2008/03/25

توماس جفرسون في الفلوجة


مقالة سادرسان راغافان في الواشنطن بوست عن حال الفلوجة اليوم تستحق القراءة .. هي تصور الطريقة العنيفة التي تدار بها مدينة الفلوجة من قبل الزوبعي قائد شرطتها .. الصحفي يستعين بالزوبعي وهو ضابط سابق في الحرس الجمهوري ليقول لنا ما يحتاجه المجتمع العراقي الذي لايحترم الا لغة القوة ويفسر الرحمة على انها ضعف .. يقول الصحافي مستندا الى منطق مدير شرطة الفلوجة : بما ان الرجال في عراق اليوم يحرقون البشر احياء فان الاساليب العنيفة في الادارة ضرورية لحفظ النظام والامن.

قصة الزوبعي في الفلوجة كما يقول الصحافي تعطي فكرة عن العراق بعد خمس سنوات احتلال .. وبما ان هناك في الكوكب الامريكي من لازال يصدق المبررات الامريكية الرسمية لاحتلال العراق .. فاننا نسمع الصحافي يقول ان "المُثل" الامريكية التي كانت من ضمن مبررات غزو العراق كالديمقراطية وحقوق الانسان تترك المجال اليوم لقيم نابعة من الموروث العراقي والثقافة البدوية مثل قيم الاحترام والخوف والعنف .. خلاصة هذا الطرح الثقافوي هو رمي مسؤولية الكارثة الحالية على القيم العراقية التي تُحتم العنف كوسيلة حكم .. وبهذه الطريقة الفهلوية يستل الصحفي "الارنب" الامريكي من قبعة المسؤولية .. وهنا يتدخل الضابط الامريكي ويقول للصحفي كلمة الختام : " لايوجد هنا شخص مثل توماس جفرسون" .
مثل تلك الحجج الثقافوية فعالة فقط لانها تُغيّب المسار التاريخي لبناء الدول والمجتمعات .. نستطيع ان نذهب الى عصر توماس جفرسون ونرى مقدار العنف الامريكي انذاك على مستوى الافراد كما على مستوى "الدولة" الامريكية التي قتلت عشرين مليون هندي احمر.. ولكن بما انني اريد ان اركز على نقطة اخرى فانني اكتفي بالقول ان امريكا ايضا كانت حتى وقت قريب "ارض يحرق فيها البشر احياء" .. وهذا كان يحصل في شيكاغو العشرينات وميسيسيبي الستينات من القرن العشرين تحت ما يعرف بقوانين لينش ، اي القتل او الحرق الغوغائي للسود .. ومن يريد ان يشاهد حفلات القتل والحرق البشري االامريكية يستطيع ان يزور موقع جيمس الن المختص بالموضوع .


القتل الغوغائي لايعرف حدود ثقافية والامثلة كثيرة من فرنسا الى المانيا مرورا بجنوب افريقيا والمكسيك وانتهاء بالهند والصين .. العنف الغوغائي لغة كونية حين يهيمن الخوف ويغيب الاطار القانوني الرادع والمنظم للصراع الموجود في كل مجتمع .. وهذا ليس تبريرا للعنف الحاصل في العراق ولكن فقط لدحض تحليل الصحافي الذي يُرجع العنف الحاصل اليوم في العراق فقط الى عوامل الثقافة العراقية او قيم البداوة العربية .. كل الثقافات قتلت وتقتل تحت ظرفية ما .. والامريكي اليوم اخر من يعطي دروسا في التحضّر لأنه المسؤول الاكبر عن العنف الحاصل اليوم في العراق وهذا ما لا يقوله الصحفي .


ولكنني سأتوقف عند جملة الضابط الامريكي حين يقول "لايوجد هنا شخص مثل توماس جفرسون".. وساحاول ان اعيد تكوين الجملة : ترى ماذا لو كان توماس جفرسون في العراق اليوم .. فكرة فنطازية .. ولكن لما لا .. سادفع هذه الفكرة الفنطازية الى حدودها القصوى علها تظهر لنا ما تخفية الافكار والصور النمطية .. انا سأتخيل "الشيخ" توماس في الفلوجة حتى .. بل انني ساتخيله مرتديا الدشداشة والكوفية الحمراء !! قليل من الخيال لا يضر.


لوكان توماس جفرسون في الفلوجة فأظن ، ولست متأكدا، انه كان سيعجب بشيئين ...اولا كان سيعجب بالتنظيم العشائري لسكان الفلوجة وهو حتما كان سيعكف على دراسة التنظيم العشائري فيها .. فتوماس جفرسون تاريخيا كان معجبا بالتنظيم العشائري للهنود الحمر وهو كان يحسدهم على سعادتهم الناتجة عن نمط حياتهم المتكافل .. ثانيا هو سيكون سعيدا في الفلوجة لانه سيجد فيها ألذ "كباب" في العراق !! فالمعروف عن جفرسون حبه الخرافي للطعام حتى ان البعض كان يؤاخذه على شراهته امام الطعام .


وبجدية اكبر .. لو كان توماس جفرسون في الفلوجة فأظن انه كان سينزعج من شيئين .. اولا كان سينزعج لان الفلوجة ليس فيها عبيد !! فبالرغم من ان هذا "الاب المؤسس" للديمقراطية الامريكية قد جعل من الحرية ام الحقوق .. ورغم انه دعى الى الغاء الرق والعبودية .. الا انه كان يستخدم حتى نهاية حياته العديد من العبيد السود في مزرعته ( مفهوم العدالة في امريكا كان دائما مفهوم نسبي عندما يتعلق الامر بالمصالح وجفرسون ليس استثناء) .. وثانيا وهنا المهم، لو كان جفرسون في الفلوجة فهو سيغضب كثيرا لان الاحتلال سوف لن يُسمح له ان يطالب بالاستقلال ويدعو للتمرد على المحتل .. كما فعل حين ساهم في كتابة "اعلان استقلال الولايات الامريكية " عن التاج البريطاني في فيلادلفيا عام 1776.


