2020/10/28

مكابدات موظف صغير في شبه دولة

"شبه الدولة" هو مصطلح استخدمه لأول مرة الباحث روبرت جاكسون في بداية التسعينات من القرن الماضي.. لوصف الكثير من دول "العالم الثالث" التي حصلت على "استقلالها" بعد تفتت الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية.. عدد كبير من "المستعمرات" السابقة حصلت على وضع الدولة من الناحية القانونية وعضوية الأمم المتحدة من دون ان تمتلك شروط الدولة ومقوماتها.. وظلت لهذا السبب دول فاشلة لانها لاتمتلك الامكانيات المادية والتنظيمية لِلعب دور الدولة على الساحة الدولية التي يحكمها قانون القوة.. والنتيجة هي عشرات من الدول الفاشلة التي تتخبط في دوامة الانقلابات والحروب الممولة من الخارج وبالتالي الفساد السياسي والفقر.. باختصار.. أشباه الدول بحسب روبرت جاكسون هي "دول" تمتلك سيادة شكلية (سيادة سلبية كما يسميها ) ولكنها دول لاتمتلك شروط السيادة الفعلية ( السيادة الايجابية) بما يمكنها من تنظيم نفسها داخليا والدفاع عن نفسها خارجيا ضمن قانون "الغاب" .. قانون القوة السائد في العلاقات الدولية.


روبرت جاكسون كان "يعتقد" مع ذلك ان بعض الدول التي "تحررت" من الاستعمار مثل الهند والعراق يمكن لها بما تمتلكه من إمكانيات بشرية ومادية وجغرافية ان تنجح في  بناء دول ناجحة قياسا بدول مثل لبنان وتشاد التي لاتمتلك اغلب شروط الدولة .. ولكن جاكسون نشر كتابه في بداية التسعينات .. آنذاك كانت الدولة العراقية تمتلك تراكم سبعين عاما على المستوى المادي والتنظيمي.. آنذاك كان العراق دولة شيدت واحد من اكثر الانظمة التعليمية طموحا في المنطقة.. دولة بنت المصانع والجامعات وشيدت السدود ونظمت الري ودعمت الزراعة .. دولة لم تكن تستورد الطماطة.. باختصار .. دولة قوية كان هدفها اللحاق بالدول المتقدمة. 


ولكن العراق ومنذ الاحتلال الامروايراني اصبح بلد بلا سيادة فعلية.. بلد ضعيف تحول تدريجيا الى "شبه دولة".. "شبه دولة" وظيفة رئيسها تقتصر على إصدار بيانات يدعو فيها دول الجوار لاحترام سيادة العراق (كما جاء في بيان الرئاسة العراقية الأسبوع الماضي).. كما لو ان دول الجوار هي جمعيات خيرية لتوزيع الحامض حلو !! العراق اليوم "شبه دولة" يمتلك السفير الايراني فيها سلطة اكبر من سلطة رئيس وزرائها.. "شبه دولة" يمتلك فيها "ربع الله" سلطة اكبر من قواتها الامنية.. "شبه دولة" لان رئيس الوزراء فيها يندد ويشجب وكأنه موظف في جمعية الامم المتحدة "لتوزيع البطانيات على اللاجئين".. باختصار.. في شبه دولة العراق "سيادة الرئيس" بلا سيادة .. و"دولة رئيس الوزراء" بلا دولة.. لانهما "يقيمان" في " دولة" بلا سيادة فعلية.

 

 تعال الان واستمع الى كلمة الكاظمي المتلفزة  قبل ثلاثة ايام.. الأمر لا يتعلق بمخارج كلماته المتلعثمة وكأنه تلميذ في الخامس الابتدائي .. لا .. في كلمة الكاظمي المتلفزة هناك ما هو اخطر لهيبة "دولة رئيس الوزراء".. فالكاظمي يقول فيها حرفيا الجملة التالية: "أقول للجميع لا تكسروا هيبة الدولة".. ناسيا او متناسيا انه اول من كسر هيبة الدولة حين تعهد عند تسلمه لمنصبة بالعمل وفقا لتوجيهات المرجعية.. فعندما يتعهد رئيس وزراء دولة بالعمل وفقا لتوجيهات مرجعية دينية !! تسقط سيادة الدولة .. تنكسر هيبة الدولة .. وهذا ما لا يفهمه "دولة رئيس الوزراء".. ونحن هنا في صميم الازمة  العراقية الحالية.. بالاحرى في صميم العطب السياسي الشيعي.. وهذا العطب هو نتيجة "فيوز" فكري خالط بين مفهوم الدولة الذي يقتضي السيادة الغير منقوصة.. وبين مفهوم المرجعية باعتبارها سلطة فوق الدولة تقتضي و تشرعن ولاء عابر لحدود الدولة.. وهذا نفي لمفهوم الدولة وسيادتها.  


