2008/12/17

هاملت عراقي في مسرح فرجة



الحرب صور .. معركة صور ..وخلف الصور ومراسم الصور هناك دائما تصورات يراد فرضها.. وزيارة بوش الأخيرة لبغداد كانت "زيارة صور" .. من اجل "اعطاء صورة" .. بمعنى فرض تصورات فشلت أضخم آلة إعلامية بفرضها في عراق الاحتلال .. أمريكا في العراق قد خسرت معركة الصورة منذ فترة طويلة .. وحذاء منتظر الزيدي ليس الا "الضربة القاضية" في هذا النزال .. في معركة الصور حذاء منتظر هو الـ " كش مات" .. انتهت اللعبة "سيادة" الرئيس ..انتهت المسرحية .. ستارة .. والى كواليس مزبلة التاريخ المظلمة حيث سيلاحقك للأبد شبح القندرة .

نعم انتهت المسرحية .. فالسياسة البوشية لم تكن اكثر من"مسرح فرجة".. وبوش جاء بغداد قبل ايام لكي يقدم "فرجة" أخيرة لكوكب الكوكاكولا .. وفريق الرئيس الإعلامي كالعادة قد اشرف على كل شيء : من ديكور الصالة الممل .. الى توزيع مواقع الكراسي والكاميرات .. وانتهاء بانتقاء "الصحفيين المرافقين" للرئيس على نفس الطائرة ومن يحق له من بينهم بطرح الأسئلة اثناء المؤتمر الصحفي .. اكشن : مصافحة "للمملوك" الذي لم يعلم مسبقا بموعد زيارة سيده .. إيماءة هنا .. ضحكة هناك .. وتعليق ساخر يلتف على السؤال لكي يلغي السؤال ..الخ من اسلحة الغباء الشامل .. كل ذلك بخفة واستخفاف من يعيشون في قصور المناطق الخضراء او الكواكب الأخرى .. فالهدف هو تقديم صورة مغايرة للواقع ..صور وتصورات تخون الواقع .

امام هكذا استخفاف عاهر بالواقع انتفض منتظر.. فحذاء منتظر هو رفض لمسرح الدمى الذي يسمي الاحتلال تحرير ويسمي المقاومة ارهاب ويسمي الدمار تحسن امني ويسمي الانتداب معاهدة امنية .. حذاء منتظر هو رفض لهذا العهر الاعلامي ..وهو تذكير بحقائق الارض والواقع التي يحاول مسرح الفرجه ان يخفيها .. حذاء و خصوصا كلمات منتظر ارادوا تذكير بوش وصحافة الفنادق و"كوكب الكوكاكولا" بالمقبرة الجماعية التي صنعها الفهم "المسرحي" للسياسة .

حذاء وكلمات منتظر ارادوا فرض لغة جدية .. نعم لغة جدية لمواجهة خفة واستخفاف مسرح الفرجة .. منتظر اراد فرض لغة شكسبيرية رصينة امام الماساة العراقية.. فلغة بوش المستخفة امام المأساة هو ما لم يتحمله منتظر .. وكل تحويل لـهذا الفعل الشجاع الى مجرد فعل ساخر اونكته او لعبة انترنيت هو مساهمة في اعادة منظور مسرح الفرجة للماساة العراقية .. ومنتظر ذهب الى اقبية التعذيب من اجل ان لا تختفي الماساة عن الانظار ..من اجل ان يلتفت العالم الى عذابات وجراح الملايين من الايتام والارامل والمشردين .. ومن اجل ان لا تسود لغة "الدمى".

2008/11/30

العراق بين انتدابين .. الماضي الذي لم يمضِ




اليوم وبعد ان تم توقيع "المعاهدة الامنية" تكتمل دورة كاملة في تاريخ العراق المعاصر .. الان نستطيع ان نتكلم عن "عراق بين انتدابين" .. لقد عرف العراق بالامس مرحلة الانتداب البريطاني وهو اليوم يجرب مرحلة الانتداب الامريكي .. وحاضر "الانتداب الامريكي" يُحفز على إعادة قراءة لماضي الانتداب البريطاني .. لقد عارضت المرجعية الشيعة ممثلة بـ مهدي الخالصي الخرساني الانتداب البريطاني.. وقد بررت موقفها من الانتداب الاول بشعار "الانتخاب والتشريع غير جائز دينيا تحت حكم الكفار" .. حتى ان ابو الحسن الاصفهاني ذهب حد "تحريم الزوجة ودخول حمام المسلمين" لمن يشارك بانتخابات المجلس التأسيسي الذي مهد للانتداب البريطاني !! تحريم الزوجة ثابت حوزوي !! بالأمس استخدم كتهديد لمنع المشاركة بالانتخابات !! ولكنه اليوم يستخدم كتهديد من اجل الحث على المشاركة بالانتخابات واختيار القائمة الشيعية كما حدث في الانتخابات الاولى !

المرجعية الشيعية ممثلة بالسيستاني قد باركت الانتخاب "تحت حكم الكفار" وهي بنفس المنطق تبارك الانتداب الامريكي اليوم .. والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا الرفض بالامس والقبول اليوم ؟؟؟ ما الذي تغير تحت السماء العراقية ؟ جنسية المحتل ؟ نعم .. ديانته ؟ كلا .. هل البريطاني كافر والامريكي غير كافر !! بالطبع لا .. كلاهما " كافر" اذا ما استندنا الى المبدأ الاسلامي الذي سخرته المرجعية الشيعية من اجل الرفض الاول .. ويبقى السؤال : ما الذي تغير لكي تقبل المرجعية الشيعية اليوم ما رفضته بالامس ؟

انا شخصيا لا أرى إلا عنصر واحد قد تغير في المعادلة العراقية .. وسلوك المرجعية الشيعية اليوم يعيننا على تحديد هذا العنصر.. مهادنة المرجعية الشيعية للانتداب الأمريكي اليوم يبين لنا انها قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا كما سوّقت المحكية اللطمية .. كيف لنا ان نصدق هذا التبرير الساذج وهم اليوم يتناولون "الفسنجون" مع مبعوثي العم سام !! سلوك المرجعية الشيعية اليوم يقول لنا ان المرجعية رفضت الانتداب البريطاني لان "كفار" الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا من "الشيعة" .. اما وقد اعتمد "كفار" اليوم على "الشيعة" في تمشية امور احتلالهم فان المرجعية الشيعية تبارك الانتداب الامريكي ..اذا فوجود "الكافر" او عدم وجوده ليس مهما في "حسبة" المرجعية الشيعية .. المهم عندها هو هل يعتمد هذا "الكافر" على شيعي ام على غير شيعي .. هذا هو معيار المرجعية الشيعية لقبول او رفض عملية المحتل السياسية .. وقبول المرجعية الشيعية بالعملية السياسية تحت ظل الاحتلال الامريكي قد كشف هذا المعيار الباطني .. ومراسلات السيستاني مع بريمر تؤكد ذلك .. باختصار .. مباركة المرجعية الشيعية للانتداب الامريكي اليوم يفضح كذب ادعاءاتهم التي برروا بها رفضهم للانتداب البريطاني .