الضابط الامريكي لايرى جفرسون في العراق اليوم لانه لايعرف كيف كان البريطانيين يسمون جفرسون ورفاقه الموقعين على "اعلان الاستقلال " أبان حرب الاستقلال الامريكية .. توماس جفرسون اكتسب شهرته في التاريخ الامريكي ليس لانه "فيلسوف سياسي" او مصلح .. لا، لا.. فكل افكاره السياسية مستقاة من المفكر البريطاني جون لوك ومفكري عصر التنوير .. جفرسون شهير في امريكا لانه المساهم الاكبر في كتابة "اعلان استقلال الولايات المتحدة" الذي دعى الى استقلال امريكا عن التاج البريطاني ونص اول ما نص على حق مقاومة المحتل البريطاني .. بمعنى ان مكانته متأتية من كونه مقاوم بالدرجة الاولى وليس من كونه مفكر او مصلح .. انذاك كان البريطانيون يسمون الامريكيين الداعين للاستقلال بالمتمردين .. وهذا ما لايعرفه الضابط الامريكي .


باختصار .. لو كان جفرسون في الفلوجة اليوم .. فهو حتما سيشارك في كتابة "اعلان استقلال العراق" داعيا فيه الى حق مقاومة المحتل الامريكي .. ولكنهم سيسمونه متمردا .. واولهم هذا الضابط الامريكي .. نعم .. لو كان توماس جفرسون في العراق اليوم لسموه ارهابيا .

2008/03/16

خمس سنوات احتلال .. مراجعات ناقصة


اقرأ مقال جون بارنز في " النيويورك تايمز" لهذا اليوم .. بارنز قضى وقتا طويلا كمراسل في العراق .. وهو يلوم نفسه وزملائه الصحفيين على عدم فهمهم للثقافة العراقية وللتاريخ العراقي .. جون بارنز يعترف بسذاجته امام كثير من الاحداث التي كان يغطيها من دون ان يفهمها .. ويعطي مثالا الانتخابات التي صوت فيها "الشيعة" بطريقة قطيعية .. اراد بارنز لمقالته المعنونة "خمس سنوات" ان تكون مراجعة لما لم يفهمه في السابق .. ولكنك تتقدم في قراءة المقال وتجد نفسك امام جملة : "الاقلية السنية حكمت العراق لقرون" .. خمس سنوات قتلت فيها الاكاذيب والكليشات مئات الالوف وهجرت الملايين .. وفي مقالة يراد لها ان تكون مراجعة نقدية .. ولازال الصحافي الامريكي يستخدم الكليشة وعلى صفحات الجريدة الاكبر في العالم .. وهنا تبدأ بطرح الاسئلة عن جدية تلك المراجعة !!

لطالما سألت نفسي : كيف حصل ان الحقل الاكاديمي الامريكي انتج افضل الدراسات عن العراق والصحفيين الامريكيين على هذا المستوى من عدم الفهم للمجتمع العراقي .. لو قرأ بارنز مثلا كتاب اسحاق نقاش " شيعة العراق" لعرف ان "الاغلبية" الشيعية الحالية في العراق هي نتيجة مسار تشيّع لعشائر الجنوب العراقية بلغ قمته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .. وبهذا المعنى فأن جملة "الاقلية السنية حكمت العراق لقرون" التي يستخدم هنا ليس لها معنى تاريخيا .. لان السنة لم يكونوا اقلية قبل ذلك التاريخ.

مراجعة بارنز ذكرتني بمراجعة ناقصة اخرى قام بها "فارس" من الفرسان الذين حملوا لواء المظلومية الشيعية .. وهو حسن العلوي .. ومراجعة العلوي مهمة لان كلماته ربت الكثير من اصحاب الرؤوس الاسفنجية .. وهنا مقتطفات مما قاله حسن العلوي في حوار معه نشرته جريدة الراية القطرية قبل فترة :

أنا أعتقد أن التجربة الإسلامية للحكم، أي الحكم الحالي، ممثلاً بالشيعة الإسلاميين غير مشجعة علي الإطلاق. ففي عهدها أحرقت ثلث جوامع بغداد السنية ونصف حسينيات بغداد الشيعية وعدد كبير من الكنائس.. وبالعودة علي الماضي القريب نجد أن ثمانين عاماً من الحكم العلماني لم ينكسر خلالها زجاج لنافذة ضمن جامع أو حسينية أو كنيسة" ..."هذه الحكومة فقدت صفتها فهي حكومة شيعية كردية، والشيعة في السلطة لا يمثلون إلا أنفسهم, الأكراد يمثلون الشعب الكردي بينما الشيعة لا يمثلون الشعب الشيعي" ..."وأنا عندما أتكلم عن الشيعة لا أقصد شيعة العراق.. فأنا أفرق بين شيعة العراق وشيعة السلطة، رجاء أيها القارئ الكريم أفهم ما أقصد، حين ترد كلمة الشيعة في هذا الحديث فهي شيعة السلطة وليست شيعة العراق، مثل سنة السلطة في الأنظمة السابقة، لم يكن أبو حنيفة حاكماً ولا ابن حنبل ولا الإمام مالك أو الشافعي، لا في زمن صدام حسين ولا في زمن نوري السعيد ولا عبد الكريم قاسم، ولا أحمد حسن البكر.. وجميعهم سنة. هؤلاء كانوا سنة سلطة، أما سنة العراق فهم شيء آخر، والآن أيضاَ لدينا نفس الإشكال فهناك شيعة السلطة وهناك شيعة العراق. أنا أنتمي إلي شيعة العراق وليس إلي شيعة السلطة".. انتهى

حسن العلوي معروف باستداراته .. زلزال الثورة الايرانية جعله يقفز من سفينة البعث.. وزلزال العراق اليوم جعله يقفز من سفينة المظلومية .. ساترك جانبا جملة :"حرق ثلث مساجد السنة ونصف حسينيات الشيعة" ..فعدم الدقة هي اولى ضحايا اسلوب العلوي القائم على الاثارة .. ولا تستغرب حين تجده يستخدم في نفس الحوار تعبير "شعب شيعي".. فواحدة من صفات "فكر" العلوي هو ضعفه الاصطلاحي .. وفضفاضية المفردات هذه هي من تسمح للعلوي في نفس الحوار باستخدام تعبيرات : "ارض شيعية" و"ارض سنية".. ولا تطرح سؤال : ترى منذ متى اصبحت البصرة ارض شيعية .. فضوضاء "الفكر"العلوي لا تختلف كثيرا عن ضوضاء الدريل .. كلاهما يريد فرض حقيقته من خلال الثقوب!!