السيادة هو مفهوم قانوني ولد في اوربا وخصوصا في انكلترا وفرنسا مع بدايات نشوء الدولة الحديثة.. وهو مصطلح ظهر لشرعنة ومواكبة خطوات ملوك انكلترا وفرنسا الرافضة لسلطة البابا داخل دولهم .. الرافضة "لمرجعية" الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تمتلك سلطة عابرة للحدود وتقتضي ولاء عابر للحدود.. فالدولة والمرجعية الدينية العابرة للحدود لا يجتمعان.. لأنهما نقيضي أضداد فكريا وعمليا.. هذا هو المسار التاريخي لمفهوم السيادة السائد اليوم في القانون الدولي .. باعتبارها صلاحية عليا ومطلقة لا تجاورها او تتجاوزها سلطة اخرى ضمن اطار الدولة المعنية.


وهذا ما لم يفهمه "دولة رئيس الوزراء" عندما تعهد عند تسلمه لمنصبة بالعمل وفقا لتوجيهات المرجعية.. وهو بذلك وضع سلطة المرجعية فوق سلطة الدولة.. تنازل عن سيادة الدولة باعتبارها سلطة عليا ومطلقة لا تجاورها او تتجاوزها سلطة اخرى .. من هنا فالعراق سيظل شبه دولة طالما ان سلطة المرجعية الشيعية فوق سلطة الدولة.. ورئيس وزراء "شبه الدولة" سيظل يندد ويشجب مثل موظف في منظمة الامم المتحدة .. سيظل يتوسل ويطالب باستعادة هيبة الدولة عبر التلفاز وخلف جدران المنطقة الخضراء.. طالما انه قَبِل ان يكون موظفا يعمل بتوجيهات المرجعية.. موظف صغير تحت امرة "اية الله".. فلماذا يحترم "ربع الله" موظف صغير ؟؟


2020/09/15

عباءة علي و شماعة معاوية .. عن "السوفت وير" الشيعي

شاهدت مؤخرا فيديو لِجنازة شاب قتلته المِليشيات الشيعية في جنوب العراق..  والد هذا الشاب المقتول القى خطبة امام المشاركين في هذه الجنازة وفيها وردت عبارة : « لا ابكي على ابني ولكن ابكي على هذا الوطن الذي راح .. جاؤونا بعباءة علي ابن ابي طالب وحكمونا حكم معاوية ».


سبعة عشر عاما من الاقتتال الطائفي تكفي حتى الحمار لِيفهم ان "الوطن الذي راح" راح بسبب متلازمة علي ومعاوية الشقاقية واسقاطاتها القرووسطوية !! سبعة عشر عاما من القتل والتهجير الطائفي تكفي حتى الحمار ليفهم ان متلازمة علي ومعاوية هي في صميم المنظومة "الفكرية" الضغائنية التي قتلت العراق.. سبعة عشر عاما من الفساد تكفي حتى الحمار ليفهم ان "الوطن الذي راح" راح بسبب ذيول "حسين هذا الزمان" وحرامية "مختار العصر".. راح بسبب هكذا خطابات مجترة لضغائن واحقاد القرون الوسطى.. ورغم كل ذلك تجد هذا الاب يدور في نفس "الابستيمة" الشيعية المغلقة.. في نفس المنظومة الفكرية الضغائنية التي قتلت وشردت الملايين.