الحاضر يمكّننا هنا من رؤية الماضي بلا رتوش المحكية اللطمية التي طالما ارهقتنا بمزايداتها عن دوافع "ثورة" العشرين .. المرجعية الشيعية قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا ولكنها رفضته وحاربته لان "كفار الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا شيعة ..اذا فالعنصر المتغير في المعادلة العراقية والذي يشرح ما تغير في سلوك المرجعية الشيعية اليوم هو ان الحكومة التي استند اليها البريطانيون بالامس لم تكن شيعية .. اقول انها لم تكن حكومة شيعية .. وهذا لايعني انها كانت "سنية" كما تقول ثقافة اللطم .. فمن حكموا العراق من "السنة" لم يحكموا العراق وفقا لمذهب ابو حنيفة او تعاليم ابن تيمية .. لقد حكموه وفقا لايديولوجيات سياسية مختلفة ومتقاتلة حد الدم .. ولكنها لم تكن نابعة من تصورات مذهبية سنية .. ساسة الشيعة اليوم لا يتخذون قرارا من دون الرجوع الى المرجعية الشيعية .. وهذا لم يحصل على مدى حكم "السنة" في العراق ..سلطة الحاكم كانت فوق سلطة رجل الدين .. وهذا هو الفرق الجوهري بين علمانية الحكم "السني" و ثيوقراطية الحكم الشيعي الحالي .

ان ما يبدو اليوم تناقضا ظاهريا في موقف المرجعية الشيعية هو منطق مترابط اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك في المذهب الشيعي مبدأ يقول بان أية حكومة لا تستند في شرعيتها الى "ولاية الامام" فهي حكومة مغتصبة للسلطة ولا ينبغي التعاون معها .. و"نظرية" ولاية الفقيه ما هي الا تعديل طفيف على هذا المبدأ من اجل اعطاء صلاحية الامام الى الفقيه .

فقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم موقف رجال "الدين" الشيعة من الدولة العراقية الحديثة .. وفقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم لماذا تنعت ثقافة اللطم الدولة العراقية "بالدولة السنية" .. كل حكومة حكمت العراق المعاصر هي "سنية" فقط لانها حكومة لا تستند الى شرعية "ولاية الامام".. أي لان الحاكم ليس شيعيا : ينتفض عراقيين "سنة" في حركة مايس ضد حكومة من نفس مذهبهم ولكنهم يضلون "سنة" وفقا لهذا المنطق .. يقوم "الضباط الاحرار" واغلبيتهم الساحقة من "السنة" بانقلاب دموي ينهي الحكم الملكي "السني" ولكنهم يضلون "سنة" .. يقوم البعثيون بانقلاب على القوميين ولكنهم يضلون "سنة" .. رغم اختلاف المشارب السياسية والعقائدية والخلافات العميقة بين هولاء الا ان ثقافة اللطم لا ترى فيهم غير "سنة" .. لماذا ؟ لان كل ما هو غير شيعي فهو بالضرورة "سني" كما يحتم المبدأ الضدي المذكور اعلاه : المذهب هو معيار الحكم الوحيد في ثقافة اللطم .

السلطوية ، التعسف، العنف بحق الشعوب هي ظواهر شائعة في كل الدول العربية .. وفي هذه الدول تقوم الحكومات "السنية" باستخدام العنف ضد اسلاميين "سنة" لانهم منافسيهم على السلطة .. هل يجوز القول انها حكومات طائفية .. بالطبع لا .. هنا الظواهر السلطوية تسمى باسماء تنتمي الى مفردات حقل السياسة : دكتاتور .. تعسف .. توزيع غير عادل للثروات .. مناطقية .. زبائنية الخ من امراض المجتمعات التي لم تراكم مؤسسات مجتمع مدني .. واسباب تلك الظواهر السلطوية هي اسباب بنيوية ولا علاقة لمذهب الحاكم فيها .. ولكن نفس تلك الظواهر في العراق تم اختزالها بـ "مذهبية" الحكومة وبالنتيجة بطائفيتها : امراض السلطة في العراق عللتها ثقافة اللطم باسباب طائفية .. الحاكم التعسفي في العراق لا يسمى تعسفيا او "سلطوي" الخ من المفردات السياسية.. ولكنه سني قبل كل شيء وبالنتيجة طائفي .. لماذا .. لانه ليس شيعيا ولا يتمتع بشرعية "ولاية الامام" او نوابه من "ايات اللة" .. وبما انه غير شيعي فهو مغتصب للسلطة وطائفي .. من هنا فكل حكومة غير شيعية كانت حكومة "طائفية" بنظر ثقافة اللطم .. ونفس هذه "العصابية" المذهبية تقف وراء رفض انتداب الامس وقبول انتداب اليوم .

2008/11/17

انها تمطر قنادر

وائل عبداللطيف زعيم ما يسمى بـ «حزب الدولة» (أية دولة!!) قدم قبل ايام الى مفوضية الانتخابات اكثر من 34 الف طلب موقعة من سكان البصرة يطالبون فيها بإعلان مدينتهم اقليما فيدراليا .. مروّجي مشروع "اقليم البصرة" يقولون انهم يستندون في طلبهم الى مبدأ الفيدرالية الذي كفله "الدستور" .. ولكنهم لا يترددون عن استخدام تعبيرات من مثل "حق تقرير المصير" و "دولة البصرة " و"شعب البصرة" !! هنا كما في "برزانيستان" الاقليم الفيدرالي على المدى القريب ما هو الا مدخل من اجل "الدويلة" على المدى البعيد .

النزعة المناطقية معروفة في العراق .. امس كما اليوم.. والبصرة لاتشذ في ذلك .. ولكن ما يميز البصرة هو ان نزعتها المناطقية قد اخذتها يوما ما الى حدود المطالبة بعدم الانضمام الى دولة العراق .. وكان ذلك قبل وبُعيد تأسيس الدولة العراقية بقليل .. آنذاك ايضا قدم لفيف من تجار البصرة "عرائضهم" وطلباتهم الى الحاكم البريطاني من اجل عدم ضم البصرة الى دولة العراق .. وتشاء الصدف ان قائد حملة انفصال البصرة انذاك كان ايضا يحمل اسم "عبد اللطيف" .. وهوعبد اللطيف باشا المنديل .. المنديل وخلفه كبار تجارالبصرة كانوا يحلمون بوضع مدينتهم تحت الوصاية البريطانية كما تروي المس بيل في رسالتها بتاريخ 1921.6.23 .

دوافع الانفصال آنذاك لم تكن التهميش والإهمال كما هي دوافع اصحاب المشروع اليوم .. فالبصرة آنذاك كانت تعيش في بحبوحة اقتصادية .. دافع الانفصال انذاك كان الهروب من المدن الفقيرة المحيطة بالبصرة ومشاكل وقلاقل الفرات الاوسط .. البصرة انذاك كانت مدينة ذات اغلبية سنية.. والتجار واعيان البصرة الذين قدموا عرائض الانفصال كانوا من المذهب السني .. مما يعني ان العامل المذهبي لم يكن فاعلا في سلوك هولاء "السنة" الذين كانوا يريدون الانفصال عن "الدولة السنية" كما تسميها ثقافة اللطم .. وهذا يحيلنا إلى المهم في مشروع "اقليم البصرة" اليوم .

