2009/01/28

ديمقراطية البطانيات


يبدو ان الشتاء قارص جدا في عراق الاحتلال .. من هنا شعار "خذ بطانية وامنحني صوتك" .. ويبدو ان مبدأ الديمقراطية الاهم : " وان فويس، وان فوت" قد تم تحويره الى : "صوت واحد .. بطانية واحدة" .. فالاخبار القادمة من ديمقراطية البطانيات تحكي قصص مضحكة مبكية .. ومن بين قصص البطانيات الكثيرة تستوقفني حكاية "البطانية والملا" : يقال ان احدى القوائم في الناصرية قدمت بطانيات لعائلة فقيرة مقابل منح اصواتها ولكن العائلة "استفسرت عن جواز ذلك من احد رجال الدين الذي اجابهم : طالما انكم عائلة فقيرة فبامكانكم قبول هذه الهدايا لكن ليس على حساب اصواتكم التي يفترض ان تمنحوها وفق قناعتكم" .

لنلاحظ اولا كيف تحولت البطانيات التي تعتبر رشوة في العرف القانوني الى "هدايا" في لغة رجل الدين الشيعي .. ثانيا، الفقر لا يشكل عذرا لكي تقبل باسمه رشوة .. فقبول الفقير برشوة هولاء اللصوص هو مساهمة غير مباشرة في ادامة فقر الفقراء .. فمليارات الدولارات التي كانت كفيلة بإزالة فقر الفقراء نهبها امثال هولاء الساسة المرتشين والراشين .. وقبول "هداياهم" هو مساهمة غير مباشرة في استمرار سلوكيات نهبهم للمال العام .. وهنا اكثر من أي مكان اخر تصح مقولة "الضحية يتحمل جزء من المسؤولية في وضعه كضحية" .. بتعبير اخر، عندما يقبل الفقير "هدايا" اللصوص فهو يساهم في ادامة وضعه كفقير.. انه منطق المسؤولية .. وبلا حس مسؤولية ومواطن مسؤول لن يكون هناك عدالة تنصف الفقراء ولا وطن يحميهم .

على النقيض من منطق المسؤولية هذا الذي هو عماد الحداثة السياسية، يقف "منطق" رجل الدين الفهلوي : لكم ان تأخذوا بطانيات القائمة ولكن لا تصوتوا لهم !! بمعنى اخر : لكم ان تأخذوا الرشوة ولكن لا تصوتوا للراشي .. وعاشوا عيشة سعيدة !! لا يحتاج المرء الى معرفة كبيرة لكي يفهم ان منطق رجل الدين الشيعي هنا قائم على مفهوم "خمطي" يتناقض تماما مع الصالح العام .. وهو نفس المفهوم الذي تم بموجبة "حسم" ونهب مؤسسات العراق ايام الفرهود التاريخي .. فقط عندما نفهم هذا المنطق الخمطي المهادن لسلوكية الرشاوى نفهم عندها اين ذهبت المليارات المسروقة .. فبمثل هذه "الاخلاقيات" الخمطية ارادوا حكم العراق .. هل نستغرب بعد ذلك ان يتصدر عراق "عمامة بلا حدود" قائمة البلدان الاكثر فسادا في العالم !!

وكما ان حكاية "البطانية والملا" تطرح اسئلة عن قيمة " دين" يحث المواطن على قبول رشوة .. فانها تطرح اسئلة اخرى عن استحقاقات وشروط الديمقراطية .. فما قيمة الديمقراطية كممارسة حين يغش المرشح ؟ وحين يقبل "المواطن" بالبطانيات الرشوة ؟ وحين يحلل "قواد الدين" الرشوة ؟ والسؤال الاهم الذي ينخر رأسي هو : ماذا تعني ديمقراطية يذهب فيها "مواطن" الى رجل دين لكي يعرف ما اذا كان سلوك مرشح فاسد حرام ام حلال؟؟ معقول !! معقول ان الجهل قد وصل الى هذا الحد !!

الناس في الديمقراطيات ينتخبون اشخاص يعتقدون انهم قادرين على تحسين حياتهم وضمان مستقبل اطفالهم .. ينتخبون اشخاص يعتقدون انهم قادرين على بناء مدارس ومستشفيات وطرق الخ .. اما في الديمقراطيات المحمولة جوا فان "عبيد السادة" تكفيهم بطانية و"تشغلهم" عن المصلحة العامة بطانية .. لذلك تراهم ينتهزون مناسبة الانتخاب لكي يطرحوا سؤالهم الوجودي الاوحد : هل البطانية الرشوة حلال ام حرام !!

يبدو ان ارسطو على حق : "بعض الناس ولدوا لكي يعيشوا عبيد" .