العلوي يقول انه يفرق بين شيعة العراق وبين شيعة السلطة .. وهذا اهم ما في كلماته .. ولكن العلوي هنا يهدم من دون ان يعترف .. وربما حتى من دون ان يعرف .. الاساس الذي شيد عليه كتابه "الشيعة والدولة القومية" .. فكل فرضية العلوي في كتابه هذا بُنيت على استخدام فضفاض لمفردتي "سنة" و"شيعة" .. وعلى خلط قسري بين سنة السلطة وبين سنة العراق .. لذلك فهو قد اعتبر ضمنيا ومن دون تحديد لمصطلحاته ان عبد الرحمن الكيلاني و عبد المحسن السعدون ممثلين للسنة .. فاذا كان هولاء لايمثلون السنة استنتاجا مما يقوله اليوم فلماذا كان الحديث في الماضي القريب عن طائفة سنية حاكمة وطائفة شيعية محكومة ؟ واذا صدقنا ان العلوي في الماضي كان يناضل من اجل حقوق مدنية للشيعة كما يقول اليوم مبررا لطميات "الشيعة والدولة القومية" .. فلماذا لم يناضل من اجل حقوق مدنية لجميع العراقيين سنة وشيعة .. طالما ان السلطة لاتمثلهم ؟

لو كان حسن العلوي يملك قليل من الامانة الفكرية لعمل اولا على تحديد وشرح مصطلحات "الشيعة والدولة القومية".. وهذا لا يتطلب فكرا خارقا ..فهنا واحدة من قواعد البحث العلمي وهي الدرس الاول الذي يتعلمه دارس علم الاجتماع السياسي : الكلمات لاتحمل مضامينها وخصوصا عندما يستخدمها الساسة .. فما بالك بمفردات هي في جوهر الصراع على السلطة .. وهي اليوم وبعد ان استخدمت من قبل "شيعة السلطة" قد دمرت وطن .. وفخخت شعب.

مراجعة العلوي ناقصة لانها تتغاضى عن الاسباب التي انتجت قراءته اللطمية المبتسرة للتاريخ العراقي .. العلوي لم يحدد مصطلحاته لانه كان قلما في معركة سياسية .. والاقلام المتخندقة لا تبحث عن مصطلحات دقيقة تمكنها من معرفة عميقة وفهم دقيق .. لا .. المعركة السياسية تقتضي استخدام الشعارات والكليشات ضمن طرح ضدي و منهج انتقائي للاحداث يُسخر لخدمة المعركة .. الكليشة كانت سلاح في المعركة .. والعلوي عندما كان جنديا في خندق المظلومية لم ينبه "القارئء الكريم" من ان "سنة" السلطة لايمثلون السنة .. كما يفعل اليوم حين يقول ان "شيعة" السلطة لايمثلون الشيعة .. تجحفل الخندق لم يكن يسمح بذلك .. وخصوصا عندما كان العلوي رئيس تحرير صحيفة المؤتمر الجلبية التي كانت تقبض من المخابرات الامريكية .. احمد الجلبي كان من "نخب" الشيعة انذاك .. وهو من كان يوزع الاوراق الخضراء
.

2008/02/29

طبول وابواق .. في مديح العسكر "العملاء


يقال ان احمد الجلبي اعترف قبل يومين في لقاء مع مجموعة من الشخصيات العراقية في لندن" بان الطبقة السياسية وهو منها، فشلت في اقامة حكم وادارة الدولة .. وحذّر من أن استمرار الفشل سيؤدي الي فوضي خطيرة".. و" ان العملية السياسية الحالية فقدت شرعية حكمها بسبب عدم وجود قاعدة شعبية تستند عليها، وان ما تعتمد عليه الآن في ادارة البلاد مستمد من الحالة الطائفية التي أفرزتها العملية الانتخابية السابقة

ساضع جانبا الطابع "الاستهبالي" لكلمات هذا البوق الطائفي .. فاحمد الجلبي هو من اعطى رفاقه السنة في"حزب" المؤتمر درسهم الاول في الفهلوة السياسية حين رفع شعار "البيت الشيعي" .. ذات لطمية اصابع بنفسجية، حلف فيها المنتخبون على قرآن الميليشيات قبل الدخول في حضرة صناديق الاقتراع .. البيت الشيعي قد تحول اليوم الى "مشتملات" متصارعة .. وقفزة هذا الجرذ الى بحر الاستهبال تعني ان السفينة ذات الخشب الطائفي المتعفن توشك على الغرق .. لايهمني الرجل هنا بقدر ما تهمني "الثقافة" التي انطلق منها ومعه الكثيرون من الانتهازيين من حملة مصاحف الطائفية .. الواقع الكارثي الذي نراه اليوم هو منتج هذة الثقافة .. ثقافة اللطم : كليشاتهم ..انصاف حقائقهم ..تحليلاتهم المبتسرة .. تسطيحهم للمعقد العراقي والاقليمي ..هي من قتلت وتقتل العراق .