البصرة اليوم ذات "غالبية" شيعية ولكنها تتذمر من "النازحين" الشيعة من العمارة والناصرية .. وهي ترفض الانضمام الى مشروع عصابة الحكيم وتقاسم ثرواتها مع باقي الشيعة .. باختصار الهم البصري هو هم"مناطقي" يستند الى حسابات اقتصادية وليس هم مذهبي قانع بصحن هريسة هنا وصحن "قيمه" هناك .. نداء الثروة النفطية هو اقوى عند هولاء البصريين من الروابط المذهبية .. اصحاب مشروع اقليم البصرة وبطريقة غير مباشرة يقولون لعصابة آل الحكيم : خذوا صحون "هريستكم" التي تتصدقون بها علينا .. بامكاننا ان نأكل "فسنجون" مثلكم !

نحن هنا امام ما يمكن تسميته بـ "سياسة الكعكة".. البصرة قد سئمت "خبز العباس" .. البصرة تريد "كاتوو".. ومن اجل ان تأكل البصرة "كاتوو" تُرفع شعارات"البصرة للبصريين" و"نفط البصرة للبصرة" !! وبهذا المعنى فان مشروع "اقليم البصرة" الحالي يشكل رفسة بمؤخرة " جاموسة المظلومية المقدسة" التي "نفختها" عصابة آل الحكيم من اجل تكريس مشروعهم لحكم الوسط والجنوب .. وائل عبد اللطيف يقول بخصوص مشروع "اقليم الوسط والجنوب" : "بدأنا العمل قبلهم، ولا علاقة لنا بباقي الاجندات والطروحات الاخرى" .. بتعبير اخر، مشروع اقليم البصرة هو خروج عن الاطار المذهبي الذي تريد عصابة آل الحكيم فرضه على الجنوب .. الجنوب كما يبدو "جنوبات" .

كم كانت الامور سهلة بالنسبة لثقافة اللطم عندما كانوا يستلمون "الحقائب" في اقبية المخابرات الاقليمية .. آنذاك كان يكفيهم قول "امبريالية السنة" لكي تدمع عيون "الجنوب" .. كان يكفيهم الضرب على الوتر الطائفي المنغم بالضدية المناطقية لكي تنفجر الصدورغضبا على "الدولة السنية" .. وفقر العقدين الأخيرين قد سهل من مهمة الشعارات اللطمية المغمسة بالوعود المعسولة .. قالوا لهم ابشروا فحكم "احفاد آل البيت" قادم .. قالوا لهم ان السماء ستمطر مُصلحين .. قالوا لهم ان السماء ستمطر "مُخلّصين" .. ولكن خمس سنوات سلب ونهب من قبل شركة "احفاد آل البيت" كانت كافية لازالة الغشاوة عن عيون ضحايا الوعود الكاذبة.. لقد انتظر "الجنوب" سقوط "الخير" .. ولكنها امطرت "قنادر" .. امطرت لصوص وسرسرية و"ايات اللة بزنسية" تستثمر خمس الفقراء في "عواصم الكفر" كما يسمونها .

الحرامية من رافعي مصاحف الطائفية قد يستطيعون خداع بعض اهل الجنوب كل الوقت .. لكنهم حتما لن يستطيعوا خداع كل اهل الجنوب كل الوقت .. فالواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية .. مشروع اقليم البصرة يؤكد ثابت الهويات المناطقية التي حاول مشروع اقليم "الوسط والجنوب" المذهبي ان يخفيها .. وتذمر سكان البصرة من النازحين الشيعة اليها من العمارة والناصرية ليس استثناء .. تذمر اهالي النجف من الشروكية كان اسبق وهو ايضا يحكي عن الهويات المناطقية المستفحلة تاريخيا في الجنوب .. ولنا ان نتذكر ما قاله محافظ النجف الذي رفض اقامة مخيمات انسانية للمهجرين الشيعة في اطراف النجف وتركهم يعيشون في ظروف مزرية بحجة ان "النجف تريد الحفاظ على هويتها" !!

التاريخ الذي همشته المحكية اللطمية ينتقم اليوم ..
فالتاريخ يقول لنا ان كلمة "شروكي" ومضمونها التحقيري هي تسمية استخدمها اول من استخدمها سكان"الجنوب" القاطنين قرب الفرات لنعت سكان الجنوب الشرقي القاطنين قرب دجلة .. ثقافة اللطم حاولت وتحاول ان تُعطي للكلمة بُعدا طائفيا كما لو ان التسمية كانت من اختراع اهل بغداد السنة .. ولكن لا .. "الشروكي" هو نعت تحقيري صادر عن"مناطقي" شيعي بحق شيعي "اخر" .. وهو نعت تحقيري يحكي تاريخ مناطقية متورمة.. يحكي تاريخ "جنوبات" متنابذة .. الواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية

2008/10/31

حين تدوس البغال والحمير المارة


هنا حوار عن الديمقراطية بين عبد الرحمن النقيب وشيخ من عشيرة شمر تنقله لنا المس بيل في احدى رسائلها الى ابيها بتاريخ 1921.8.21 .. سخرية النقيب لذيذة .. ولغة المس بيل، هنا كما في جميع رسائلها، مدهشة :


And since I'm telling you stories I must tell you one about the Naqib. It hangs on to what I was relating to you last week on the subject of al Damakratiyah. It was the Naqib to his huge delight - he's by every instinct an aristocrat and an autocrat if ever there was one - who gave currency to the word by announcing in the Council that Faisal should be king of a constitutional democratic state. He did this with his tongue in his cheek, you understand, in order to catch the public. The other day a Shammar shaikh up from Hail drops in to call. "Are you a Damakrati?" says the Naqib. "Wallahi, no!" says the Shammari, slightly offended. "I'm not a Magrati. What is it?" "Well" says the Naqib, enjoying himself thoroughly "I'm shaikh of the Damakratiyah, the Democrats." "I take refuge in God!" replied the shaikh, feeling he had gone wrong somewhere. "If you're the shaikh of the Magratiyah, then I must be one of them, for I'm altogether in your service. But what is it?" "Damakratiyah" says the Naqib "is equality. There's no big man and no little - all are alike and equal." With that the bewildered Shammari plumped onto solid ground. "God is my witness!" said he, seeing his tribal authority slipping from him "if that's it, I'm not a Magrati."

كلمات النقيب اليوم تكتسب طابع الكوميديا السوداء اذا ما وضعناها ضمن اطار الخراب الهائل الذي خلفته "الديمقراطية" بنسختها "البول بريمرية" .. وجملة الشيخ الشمري الاخيرة في هذا الحوار تستحق التوقف عندها : " اذا هاي هيه الديمقراطية فاني مو مغراطي" ..ورغم اختلاف الدوافع التي تجعل الشيخ يقول ما يقول فنحن هنا امام جملة نجد تنويعاتها في عراق اليوم .. فمثل هذه الجملة رددها الكثير من العراقيين الذين عاشوا مخلفات "ديمقراطية" العم سام المحمولة جوا ..الديمقراطية بنسختها "البول بريمرية" قد اضحت في مخيلة كثير من العراقيين اليوم مرادفا للفوضى ..ولسان حال العراقي اليوم يقول مقولة الشيخ : "اذا كانت هذه هي الديمقراطية فنحن لسنا بديمقراطيين" .. فعندما تُفهم المصطلحات فهم شعاراتي .. فهم ايديولوجي .. فان المصطلحات تتحول الى اسلحة دمار شامل .