نحن هنا في صميم "السوفت وير" الشيعي.. "سوفت وير" تمت برمجته قبل الف وثلاثمائة عام ولم يتم تحديثه منذ ذلك الوقت.. يفشل علي في اختبار السلطة قبل "الف واربعمئة عام".. معاوية هو السبب.. يفشل "خريجي" عباءة علي في اختبار السلطة في القرن الواحد والعشرين.. معاوية هو السبب.. معاوية في لغة "السوفت وير" الشيعي هو شماعة لـِ عباءة علي.. كيف حصل ان عباءة علي لا يخرج منها سوى سراق المال العام والسرسرية..كيف حصل ان "خريجي" عباءة علي انتجوا واحداً من افسد الانظمة السياسية على كوكب الارض..كيف حصل ان حفظة نهج البلاغة يزوجون متعة فتيات قاصرات بخمسمائة دولار امريكي في الشوارع الخلفية لضريح "الامام" في النجف..كيف حصل ان حفظة نهج البلاغة على هذا المستوى من الفساد الاخلاقي والسياسي؟؟؟ لسؤ حظ "الوطن الذي راح".. "السوفت وير" الشيعي لا يستطيع "معالجة" مثل هكذا اسئلة.. "السوفت وير" الشيعي يعمل بتطبيق واحد عتيق.. وهو "تطبيق" علي ومعاوية.. لا غرابة بعد ذلك ان كل ما في جعبة هذا الاب امام فساد الحاكم الجعفري هي لغة ومفردات أكل الدهر عليها وشرب.. لغة محملة بغبار واتربة معارك الجمل: "جاؤونا بعباءة علي ابن ابي طالب وحكمونا حكم معاوية".   


جملة "جاؤونا بعباءة علي وحكمونا حكم معاوية » .. تحتاج الى اطروحة دكتوراه لاستنباط كل ما تتضمنه من بؤس اخلاقي وسياسي.. يكفيك هنا ان تتأمل الضمير المتصل "نا" في "جاؤونا" و"حكمونا".. ويكفيك بعد ذلك ان تستحضر ذهنيا الملايين من الاصابع البنفسجية التي كانت تمشي في الشوارع وتردد باستعراضية شقاوات شعار "منصورة يا شيعة حيدر"..عندها ستفهم مفارقة اختفاء هذه الملايين اليوم في حرفين فقط.. ملايين تختل بوجل في ضمير "نا" المتصل في "جاؤونا" و "حكمونا".. ملايين في "محل نصب" .."منصوب عليها".. "جاؤونا" و "حكمونا" و"قتلونا".. "واحنا ما ندري".. ملايين في موقع "المفعول به".. صيغة "المفعول به" هنا تحول الملايين الى كمية هلامية غير مسؤولة.. صيغة "المفعول به" هدفها تبرئة الملايين من الاصابع البنفسجية التي شاركت في جريمة انتخاب الحرامية الذين نهبوا ودمروا العراق .. وهذا الاب حتما كان من ضمن هذه الملايين.. وبدل ان يقر بمسؤوليته في جريمة السكر والعربدة الطائفية تحت تأثير "مخدرات" القرون الوسطى.. تراه يلجأ الى نفس "الكبسلة" القرووسطوية للتملص من المسؤولية: "جاؤونا بعباءة علي ابن ابي طالب وحكمونا حكم معاوية ».. بضعة فذلكات خطابية وعاشوا عيشة سعيدة.. شماعة معاوية ورمزيتها في السوفت وير الشيعي كفيلة بتحويل الملايين الى ضحايا.. تحويلهم الى زعاطيط ابرياء خدعتهم "سعلوة اموية".  


من يقول لهذا الاب اللامسؤول بأن زمن البراءات الكاذبة هذا قد ولى.. من يقول له بأن عبارات "جاؤونا" و"حكمونا" و "سممونا" كانت مقبولة في الماضي حين كان الزعاطيط يجلسون على هامش التاريخ ويستمتعون بقصص "السعلوة الاموية" و"الامير العلوي" البريء.. من يقول له بأن عبارات "جاؤونا" و"حكمونا" و"قتلونا" كانت مقبولة حين كان الشيعي يستلقي في مرجوحة المعارضة ويجتر مقولات "عفطة العنز" و"المستضعفون  في الارض" "والحاكم السني الجائر".. من يقول له بأن زمن الكسل الاخلاقي والسياسي هذا انتهى اليوم.. ومن يوقظه من سباته "رحمة لوالديكم" ويقول له بأن "علي" هو من "فاز" هذه المرة في انتخابات "صِفّين".. وان "قوائم الامم المتحدة" تؤكد بما لا يقبل الشك بأن معاوية ابن ابي سفيان ابن حرب ابن امية لم يشارك في معركة "ذات الاصابع البنفسجية".. وبالتالي فهو غير مسؤول هذه المرة عن فشل وفساد الحاكم الجعفري خلال السبعة عشر عاما الماضية !! 