هناك جملة مهمة اطلقها الجلبي قبل ان ترفع مصاحف الطائفية على رمح فتوى .. قالها الجلبي محاججا من طلبوا تأجيل الانتخابات لعدم توفر شروطها ليقول ما معناه : ان الشيعة لن يرتكبوا نفس خطأ القرن الماضي حين رفضوا التعامل مع الانكليز وقاطعوا العملية السياسية ابان تأسيس الدولة العراقية .. وهي في الحقيقة جملة من "ادبيات" ثقافة اللطم الكليشياتية .. والتوقف عندها ليس مضيعة للوقت .. قليل من اللون الرمادي لايضر في مواجهة ثقافة الاسود والابيض التي قتلتنا .

جملة الجلبي هي مسلمة مقبولة حين لانذهب في قراءتنا للتاريخ العراقي المعاصر ابعد من كتاب "الشيعة والدولة القومية" للفهلوي حسن العلوي (يسمونه مفكرا، اية اهانة للفكر) .. بمعنى انها تقبل التصديق فقط لانها تطبير فكري داخل مروية المظلومية .. ومروية المظلومية تحليليا ومن منظور تاريخي سوسيولوجي ما هي الا سلاح في المعركة الطائفية حيث تنتقى احداث التاريخ لكي توظف لخدمة الصراع على السلطة .. من حق المثقف لطميا ذو العقلية الاسطورية اللاتاريخية ان يتكلم عن حقائق ومسلمات وان يصدقها حد الهذيان القاتل .. كل له الحق ان يظل غبيا مجترا للخطب التاريخية ومجتزأ ومنتقيا لاحداث التاريخ .. ولكننا لسنا مضطرين لتصديق عقلية اسطورية غير فاعلة تاريخيا لان اسطوريتها تضعها خارج التاريخ .. ليس بالخزعبلات وحدها يحيا الانسان .

الشيعة قد اخطأوا تاريخيا بمقاطعة العملية السياسية ابان تأسيس الدولة العراقية ..قال لنا الجلبي قبل اربع سنوات .. ولكن الشيعة اليوم لم يفوتوا قطار المحتل وهم في صميم عمليته السياسية.. فماذا كانت النتيجة.. فشل ذريع اخر كما يقول الجلبي قبل ايام .. احمد الجلبي لايقول لنا ما هو السبب وراء الاخطاء التاريخية المتكرر "للطايفة" .. هل هو سؤ حظ ازلي ؟ ام هناك عوامل اخرى لم تضعها ثقافة اللطم في الحسبان عندما "شغّلت" اسطوانة المظلومية ..نفهم ان ذلك خارج امكانيات سارق بنوك .. ولكن ماذا عن اقلامه التي استأجرها ذات معارضة فنادق لندنية .

يبدو ان الجلبي لا يستطيع اليوم الاستعانة بقلم استأجره سابقا .. حسن العلوي يرتزق اليوم من مصدر اخر .. قل لي من اين ترتزق اقل لك من انت !! الفهلوي العلوي يشاهد اليوم متبرما سذاجة تحليلاته الاجترارية السابقة .. وهو من جديد يسافر مجترا في تاريخ تجاذبات صريفة بني ساعدة ليهدئ الحيوان الطائفي المسعور الذي اطعم ذات كتاب لطمي .. نتيجة الجهد الاجتراري اليوم وبعد خراب البصرة هو : "عمر والتشييع" .. والدفع اليوم سعودي .. استمر "رفيق" ، استمر .. قد لا تعرف الكثير ولكنك تعرف من اين تؤكل الكتف .

الشيعة قد اخطأوا تاريخيا بمقاطعة العملية السياسية ابان تأسيس الدولة العراقية .. تقول الكليشة.. والمتضمن في هذه الجملة هو ان استحواذ السنة على الحكم يعود الى تعاونهم مع المحتل الانكليزي .. وفي سبيل ان يستحوذ الشيعة على الحكم فالبرغماتية الضدية تقتضي التعاون مع المحتل الجديد .. تعاون مع محتل تحصل على دولة .. وهنا ايضا ينتقم الواقع من الكليشة ..الطبيعة الابتسارية لتحليلاتهم هي من اهم اسباب فشلهم الذريع .. وهذا الفخ الذي وقعوا فيه اليوم هو نتيجة عمى تحليلي لمسار بناء الدولة العراقية.. وجهل بحقائق تلك المرحلة .. واولها ان من قاموا على تأسيس الدولة العراقية ـ فيصل الاول والضباط الشريفيين ـ لم يكونوا "عملاء" .. وكل من لايكتفي بكتب ثقافة اللطم، واصدارات دكاكين الحزب الشيوعي العراقي، يعرف ذلك .. فلا يكفي ان تكون "عميلا" لتبني دولة ولتُقيم حكم .. التحالف مع الاجنبي ليس كافيا .. والكارثة الحالية دليل ساطع.

علاقة من قاموا على تاسيس الدولة العراقية مع الانكليز كانت علاقة صراع .. ومسار حدته قد تباين حسب الظروف .. حنا بطاطو عندما يتطرق لمسار وشخصية نوري السعيد يحكي عن هذا المعقد المختزل كليشاتيا في ثقافة اللطم كما في ثقافة اليسار العراقي .. وقمة هذا الصراع كانت في بداية الحرب العالمية الثانية وبعد احتلال فرنسا من قبل المانيا وتراجع موقف بريطانيا جيوسياسيا .. حين قام قادة الجيش العراقي وهم الرعيل الثاني من الضباط الشريفيين،وكلهم من المقربين من نوري السعيد .. بالتحرك ضد بريطانيا في انقلاب مايس 1941 .. لانهم ومن دافع المصلحة العراقية كانوا يعتقدون بعد تغير ميزان القوى الدولي ان توجُه نوري السعيد السياسي ذو الهوى البريطاني لم يعد في مصلحة العراق الوطنية .. ونوري السعيد وفي محاولة منه لاقناعهم بخطا تحليلاتهم يقول لـ صلاح الدين الصباغ من انه لو كان مقتنعا بتحليلهم السياسي فانه سيكون أول من يرفع المسدس بوجه البريطانيين وهذا ما يرويه حنا بطاطو :