2009/01/11

عندما اسمع كلمة ثقافة


قبل ثلاثة ايام وبمناسبة "إحياء اليوم العاشر من محرم" قام المسرحي العراقي جواد الاسدي بتقديم شخصية الحسين على المسرح في بيروت .. والاسدي تعليقا على هذه المساهمة اللطمية يقول لنا ان " من واجب المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة إعادة كتابة شخصية الحسين. كتابةٌ تقدّم إلى العالم كما فعل بيتر بروك عندما أعاد كتابة الميثولوجيا الهندية في «المهابهاراتا» فقدّمها كمبتكر جمالي ومعرفي جديد".. اما عن سبب وأهمية مسرحة الحسين فالاسدي يقول لنا : " العالم يحتاج إلى معرفة الميثولوجيا العربية والكونية الإنسانية التي تنبثق من تاريخنا " انتهى

في كلمات الاسدي هناك الكثير مما يستحق "الرجم" بالكلمات .. ولكن المجال لا يتسع لمشاكسة كل شطحات الاسدي في دفعة واحدة .. لذلك ساركز على ما يبدو لي في صلب المشكل العراقي .. اولا ان مقارنة الاسدي لـ "محكية" الحسين بالمهاباراتا الهندية هو تحليق حر ومجاني في فضاء الاستخفاف .. و"دحس" اسم بيتر بروك هنا لا يكفي لتحويل هذا الاستخفاف الى حجة مقنعة .. نعم "محكية" المهدي تنتمي الى الميثولوجيا لانها قصة مفبركة ليس لها اساس تاريخي .. ولكن "محكية" الحسين وان اخذت عبر الاجيال ابعاد اسطورية في تفاصيلها تبقى حدث تاريخي .. وكل ثقافة تبتغي المعرفة يجب ان تؤكد على تاريخية الحدث وليس "تغنيصه" و"اسطرته" تحت مسميات تضبب الرؤوس وبالتالي تساهم بصورة غير مباشرة في "زرفها" .

المحكية الحسينية ليست "ميثولوجيا" .. والبعد الزمني ليس كافيا لمنحها صفة الميثولوجيا .. وذلك لان كل حدث تاريخي ومهما بَعُدَ في التاريخ يظل "حدث حاضر" طالما انه "فاعل" في الحاضر .. والمحكية الحسينية مازالت "حدث" حاضر اجتماعيا وسياسيا وفاعل بالحاضر بقوة تدميرية .. لا بل هي عنصر مهم في موضوع الصراع على الحاضر .. سلاح في الصراع على الحاضر .. ومقارنة مثل هكذا"محكية" تساهم في زرف الرؤوس بالدريل وحرق البشر في تنور الزهراء بالمهابهاراتا الهندية تنم عن سطحية مذهلة لا يجرؤ عليها إلا "شيوعي" سابق يريد البكاء على الحسين ولكنه "يتجمّل" .

الثقافة هي عنصر الجمال زائد عنصر الذاكرة (بالمعنى التوثيقي المعرفي لمفردة الذاكرة) .. وتغليب البعد الجمالي على البعد المعرفي النقدي كما يفعل الاسدي في لطميته هو "خيانة" للثقافة ..ذلك ان الطرح الذي يتبناه الاسدي بمواجهة "الحدث الحسيني" هو انتصار للاسطورة على حساب "الذاكرة" .. وهذا اخر ما يحتاجه العراق اليوم .. فالعراق المطعون بالخزعبلات اليوم بحاجة الى تغليب "الذاكرة" كفعل معرفي على "الاسطورة" كفعل زارف للرؤوس .


النقطة الأخرى التي تصفع الانتباه في كلام الاسدي هو تعبير"المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة" .. قليل من الانتباه رجاءً .. ساعيد كتابة هذا التعبير الذي يحلق عاليا في فضاء التوليد الاجتراري للكلمات .. اسمعوا: "المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة" .. تعبير الاسدي هذا هو تعبير قادم من مقاهي ستينات وسبعينات العراق .. مقاهي شهدت ولوج افكار "الواقعية الاشتراكية" السوفيتية داخل رؤوس هشة فكريا خرجت بالكاد من "عباءة الملا".. وهذا الولوج "الصدفوي" انتج مسوخ ثقافية شبيهة بالمسوخ السياسية التي انتجها اليسار العراقي .

باستثناء مفردة "تأملية" فان كل المفردات التي تشكل تعبيرالاسدي هنا تحمل غبار واتربة لغة اليسار العراقي الاجترارية .. فـجواد الاسدي هو سليل "ثقافة" اعطتنا سياسيا "ماركس ابو دشداشة" صاحب نشيد "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" .. واعطتنا شعريا "مايكوفسكي ابو دشداشة" الذي ما زال يكتب "شعر الكلمات المتقاطعة" الملتبس .. واعطتنا مسرحيا "بريخت ابو دشداشة" الذي يلطم اليوم على المسرح .. ترى .. هل تم ادخال كلمة "تأملية" هنا لكي "تفلسف" باطنيا الاستدارة اللطمية ؟ ام ان "المودة" اليوم داخل الوسط الثقافي العراقي هو ان تكون "صوفي" .. "تأملي" .. كما كانت الموضة تحتم سابقا ان تكون طليعي ، تجريبي ؟

انا من جيل وعى العالم يوم كانت تلك المفردات تلفظ انفاسها الاخيرة .. و"الثقافة الطليعية".. "الثقافة الجديدة" .." الثقافة التجريبية" هي مفردات طالما سمعنا عنها .. قرأنا لها .. وانا شخصيا حضرت حتى بعض عروضها المسرحية ذات عراق .. آنذاك كان بريخت "يحكم" خشبة المسرح العراقي براديكالية دكتاتور.. و"ابو الدشداشة" كان "لا يحلف إلا بأسمه".. والويل لمن يحيد عن الطريق "البريختي" .. فتهمة الرجعي او البرجوازي كانت اسهل التهم في جعبة "كُتاب التقارير" الجمالية .