آن الاوان لزعاطيط نهج البلاغة ان يكبروا قليلا ويفهموا ان السياسة ليست حفلة تنكرية يرتدون فيها عباءة علي في الانتخابات ويرمونها عند الفشل على شماعة معاوية.. آن الاوان للزعاطيط ليفهموا ان السياسة ليست لعبة "ختيلة".. سبعة عشر عاما من الفساد تكفي حتى الحمار ليفهم ان"عباءة علي" ليست برنامجاً سياسياً لبناء وطن ومستشفيات وشوارع خالية من "القاذورات" والسرسرية.. سبعة عشر عاما من الفساد تكفي حتى الحمار ليفهم بأن "نهج البلاغة" هو مجرد "كلام معسول لا يطهو الجزر الابيض" كما يقول المثل الانكليزي.. سبعة عشر عاما من العهر الطائفي تكفي حتى الحمار لِيفهم ان "الوطن الذي راح" راح بسبب "متلازمة" علي ومعاوية الباثولوجية.. و"الوطن الذي راح" لن يعود ما لم تغادروا قوافل القرون الوسطى و تتركوا "الكلاب النائمة" ترقد بسلام.

2020/08/07

حجي محمد ومستر سميث .. تاريخ الاشياء الصغيرة

في الصين القديمة كانت هناك وظيفة اسمها "موظف الاشياء الصغيرة" .. مهمة هذا الموظف هو التجول في الطرقات والاسواق وتسجيل ما يقوله الناس عفويا من اجل اعطاء الامير فكرة عن الرأي العام .. وهذا كان الهدف السياسي الوحيد من هذه الوظيفة .. وهي بذلك تختلف عما تسميه الادبيات التاريخية العربية "بالعيون" او ما يُعرف في سجلات الدولة الحديثة بالمخبر او الجاسوس.. مهمة "موظف الاشياء الصغيرة" الصيني كانت اكثر نبلا من مهام العيون والمخبرين ..  فموظف الاشياء الصغيرة  يسجل ما يقوله اشخاص غير محددين مسبقا وبلا اسماء وغير مهمين سياسيا ..اشخاص عاديون .. من اجل منح الحاكم فكرة عن الراي العام فقط .. ووظيفته بهذا المعنى تشبه استطلاع الاراء السائد اليوم في الديمقراطيات من اجل منح السياسي وجهات نظر "الشارع".. هذا النمط في التسجيل يصبح مع الوقت مصدر تاريخي فريد لانه يحفظ لنا اراء الناس العاديين التي غالبا ما تغيب عن كتب التاريخ الرسمية التي تُكرس للملوك والامراء والقادة وحاشياتهم .

نستطيع ان نقول بقليل من "التجني" اللغوي بأن "موظف الاشياء الصغيرة" الصيني هو رائد التيار التسجيلي في علم التاريخ الحديث والذي يسمى بـِ"ألتاريخ من الاسفل".. كنقيض "للتاريخ من الاعلى" الذي يركز حصريا على تاريخ الملوك و"فتوحاتهم" وقادة الانقلابات و"ثوراتهم" وهو تاريخ غالبا ما تشوبه المبالغات وانصاف الحقائق وارباعها لانه مكتوب من قبل "نخب فكرية" لها مصالحها و ميولها الايديولوجية .. اما"ألتاريخ من الاسفل" فهو تسجيل "مونوغرافي" لحياة الناس العاديين لاغراض معرفية بحتة مما يعطينا صورة "امينة" عن الجو الفكري والسايكولوجي للناس في حقبة ما بعيدا عن ضوضاء ومبالغات الخطاب السياسي المأزوم.