But the real underpinning, at that time, of Nürï’s position was provided by Sabbagh’s army group, which continued to work closely with him and with his ally, the Minister of Defence Taha al-Hashimi, until the defeat of France in June of 1940, when the group developed the belief that Nürï’s strongly pro-British orientation was no longer in the national interest. Nuri apparently tried to change Sabbagh ‘s mind. If he knew, he would be the first to draw his revolver and fire at them. H .Batatu The Old Social Classes .. Pp.345

حتى اكثر هولاء ارتماء في احضان البريطانيين كانوا اصحاب مشروع عراقي قبل كل شيء .. من قاموا على الدولة العراقية قاتلوا الدولة العثمانية السنية واصطدموا برجال الدين السنة من رموز الطائفة السنية ايام الحكم العثماني ( الاشراف وابناء البيوتات السنية كانوا يعيرون الضباط الشريفيين باصولهم المتواضعة وحاولوا كل جهدهم من اجل منعهم من العودة الى العراق حين كانوا في سوريا لانهم منافسيهم على السلطة) .. وكان نموذج دولتهم العلمانية التي ارادوا هو نفس نموذج زميلهم في الكلية الحربية العثمانية مصطفى كمال اتاتورك ..وشيدوا واحد من اكثر الانظمة التعليمية طموحا في المنطقة .. ولكنهم في نظر "الطبول" الشيعية "سنة" .. كم كان اتاتورك محظوظا .. الامبراطورية العثمانية اورثته تراكم هائل وفي جميع الميادين وخصوصا المؤسساتي .. ولكنه محظوظ اكثر لانه "سني" في مجتمع اكثريته سنة مما حرم رجال الدين هناك من رفع مصاحف الطائفية بوجهه .

تحية للعسكر "العملاء" .. بناة الدولة العراقية .. نقدر حنكتكم السياسية اليوم اكثر.. بعد ان ملئت "العناكب السوداء" جدران البيت الذي شيدتم ..حتى القطيع المعتاش على الكليشات والشعارات والهريسة يعرف اليوم كيف تكون العمالة والسرقات والجرائم بحجمها الطبيعي .. وقبل هذا وذاك يعرف اليوم كيف تكون الطائفية على حقيقتها .. وكم يحن لطائفيتكم .



ساضع هنا مقتطف طويل من كتاب حنا بطاطو .. فيه نقاط كثيرة مهمة ومفيدة لقراءة الماضي كما الحاضر .. فيه نجد اسلوب المحتل في سياسة فرق تسد .. وفية نجد ايضا كيف يتحرك الاقليم وفقا لقواعد اللعبة الكبرى .. وما هو اهم هو اننا نجد فيه طبيعة العلاقة الشائكة والصراع بين فيصل الاول والضباط الشريفيين وبين الانكليز .. و فيه ما يمكننا من نقض فضفاضية مفردات السنة والشيعة من الناحية الاصطلاحية .. ندفع اليوم ثمن هذه الانزلاقات الاصطلاحية .. وفيه اخيرا ما ينقض الكليشة اللطمية التي تقول ان الشيعة لم يتعاونوا مع الانكليز .. طبول كثيرة كانت تقرع وتزايد طائفيا كلما اراد الانكليز تحجيم طموح فيصل الاول والضباط العراقيين .. نص حنا بطاطو هنا يجعلنا نعرف ان البوق الطائفي احمد الجلبي الذي استخدمه الامريكان في السنوات الاخيرة ليس ظاهرة جديدة .. فقد سبقته في القرع الطائفي
طبول.




By 1927 Faisal felt the ground firm enough under his feet to bid defiance to British policy. A critical trial of strength began between him and High Commissioner Henry Dobbs that was to last until 1929. The real bone of contention was the control of Iraq’s military defence. The British government, while desiring that the extra cost of stationing a British air force be borne by Iraq, and giving the king reason to believe that this force would not be available to him in the event of external aggression-or at least to suspect a let down in an emergency-insisted on retaining ultimate say with regard to the movements and dispositions of Iraq’s own army. Faisal and the principal ex-Sharifian officers refused to yield on either point. Moreover, in order to strengthen the defensive capacity of the country and curtail its expenditure, they sought to substitute universal military service for the existing voluntary system. But, as shown elsewhere, the high commissioner defeated their purpose.

The sequel bears examination, inasmuch as it throws into sharp relief the difficulties of the Crown, the complexity of the interests at play, the tactics of the English, and Faisal’s own methods. P.327

Faced with a political agitation for universal military service and complete independence, inspired by the king and spearheaded by such ex-Sharifians as Nuri as-Sa’id and Jamil al-Midfa’i, the high commissioner deemed it “most desirable” that “means should be found of getting His Majesty away from Baghdad.” An invitation to visit London was extended to him in a message which was couched in such terms as to leave the impression with the king that a revision of existing policy was intended. P.327


Faisal departed for England in August of that year, and there was left in a state of uncertainty for almost four months, only to be doled out scraps of concessions in the end. But more instructive were the things that went on in Iraq and behind his back. P.327

In the first place, Amin ach-Charchafchi, the leader of the Shi’i inclined Nahdah party, opened a fierce attack on Faisal and the Iraq government in his paper An-Nahdah, which he began to publish soon after the king’s departure. The bitter articles were calculated to provoke communal animosity and embitter the feelings between Shi’is and Sunnis. They dwelt upon and exaggerated past conflicts and old grievances. Simultaneously there was a surreptitious agitation against the Sunni dominance of the government and for the continuance of undiminished British control. The chief Shi’i ‘ulama’ refused to give countenance to these activities. Charchafchi himself left no doubt as to to the side from which he was receiving encouragement: “its commonly believed throughout the Euphrates,” affirmed a British intelligence report :

That His Excellency the High Commissioner is supporting the Sh’i’i agitation and Amin Ach-Charchafchi in his conversation has al ways managed to convey this impression. For instance, when talking to Shaikh Aid Ad-Daud on 17th September [1927] he said that His Excellency had made him some promises regarding the Shi’is and that he intended visiting him on his return. Also Shaikh Jawad Al Jawahiri told the Inspector of Police, Najaf, that they were anxiously waiting for the return of His Excellency and that they were “ready to beat the drum” if he wished them to do so. P. 328

……

In the second place, prominent Sunni ‘ulama’-and this is a stratum that was as a rule politically quiescent-began suddenly to discuss the desirability of a republic….They endeavoured to gain influence among the Shi’is with the object of sounding them as to their possible attitude toward such a project.