الكارثة العراقية قد اعادت للكثير من الكلمات معاني غيبتها الشعارات .. ومفردة الديمقراطية واحدة من تلك الكلمات التي حمّلتها الشعارات باكثر مما تحتمل .. واستحضار المسار التاريخي لمصطلح الديمقراطية مفيد لفهم المغيب .. مصطلح "الديمقراطية" /حكم الشعب هو من اصل اغريقي .. وعلم الاجتماع السياسي قد بيّن ان الاغريق اعطونا المصطلح  السياسي ولكنهم لم يحققوا النموذج الديمقراطي .. على الاقل ليس بالمفهوم الحديث للديمقراطية .. ومفردة الديمقراطية عند فلاسفة اليونان ظلت تحمل معنى سلبي .. حتى ان افلاطون كان ينعت الديمقراطية بحكم الغوغاء/العامة "حيث تدوس البغال والحمير المارة في الشارع " بحسب تعبيره الشهير .

وهذا المعنى السلبي للديمقراطية ظل ساريا في الفكر السياسي الغربي حتى منتصف القرن التاسع عشر .. وهذا حتى عند اغلب "الاباء المؤسسين" للديمقراطية الامريكية التي تعتبر "الديمقراطية" الاولى في العصر الحديث.. الفكر السياسي الغربي كان يعتقد حتى وقت قريب ان المشاركة في الفعل السياسي او الاشتغال في الشأن العام يتطلب شروط امكانية .. واول تلك الشروط هو توفر الاكتفاء المادي الذي هو اساس لتطوير الملكات والسلوكيات الانسانية القويمة .. أي توفر ما تسمية الادبيات السياسية بـ"الفضيلة" عند المتصدي للفعل السياسي .. وهذه خصلة ليست مبذولة للجميع وخصوصا للفقراء المسحوقين بضرورات معيشتهم القاهرة .. ضمن هذا الاطار ينبغي فهم مقولة صاحب "العقد الاجتماعي" جان جاك روسو :"الفقير لا يفكر بنبل" .. وضمن هذا الاطار ايضا ينبغي فهم التصنيف الذي يقوم به ايمانويل كانط حين يفرق بين "المواطن الايجابي " القادر على اعالة نفسه وبين "المواطن السلبي" المحاصر بالفقر والفاقة .. وهو يقول لنا ان الشان السياسي او الفعل السياسي ( الانتخاب مثلا) ينبغي ان يكون من حق "المواطن الايجابي" فقط .

واذا ما وضعنا ما يقوله كانط في الاطار العراقي فهو يعنى ما يلي : بين تهديد المليشيات له بفقدان الحصة التموينية اذا لم يصوت لها وبين الاختيار الحر الذي هو اساس الديمقراطية فان "عبد السادة" سيختار الحصة التموينية .. بين الاختيار الحر وتهديد فتوى تحريم زوجته اذا لم يختار قائمة الشمعة، فان "عبد السادة" سيختار التصويت "للشمعة" .. باختصار.. ايمانويل كانط يقول لنا ان للفعل السياسي شروط وان "عبيد السادة" المسحوقين بالفقر والجهل لا يستطيعون ممارسة الفعل السياسي بصورة صحيحة .. وان "لطميات الاصابع البنفسجية" لاتخلق ديمقراطيات .

حتى توكفيل، المفكر الفرنسي الذي هو اول من اعطى لمصطلح الديمقراطية معناه الايجابي الحديث في كتابة الشهير "الديمقراطية في امريكا" ..توكفيل ايضا يقول بضرورة توفر شروط امكانية من اجل فعل سياسي ناضج .. من هنا مقولته الشهيرة : "اضمن لي ثلاثين سنة تقاسم "ثروة" عادل وصحافة حرة، ساعطيك جمهورية".

باختصار.. هناك شروط امكانية للديمقراطية من دون توفرها كما هو الحال في النسخة "البول بريمرية" ، فان "البغال والحمير ستدوس المارة في الشارع" .. وما لم يقله افلاطون .. نستخلصة من ارسطو.. ارسطو يعتبر الخروف اغبى الحيوانات .. عندما انظرُ الى مسيرات "قطعان الغنم" التي تسمى "مليونيات" .. اصدق ارسطو : "قطعان الغنم" لا تخلق ديمقراطيات
.

2008/10/15

شخابيط بقلم "احمر" باهت


يقال انه "قيادي" شيوعي عمل في الفرات الأوسط ذات عراق .. وهو اليوم ينشر كتاب ليقوم بمراجعة نقدية لتجربته الحزبية .. تستوقفني فقرة في "مراجعة" هذا "الرفيق" جاءت ضمن مقال يستعرض كتابه هذا في الحياة : «لقد أتاحت ثورة الرابع عشر من تموز إمكانات كبيرة أمام الحزب من بينها الدعوة لإشاعة الديمقراطية في البلاد وإنهاء حكم الفرد وحال الطوارئ وإلغاء المحاكم العسكرية في البلاد وجعل هذه المهمة لها الأولوية. وكان هذا بالطبع يتطلب أن تمارس هذه الديمقراطية في صفوف الحزب الشيوعي أولاً وبعد الثورة مباشرة وذلك من طريق عقد مؤتمره وانتخاب قيادته بدلاً من اللجوء إلى أسلوب التقديمات إلى القيادة والتي أثبتت الوقائع بأنها كانت البلاء على الحزب وانعكس تأثيرها السلبي على مسيرة الشعب والحركة الوطنية»" .. انتهى

لا جديد .. نحن هنا امام نفس الاسطوانة المعروفة في "المحكية" الشيوعية العراقية والتي استخدمها حتى من كانوا "قيادات" داخل تلك "القيادات".. بمعنى شخصنة المشكلة بما يؤدي الى ان كل شيوعي يرمي بالمسؤولية على الاخر "الفوقي" .. لم لا.. جيل " نفذ ثم ناقش" يمارس اليوم " النقد والنقد الذاتي" .. خصوصا بعد ان ربط الحزب الشيوعي العراقي "مطرقته ومنجله " بمؤخرة "همر" العم سام !! من "فلتسقط الامبريالية" ايام الاحتلال البريطاني الى "فلتحيا الديمقراطية الامريكية".. الاجترار واحد .. اذهب وحاول ان تقرأ ما بين السطور لماذا كان الاحتلال في السابق "امبريالية" واليوم "ديمقراطية !