نعم تلك "الثقافة الطليعية التجريبية الجديدة" عرفناها .. ولكن ما نعرفه ايضا، وهنا الاهم، هو ما آلت اليه تلك "الثقافة الطليعية".. فسقوط "بريخت ابو دشداشة" لايعادله سقوط .. وانموذج هذا السقوط هو سامي عبد الحميد الذي عمل قبل الاحتلال الامريكي باشهر على مسرحة رواية صدام حسين "زبيبة والملك" وقام بعد الاحتلال باشهر بمسرحة شخصية محمد باقر الصدر .. وسامي عبد الحميد هو من ابرز مسرحيّ الجيل " الطليعي" .. واظن ولست متأكدا ان الاسدي هو من "تلامذه" عبد الحميد السابقين .. والاسدي ما زال يتكلم عن "مثقفين وثقافة طليعية تجريبية تأملية جديدة !

مسكينة أيتها "الثقافة" كم من الجرائم ارتكبت باسمكِ .. ومسكينة ايتها الثقافة كم من الضحالات ارتكبها باسمكِ "المثقفون الطليعيون" .. لا أحب جملة غوبلز :"عندما اسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي" ..ولكن بما ان الثقافة قد تخلت عن وظيفتها النقدية المعرفية التي ازعجت غوبلز ذات "فاشية".. وبما ان "ثقافتنا" اليوم تعمل بشعار "لطم مع الناس عيد" .. وبما ان "طليعتنا" الثقافية على هذا المستوى من الضحالة .. فانني اجد نفسي مجبراً على محاكاتها .. فانا اليوم عندما اسمع عِبارة "ثقافة عراقية" أتحسس قندرتي
.

2008/12/23

صورة السلطة .. وسلطة الصورة في عولمة لغة الحذاء

صدام حسين في السلطة كانت له "صورة" .. وصورة صدام في السلطة كانت صورة مبالغ فيها لانها صورة سلطة .. صورة مفروضة من قبل سلطة وتحمل تصورات سلطة .. وطابعها المفبرك التي امتازت به ناتج عن كونها بالتحديد صورة سلطة .

بعد احتلال العراق حاول خبراء الحرب النفسية في المخابرات الامريكية ان يطيحوا بـ "صورة" صدام هذه .. فمن اجل انهاء حقبة ما لابد من ضرب "صورة" الحقبة ورمز الحقبة .. من هنا صورة الحفرة المفبركة : صدام بلحيته وشعره "المنفوش" والضابط الامريكي يفحص فمه .. ولكن صورة "السي آي اِي" هذه كانت ايضا "صورة سلطة" .. وطابعها المفبرك كان صارخا .. ومبالغة خبراء "السي آي اِي" في مسرحة الاهانة في تلك الصورة دفعت الكثيرين من معارضي صدام للتعاطف معه كرد فعل ضد مبالغة تلك الصورة .. فالناس يكرهون مبالغات صور السلطة .

لقد اعتقد خبراء الحرب النفسية في "السي آي اِي" ان صورة الحفرة المفبركة ستكون صورة صدام الاخيرة .. الصورة التي سيحفظها التاريخ لصدام .. ولكن الصورة التي تركها صدام للتاريخ هي صورة اعدامه .. لماذا ؟ لانها لم تكن صورة سلطة .. صورة الاعدام كانت صورة غير مفبركة .. وقوتها تكمن هنا .. صلابة صدام امام حبل المشنقة مقابل غوغائية العصابة التي كانت حوله .. "عفوية" التصرفات من جانب وحيوانيتها من جانب اخر هي التي صنعت قوة تلك الصورة .. تلك العفوية منحت صورة الاعدام قيمة وثائقية .. قيمة تاريخية .

صورة منتظر الزيدي راميا فردتي حذاءه على الرئيس الامريكي تنتمي الى هذا الصنف من الصور .. قوتها متأتية من كونها ليست صورة مفبركة ككل صور السلطة .. بمعنى انها صورة لم تُعد وتُدرس مسبقا كما كل صور السلطة .. لقد كانت حركة عفوية بارعة داخل ديكور وشخوص وحركات مدروسة ومعدة مسبقا .. وقيمتها السياسية، وهنا الاهم، متأتية من كونها نقض لطقوس ومراسم سلطة .. ومن ركزوا باجترار سخيف على بعدها الثقافي ( قيمة القندرة في الثقافة العراقية او العربية) لم يفهموا شيئا من البعد السياسي الهائل الكامن في صورة الحذاء .. كونها فض ورفض لطقوس ومراسم سلطة الامبراطورية .. وهذا البعد السياسي هو ما جعل العالم من طوكيو الى كاراكاس يفهم " لغة الحذاء" رغم اختلاف الثقافات .

لقد حاول بوش ان يعطي لنفسة صورة المحارب يوم هبط على حاملة الطائرات الامريكية بلباس الطيار وخلفه عبارة " تم انجاز المهمة" .. ارادها صورة يحفظها له التاريخ .. ولكنها كانت صورة سلطة .. صورة مفبركة .. صورة تمت مسرحتها من قبل فريق الرئيس الاعلامي .. ويشاء القدر ان العراق الذي دمره بوش هو من يعطي بوش صورته التاريخية .. لن يُذكر بوش بعد الان من دون ذكر واقعة القندرة .. صورة الحذاء هي الصورة التي سيحفظها التاريخ لبوش .. نعم "سيادة الرئيس" .. " تم انجاز المهمة" !!