المونوغرافيا تعني في اللغة اليونانية "تصوير لموضوع واحد" .. وهي في علم الاجتماع تمارس كدراسة متعمقة تقتصر على موضوع اجتماعي واحد وتستند إلى الملاحظة والتسجيل المباشر من خلال المعايشة الحية.. شاكر مصطفى سليم هو اول من قام بهذا الجهد التسجيلي في العراق.. ودراسته عن قرية الجبايش في جنوب العراق هي اول وأخِر دراسة "منوغرافية" في العراق.. وهو بمعنى من المعاني اول مؤرخ "اشياء صغيرة" عراقي.. شاكر مصطفى سليم قام بدراسته في العهد الملكي .. انذاك كان بامكان الباحث ان يقوم بدراسة تسجيلية دقيقة من دون ان يتهم بأنه جاسوس او عميل الخ من التهم التي سادت بعد انقلاب ١٤ تموز ومجيء "جمهوريات الاسلاك الشائكة" للحكم .. في "جمهوريات الاسلاك الشائكة" اصبح من المستحيل القيام بمثل هكذا دراسات ميدانية في العراق لان الكلام بعفوية اصبح مغامرة قد تؤدي بحياة الانسان الى التهلكة.. وبلا عفوية ليس هناك موظف اشياء صغيرة.. في مثل هذه الاجواء التي سادت فيها وظيفة المخبر السري اصبح السكوت من ذهب.. لهذا السبب تم اهمال ونسيان جزء كبير من الذاكرة الاجتماعية العراقية.

قبل سنوات تعرفت على "موظف اشياء صغيرة" عراقي اسمه حجي محمد .. حجي محمد هذا كان والد صديق تعرفت عليه في الغربة .. حجي محمد قضى حياته عاملا في معمل نسيج "فتاح باشا" في بغداد .. وهو قد شهد العهد الملكي شابا وعاش بعد ذلك في جمهوريات الاسلاك الشائكة بجميع اشكالها .. حجي محمد كان شيخا وقورا .. صامت في اغلب الاحيان.. ولكنك ما ان تتطرق امامه لموضوع العراق.. حتى تراه  يخرج بهدوء من صمته ويبدأ برواية قصص من ذاكرته الخصبة عن العراق الذي عرف.. والعراق الذي عرفه حجي محمد بشكل جيد هو معمل فتاح باشا.. لهذا السبب فان حكاياته ومشاهداته هي نوع من المونوغرافيا العفوية لهذا العراق المصغر .. انا نادم لأنني لم اسجل كل الحكايات التي سمعتها من "حجي محمد".. سجلت بعضها انذاك ولكن كسلي منعني من الاستمرار.. كان يمكن عمل كتاب رائع عن مشاهداته.. حجي محمد توفي قبل بضعة سنوات بعيدا عن بلده.

قبل ذلك .. كنت كلما التقي بصديقي اسأله مداعبا عن صحة الوالد: "شلون الحجي سميث" و"شَخبار الحجي سميث"؟ .. واصبح لقب حجي محمد بيني بين صديقي هو "حجي سميث".. لان حجي محمد كان معجبا بمهندس انكليزي كان يعمل خبيرا في معمل "فتاح باشا" اسمه مستر سميث .. ويبدو ان مستر سميث هذا هو جنتلمان حقيقي لانه ترك انطباع لا يمحى في مخيلة حجي محمد.. سلوك مستر سميث في العمل وافعاله اصبحت معاير اخلاقية ومهنية يزن من خلالها حجي محمد سلوك وافعال الاخرين.