ولكن ما "يصفع" الانتباه في جملة "الرفيق" يكمن في مكان اخر .. في جملة "الرفيق" هناك شيئان اسمعهما للمرة لاولى في حياتي .. "المعلومة" الاولى هي ان عراق ما قبل "ثورة" تموز 1958 كان يعيش تحت نظام "حكم الفرد"!! اما "المعلومة" الثانية فهي ان "اشاعة الديمقراطية في البلاد" كانت من بين اولويات الحزب الشيوعي العراقي .. "ماركس ابو دشداشة" معروف بفضفاضية مصطلحاته .. وهو مشهور بقابليته على اجترار المفردات بميكانيكة يحسد عليها .. ولكن "الرفيق" هنا يذهب الى فضاءات ضحالة غير مكتشفة سابقا !! فعبارة "انهاء حكم الفرد" في جملة هذا "الرفيق" تنتمي الى ما يسمى بالمضحك المبكي .. خصوصا اذا علمنا ان "رفيقنا" هذا القادم من الفرات الاوسط لم "يتحرر" من سلطة وسياط الشيخ إلا بفضل قيام الدولة العراقية التي نهض بها رجالات الملكية .. ناهيك عن ان شوارع بغداد لم تعرف قبل الشيوعيين شعارات من مثل " ماكو زعيم إلا كريم !

مذهل ان هذا "الرفيق" ما زال وبعد كل تلك العقود يجتر "هوسات" حزبه .. ومذهل انه ما زال يغط في فهم "شعاراتي" للتاريخ العراقي مما يجعله ينعت نظام الحكم في عراق ما قبل تموز 1958 بـ "حكم الفرد" .. فـ "حكم الفرد" هو نظام انتجته الانظمة التوتاليتارية .. الفاشية منها والشيوعية .. ونموذجه الأكمل هو نظام ستالين .. وشرط الامكانية لمثل هكذا نظام هو جهاز بوليس اخطبوطي .. والعراق الملكي لم يكن يمتلك مؤسسة أمنية بهذا الحجم بسبب حداثة مؤسسات الدولة العراقية وضعف بنيتها انذاك .. ولو كان في العراق الملكي "حكم فرد" لما استطاعت كتيبة جنود احتلال قصر الرحاب وقتل العائلة المالكة !

اما "سالفة" ان الحزب الشيوعي العراقي كان يمكن ان يكون واسطة لإشاعة الديمقراطية في العراق .. فهذه و"رب الكرملين" نكتة .. هي حتى نكتة قادرة على تحريك شوارب ستالين لانه كان سيضحك لو سمعها .. خصوصا اذا علمنا ان الايديولجيا الشيوعية الرسمية انذاك كانت تعتبر الديمقراطية نظام حكم برجوازي يتعارض مع "دكتاتورية البروليتاريا" .. وهذا الرفيق "الكهفي" لا زال يعتقد حتى اليوم ان الحزب الشيوعي العراقي كان يمكن ان يكون "رسول سلام" ينشر الديمقراطية في ربوع البلاد !

مسكينة هي "البلاد" بمثل هكذا "مراجعات نقدية" .. ومساكين هم "العِباد" المبتلين بسماع وقراءة مثل هكذا ضحالات.. هل من يقول لهذا الرفيق " صح النوم" .. هل من يقول له ان كل التجارب الشيوعية في العالم لم تعرف الديمقراطية ولم تنتج غير "حكم الفرد" ..هل من يقول لتلك النرجسيات المتورمة بِذِهان مزمن ان كفى استخفافا بعقول الناس .. هل من يقول للشيوعيين العراقيين ان أفضل شيء حصل لهم هو انهم لم يستلموا السلطة في العراق!! لانهم لو كانوا قد حكموا العراق لاعطونا "ابو شوارب" أخر!! وهل من يقول لهم أخيرا ان التاريخ لا يكتبه حكواتية !

2008/09/29

فنجان قهوة مع لينين .. في مديح البرجوازي

في الاسابيع الاولى بعد وصولي الى هذا البلد الأمين .. وكان ذلك قبل سنوات طويلة .. اصطحبني صديق عراقي في جولة حول المدينة التي يسكن .. احدى محطات تلك الجولة كان مقهى من مقاهي تلك المدينة المزدحمة بالمقاهي .. دخلنا المقهى .. جلسنا .. واذا بصديقي يشير الى طاولة بجانبنا : "هنا كان يجلس لينين" .. وهنا في هذا البلد الذي يحنو على الأشياء التي اتعبها التاريخ .. مثل تلك الطاولة تصبح "محج" سياحي .. "فنجان قهوة مع لينين" قال صديقي .. انا شخصيا لا احب القهوة ولا احب لينين .. ولكنني احب ارتياد المقاهي.

قبل ايام التقيت لينين هذا للمرة الثانية .. التقيته في كتاب يتطرق للسياسة الدولية اثناء الحرب العالمية الاولى وبالتحديد حين كان لينين لاجئا في هذا البلد الامين .. الحرب العالمية كانت مشتعلة آنذاك .. والاشتراكيون الأوربيون كانوا منقسمون حول الموقف السياسي من تلك الحرب .. قرأت الكتاب وطاولة لينين كانت حاضرة معي .. لينين يدخل مقهاه .. لينين يشرب قهوته الصباحية .. لينين يتناول جريدته المستلقية على تلك الطاولة.. لينين يقرأ اخر الأخبار .. وجه لينين (الذي يشبه وجه ملاكم) يبدأ بالتشنج .. لينين قد عرف للتو إن زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية العالمية قد اصطفوا مدافعين كل منهم عن موقف بلاده .. لينين يسافر في نوبة من نوبات غضبه المشهورة .. فم لينين يبدأ بتخريج كلمات نابية : "خونة ، برجوازيون .. سفلة .. أنذال .. كيف يضحون بالمبادئ الاشتراكية من اجل بلدانهم" .. نفهم غضب لينين حين نعرف ان سلوك زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية يزيد من عزلته خصوصا وسط رفاقة الروس الذين لا يفهمون موقفه المعادي لبلدهم روسيا .. لينين يحتاج الى فلسفة موقفه .. لينين ينحني على تلك الطاولة ويبدأ بوضع افكاره على الورق .. لينين يكتب " اطروحاته السبعة عن الحرب" حيث يقول " ان اهون الشرين ، من وجهة نظر الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في روسيا، هو هزيمة الملكية الروسية وجيشها" .. وهكذا كان .


تنجح عقيدة لينين وتسقط روسيا القيصرية .. ولكن عقيدة لينين لم تنجح من دون تعكزها على المساعدات السخية التي قدمتها المانيا والدولة العثمانية للمعارضين الروس.. المانيا والدولة العثمانية كانتا بحاجة ماسة لتحييد الجبهة الروسية.. "المخابرات" الالمانية والعثمانية تجندان عملاء من داخل المعارضين الروس من اجل التسريع بقلب النظام القيصري .. "تاجر الثورة" الكسندر اسرائيل هيلفلاند .. القيادي الشيوعي الروسي من اصل يهودي والذي تحول الى رجل اعمال يؤدي دور الوسيط .. لينين يرفض في البداية .. لينين يتردد بعد ذلك .. لينين يركب في النهاية القطار الالماني الخاص الذي نقله عبر اوربا الى روسيا .. "المخابرات" الالمانية تتمنى لكم رحلة سعيدة .


لا يهمنى في تلك القصة موقف لينين الذي يفضل هزيمة بلده على هزيمة عقيدته .. ما يهمني هو موقف الاشتراكيين الأوربيين .. بين العقيدة والوطن، لماذا اختار الاشتراكيون الأوربيون الوطن ِ؟؟ بين الاممية وبين "الحدود" لماذا اختاروا الدفاع عن حدود بلادهم .. هنا سؤال مهم .. سؤال ضروري ..سؤال ملح خصوصا ونحن نعيش تداعيات زمن "انا الطم اذا انا موجود ، وليذهب الوطن للجحيم " !! أتخيل حجة الاشتراكيين الاوربيين : " الاوطان قبل العقائد" .. "برجوازية " يقول صاحبنا لينين .. ليكن.. مثل هكذا برجوازية تعجبني .. ان تكون برجوازيا امام رومانسية الشعارات يتطلب شجاعة وامانة فكرية ليست متوفرة لكل من هب ودب .