2008/12/17

هاملت عراقي في مسرح فرجة



الحرب صور .. معركة صور ..وخلف الصور ومراسم الصور هناك دائما تصورات يراد فرضها.. وزيارة بوش الأخيرة لبغداد كانت "زيارة صور" .. من اجل "اعطاء صورة" .. بمعنى فرض تصورات فشلت أضخم آلة إعلامية بفرضها في عراق الاحتلال .. أمريكا في العراق قد خسرت معركة الصورة منذ فترة طويلة .. وحذاء منتظر الزيدي ليس الا "الضربة القاضية" في هذا النزال .. في معركة الصور حذاء منتظر هو الـ " كش مات" .. انتهت اللعبة "سيادة" الرئيس ..انتهت المسرحية .. ستارة .. والى كواليس مزبلة التاريخ المظلمة حيث سيلاحقك للأبد شبح القندرة .

نعم انتهت المسرحية .. فالسياسة البوشية لم تكن اكثر من"مسرح فرجة".. وبوش جاء بغداد قبل ايام لكي يقدم "فرجة" أخيرة لكوكب الكوكاكولا .. وفريق الرئيس الإعلامي كالعادة قد اشرف على كل شيء : من ديكور الصالة الممل .. الى توزيع مواقع الكراسي والكاميرات .. وانتهاء بانتقاء "الصحفيين المرافقين" للرئيس على نفس الطائرة ومن يحق له من بينهم بطرح الأسئلة اثناء المؤتمر الصحفي .. اكشن : مصافحة "للمملوك" الذي لم يعلم مسبقا بموعد زيارة سيده .. إيماءة هنا .. ضحكة هناك .. وتعليق ساخر يلتف على السؤال لكي يلغي السؤال ..الخ من اسلحة الغباء الشامل .. كل ذلك بخفة واستخفاف من يعيشون في قصور المناطق الخضراء او الكواكب الأخرى .. فالهدف هو تقديم صورة مغايرة للواقع ..صور وتصورات تخون الواقع .

امام هكذا استخفاف عاهر بالواقع انتفض منتظر.. فحذاء منتظر هو رفض لمسرح الدمى الذي يسمي الاحتلال تحرير ويسمي المقاومة ارهاب ويسمي الدمار تحسن امني ويسمي الانتداب معاهدة امنية .. حذاء منتظر هو رفض لهذا العهر الاعلامي ..وهو تذكير بحقائق الارض والواقع التي يحاول مسرح الفرجه ان يخفيها .. حذاء و خصوصا كلمات منتظر ارادوا تذكير بوش وصحافة الفنادق و"كوكب الكوكاكولا" بالمقبرة الجماعية التي صنعها الفهم "المسرحي" للسياسة .

حذاء وكلمات منتظر ارادوا فرض لغة جدية .. نعم لغة جدية لمواجهة خفة واستخفاف مسرح الفرجة .. منتظر اراد فرض لغة شكسبيرية رصينة امام الماساة العراقية.. فلغة بوش المستخفة امام المأساة هو ما لم يتحمله منتظر .. وكل تحويل لـهذا الفعل الشجاع الى مجرد فعل ساخر اونكته او لعبة انترنيت هو مساهمة في اعادة منظور مسرح الفرجة للماساة العراقية .. ومنتظر ذهب الى اقبية التعذيب من اجل ان لا تختفي الماساة عن الانظار ..من اجل ان يلتفت العالم الى عذابات وجراح الملايين من الايتام والارامل والمشردين .. ومن اجل ان لا تسود لغة "الدمى".

2008/11/30

العراق بين انتدابين .. الماضي الذي لم يمضِ




اليوم وبعد ان تم توقيع "المعاهدة الامنية" تكتمل دورة كاملة في تاريخ العراق المعاصر .. الان نستطيع ان نتكلم عن "عراق بين انتدابين" .. لقد عرف العراق بالامس مرحلة الانتداب البريطاني وهو اليوم يجرب مرحلة الانتداب الامريكي .. وحاضر "الانتداب الامريكي" يُحفز على إعادة قراءة لماضي الانتداب البريطاني .. لقد عارضت المرجعية الشيعة ممثلة بـ مهدي الخالصي الخرساني الانتداب البريطاني.. وقد بررت موقفها من الانتداب الاول بشعار "الانتخاب والتشريع غير جائز دينيا تحت حكم الكفار" .. حتى ان ابو الحسن الاصفهاني ذهب حد "تحريم الزوجة ودخول حمام المسلمين" لمن يشارك بانتخابات المجلس التأسيسي الذي مهد للانتداب البريطاني !! تحريم الزوجة ثابت حوزوي !! بالأمس استخدم كتهديد لمنع المشاركة بالانتخابات !! ولكنه اليوم يستخدم كتهديد من اجل الحث على المشاركة بالانتخابات واختيار القائمة الشيعية كما حدث في الانتخابات الاولى !