In the third place, a number of influential mallaks of Basrah revived their old demand for “a separate Basrah under British protection.” p.328

In the fourth place, the Ikhwan of Najd, led by Faisal ad-Dawïsh, chief of the ‘llwah Mutayr, launched in this period repeated attacks on Iraq, which continued after Faisal’s return from England….. The student of Iraqi history cannot help noticing that Dawïsh carried out his raids precisely on those occasions when the Iraqis or their government would not bend to British wishes, that is, in 1922. when the king stood against the “Mandate;” in 1924, when a powerful antitreaty opposition developed within the Constituent Assembly; and, lastly, in the circumstances now under discussion. It appears unlikely that Dawïsh should have attacked, at least in 1927-1928, unless he knew beforehand that the British air force, which was still committed by treaty to the defense of the Iraqi borders, would give him a free rein. interestingly enough, on 11 January 1929, the secretary of state for the colonies directed the high commissioner “to exercise [his] judgment in using the present situation on the Iraq-Nejd frontier to emphasize the necessity for the continuance of British support and the dependence of lraq upon such support. “

Of course, the British did not create the separatist proclivities of Basrah’s mallaks or the animosity of Shï’ïs and Sunnis or of Sa’udis and Hashemites. All these issues have their deeper causes. But it looks as if there were gentle British pushes with the elbow somewhere along the line. P.329

H .Batatu. The Old Social Classes, Pp. 327 -329 

2008/02/14

سيدة الصواريخ والفيلة

Truth cease to have the effect of truth by being exaggerated into falsehood. J.S. Mill

الحقيقة تكف عن اداء فعاليتها كحقيقة عندما تبتذلها المبالغات.. جملة ستيوارت ميل رائعة.. نستطيع ان نقول ايضا ان المبالغات قد تجر الحقيقة الى حدود الكذب.. واقصر الطرق الى ابتذال الحقائق هو الاستخدام السياسي لها.. والاستخدام السياسي للماضي العراقي اليوم يدخل في هذا الاطار.. فـ"المظلومية" كوسيلة لاستخدام الماضي من اجل استغلال الحاضر قد تحولت الى "جاموسة مقدسة" تدر منافع سياسية واقتصادية.. والمجال مفتوح لمن تأخروا على مواكب اللطم السياسي.. و"مكابدات" الانسة باسمة الحيدري التي كتبت عنها صحيفة الـ "يو اس اي تودي" مثال صارخ للاستخدام النفعي للمظلومية.  

باسمة الحيدري هي امرأة شيعية عينها مكتب المالكي لتدير لجنة مراقبة تقرر من يحق له الالتحاق بالاجهزة الامنية.. ويبدو ان حماسة باسمة الحيدري في "الفرز" الطائفي قد ازعجت الجنرال ديفيد فيليبس المسؤول الأميركي عن الشرطة العراقية.. فهو يروي للصحيفة الامريكية بأن ضابط شيعي كبير في الجيش العراقي هو (عدنان ثابت) كان قد أرسل قائمة بمجندين للجيش كان 45 بالمئة منهن سنة.. وما أنْ وصلت القائمة الى باسمة الحيدري حتى اسقطت منها كل الأسماء السنية.. لا بل انها ازاحت الضابط الشيعي عدنان ثابت عن منصبه لنفس السبب.. والجنرال فيليبس يعتقد ان امثال الحيدري يقفون عائق امام المصالحة.. و"المصالحة" ضرورة مرحلية للادارة الامريكية قبل الانتخابات المقبلة.. ليس غريبا فكل مراحل العملية السياسية الميتة سريريا كانت رهينة للاجندة السياسية الداخلية الامريكية.

مسار باسمة الحيدري مهم.. ليس لانها امرأة تتولى مركز حساس كما يحاول ان يقول الصحفي الامريكي.. فهذا الصحفي لا يعرف ان تاريخ اول وزيرة في العراق يعود الى نهاية الخمسينات في القرن الماضي.. وكونها متخصصة بالصواريخ ليس جديد ايضا.. الكفاءات النسائية في العراق كثيرة ومشهود لها.. اهمية حكاية سيدة الصورايخ تكمن في ماضيها الوظيفي والسياسي.. وهي تعطينا فكرة عن هذا النوع من البشر الذين يمتلكون قابلية تغير جلدتهم بين ليلة وضحاها عندما تهب رياح التغير.. فِهم المفاصل مهم لفهم كيف تعمل العجلة التي تدوس العراق اليوم.

فالانسة باسمة الحيدري كانت مسؤولة رفيعة في جهاز التصنيع العسكري وعضوة في حزب البعث.. واندماجها في عجلة الدوس الجديدة وبهذا الموقع المفصلي يدل على ان البعثي مغضوب عليه ليس لانه بعثي.. ولكن لانه سني.. كان البعث يقول العراقي بعثي وان لم ينتمي.. نستطيع ان نقول من مثال الحيدري ان الشيعي شيعي وان لم ينتمي.. يقال ايضا ان اسم الأنسة السابق هو باسمة الساعدي كما يروي العارفون بالمستور السابق.. ولا يحتاج المرء لفطنة كبيرة ليرى الانتهازية في استخدام الانسة لِلقبها الطائفي اليوم بعد ان استخدمت اللقب العشائري سابقا.. المتحول الى "دين" جديد يبدي في العادة حماسة اكبر في معتقداته الجديدة من السابقيين له في الاعتقاد.. لكي يؤمن اندماجة داخل المجموعة الجديدة.. وهذه البعثية السابقة تظهر اليوم ساديتها في الفرز الطائفي لكي يرضى عنها سادتها الجدد ولا يشككوا في ولائها..لا جديد.. هي حتما قد "كسرت" الكثير من رقاب الابرياء ايام "النضال السلبي".. وهي اليوم لا تفعل الا ما كانت تجيده سابقا تحت شعارات مختلفة.. وافترض لو ان الحزب الشيوعي جاء للحكم بعد غد سنراها تهتف بحياة ماركس و تردد "فلتسقط العمامة والرجعية".

