في بداية الشهر الأول من سنة ١٩٧٩ وبالتحديد بين ٤ و٧ كانون الثاني.. اجتمع رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية في جزيرة غوادلوب التابعة لفرنسا.. الازمة السياسية التي كان يعاني منها نظام الشاه آنذاك كانت من بين الملفات المطروحة على طاولة النقاش.. الاحتجاجات الإيرانية ضد نظام الشاه كانت مستمرة منذ ما يقارب السنة آنذاك.. وزخمها كان يتصاعد تدريجيا.. القادة الأربعة خلصوا الى قناعة انه لا سبيل الى انقاذ نظام الشاه.. وان بقاءه في السلطة قد يفاقم الازمة ويدخل إيران في حرب أهلية.. وهذا قد يحول إيران الى جغرافيا رخوة جيوستراتيجيا.
الاتحاد السوفيتي كان جارا بريا لإيران آنذاك.. والقادة الغربيين كانوا يعتقدون ان الفوضى في إيران ستؤدي الى تدخل سوفيتي في إيران (بعد سنة تقريبا من هذا التحليل غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان بسبب الفوضى السياسية هناك).. وهذا كان اخر ما يريده الغرب.. علينا ان لا ننسى بأن إيران بـ جغرافيتها الحالية هي "دولة حاجز".. رسمتها بريطانيا لمنع "الدب الروسي" من الهبوط الى مياه الخليج العربي.. الخليج في بداية القرن العشرين كان يعتبر ممرا استراتيجيا في الطريق المؤدي للهند.. النفط جاء بعد ذلك.
الامبراطوريات تنظر للعالم من منظور امبراطوري.. بمعنى ان وحدة قياس المسافات على خرائطها هي ليست وحدة الـ "كيلومتر".. وانما وحدة الـ "ألف كيلومتر".. والقادة الغربيون الذي اجتمعوا في غوادلوب آنذاك كانوا ينظرون لخريطة منطقتنا بهذا المنظور الامبراطوري.. قيمة الشاه آنذاك لم تكن بقيمة الحفاظ على إيران كدولة حاجز مع "الدب السوفييتي" .. وبهذا المعنى فان خميني لم يكن خيارا غربيا.. او عميل كما كان يقول الخطاب البعثي الساذج جيوسياسيا.. خميني كان اهون الشرين من منظور امبراطوري غربي.. خصوصا وان خميني كان قد أرسل للقادة الغربيين رسائل مطمئنة عندما كان لايزال لاجئا في فرنسا.. ولكنه لاحقا غير خطابه الجيوسياسي.
بعد أيام من انتهاء قمة غوادلوب استلم الشاه "توصية" القادة الغربيين.. والشاه الذي شهد صغيرا عزل والده عن الحكم من قبل الإنكليز (بسبب ميله لألمانيا اثناء الحرب العالمية الثانية).. تذكر ما فعله ابوه حينها.. الشاه الاب.. وقبل ان يغادر للمنفى من بندر عباس على متن بارجة بريطانية.. قام بوضع حفنة من تراب إيران في صندوق وحمله معه.. لأنه فهم ان رحلته تلك كانت بلا عودة.. الشاه الابن فعل نفس الشيء.. وغادر ايران في ١٦ كانون الثاني ١٩٧٩ على متن طائرته الخاصة حاملا معه ما خف حمله وغلى ثمنه.. بعد أسبوعين من مغادرة الشاه قامت فرنسا بنقل خميني من منفاه في ضواحي باريس الى طهران على متن طائرة فرنسية خاصة.. المخابرات الغربية تتمنى للجميع رحلة سعيدة!!
كنت صغيرا آنذاك.. ولم أكن على دراية بكل هذا الشطرنج الجيوسياسي.. كل ما كنت اعرفه عن إيران آنذاك هو وجه كوكوش.. في بغداد ذلك الزمان كنا نستقبل برامج التلفزيون الإيراني.. وكوكوش بصوتها الجميل كانت تهيمن على الشاشة الإيرانية آنذاك.. كوكوش في مخيلتي الصغيرة آنذاك كانت هي إيران.. فجأة.. "انقطع البث" واختفت كوكوش.. بعد ذلك وتدريجيا.. ظهر امامنا من خلال "الاعلام" العراقي وجه إيران الاخر.. ظهر امامنا "الجانب المظلم للقمر".. ظهر امامنا وجه خميني.. وجه عبوس لا يعرف الابتسام.. تعتليه حواجب معقوفة مخيفة.. وتحيط به لحية "انسان الكهوف".. باختصار.. جمال كوكوش "المطلق" حل محله قبح رجل السراديب المطلق.. هكذا بدت لي "الثورة الإيرانية" صغيرا !! انقلاب في "المفاهيم الجمالية"!!
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق