافعي، لا في زمن صدام حسين ولا في زمن نوري السعيد ولا عبد الكريم قاسم، ولا أحمد حسن البكر.. وجميعهم سنة. هؤلاء كانوا سنة سلطة، أما سنة العراق فهم شيء آخر، والآن أيضاَ لدينا نفس الإشكال فهناك شيعة السلطة وهناك شيعة العراق. أنا أنتمي إلي شيعة العراق وليس إلي شيعة السلطة".. انتهى

حسن العلوي معروف باستداراته .. زلزال الثورة الايرانية جعله يقفز من سفينة البعث.. وزلزال العراق اليوم جعله يقفز من سفينة المظلومية .. ساترك جانبا جملة :"حرق ثلث مساجد السنة ونصف حسينيات الشيعة" ..فعدم الدقة هي اولى ضحايا اسلوب العلوي القائم على الاثارة .. ولا تستغرب حين تجده يستخدم في نفس الحوار تعبير "شعب شيعي".. فواحدة من صفات "فكر" العلوي هو ضعفه الاصطلاحي .. وفضفاضية المفردات هذه هي من تسمح للعلوي في نفس الحوار باستخدام تعبيرات : "ارض شيعية" و"ارض سنية".. ولا تطرح سؤال : ترى منذ متى اصبحت البصرة ارض شيعية .. فضوضاء "الفكر"العلوي لا تختلف كثيرا عن ضوضاء الدريل .. كلاهما يريد فرض حقيقته من خلال الثقوب!!

العلوي يقول انه يفرق بين شيعة العراق وبين شيعة السلطة .. وهذا اهم ما في كلماته .. ولكن العلوي هنا يهدم من دون ان يعترف .. وربما حتى من دون ان يعرف .. الاساس الذي شيد عليه كتابه "الشيعة والدولة القومية" .. فكل فرضية العلوي في كتابه هذا بُنيت على استخدام فضفاض لمفردتي "سنة" و"شيعة" .. وعلى خلط قسري بين سنة السلطة وبين سنة العراق .. لذلك فهو قد اعتبر ضمنيا ومن دون تحديد لمصطلحاته ان عبد الرحمن الكيلاني و عبد المحسن السعدون ممثلين للسنة .. فاذا كان هولاء لايمثلون السنة استنتاجا مما يقوله اليوم فلماذا كان الحديث في الماضي القريب عن طائفة سنية حاكمة وطائفة شيعية محكومة ؟ واذا صدقنا ان العلوي في الماضي كان يناضل من اجل حقوق مدنية للشيعة كما يقول اليوم مبررا لطميات "الشيعة والدولة القومية" .. فلماذا لم يناضل من اجل حقوق مدنية لجميع العراقيين سنة وشيعة .. طالما ان السلطة لاتمثلهم ؟

لو كان حسن العلوي يملك قليل من الامانة الفكرية لعمل اولا على تحديد وشرح مصطلحات "الشيعة والدولة القومية".. وهذا لا يتطلب فكرا خارقا ..فهنا واحدة من قواعد البحث العلمي وهي الدرس الاول الذي يتعلمه دارس علم الاجتماع السياسي : الكلمات لاتحمل مضامينها وخصوصا عندما يستخدمها الساسة .. فما بالك بمفردات هي في جوهر الصراع على السلطة .. وهي اليوم وبعد ان استخدمت من قبل "شيعة السلطة" قد دمرت وطن .. وفخخت شعب.

مراجعة العلوي ناقصة لانها تتغاضى عن الاسباب التي انتجت قراءته اللطمية المبتسرة للتاريخ العراقي .. العلوي لم يحدد مصطلحاته لانه كان قلما في معركة سياسية .. والاقلام المتخندقة لا تبحث عن مصطلحات دقيقة تمكنها من معرفة عميقة وفهم دقيق .. لا .. المعركة السياسية تقتضي استخدام الشعارات والكليشات ضمن طرح ضدي و منهج انتقائي للاحداث يُسخر لخدمة المعركة .. الكليشة كانت سلاح في المعركة .. والعلوي عندما كان جنديا في خندق المظلومية لم ينبه "القارئء الكريم" من ان "سنة" السلطة لايمثلون السنة .. كما يفعل اليوم حين يقول ان "شيعة" السلطة لايمثلون الشيعة .. تجحفل الخندق لم يكن يسمح بذلك .. وخصوصا عندما كان العلوي رئيس تحرير صحيفة المؤتمر الجلبية التي كانت تقبض من المخابرات الامريكية .. احمد الجلبي كان من "نخب" الشيعة انذاك .. وهو من كان يوزع الاوراق الخضراء
.