ولكن الاهم في حكاية سيدة الصواريخ في نظري يكمن في نقطة اخرى.. فهي ورغم انها كانت من محتلي المناصب الرفيعة في النظام السابق نراها تجتهد في بناء تاريخ معاناة.. في تشييد مظلومية شخصية لكي تتماشى مع السائد الكليشاتي اليوم: انت شيعي اذا انت مظلوم.. وخصوصا وانت امام صحفي امريكي جاءت جيوشه لتحرير المظلومين.. وحتما هي تمتلك من الخبرة "الحركية" ما يكفي لتعرف ان سادتها في المكتب المالكي سينزعجون اذا هي لم تضع "بهارات وفلفل اسود" على مسار حياتها المثير للشبهات.. وهنا تبدأ حكاية سيدة الصواريخ.. ومعها تسافر "الحقيقة" الى حدود الابتذال.

سيدة الصواريخ تحكي اولا عن معاناتها في مجتمع ذكوري.. يصفق الصحفي الامريكي.. هذة ثيمة تعجب القارىء الغربي.. ولكن هذا وان بدأ واقعيا في مجتمعنا الذكوري من الناحية الاجتماعية فهو غير كافي لتشييد مظلومية مهنية نظرا لان ذلك لم يمنعها من الحصول على مناصب رفيعة اداريا وفي العهدين.. وهنا تتفتق عقلية الانسة عن مظلومية طائفية.. فيصفق الصحفي الامريكي من جديد.. الصحفي الامريكي بحاجة ماسة الى صدام سفاح طائفي في مقاله.. ولكن سرعان ما يخيب ظنه حين يعرف ان صدام لم يقتل عائلة هذه المظلومة: عم وعمة الانسة قتلا دهسا في حادثة جسر الائمة.. ولكن مخيلة سيدة الصواريخ غنية فتقوم بتحميل الارهاب مسؤولية الحادثة الذي راح ضحيته الف "مظلوم" شيعي !! الصحفي يعرف ان سبب الحادثة هو سبب تنظيمي مضاف اليه اشاعة اطلقها شيعي من داخل موكب العزاء.. ولكن الصحفي لا يملك خيار اخر.. بما ان ظلم صدام غير موجود هنا فلابد من ارهاب القاعدة.. القارىء الامريكي سيقوم بافلوفيا بالربط الوهمي بين صدام والقاعدة.

وتستمر الحكاية.. سيدة الصواريخ لم يكن عندها حتى كرسي في مكتبها ايام عملها في النظام السابق.. تصورا هي المسؤولة الرفيعة في التصنيع العسكري!! في العامية العراقية هناك تعبير رائع يطلق على من يذهب في مبالغاته الى حدود اللامعقول فتقول عنه انه "يطيّر فيالة".. أي انه يجعل الفيلة تحلق.. وحكاية الكرسي هي "فيل" خرافي يصعد للسماء تطلقه سيدة الصواريخ.. لا بأس الصحفي بحاجة الى دراما.. و تستمر العذابات ونكتشف في نهاية درب الآلام ان مظلومية سيدة الصواريخ تكمن في كونها لم تعمل في مجال اختصاصها انذاك لانها شيعية في دولة سنية.. ولكنها حتى هنا غير واضحة.. هل كان ذلك بسبب كونها امراة كما قال لها الذكور من حولها.. ام لانها عالمة شيعية اقصتها عدم الثقة السنية.. الاجابة غير قاطعة وهي تقبل الاحتمالين ..الوضوح غير ضروري عندما يتعلق الامر بالنظام السابق.. كل حكاية "ملفلفة" تقبل التصديق.. اطار الكليشات السائد اليوم كفيل بمنحها معنى.

ترى الم يكن بإمكان الحكومة "السنية" الظالمة "اجتثاث" امرأة شيعية بدل من وضعها في منصب اداري رفيع في التصنيع العسكري خصوصا اذا علمنا ان كل زاوية ومفصل في التصنيع العسكري له حساسية امنية وخصوصا المواقع الادارية.. الصحفي يعرف ان علماء شيعة عملوا في المشروع النووي العراقي وهو اكثر حساسية.. ولكن الصحفي يغض النظر عن "فيلة" سيدة الصواريخ.. القارئ الامريكي يحتاج الى قصص معذبين ومظلومين ليستمر افتراضيا في لعب دور المحرر والمنقذ.. واسئلة ساذجة من نوع : ترى كم امراة سنية لم تعمل في مجال اختصاصها انذاك.. وكم امراة سنية عانت من ذكورية مجتمعنا العشائري.. ليست مهمة في مهنة "عدم" البحث عن المتاعب.

كنت اتمنى ان املك سلطة لكي اُمكن سيدة الصواريخ من العمل في مجال اختصاصها.. تصورا تلك القابلية على اطلاق الفيلة للفضاء والتي عُطلت طائفيا.. اي خسارة وهدر للطاقات.. تصورا تلك "السيدة " تمارس مجال اختصاصها وتحرر طاقاتها الابداعية.. يا الهي.. اتصور سماء بغداد.. صواريخ.. وفيلة.. وحمير ملونة!! يا خسارات العراق ..امام هكذا نماذج لانملك الا ان نعترف بأن الدولة "السنية" كانت مذنبة.. مذنبة اولا عندما أصرت على فتح مدارس للبنات رغم معارضة رجال الدين الشيعة.. ومذنبة ثانيا لانها لم تستمع لتظلمات وظلمات رجال الدين الشيعة الذين نظموا المظاهرات والاحتجاجات وعطلوا الاسواق والحوانيت ضد محاولة الحكومة "السنية" فتح اول مدرسة للبنات في النجف عام 1928 كما يروي عبد الرزاق الهلالي (تاريخ التعليم في العراق. ص. 120 ).. ومذنبة اخيرا لان عالمة الصواريخ التي ربّت وعلّمت ودرّبت ليست امينة لعذابات "حبوباتها" واجدادها في العمارة حين كانت سياط الاقطاع المتحالف مع جهل العمامة تلسع ظهورهم و"تخمس" من نزر ارزاقهم.