مثل هكذا "برجوازية" تستوقفني .. لانها تطرح اشكالية دمرت العراق .. بين الوطن والعقيدة يختار البرجوازي الوطن .. يختار سلامة الوطن ..امن الوطن ..وجود الوطن المهدد .. هناك عند البرجوازي حس بالمسؤولية لا يتوفر عند المحلقين في فضاء المطلقات المجردة .. هناك عند البرجوازي ارتباط اكبر بحقائق الارض .. بالواقع .. بالدولة .. هل "مُلكيته" تجعله يتخذ مثل هكذا موقف كما يقول لنا لينين ؟؟ اذا فلتحيا المُلكية .. نعم فلتحيا المُلكية المنتجة لمواطنين يفكرون ببرغماتية .. والى الجحيم كل الشعارات التي تجعل الناس يتصرفون كقطعان غنم تركض نحو حتفها .. تلك الروح القطيعية سادت بالامس وحصلنا على "ثقافة" الحبال.. وسادت اليوم وحصلنا على "ثقافة" الدريل .


لقد جعلت الايديولوجيا الشيوعية من مفردة برجوازية شتيمة .. ولكن معنى المفردة لم يكن تاريخيا كذلك .. صحيح ان المفهوم الفرنسي الحديث يعطي للبرجوازي معنى "شخص محافظ او نمطي وبلا مثاليات" ولكنه استخدام متأخر زمنيا .. وهو معنى من بين معاني اخرى كثيرة .. في سويسرا التي احتضنت لينين لاجئا يشرب قهوته الصباحية بهدوء على تلك الطاولة .. في هذا البلد الامين يأخذ مفهوم البرجوازية معنى المواطنة .. ولقب برجوازي في كثير من مدنها يمنح للشخصيات المميزة في المدينة تقديرا لمساهمتها في تطوير المدينة .. وهذا الاستخدام السويسري يعيدنا الى المعنى الاصلي للكلمة .. البرجوازي (من الالمانية بورغ) هو ساكن المدينة .. وفيه نجد اهم ما يميز البرجوازي سوسيولوجيا : هضمه لسلوكيات وقواعد التعامل المديني/ المدني .. من خلال تطويره لسايكولوجية نمت فيها الانا العليا (الرقيب الذاتي) الى درجة انها لاتحتاج الى رقابة خارجية كبيرة لكي تتصرف مع الاخرين بتحضر .. اما عن نمطية البرجوازي التي يشير اليها المعنى السلبي للكلمة فسببها احترام صارم للقواعد الاجتماعية .


المثقفون عملوا على إشاعة صورة سلبية عن البرجوازي .. هو عندهم نقيض لصورة الفنان او الفوضوي الرومانسية .. من حق المثقف الغربي الذي راكمت بلاده مؤسساتها المدنية والسياسية ان يدعو الى الفوضوية .. ولكن مثل هكذا دعوة عند المثقف العربي تستحيل الى سذاجة في احسن الاحوال .. و في اسوءها خيانة لعذابات الناس المطحونين في فوضى مجتمع يتخبط في خزعبلاته .. مجتمع لم يراكم بعد ثقافة مدنية على الاقل عند الاغلبية القادمة من الارياف .. ثقافة الشعراء البزاخة القادمة من "خلف السدة" لازالت تفتخر بمشهد شاعران يتعاركان بالأيادي من اجل قصيدة .. يحدث ذلك عادة بعد اول قدح !! شخصان فقط .. لكنهما غير قادرين على التعايش حول طاولة !!"مثقفونا" يتسألون وعبر طرح غبي عن سر ثقافة العنف والدكتاتور.. وهم أنفسهم لم ينموا او يطورا سلوكيات مدنية .. السيطرة على الغرائز الشخصية وكبت نوازع العنف الداخلي هي اهم ما يميز السلوك المدني البرجوازي المستند الى سايكولوجيا مدينية .. والمجتمعات المسالمة هي مجتمعات انتجت ، وعبر تراكم اجتماعي اقتصادي وخصوصا تربوي طويل، هذا النوع من البشر الحاملين لتلك السايكولجيا المدينية .

احد المؤرخين الفرنسيين يقول "بلا برجوازية ما كان ليكون هناك حضارة فرنسية" .. جان كوكتو يقول نفس الشيء بجملة رائعة : "خلف كل عمل فرنسي مهم هناك بيت، حساء، نار ، نبيذ ، غليونات" .. كوكتو ومن خلال ثقافة عميقة يعرف ان الفلسفة الفرنسية انتجتها صالونات شجعت الفكر كما اشاعت سلوك التعامل الاجتماعي المتحضر .. ناهيك عن ان دور النشر في اوربا كانت مهنة "برجوازية" .. من أين لنا بشعراء على هذا المستوى من الفهم العميق للتطور الاجتماعي !! الجواهري كان يعتاش على موائد وعطايا رجالات الملكية في الليل ويخرج في النهار في مظاهرات ترفع شعارات " الموت للبرجوازية" !! لامسؤولية هذا "الحبل الثقافي" ليس لها حدود .

كل ما له قيمة في العراق المعاصر كان من انتاج "البرجوازيات" العراقية .. حتى ازدهار الحركة الثقافية في خمسينات العراق وستينياته كان نتيجة للتراكم الذي تم في العهد الملكي .. مثقفو اليسار العراقي يعتقدون انهم هم من كانوا وراء تلك الحركة .. عقليتهم اللاسوسيولوجية تمنعهم من فهم شروط امكانية مثل تلك الحركة .. فهم يختزلوها باسماء مشهورة كما يختزلون الازمة بشخص الدكتاتور.. الواقع كذّب "محكياتهم" .. فالواقع اثبت أنهم ما ان استلموا السلطة حتى اختصروا الثقافة في ثنائية الحبال و الردح .. قبلهم كان هناك "كشك جرائد".. واختلاف سياسي يظهر نسبيا في الشارع .. وجامعة يحاضر فيها اساتذة من عيار البرت حوراني .. كل ذلك اختفى حين طفح على السطح "ماركس ابو دشداشة" وجيل انصاف المتعلمين البوقي : "الموت للبرجوازية .. الموت للبرجوازية" .. لم لا .. ولكن كان علينا ان نفهم ما يعنيه ذلك .. فعندما تموت البرجوازية في مدينة ما، يموت كل شيء في تلك المدينة .. من "البزونة" الى أستاذ الجامعة .

2008/09/16

استكان شاي مع شاكر مصطفى سليم .. "على حساب" على الوردي


كنت اعتقد حتى وقت قريب ان أفضل من كتبوا عن العراق وعن "المجتمع " العراقي هُم من غير العراقيين .. ولكن يبدو ان هناك استثناء : شاكر مصطفى سليم ودراسته عن قرية الجبايش في الاهوار .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش هي اول دراسة انثربولوجية منهجية احصائية في العراق .. وهي "دراسة ميدانية" في الجبايش امتدت من 2 كانون الثاني عام 1953 حتى نهاية شهر ايلول من نفس السنة .. تسعة اشهر بحث ميداني وفي قرية نائية وفي خمسينات العراق .. مدهش .