المرجعية الشيعية ممثلة بالسيستاني قد باركت الانتخاب "تحت حكم الكفار" وهي بنفس المنطق تبارك الانتداب الامريكي اليوم .. والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا الرفض بالامس والقبول اليوم ؟؟؟ ما الذي تغير تحت السماء العراقية ؟ جنسية المحتل ؟ نعم .. ديانته ؟ كلا .. هل البريطاني كافر والامريكي غير كافر !! بالطبع لا .. كلاهما " كافر" اذا ما استندنا الى المبدأ الاسلامي الذي سخرته المرجعية الشيعية من اجل الرفض الاول .. ويبقى السؤال : ما الذي تغير لكي تقبل المرجعية الشيعية اليوم ما رفضته بالامس ؟

انا شخصيا لا أرى إلا عنصر واحد قد تغير في المعادلة العراقية .. وسلوك المرجعية الشيعية اليوم يعيننا على تحديد هذا العنصر.. مهادنة المرجعية الشيعية للانتداب الأمريكي اليوم يبين لنا انها قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا كما سوّقت المحكية اللطمية .. كيف لنا ان نصدق هذا التبرير الساذج وهم اليوم يتناولون "الفسنجون" مع مبعوثي العم سام !! سلوك المرجعية الشيعية اليوم يقول لنا ان المرجعية رفضت الانتداب البريطاني لان "كفار" الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا من "الشيعة" .. اما وقد اعتمد "كفار" اليوم على "الشيعة" في تمشية امور احتلالهم فان المرجعية الشيعية تبارك الانتداب الامريكي ..اذا فوجود "الكافر" او عدم وجوده ليس مهما في "حسبة" المرجعية الشيعية .. المهم عندها هو هل يعتمد هذا "الكافر" على شيعي ام على غير شيعي .. هذا هو معيار المرجعية الشيعية لقبول او رفض عملية المحتل السياسية .. وقبول المرجعية الشيعية بالعملية السياسية تحت ظل الاحتلال الامريكي قد كشف هذا المعيار الباطني .. ومراسلات السيستاني مع بريمر تؤكد ذلك .. باختصار .. مباركة المرجعية الشيعية للانتداب الامريكي اليوم يفضح كذب ادعاءاتهم التي برروا بها رفضهم للانتداب البريطاني .

الحاضر يمكّننا هنا من رؤية الماضي بلا رتوش المحكية اللطمية التي طالما ارهقتنا بمزايداتها عن دوافع "ثورة" العشرين .. المرجعية الشيعية قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا ولكنها رفضته وحاربته لان "كفار الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا شيعة ..اذا فالعنصر المتغير في المعادلة العراقية والذي يشرح ما تغير في سلوك المرجعية الشيعية اليوم هو ان الحكومة التي استند اليها البريطانيون بالامس لم تكن شيعية .. اقول انها لم تكن حكومة شيعية .. وهذا لايعني انها كانت "سنية" كما تقول ثقافة اللطم .. فمن حكموا العراق من "السنة" لم يحكموا العراق وفقا لمذهب ابو حنيفة او تعاليم ابن تيمية .. لقد حكموه وفقا لايديولوجيات سياسية مختلفة ومتقاتلة حد الدم .. ولكنها لم تكن نابعة من تصورات مذهبية سنية .. ساسة الشيعة اليوم لا يتخذون قرارا من دون الرجوع الى المرجعية الشيعية .. وهذا لم يحصل على مدى حكم "السنة" في العراق ..سلطة الحاكم كانت فوق سلطة رجل الدين .. وهذا هو الفرق الجوهري بين علمانية الحكم "السني" و ثيوقراطية الحكم الشيعي الحالي .

ان ما يبدو اليوم تناقضا ظاهريا في موقف المرجعية الشيعية هو منطق مترابط اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك في المذهب الشيعي مبدأ يقول بان أية حكومة لا تستند في شرعيتها الى "ولاية الامام" فهي حكومة مغتصبة للسلطة ولا ينبغي التعاون معها .. و"نظرية" ولاية الفقيه ما هي الا تعديل طفيف على هذا المبدأ من اجل اعطاء صلاحية الامام الى الفقيه .

فقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم موقف رجال "الدين" الشيعة من الدولة العراقية الحديثة .. وفقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم لماذا تنعت ثقافة اللطم الدولة العراقية "بالدولة السنية" .. كل حكومة حكمت العراق المعاصر هي "سنية" فقط لانها حكومة لا تستند الى شرعية "ولاية الامام".. أي لان الحاكم ليس شيعيا : ينتفض عراقيين "سنة" في حركة مايس ضد حكومة من نفس مذهبهم ولكنهم يضلون "سنة" وفقا لهذا المنطق .. يقوم "الضباط الاحرار" واغلبيتهم الساحقة من "السنة" بانقلاب دموي ينهي الحكم الملكي "السني" ولكنهم يضلون "سنة" .. يقوم البعثيون بانقلاب على القوميين ولكنهم يضلون "سنة" .. رغم اختلاف المشارب السياسية والعقائدية والخلافات العميقة بين هولاء الا ان ثقافة اللطم لا ترى فيهم غير "سنة" .. لماذا ؟ لان كل ما هو غير شيعي فهو بالضرورة "سني" كما يحتم المبدأ الضدي المذكور اعلاه : المذهب هو معيار الحكم الوحيد في ثقافة اللطم .