2008/01/25

احمر ، اسود ، اخضر .. الثابت والمتحول والمتغير

  لم تستهوني يوما مراسم "رفعة" العلم الا في المرحلة الابتدائية ..في تلك الايام لم يكن هناك اطلاق رصاص .. ولا وجوه اساتذة متشنجة .. ولم تكن هناك اصوات متحشرجة خارجة من "سماعات" معدنية .. مراسم رفع العلم كانت بلا مبالغات شكلية انذاك .. ثلاثة اطفال يتقدمون بخطوات "كشافة" وليس بخطوات جنود .. يفك احدهم عقدة العلم .. يرتمي العلم على الكتف .. ويبدأ بالارتفاع بصمت .. صمت اصدق الالاف المرات من ازيز الرصاص .. صمت لا يتخلله الا ترقبنا الطفولي المحب للتفاصيل ...فكثيرا ما كان العلم يسكن بلا حراك .."ماكو هواء" .. ونحن كنا نريد له ان يرفرف .. وبعد ذلك يأتي احلى ما في "رفعة العلم" .. قصيدة الزهاوي : العلم .. عامر كان المتخصص في القاء القصيدة .. كنا نضحك بصمت من طريقة إلقاءه الغير متناسبة مع عمره ..هل كنا نغار منه ؟ اظن ذلك .. عامر صوت رائع : عش هكذا في علو ايها العلم .. فاننا بك بعد الله نعتصم.



قبل ثلاثة ايام اقر برلمان المنطقة الخضراء علم جديد مؤقت لمدة سنة .. في كواليس هذا التغيير هناك من التفاصيل ما ينفع لعمل مسرح دمى هائل .. اولا التغيير حظي بموافقة 110 من بين 160 نائبا حضروا جلسة التصويت من مجموع 275 برلماني .. حتى اصغر مدرسة ابتدائية في اصغر قرية عراقية تستطيع ان تجمع عدد اكبر في "رفعة" العلم .. ثانيا التغيير مؤقت وتم على عجل من اجل انجاح احتفالية ..البرزاني يريد تنظيم مؤتمر البرلمانات العربية في برزانيستان .. اقطاعي كردي يدعو "برلمانيين" عرب .. ام المفارقات .. ثالثا .. بما ان الاكراد يرفضون رفع "علم البعث" .. وبما ان "الضيوف العرب" يهددون برفض الدعوة اذا لم يرفع العلم العراقي في كردستان .. يتم تغيير العلم العراقي .. تسقط النجوم التي ترمز لمشروع الوحدة العربية الثلاثية .. فيرضى البرلمانيون العرب ..عجبي .. فقط دولة سماسرة تغير علمها بهذه الطريقة القرقوزية .. وفقط خيوط العم سام قادرة على تحريك مثل هكذا مسرح دمى.

هناك ثابت ومتحول ومتغير في العلم الجديد "المؤقت" .. الثابت ورغم اللغة الخشبية وكليشات الصحف الغربية هو الشيء الوحيد الذي اضافه صدام حسين : الله اكبر .. المتغير يشمل فقط ارث مرحلة عارف : اسقاط النجوم ذات الرمزية العروبية .. واخيرا هناك المتحول .. وهنا انا اعتمد على الصورة المقارنة بين العلمين والتي نشرتها وكالة الانباء الفرنسية .. الـ نيويورك تايمز ايضا نشرت نفس الصورة ولكن مع عنوان غبي .. والمتحول في الصورة لا يكمن فقط في الخط الكوفي .. فاحمر العلم القديم الشفاف قد اصبح غامقا في العلم الجديد .. والالوان عموما اصبحت داكنة .. السؤال هو هل هذا التدرّج اللوني هو مجرد تلاعب طباعي انترنيتي في معاملة الصورة ؟ ام انه تحويل رسمي مقصود ضمن اطار "التقية القانونية" التي تسود في تمشية معاملات دولة الرعاع العماماتية ؟

قد لايكون للتدرج اللوني اساس الا في صورة وكالة الانباء الفرنسية .. و مع ذلك فان اختلاف الالوان في الصورة معبر .. لا بل ان هندسة اللون في العلم الجديد تعبر بشكل ادق عن المشهد العراقي الحالي .. بمعنى انها ترسم رمزيا ومن حيث لا تريد الكارثة التي حلت بالعراق .. ففي عراق عمامة بلا حدود يطغي لونان .. الاحمر والاسود .. فالاحمر في كل مكان .. وخصوصا على الرؤوس التي دنستها دريلات جبانة .. وقبح الاسود ايضا في كل مكان .. وخصوصا على الرؤوس المعممة .. وانحسار الاخضر في علم "المنطقة الخضراء".. يقابله انحسار الخضرة في "ارض السواد" .. النخل مات بالملايين حسب اخر الاحصائيات .. "سود الوقائع" و"حمر المواضي" ..عفوا حمر الدريلات !! يطغيان على خضر المرابع في ارض السواد.


هناك اليوم فهم مرحلي .. فهم لطمي .. لمعنى "ارض السواد" .. بين رعاع اليوم هناك عدد كبير ممن ردد في يوم ما وبروحية القطيع شعار "الارض لمن يزرعها" .. ويبدوا ان شعار المرحلة هو : الارض لمن يقتلها .. من "الاحمر" الى "الاسود" القطيع واحد !! كان "التغيير" .. ولا زال .. شكلي.