حدث ذلك ذات "رجعية" .. وقبل ان تتسلق "تقدميات الارياف" اسوار المدينة وتغتال المدينة وجامعتها تدريجيا .. هذه الدراسة تشير وبطريقة غير مباشرة الى "الممكن" الهائل الذي كان يمكن مراكمته علميا وثقافيا .. ما الذي يمكن قراءته اليوم من "ادبيات" الحزب الشيوعي العراقي كوثيقة سوسيولوجية عن العراق !! لا شيء .. "ادبيات" كلمة كبيرة حتى ..شعارات او هوسات هو وصف ادق واصدق .. خصوصا اذا علمنا ان "الرفيق" فهد كان يسرق من "ادبيات" الحزب الشيوعي السوري .. حتى شعار "وطن حر وشعب سعيد" هو شعار مسروق من الحزب الشيوعي السوري .. يبدو ان "الامبريالية" لم تكن وحيدة في سرقة جهود الاخرين !!

هل هي مصادفة ان "رجالات" الشيوعية العراقية موزعين اليوم بين خدمة البسطال الامريكي .. وخدمة ما كانوا يسمونها حتى وقت قريب "صحف البترودولار" .. اقول هذا وانا استحضر مقال فالح عبد الجبار قبل اسبوعين "عن العروبة والعرب" في الحياة السعودية .. لطيف ان يُصفي شيوعي سابق حساباته مع القوميين على صفحات جريدة "بترودولارية" .. والادهى انه شيوعي يريد اليوم ايقاظ العروبة من سباتها !! لم لا .. كوندليزا رايس ايضا تريد ذلك من اجل مواجهة ايران كما قالت قبل اسابيع !! في هذه المقالة يعيب فالح عبد الجبار على ساطع الحصري انتقاله "بعد الحرب العالمية الاولى من فكرة الجامعة الاسلامية، الى الجامعة العربية، في رداء علماني" .. انا اعتقد ان المسافة بين الاسلام والعروبة ليست شاسعة .. وحتما هي ليست انتقالة شاذة او غير منطقية خصوصا اذا ما قارناها بانتقالة فالح عبد الجبار من الشيوعية الى الليبرالية البتروامريكية !! الى الامام رفيق !

وعود على بدء.. عودة الى من خدموا العراق وليس الاتحاد السوفيتي .. عودة الى من حاولوا فهم "الارض" ومشاكل الارض قبل تغييرها .. الارض العراقية التي قتلها قانون الاصلاح الزراعي الشيوعي لانه قانون تم فرضه وتطبيقه بعقلية "الفزعة" .. عودة الى من انتظر خمسة اشهر .. فقط لكي ينال ثقة اهالي قرية الجبايش ..عودة الى شاكر مصطفى سليم .

اول ما يثير الانتباه في كتاب شاكر مصطفى سليم هو الوضوح .. وضوح في البنية ، وضوح في المنهج ووضوح في الاصطلاح ..الفصل الاول من كتاب سليم مخصص لـ"ظروف وميادين الدراسة".. الفصل الاول هو جولة في "مطبخ" سليم حيث يشرح لنا طريقة اعداده لدراسته : لماذا اختار قرية الجبايش وليس قرية اخرى .. ظروف اقامته الطويلة والشاقة وصراعه مع البعوض النهم ..اساليب جمع المعلومات ومرامي الدراسة .. وكيف ان الحكومة لم تسمح له بالاطلاع على بعض الملفات "السرية" رغم محاولاته المتكررة وجهوده للحصول عليها في بغداد .. وكيف انه منع في ربيع 1953 من الذهاب الى الى منطقة معينة في اهوار العمارة بسبب اضطرابات ومصادمات بين الفلاحين والشيخ الخ .. باختصار نحن امام شرح مفصل قل نظيره للاجرائية التي تمت بها الدراسة .

مثل هكذا وضوح اجرائي غائب تماما عن اغلب الاعمال العراقية التي تطرقت لدراسة المجتمع العراقي .. هناك ايضا عند سليم تسجيلية هائلة لانجد لها مثيل عند على الوردي مثلا .. سليم يُشبع الظواهر الاجتماعية التي يتطرق لها وصفا .. وهو لا "يخبزها" كما يفعل علي الوردي الذي يتطرق لظاهرة محلية ما، والادهى انه يعممها على العراق، مستندا في احيان كثيرة على "قال لي فلان " او سمعت من فلان".. هذا الفرق بين الوردي وسليم يجد اسبابه في المنهج الذي يتبعان في دراستيهما .

دراسة سليم الميدانية تعتمد على الطريقة الاحصائية ..وتتبع قواعد عمل محدد تنتمي الى مدرسة انثربولوجية رصينة .. في حين ان الوردي في كتابة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"يقول باستحالة اجراء دراسة ميدانية احصائية في العراق .. وحجته هو ان "المجتمع العراقي هو غير المجتمع الامريكي" ويضيف ان "اوساط العامة" كما يسميهم " اذا رأوا افنديا قادما اليهم وبيده قلم ودفتر حسبوه قد جاءهم لجباية الضريبة او التجنيد او لسوقهم الى الحبوس . وهم قد اعتادوا ان يكذبوا في جوابهم له بشتى الطرق خشية ان يصيبهم مكروه " كما يقول في مقدمة كتابه هذا .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش تكذب تبرير الوردي هذا .

ليس فقط ان سليم قد اجرى تلك الدراسة في قرية نائية ولكنه بقى هناك تسعة اشهر منها خمسة اشهر فقط لكي ينال ثقة اهل القرية .. وهو قد سبق "دراسة" الوردي بعشر سنوات تقريبا .. دراسة سليم بالطبع لم تخلو من تلك الصعوبات التي يبرر بها الوردي عدم قيامة بدراسة ميدانية احصائية .. سليم يتحدث مطولا عن تلك الصعوبات .. ولكنه يستعين بتقنيات طورتها العلوم الانسانية من اجل استحصال الاجابات وفرزها وتحليلها من اجل دقة اكبر .. المشكلة التي يطرحها الوردي هي مشكلة معروفة في البحث الميداني الذي يعتمد على الطريقة الاحصائية .. وكل باحث سوسيولوجي يقوم بهكذا دراسة وفي أي بلد في العالم سيواجه تلك الصعوبات وخصوصا مسألة عدم قول "الحقيقة" .. عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مثلا يتكلم عن تلك المشكلة كثيرا وهو كان يجري بحوثه في فرنسا السبعينات والثمانيات والتسعينات .. ولكن ذلك لم يدفعه الى تقديم التبريرات والاحكام التحقيرية من مثل "الفرنسي كذاب" كما يفعل على الوردي بخصوص كذب "عامة" العراقيين مبررا كسله البحثي .

دراسة سليم تنطلق من منهجية انثربولوجية تقتضي اختيار عينة صغيرة / مجموعة صغيرة لدراستها .. "فهم" تلك المجموعة يساعد في تسليط ضوء اكبر على المجتمع ككل .. ليس لان تلك المجموعة تمثل المجتمع ككل .. ولكن لانها تساعد على فهم المجموعات الاخرى وبالتالي المجتمع من خلال ابراز التناقض الموجود بينهما.. فرغم ان الجبايش لاتختلف عن باقي قرى الاهوار الاخرى في كثير من نواحي الحياة ولكنها كما يقول شاكر مصطفى سليم في مقدمة كتابه "تختلف في حياتها الاقتصادية اختلافا اساسيا عن بقية قرى الاهوار في العراق. فسكانها يعتمدون في الجزء الاكبر من موارد حياتهم على جمع القصب وحياكة الحصر التي يصدرونها خارج قريتهم، وهم بذلك يختلفون عن البقية الساحقة من سكان الاهوار الذين يعيشون على الزراعة ورعي الجاموس وتربية المواشي .

منهج سليم الانثربولوجي هذا يدلنا على ضعف اخر في "حكواتية" على الوردي .. ففي مقدمة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" يرد الوردي على من انتقدوه بخصوص تركيزه على العراق وليس على الوطن العربي بالقول :" كيف يمكن دراسة المجتمع الكبير من غير دراسة الاجزاء الصغيرة منه كل على حده..( ص.8) .. وهذه حجة وان كانت تخفي موقفا سياسيا (على الوردي "عراقوي" سياسيا ) ولكنها حجة مقبولة علميا.. فمن غير الجائز معرفيا تحييد فرضية "علمية" من خلال "ضربها" بحجة سياسية .

نعم دراسة الاجزاء ضرورة لفهم الكل كما يقول الوردي ( رغم ان السوسيولوجيا الحديثة تجاوزت ثنائية الاسنتاجي/ الاستقرائي وتؤكد على اهمية الطريقتين ) ..ولكن ما لم يقله لنا على الوردي هو كيف تمكن هو ان يدرس " المجتمع العراقي" ويعمم فرضيات كثيرة عنه من دون حتى ان يقوم بدراسة أجزاءه او مكوناته الصغيرة ؟؟ هنا تكمن هشاشة الحجة الوردية .. هو يدعو لدراسة الاجزاء الصغيرة من اجل فهم الكبير (الطريقة الاستقرائية كما يسميها) ولكنه فيما يخص العراق يفهم "الكبير العراقي" من دون ان يقوم بدراسة أجزائه الصغيرة المكونة ( وهو بذلك يتبع الطريقة الاستنتاجية التي يعيبها على منتقديه) وهذا يدلل على ان موقف الوردي هنا هو موقف "جدلي" اكثر منه علمي ..( مما يثبت ان وراء حجة الوردي هذه موقف سياسي وليس ابستمولجي) .. ليس مستغربا بعد ذلك ان الوردي يستخدم تعبيرات "المجتمع العراقي" او "الفرد العراقي" كتحصيل حاصل رغم هشاشتهما الاصطلاحية .

كارثة ان علي الوردي الذي اشاع عدد كبير من الاحكام العامة والكليشات المتداولة اليوم في افواه انصاف المتعلمين ، لم ينفذ ولا حتى دراسة ميدانية واحدة بخصوص المجتمع الذي يدرس.. في وقت كانت الظروف السياسية (وهي المعوق الحقيقي ) تسمح بذلك .. الوردي يقول لنا "ان اصح طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي جاء بها العالم الالماني المعروف ماكس فيبر. وهي التي تعتمد على "التفهم" وتكوين المثال النموذجي" .. ولكنه لايقول لنا لا كيف يقوم فيبر بذلك ولا حتى كيف كوّن هو "مثاله النموذج" عن المجتمع العراقي .. الادهى هو ان الوردي لم يستند الى كتب ماكس فيبر بهذا الخصوص وانما الى كتاب بارنز "تاريخ علم الاجتماع" !! بمعنى ان قراءته هي قراءة لقراءة لماكس فيبر !! وهذا يذكرني بقول احد المختصين الفرنسين بالشان العراقي من ان قراءة الوردي لابن خلدون هي بالاحرى قراءة لقراءة "مفسرين" غربيين .. وهو يقول لنا ان اهتمام على الوردي بابن خلدون قد تجسد في الجامعة الامريكية حيث كرس رسالته للدكتوراه عن ابن خلدون .. انذاك كانت النظرية "الثقافوية" هي النظرية السائدة في الجامعة الامريكية.

اذا فالاختلاف الاجرائي وبالتالي الاسلوبي بين الدراستين هو في الاصل اختلاف منهجي .. شاكر مصطفى سليم تشرّب منهجية المدرسة الانثربولوجية البريطانية الصارمة وفحواها الاجرائي (كنت هناك ..شاهدت ..فسجلت ) .. في حين ان الوردي قد تشرّب النظرة الباثولوجية للمشاكل الاجتماعية والتي كانت سائدة في الجامعة الامريكية في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي .. تركيز الوردي على باثولوجية / مرضية "الفرد العراقي" و"المجتمع العراقي" هو من مخلفات هذا المنظور الباثولوجي للمشاكل الاجتماعية .. اما الطريقة الاحصائية التي هي اهم ما يميز السوسيولوجيا الامريكية (بالاحري "مدرسة شيكاغو" وعلى الوردي درس في جامعة تكساس ) فهو قد "رفسها" بتبرير ميل "عامة" العراقيين الى الكذب !

عندما نضع دراسة شاكر مصطفى سليم مقابل "دراسة" علي الوردي فان دراسة سليم تبز "دراسة" الوردي منهجيا واجرائيا واصطلاحيا .. لا بل ان قراءة كتاب الجبايش تضعنا بسهولة امام حقيقة ان شاكر مصطفى سليم قد انتج بكتابه هذا افضل دراسة انثربولوجية في "اللغة العربية".. ومع ذلك فهو لم ينل شهرة على الوردي .. هو معروف في اوساط المختصين .. ولكنه غير معروف عند الجمهور العريض .. "السوسيولوجيا العفوية الساذجة" للوردي والمحملة بالكليشات السائدة في المجتمع تجعلة اسهل قراءة .. خصوصا وهو يقدم "محكية" شاملة وبسيطة .. والمحكيات الشاملة مريحة ذهنيا للباحثين عن شرح بسيط للمعقد .. ومثل تلك المحكيات تنجح في ثقافة يسيطر عليها الشعراء "البزاخة" والحكواتية .. ليس غريبا ان الوردي  تحول الى صنم في جمهورية عبدة "الاصنام" والمقابر .. في مملكة العميان الاعور ملك !

ولكن .. منذ متى كانت الشهرة معياراً للنوعية .. فـَ سوزان تميم مشهورة .. ومقتدى الصدر  مشهور !! والقائمة تطول ..يكفي شاكر مصطفى سليم شهادة حنا بطاطو .. بطاطو لم يشر الى أي من كتب على الوردي الكليشاتية !! ولكن بطاطو يأسف لعدم وجود دراسات عن المجتمع العراقي كدراسة "الجبايش" .."الجبايش" كانت اطروحة دكتوراه .. وشهادة حنا بطاطو هي بمثابة دكتوراه فخرية .. تحية "استاد" شاكر .