السلطوية ، التعسف، العنف بحق الشعوب هي ظواهر شائعة في كل الدول العربية .. وفي هذه الدول تقوم الحكومات "السنية" باستخدام العنف ضد اسلاميين "سنة" لانهم منافسيهم على السلطة .. هل يجوز القول انها حكومات طائفية .. بالطبع لا .. هنا الظواهر السلطوية تسمى باسماء تنتمي الى مفردات حقل السياسة : دكتاتور .. تعسف .. توزيع غير عادل للثروات .. مناطقية .. زبائنية الخ من امراض المجتمعات التي لم تراكم مؤسسات مجتمع مدني .. واسباب تلك الظواهر السلطوية هي اسباب بنيوية ولا علاقة لمذهب الحاكم فيها .. ولكن نفس تلك الظواهر في العراق تم اختزالها بـ "مذهبية" الحكومة وبالنتيجة بطائفيتها : امراض السلطة في العراق عللتها ثقافة اللطم باسباب طائفية .. الحاكم التعسفي في العراق لا يسمى تعسفيا او "سلطوي" الخ من المفردات السياسية.. ولكنه سني قبل كل شيء وبالنتيجة طائفي .. لماذا .. لانه ليس شيعيا ولا يتمتع بشرعية "ولاية الامام" او نوابه من "ايات اللة" .. وبما انه غير شيعي فهو مغتصب للسلطة وطائفي .. من هنا فكل حكومة غير شيعية كانت حكومة "طائفية" بنظر ثقافة اللطم .. ونفس هذه "العصابية" المذهبية تقف وراء رفض انتداب الامس وقبول انتداب اليوم .

2008/11/17

انها تمطر قنادر

وائل عبداللطيف زعيم ما يسمى بـ «حزب الدولة» (أية دولة!!) قدم قبل ايام الى مفوضية الانتخابات اكثر من 34 الف طلب موقعة من سكان البصرة يطالبون فيها بإعلان مدينتهم اقليما فيدراليا .. مروّجي مشروع "اقليم البصرة" يقولون انهم يستندون في طلبهم الى مبدأ الفيدرالية الذي كفله "الدستور" .. ولكنهم لا يترددون عن استخدام تعبيرات من مثل "حق تقرير المصير" و "دولة البصرة " و"شعب البصرة" !! هنا كما في "برزانيستان" الاقليم الفيدرالي على المدى القريب ما هو الا مدخل من اجل "الدويلة" على المدى البعيد .

النزعة المناطقية معروفة في العراق .. امس كما اليوم.. والبصرة لاتشذ في ذلك .. ولكن ما يميز البصرة هو ان نزعتها المناطقية قد اخذتها يوما ما الى حدود المطالبة بعدم الانضمام الى دولة العراق .. وكان ذلك قبل وبُعيد تأسيس الدولة العراقية بقليل .. آنذاك ايضا قدم لفيف من تجار البصرة "عرائضهم" وطلباتهم الى الحاكم البريطاني من اجل عدم ضم البصرة الى دولة العراق .. وتشاء الصدف ان قائد حملة انفصال البصرة انذاك كان ايضا يحمل اسم "عبد اللطيف" .. وهوعبد اللطيف باشا المنديل .. المنديل وخلفه كبار تجارالبصرة كانوا يحلمون بوضع مدينتهم تحت الوصاية البريطانية كما تروي المس بيل في رسالتها بتاريخ 1921.6.23 .

دوافع الانفصال آنذاك لم تكن التهميش والإهمال كما هي دوافع اصحاب المشروع اليوم .. فالبصرة آنذاك كانت تعيش في بحبوحة اقتصادية .. دافع الانفصال انذاك كان الهروب من المدن الفقيرة المحيطة بالبصرة ومشاكل وقلاقل الفرات الاوسط .. البصرة انذاك كانت مدينة ذات اغلبية سنية.. والتجار واعيان البصرة الذين قدموا عرائض الانفصال كانوا من المذهب السني .. مما يعني ان العامل المذهبي لم يكن فاعلا في سلوك هولاء "السنة" الذين كانوا يريدون الانفصال عن "الدولة السنية" كما تسميها ثقافة اللطم .. وهذا يحيلنا إلى المهم في مشروع "اقليم البصرة" اليوم .

البصرة اليوم ذات "غالبية" شيعية ولكنها تتذمر من "النازحين" الشيعة من العمارة والناصرية .. وهي ترفض الانضمام الى مشروع عصابة الحكيم وتقاسم ثرواتها مع باقي الشيعة .. باختصار الهم البصري هو هم"مناطقي" يستند الى حسابات اقتصادية وليس هم مذهبي قانع بصحن هريسة هنا وصحن "قيمه" هناك .. نداء الثروة النفطية هو اقوى عند هولاء البصريين من الروابط المذهبية .. اصحاب مشروع اقليم البصرة وبطريقة غير مباشرة يقولون لعصابة آل الحكيم : خذوا صحون "هريستكم" التي تتصدقون بها علينا .. بامكاننا ان نأكل "فسنجون" مثلكم !