مشهد من مشاهدات حجي محمد .. ذات يوم  وفي احد جولاته التفقدية في المعمل يمر مستر سميث  من أمام "لمبة محروكة" .. "ماذا تتوقع  في مثل هذه الحالة من "ملاحظ" عراقي وليس من مهندس؟" .. يسألك حجي محمد وهو يروي القصة باسلوب المقارنة المحبب لديه .. ويجيبك متذمرا:" سيصرخ بوجه احد العمال من دون ان ينظر له ويطالبه بتغيير "اللمبة المحروكة" ثم يبتعد متبخترا.. اما مستر سميث فكل ما قام به في ذلك اليوم هو انه جلب سلم وتسلقه وبدل "اللمبة المحروكة" بنفسه .. واستمر بجولته بكل هدوء وتواضع .. هذه البساطة المتواضعة من شخص ذو مرتبة وظيفية عليا هو شيء لم يراه حجي محمد لاحقا في حياته المهنية.. مشهد اخر.. ذات يوم توقفت احدى الماكنات عن العمل وتجمع حولها العمال يحاولون اصلاحها بلا نتيجة .. وهنا يأتي مستر سميث .. يبدأ بمعاينة الماكنة .. يشمر عن ساعدية اردان قميصه الابيض .. يقوم بتفكيك قطعها.. وينتهي من اصلاحها ويداه ووجهه ملطخة بالدهون وقميصه الابيض تنتشر عليه بقع سوداء .. هذا الاخلاص المهني زائد تواضع سلوك مستر سميث كرسته انموذجا للاخلاص الوظيفي المتواضع في مخيلة حجي محمد. 
    
دبابات عبد الكريم قاسم طردت مستر سميث من فتاح باشا لانه "مستعمر".. "الرفاق" الذين "استعمروا" معمل فتاح باشا بعد ذلك التاريخ كان كل همهم هو النشاطات الحزبية ومضايقة العمال من اجل تنظيمهم حزبيا.. لا بل انهم كانوا يعطلون المعمل ويجبرون حجي محمد وزملائه على الخروج في مظاهرات داعمة للثورة .. تعطيل "فتاح باشا" من اجل الثورة ؟؟ "ما صايرة بالتاريخ".. يقول حجي محمد جملته الاثيرة تعليقا على هذه المفارقة.. مستر سميث عَلَّمَ حجي محمد ان ماكنة معطلة هي خسارة للمصنع وبالتالي للبلد.. اما ابناء البلد فهم يعطلون مصنع كامل من اجل مظاهرة.. اعجاب حجي محمد بمستر سميث كان يزداد اكثر فاكثر مع تقادم الثورات وتقادم الرفاق المناضلين وتقادم المفارقات في فتاح باشا. 

حجي محمد رجل اُمّي لا يعرف القراءة والكتابة.. وهو رغم كل مضايقات "الرفاق" لم ينتمي لحزب في حياته.. "الحزب" الوحيد الذي "اختاره" حجي محمد هو حزب "فتاح باشا"!! و"فلسفة" هذا الحزب بسيطة : من يساهم في اصلاح ماكنة "خربانة" في فتاح باشا هو عراقي حتى وان كان انكليزيا.. من يمر امام "لمبة محروكة" ولا يبدلها هو "مستعمر" للوطن حتى وان كان جده نبوخذنصر. 

هذه هي باختصار شديد قصة حجي محمد ومستر سميث.. تاريخ من الاسفل .. اشخاص ادّوا "ادوارهم الصغيرة" واختفوا من مسرح التاريخ بلا ضوضاء.. بلا تصفيق .. بلا احتفاليات تكريم او تماثيل.. اشخاص عاديون.. و"التاريخ" لا يحب الاشخاص العاديين.. "التاريخ" يحتاج الى "اكشن" واثارة .. يحتاج الى مقامرين ومؤامرات وعسكر وانقلابات.. يحتاج الى قتل وسحل وغوغاء.. يحتاج الى قاتل ومقتول و"ساحل" ومسحول من امثال عبد الكريم قاسم ورفاقه في مهنة الانقلابات الدموية.. اما الأشخاص المسالمون من امثال حجي محمد.. "موظفوا الاشياء الصغيرة".. المهندسون الذين اخلصوا لمكائنهم بتواضع.. هولاء لا يذكرهم احد.. هي اذا مناسبة لرد الجميل لـ حجي محمد "كموظف اشياء صغيرة" بارع .. وعامل كبير افنى حياته مناضلا في صفوف "حزب فتاح باشا"!! وهي ايضا مناسبة لتحية مستر سميث الذي استبدل "اللمبة المحروكة" بتواضع جنتلمان.. وحاول ذات يوم اصلاح "ماكنة" العراق الخربانة!!