في السادس من كانون الثاني من عام ١٩٧٨.. نشرت صحيفة اطلاعات المقربة من نظام الشاه.. مقال اتهمت فيه خميني بأنه عميل بريطاني.. وانه ذو ميول جنسية مثلية.. وبأنه هندي الأصل والانتماء لأنه كان يوقع في شبابه اشعاره الايروتيكية/العرفانية!! بتوقيع: "هندي"(علينا ان نذكر هنا ان جد الخميني كان هنديا من كشمير).. وهذه المقال اثار غضب طلاب الحوزة في قم الذين قاموا في اليوم التالي بتنظيم مظاهرة جابت مدينة قم.. وتوقفت في نهاية المطاف امام مركز شرطة المدينة.. وهنا قامت الشرطة بإنذارهم بالتفرق.. ولكن المتظاهرون لم يتفرقوا.. وراحوا يصرخون بشعار: لا نريد حكم يزيد"!!! وهنا قامت الشرطة بإطلاق النار.. الحصيلة عشرات القتلى والجرحى.. هذه هي الشرارة التي اشعلت الاحتجاجات الإيرانية التي أطاحت بالشاه بعد سنة تقريبا من هذا الحدث.
في ١١ من شباط الحالي احتفل النظام الإيراني بذكرى الانتصار على "حكم يزيد".. ١١ شباط ١٩٧٩ هو تاريخ "سقوط" اخر حكومة بهلوية وكانت برئاسة شابور بختيار.. بعد سقوط حكومة بختيار.. كلف الخميني مهدي بازركان بتشكيل اول حكومة اسلامية.. ومهدي بازركان وفي اول خطاب له بعد تشكيل هذه الحكومة قال: ان حكومته لن تكون مثل حكومات الدول الإسلامية الأخرى.. وانما ستكون مثل الحكومة التي كانت اثناء خلافة عليّ ابن ابي طالب!!!
عندما نستحضر خطاب مهدي بازركان.. اول رئيس حكومة في "الجمهورية الاسلامية".. ونضعه جنبا الى جنب خطاب اخر رئيس حكومة فيها.. وهو مسعود بزشكيان الذي قال اثناء الاحتفال الاخير بذكرى انتصار "الثورة" في ١١ شباط الحالي: "إن الجرح الذي نشأ في المجتمع مؤلم".. وأضاف لاحقا "لا أستطيع النوم في كثير من الليالي؛ لأنني حزين جدًا لما وصلنا إليه".. عندما نقوم بوضع الخطابين جنبا الى جنب.. سنفهم ان حلم بازركان الطوباوي تحول الى كابوس.
بزشكيان في خطابه هذا استخدم أسلوب الكناية المستحي ليشير رمزيا الى المجزرة التي ارتكبتها "حكومته" يومي ٨ و٩ من الشهر الماضي.. ارق بزشكيان الحالي يذكرني بأرق الشاه الذي قضى الاسابيع الأخيرة من حكمه حاملا سماعة التلفون لا ينام الليل.. ولكن ما يمنع بزشكيان اليوم من النوم هو ليس مصير رؤساء حكومات الشاه السابقة الذين اُعدموا من قبل نظام ولاية الفقيه.. ما يؤرق بزشكيان اليوم هو انه يخاف ان يلاقي مصير أتعس.. قتلا وسحلا في الشوارع.. لأنه رئيس الحكومة المسؤولة رسميا وتاريخيا عن أكبر مجزرة في تاريخ إيران الحديث.. الناس قد يحتملون الجوع ولكنهم لا يحتملون الجريمة.. كما يقول روبسبير.
فحجم المجزرة التي ارتكبها النظام العلوي في الشهر الماضي يختلف كماََ ونوعاََ عما سبقه.. وايران بعد هذه المجزرة ليست كما قبلها.. حكومة بزشكيان قالت ان حصيلة القتلى هي ٣١١٧.. ولكن هذه الأرقام تبقى ارقام حكومة.. ارقام رسمية.. وبين الأرقام الرسمية وبين الحقيقة هناك دائما هامش جريمة أكبر!! اما ارقام المعارضة الإيرانية فهي تتحدث عن أكثر من ٣٠ ألف قتيل.. الأرقام سلاح في المعركة السياسية!! منظمات حقوق الانسان لا زالت تدقق بأعداد الضحايا بمنهجية بحث شبه اركيولوجية.. واحدة من هذه المنظمات أعطت رقم مؤقت وهو ٧٠٠٠ قتيل.. وما يُصَعِّب من مهمة منظمات حقوق الانسان الصعبة أصلا.. هو ان "النظام العلوي" "اطفاء الضوء" اثناء ارتكابه للجريمة.. قطع الاتصالات الهاتفية والانترنيتية.. كاد المريب ان يقول خذوني!!