نحن هنا امام ما يمكن تسميته بـ "سياسة الكعكة".. البصرة قد سئمت "خبز العباس" .. البصرة تريد "كاتوو".. ومن اجل ان تأكل البصرة "كاتوو" تُرفع شعارات"البصرة للبصريين" و"نفط البصرة للبصرة" !! وبهذا المعنى فان مشروع "اقليم البصرة" الحالي يشكل رفسة بمؤخرة " جاموسة المظلومية المقدسة" التي "نفختها" عصابة آل الحكيم من اجل تكريس مشروعهم لحكم الوسط والجنوب .. وائل عبد اللطيف يقول بخصوص مشروع "اقليم الوسط والجنوب" : "بدأنا العمل قبلهم، ولا علاقة لنا بباقي الاجندات والطروحات الاخرى" .. بتعبير اخر، مشروع اقليم البصرة هو خروج عن الاطار المذهبي الذي تريد عصابة آل الحكيم فرضه على الجنوب .. الجنوب كما يبدو "جنوبات" .

كم كانت الامور سهلة بالنسبة لثقافة اللطم عندما كانوا يستلمون "الحقائب" في اقبية المخابرات الاقليمية .. آنذاك كان يكفيهم قول "امبريالية السنة" لكي تدمع عيون "الجنوب" .. كان يكفيهم الضرب على الوتر الطائفي المنغم بالضدية المناطقية لكي تنفجر الصدورغضبا على "الدولة السنية" .. وفقر العقدين الأخيرين قد سهل من مهمة الشعارات اللطمية المغمسة بالوعود المعسولة .. قالوا لهم ابشروا فحكم "احفاد آل البيت" قادم .. قالوا لهم ان السماء ستمطر مُصلحين .. قالوا لهم ان السماء ستمطر "مُخلّصين" .. ولكن خمس سنوات سلب ونهب من قبل شركة "احفاد آل البيت" كانت كافية لازالة الغشاوة عن عيون ضحايا الوعود الكاذبة.. لقد انتظر "الجنوب" سقوط "الخير" .. ولكنها امطرت "قنادر" .. امطرت لصوص وسرسرية و"ايات اللة بزنسية" تستثمر خمس الفقراء في "عواصم الكفر" كما يسمونها .

الحرامية من رافعي مصاحف الطائفية قد يستطيعون خداع بعض اهل الجنوب كل الوقت .. لكنهم حتما لن يستطيعوا خداع كل اهل الجنوب كل الوقت .. فالواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية .. مشروع اقليم البصرة يؤكد ثابت الهويات المناطقية التي حاول مشروع اقليم "الوسط والجنوب" المذهبي ان يخفيها .. وتذمر سكان البصرة من النازحين الشيعة اليها من العمارة والناصرية ليس استثناء .. تذمر اهالي النجف من الشروكية كان اسبق وهو ايضا يحكي عن الهويات المناطقية المستفحلة تاريخيا في الجنوب .. ولنا ان نتذكر ما قاله محافظ النجف الذي رفض اقامة مخيمات انسانية للمهجرين الشيعة في اطراف النجف وتركهم يعيشون في ظروف مزرية بحجة ان "النجف تريد الحفاظ على هويتها" !!

التاريخ الذي همشته المحكية اللطمية ينتقم اليوم ..
فالتاريخ يقول لنا ان كلمة "شروكي" ومضمونها التحقيري هي تسمية استخدمها اول من استخدمها سكان"الجنوب" القاطنين قرب الفرات لنعت سكان الجنوب الشرقي القاطنين قرب دجلة .. ثقافة اللطم حاولت وتحاول ان تُعطي للكلمة بُعدا طائفيا كما لو ان التسمية كانت من اختراع اهل بغداد السنة .. ولكن لا .. "الشروكي" هو نعت تحقيري صادر عن"مناطقي" شيعي بحق شيعي "اخر" .. وهو نعت تحقيري يحكي تاريخ مناطقية متورمة.. يحكي تاريخ "جنوبات" متنابذة .. الواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية

2008/10/31

حين تدوس البغال والحمير المارة


هنا حوار عن الديمقراطية بين عبد الرحمن النقيب وشيخ من عشيرة شمر تنقله لنا المس بيل في احدى رسائلها الى ابيها بتاريخ 1921.8.21 .. سخرية النقيب لذيذة .. ولغة المس بيل، هنا كما في جميع رسائلها، مدهشة :


And since I'm telling you stories I must tell you one about the Naqib. It hangs on to what I was relating to you last week on the subject of al Damakratiyah. It was the Naqib to his huge delight - he's by every instinct an aristocrat and an autocrat if ever there was one - who gave currency to the word by announcing in the Council that Faisal should be king of a constitutional democratic state. He did this with his tongue in his cheek, you understand, in order to catch the public. The other day a Shammar shaikh up from Hail drops in to call. "Are you a Damakrati?" says the Naqib. "Wallahi, no!" says the Shammari, slightly offended. "I'm not a Magrati. What is it?" "Well" says the Naqib, enjoying himself thoroughly "I'm shaikh of the Damakratiyah, the Democrats." "I take refuge in God!" replied the shaikh, feeling he had gone wrong somewhere. "If you're the shaikh of the Magratiyah, then I must be one of them, for I'm altogether in your service. But what is it?" "Damakratiyah" says the Naqib "is equality. There's no big man and no little - all are alike and equal." With that the bewildered Shammari plumped onto solid ground. "God is my witness!" said he, seeing his tribal authority slipping from him "if that's it, I'm not a Magrati."

كلمات النقيب اليوم تكتسب طابع الكوميديا السوداء اذا ما وضعناها ضمن اطار الخراب الهائل الذي خلفته "الديمقراطية" بنسختها "البول بريمرية" .. وجملة الشيخ الشمري الاخيرة في هذا الحوار تستحق التوقف عندها : " اذا هاي هيه الديمقراطية فاني مو مغراطي" ..ورغم اختلاف الدوافع التي تجعل الشيخ يقول ما يقول فنحن هنا امام جملة نجد تنويعاتها في عراق اليوم .. فمثل هذه الجملة رددها الكثير من العراقيين الذين عاشوا مخلفات "ديمقراطية" العم سام المحمولة جوا ..الديمقراطية بنسختها "البول بريمرية" قد اضحت في مخيلة كثير من العراقيين اليوم مرادفا للفوضى ..ولسان حال العراقي اليوم يقول مقولة الشيخ : "اذا كانت هذه هي الديمقراطية فنحن لسنا بديمقراطيين" .. فعندما تُفهم المصطلحات فهم شعاراتي .. فهم ايديولوجي .. فان المصطلحات تتحول الى اسلحة دمار شامل .

الكارثة العراقية قد اعادت للكثير من الكلمات معاني غيبتها الشعارات .. ومفردة الديمقراطية واحدة من تلك الكلمات التي حمّلتها الشعارات باكثر مما تحتمل .. واستحضار المسار التاريخي لمصطلح الديمقراطية مفيد لفهم المغيب .. مصطلح "الديمقراطية" /حكم الشعب هو من اصل اغريقي .. وعلم الاجتماع السياسي قد بيّن ان الاغريق اعطونا المصطلح  السياسي ولكنهم لم يحققوا النموذج الديمقراطي .. على الاقل ليس بالمفهوم الحديث للديمقراطية .. ومفردة الديمقراطية عند فلاسفة اليونان ظلت تحمل معنى سلبي .. حتى ان افلاطون كان ينعت الديمقراطية بحكم الغوغاء/العامة "حيث تدوس البغال والحمير المارة في الشارع " بحسب تعبيره الشهير .

وهذا المعنى السلبي للديمقراطية ظل ساريا في الفكر السياسي الغربي حتى منتصف القرن التاسع عشر .. وهذا حتى عند اغلب "الاباء المؤسسين" للديمقراطية الامريكية التي تعتبر "الديمقراطية" الاولى في العصر الحديث.. الفكر السياسي الغربي كان يعتقد حتى وقت قريب ان المشاركة في الفعل السياسي او الاشتغال في الشأن العام يتطلب شروط امكانية .. واول تلك الشروط هو توفر الاكتفاء المادي الذي هو اساس لتطوير الملكات والسلوكيات الانسانية القويمة .. أي توفر ما تسمية الادبيات السياسية بـ"الفضيلة" عند المتصدي للفعل السياسي .. وهذه خصلة ليست مبذولة للجميع وخصوصا للفقراء المسحوقين بضرورات معيشتهم القاهرة .. ضمن هذا الاطار ينبغي فهم مقولة صاحب "العقد الاجتماعي" جان جاك روسو :"الفقير لا يفكر بنبل" .. وضمن هذا الاطار ايضا ينبغي فهم التصنيف الذي يقوم به ايمانويل كانط حين يفرق بين "المواطن الايجابي " القادر على اعالة نفسه وبين "المواطن السلبي" المحاصر بالفقر والفاقة .. وهو يقول لنا ان الشان السياسي او الفعل السياسي ( الانتخاب مثلا) ينبغي ان يكون من حق "المواطن الايجابي" فقط .

واذا ما وضعنا ما يقوله كانط في الاطار العراقي فهو يعنى ما يلي : بين تهديد المليشيات له بفقدان الحصة التموينية اذا لم يصوت لها وبين الاختيار الحر الذي هو اساس الديمقراطية فان "عبد السادة" سيختار الحصة التموينية .. بين الاختيار الحر وتهديد فتوى تحريم زوجته اذا لم يختار قائمة الشمعة، فان "عبد السادة" سيختار التصويت "للشمعة" .. باختصار.. ايمانويل كانط يقول لنا ان للفعل السياسي شروط وان "عبيد السادة" المسحوقين بالفقر والجهل لا يستطيعون ممارسة الفعل السياسي بصورة صحيحة .. وان "لطميات الاصابع البنفسجية" لاتخلق ديمقراطيات .

حتى توكفيل، المفكر الفرنسي الذي هو اول من اعطى لمصطلح الديمقراطية معناه الايجابي الحديث في كتابة الشهير "الديمقراطية في امريكا" ..توكفيل ايضا يقول بضرورة توفر شروط امكانية من اجل فعل سياسي ناضج .. من هنا مقولته الشهيرة : "اضمن لي ثلاثين سنة تقاسم "ثروة" عادل وصحافة حرة، ساعطيك جمهورية".

باختصار.. هناك شروط امكانية للديمقراطية من دون توفرها كما هو الحال في النسخة "البول بريمرية" ، فان "البغال والحمير ستدوس المارة في الشارع" .. وما لم يقله افلاطون .. نستخلصة من ارسطو.. ارسطو يعتبر الخروف اغبى الحيوانات .. عندما انظرُ الى مسيرات "قطعان الغنم" التي تسمى "مليونيات" .. اصدق ارسطو : "قطعان الغنم" لا تخلق ديمقراطيات
.