ولكن حتى لو اخذنا بارقام الحكومة العلوية وهي ٣١١٧ كفرضية عمل مؤقته.. نحن هنا امام أكثر من ثلاثة الاف قتيل سقطوا خلال يومين فقط!! وهذا شيء لم تعرفه إيران في كل تاريخها الحديث وربما القديم.. في تظاهرة قم عام ١٩٧٨ والتي كانت الشرارة التي اشعلت الثورة الإيرانية كان هناك ٧٨ قتيل.. اما في "مذبحة" الشيعة الكبرى في كربلاء فكان عدد القتلى ٧٢ فردا (وانا هنا اعطي "تكرما" ارقام السردية الشيعية وبالتحديد الأرقام التي استخدمها خميني سياسيا ذات يوم).. وعندما نقارن هذه الأرقام بأرقام المجزرة الأخيرة ٣١١٧.. اخذين بنظر الاعتبار المسلمة الأخلاقية في حديث: "الناس سواسية كأسنان المشط".. بمعنى ان حياة ابن حمال في البازار الإيراني تساوي حياة حفيد "نبي".. نستطيع ان نقول عندها ان يزيد ابن معاوية ويزيد هذا الزمان (الشاه).. هما "أطفال فرقة انشاد" بريئين حين نقارنهما بـقمعية "حسين هذا الزمان".
أضف الى ذلك.. ان النظام العلوي طالب عوائل القتلى بدفع الاف الدولارات مقابل تسليم جثامين "أبنائهم".. اما ثالثة الاثافي.. وفي ثقافة إيرانية انتجت بكائيات العزاء الحسيني.. فهو الإذلال الذي تعرضت له عوائل القتلى بخصوص مراسم الدفن والعزاء.. فالنظام العلوي اخذ تعهدات من العوائل المكلومة بالالتزام بمراسم دفن سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة وعدم احياء اربعينيات القتلى.. وهو شيء لم يجرؤ عليه حتى نظام الشاه.. ومراسم الدفن في مقبرة " جنة الزهراء" في طهران والتي نشرت عنها "نيويورك تايمز" مقال في ٢٦ من الشهر الماضي.. جرت تحت وابل من الشتائم من قبل موظفي مقبرة " الزهراء".. وكان هناك ضابط يقف فوق رؤوس العوائل ويصرخ بهم محذرا بعدم تجاوز الـ ٣٠ دقيقة للانتهاء من مراسم الدفن.. كما روى لـ "نيويورك تايمز" شاب حضر مراسم دفن أحد اقاربه.. وهذا الشاب اضاف غاضبا: "ان الصمت الذي تحاول السلطات الإيرانية فرضه على الناس لا يمكن له ان يستمر، وان مفردة الكراهية لا تكفي لوصف ما يشعر به الناس تجاه النظام.. هذا النظام انتهى".. هل تعرفون الان لماذا حرق الشباب الايراني حسينية "سيد الشهداء" في مدينة باكدشت التابعة لمحافظة طهران!! انه مكر التاريخ.. كما يقول هيغل.
لا نريد حكم يزيد".. "نريد حكم عليّ".. مرحبا بكم على كوكب الأرض.. "عندما تريد الالهة عقاب انسان ما، تحقق أحلامه"!! تقول الحكمة الشهيرة الساخرة من كل تصور طوباوي ساذج للعالم.. واليوم وقد انقضت ٤٧ سنة من حكم "التشيع العلوي".. نستطيع ان نقول ان "الهة التاريخ" "حققت" حلم مهدي بازركان.. "فالنظام العلوي" الذي يحكم ايران منذ ٤٧ عاما هو النظام الأكثر دموية في تاريخ إيران.. وفترة حكمه هي الفترة الأكثر دمارا في تاريخ منطقتنا.. وعدد من قُتل من الإيرانيين فقط (حروبا واحتجاجات وغزوات لحماية مراقد "شركة آل البيت اللامحدودة").. هو أكثر مما قُتل خلال حكم الشاه الذي حكم إيران (هو وابوه) نفس المدة تقريبا.. بعبارة أخرى..ان يزيد هذا الزمان (الشاه) هو ارحم بكثير من حسين هذا الزمان (خامنئي).
مأساة مهدي بازركان الذي قال له علي شريعتي ان هناك تشيّع صفوي سلطوي وتشيّع علوي ملائكي.. هو انه لم يكن يعرف ان خلافة عليّ ابن ابي طالب كانت الفترة الأكثر دموية في التاريخ الإسلامي.. ولم يكن يعرف ان عليّ بن ابي طالب شيّد سلطته على ثلاثة مذابح مشهورة في التاريخ الإسلامي: الأولى هي الانقلاب الدموي الذي انتهى بذبح عثمان بطريقة بشعة.. ثم مذبحة الجمل.. واخيرا مذبحة النهروان.. هذه هي المراحل التاريخية الدموية الثلاثة التي شكلت سلطة عليّ في الكوفة.. ومهدي بازركان الذي لم يسمع بـ "هارد وير" سلطة عليّ ابن ابي طالب هذا.. كان ايضا جاهلا بـ"سوفت وير" سلطة علي ابن ابي طالب في الكوفة.. وهو لذلك لم يكن يعرف ان عليّ ابن ابي طالب كان يحرق بيوت معارضيه في الكوفة ( في رواية أخرى يُشعثها!!).. ويهدمها أخرى.. ويهجرهم قسرا!!
وهذه الوقائع التاريخية لم يفهمها مهدي بازركان.. لأنه لم يكن يميز بين السردية الشيعية والتاريخ.. من هنا العمى التاريخي.. إسرائيل لم تخترع عقوبة هدم بيوت معارضيها وتهجيرهم!! ميكانزمات السلطة القمعية واحدة منذ "قابيل وهايبل"!! ومذبحة النهروان من هذا المنظور السوسيوتاريخي.. لا تختلف الا بوسيلة القتل عن المذبحة الاخيرة التي ارتكبها "النظام العلوي" في الشهر الماضي.. بالأمس "خوارج" واليوم عملاء للخارج!! تعددت الاسباب والقمع واحد!!
باختصار.. المهندس مهدي بازركان المختص بفيزياء الطاقة الحرارية والذي كان يريد إعادة انتاج حكومة عليّ.. لم يفهم "قوانين الفيزياء السياسية".. وبالتالي كان جاهلا بميكانيك السلطة.. لأنه ينتمي لجيل التكنوقراط المشرقي الساذج فكريا.. جيل استعار التقنية الغربية ولكنه لم يستوعب الابستيمة الفلسفية والفكرية التي انتجت هذه التقنية.. والنتيجة هي ان مهندسين وأطباء وحتى علماء ذرة.. يمتلكون عقلية اطفال في الصف الخامس الابتدائي.. مهندسون وأطباء وعلماء ذرة.. يصدقون بـ"حكايات أطفال" تقول لهم ان "طفلا اختفى في سرداب قبل اكثر من الف عام سيظهر قريبا لنشر العدل على كوكب الأرض!!
و"نيوتن أبو عمامة" (مهدي بازركان) الذي التحق برعاع خميني في بداية الثورة.. يتحمل مسؤولية تاريخية كبيرة في صعود امثال عباس محمد حسني لواجهة السلطة في ايران.. عباس محمد حسني هو اليوم رئيس هيئة التوجيه العقائدي والسياسي في الجيش الإيراني.. وقال مؤخرا إنه: "يتعيّن علينا تحديد السبل الكفيلة بتسريع تعجيل ظهور المهدي، والسعي إلى حلول عملية لا نظرية، مع إجراء بحوث تطبيقية في هذا المجال، بما يقرّبنا خطوة إضافية من ظهور المهدي".
بحوث تطبيقية لتعجيل ظهور المهدي!!!!!!!!! هزلت ورب اينشتاين!! لحسن الحظ ان "الجماعة" لا يمتلكون قنبلة نووية!! نحن هنا امام جوهر الازمة الفكرية الإيرانية التي انتجت الثورة الايرانية.. مفاهيم علمية تلوكها "عقول" سراديبية.. نيوتن التقى صدفة بـأمثال مهدي بازركان.. وكارل ماركس بأمثال عليّ شريعتي.. ونتيجة مثل هكذا صدف تاريخية هي دائما فيزياء سراديب!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق