2026/03/08

الخريف سيأتي في الربيع هذا العام!!

 يقال ان خامنئي انتابته نوبة غضب عارمة عندما سمع عن حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي الذي تسبب بتصفية كبار قادة ايران العسكريين والامنيين والعلماء النوويين في بداية حرب الـ ١٢ يوم..  ترى ماذا كان سيقول اليوم بعد ان زاره الصاروخ الإسرائيلي في "مخبئه السري".. الأموات لا يتكلمون!! "المرشد الاعمى" لُدغ من جحره مرتين!! والاختراق الإسرائيلي مستمر.. فردريك الكبير كان يقول: "ثلاثة رجال خلف خطوط العدو أكثر أهمية من خمسين امام خطوط العدو". 

أمريكا اليوم تطبق تكتيك قديم في الشطرنج الامبراطوري: عندما لا تستطيع تغيير قواعد اللعبة.. غيّر اللاعبين.. شخصيا كنت أتمنى ان لا يشارك ترامب في "مراسم دفن خامنئي".. من منطلق ان القنابل لا تقتل الفكرة.. الفكرة يجب ان تموت عضويا.. من الداخل.. ولكن للامبراطورية "منطقها".. ومع ذلك.. القنابل الاسرائيلية لم "تقتل" خامنئي.. كل ما فعلته القنابل الإسرائيلية هي انها "دفنت" جثة ميتة سريريا.. خامنئي باعتباره ممثل لنظام ولاية الفقيه مات سريريا منذ فترة طويلة.. مات بامراض الفساد والفقر والقمع.. وسردية ولاية الفقيه سقطت قبل سقوط القنابل على قم ومشهد وطهران.. سردية ولاية الفقيه سقطت عندما تحوّل "المستضعفون في الأرض" الى قادة ثكنات وتجار مخدرات وكبتاغون.. وشعار "الموت لأمريكا" سقط عندما اكتشف الشعب الإيراني ان أبناء وبنات قادة النظام يحملون الجنسية الامريكية.. وان ابنة رئيس مجلس الامن القومي للنظام علي لاريجاني تعمل في جامعة أمريكية!! وتم فصلها من عملها فقط بعد المجزرة الأخيرة!! باختصار.. خامنئي ومعه سردية التشيّع العلوي(كمشروع نقيض للتشيع الصفوي السلطوي) ماتا عندما راح باسيجي ازعر يدوس بسادية رأس امرأة ملقاة على الأرض بعجلة دراجته النارية!! فقط لأنها رددت شعار الموت للدكتاتور!! 

الحرب لا تطرق الأبواب.. الطائرات تأتي بلا موعد.. القنابل لا تستأذن قبل الدخول الى "الدار".. مسلمات الحرب هذه عرفناها مذ كنا صغار.. وتلك المشاهد التي نراها اليوم من على الشاشات.. الانفجارت التي تهز المدن وتنشر الهلع.. سحب الدخان الملوثة للسماء.. صمت الشوارع.. وانكسار المدن بطوابير النازحين.. كل مفردات الحرب هذه.. عشناها و عاشتها مدن عربية كثيرة.. واليوم فقط.. تختبر المدن الإيرانية مفردات الحرب هذه.. احدى الايرانيات قالت لصحفية فرنسية قبل يومين: "صور الدمار في غزة والتي اعتدنا على مشاهدتها خلف شاشات التلفاز.. أصبحنا نشاهدها هنا في إيران".

لا اعتقد ان حجم الدمار في إيران وبعد أسبوع واحد فقط من القصف.. يمكن ان يقارن بالدمار الذي تعرضت له غزة او الموصل او حلب.. ولكن ليس هنا المهم.. المهم والجديد هو ان العمق الإيراني يعيش اليوم ما عاشته وتعيشه المدن العربية منذ عقود.. فكل استراتيجية الامن القومي الإيراني كانت قائمة على تقسيم "رقعة الشطرنج" الاقليمي الى قسمين: قاطع خلفي هادئ.. يدخن فيه أبناء الحرس الثوري الافيون الافغاني في ليالي طهران الماجنة!! وقاطع امامي "حلال دم الغزال".. تُدَمَْر فيه المدن والعواصم العربية عن بكره ابيها ويشرد اطفالها في العراء!!! هذا الزمن انتهى اليوم.. طهران وقم ومشهد أصبحت اليوم ساحات حرب تعصف بها الانفجارات.. وسماء المدن الإيرانية أصبحت مغطاة بسحب الدخان المغبر ورائحة الموت.. طهران وقم ومشهد أصبحت اليوم "مسرحا للقنابل والغبار والدموع".. كما يقول تقرير صحيفة فرنسية.

واذا ما استمرت المعطيات التي بين أيدينا اليوم من دون تغيير.. بمعنى من دون فرضية وقف الحرب.. إذا ما استمرت الحملة الجوية الامرواسرائيلية بنفس الوتيرة في الأسابيع القادمة.. فان ايران التي مرت بحالة النشوة الثورية "السائلة" في بداية الثورة.. ثم تحولت الى "حالة صلبة" بمساعدة الدبابة الامريكية بعد احتلال العراق.. ستدخل عما قريب المرحلة الغازية.. مرحلة ما قبل التبخر!! 

ايران التي استخدمت مضيق هرمز كوسيلة ضغط وهددت الأسواق العالمية.. دخلت بهذه القرصنة خانة "الرجل المريض" في السياسة الدولية.. الدولة العثمانية عاشت ذات يوم نفس الضغط الجيوسياسي.. وأمريكا التي لم تكن تمتلك مبررات قانونية لضرب ايران في الأسبوع الأول.. استلمت بهذه القرصنة مبررا لتحويل مضيق هرمز الى "محمية" أمريكية.. مقال الواشنطن بوست البارحة يتحدث عن وضع فرقة النخبة المظلية ٨٢ الامريكية في حالة تأهب لإرسالها في عن قريب للسيطرة على جزيرة خرج (٩٠٪ من النفط الإيراني يخرج منها للعالم).. وإذا ما صحت هذه الاخبار.. فأننا مقبلون على سيناريو مُعدّل للسيناريو الفنزويلي.. كش مات اقتصادي.

 رغم انني شخصيا اعتقد ان تأمين مضيق هرمز هو هدف هذا التحرك.. لان تأمين مضيق هرمز اهم حاليا من السيطرة على جزيرة خرج.. لأنه شريان لوجستي عالمي.. الجنرال الأمريكي عمر برادلي والذي قاد وهندس لوجستيا اكبر حشود عسكرية في تاريخ البشرية ابان الحرب العالمية الثانية.. كان يقول: "الهواة يتكلمون عن الاستراتيجيا، المحترفون يتكلمون عن اللوجستيك".. تأمين الضفة الإيرانية من الخليج العربي سيكون أولى أوليات الاقتصاد العالمي في الأيام القادمة.. ولن استغرب اذا ما استمرت الحرب لفترة أطول ان تتم عمليات انزال فرقة النخبة المظلية ٨٢ الامريكية في الضفة الإيرانية من الخليج العربي.

مصير دول.. لا بل حتى مصير امبراطوريات كثيرة في التاريخ.. حددته معركة واحدة.. معركة مصيرية واحدة.. وايران تعيش اليوم هذه اللحظة المصيرية.. البعض وبعد أسبوع فقط من الحرب راح يتفلسف عن عامل المعنويات العقائدي في صفوف الحرس الثوري مما سيمنع انهيار النظام.. نعم العامل المعنوي مهم.. ولكن هذا الطرح كان مقبول في معارك ما قبل الحرب العالمية الأولى.. في حروب "هل من مبارز"!! اما بعد الحرب العالمية الأولى ومع التطور التقني والتكنولوجي للسلاح.. تراجع دور العامل المعنوي تدريجيا في تحديد مصير المعارك.. ومراكز الاستراتيجية العسكرية اليوم تمنحه نسبة ضئيلة قياسا لعوامل نوعية التسليح واللوجستيك.

 خذ اكبر جيش عقائدي عددا في كل التاريخ البشري.. تعال الان وضعّ هذا الجيش بمواجهه كتيبة حديثة مجهزة بأحدث تقنيات التسليح اليوم.. تعذرني.. المعركة خاسرة.. ثم لماذا نذهب بعيدا في التاريخ.. الكاميكازي الياباني والانغماسي الجهادي هما أشرس محاربين عقائديين عرفهما التاريخ العسكري الحديث.. ومع ذلك تم هزيمتهما عسكريا.. بالأحرى تقنياََ.. والحرس الثوري الإيراني الذي يستهلك الكبتاغون والحشيش الافغاني لا يمكن ان يقارن بجسارة الانغماسي الجهادي القتالية.. حتى حماس التي كانت "تزامط" قبل اشهر.. رفعت الراية البيضاء اليوم وبعد "خراب البصرة".. وحماس ما هي الا "اخر العنقود" في سلسلة المواجهات بين عنصر المعنويات او العقيدة وبين عنصر السلاح المتفوق تقنيا.

في بداية الرد الإسرائيلي على هجوم ٧ اكتوبر.. وحين بدأت القنابل الإسرائيلية تتساقط على اهل غزة وتدمر بيوتهم وتتركهم في العراء.. سأل أحد الصحفيين محلل قناة الجزيرة الاستراتيجي فايز الدويري: هل من المنطق العسكري ان تدخل حماس في مواجهة غير متكافئة عسكريا مع الجيش الإسرائيلي المدجج بالسلاح؟؟ سؤال استراتيجي بامتياز.. هل تعرفون ماذا كان رد هذا "المحلل الاستراتيجي": "فلسطين عروس جميلة ومهرها غالي" !!!!! وبمثل هذه "الاستراتيجيا الشعرية".. راح مقاتلو حماس يصورون عملياتهم العسكرية ويهدونها بالاسم لهذا المحلل الفلتة..  وبمثل هذا "الغزل الاستراتيجي" المحفز لمعنويات العشاق تم قتل "العروسة" وتحويل بيتها الى ركام!! قناة الجزيرة تتمنى لكم "احلام استراتيجية" سعيدة!!.

 باختصار.. نعم.. العامل المعنوي مهم في المعارك.. ولكن دوره لا يقارن في حروب اليوم بدور السلاح النوعي.. القاذفات الاستراتيجية الامريكية ستدخل في الأيام القادمة المعركة.. وسجاد قنابلها سوف لن يترك للحرس الثوري مجالا للنوم.. الا إذا استهلكوا الحشيش الافغاني بـكميات أكبر من المعتاد.. عندها.. تعددت الأسباب والموت واحد!!

الأول من شباط في عام ١٩٧٩.. كان يوما باردا في طهران.. ملايين من الإيرانيين نزلت للشوارع لاستقبال خميني الذي عاد من فرنسا في ذلك اليوم.. احدى اللافتات التي رُفعت آنذاك كانت تحمل عبارة: "الربيع يأتي في الشتاء هذا العام".. ترحيبا بخميني.. بعد ٤٧ عاما من ذلك اليوم.. ملايين من الإيرانيين تكدسوا في شوارع طهران من جديد.. ولكن هذه المرة هربا باتجاه الأرياف.. خوفا من الحرب.. وإذا ما استمرت هذه الحرب بنفس الوتيرة.. بإمكاننا القول ان "خريف الملالي" سيأتي في الربيع هذا العام!!   

2026/02/25

فيزياء التشيُّع العلوي

 في السادس من كانون الثاني من عام ١٩٧٨.. نشرت صحيفة اطلاعات الايرانية مقال اتهمت فيه خميني بأنه عميل بريطاني.. وانه ذو ميول جنسية مثلية.. وبأنه هندي الأصل والانتماء لأنه كان يوقع في شبابه اشعاره الايروتيكية/العرفانية!! بتوقيع: "هندي"(علينا ان نذكر هنا ان جد الخميني كان هنديا من كشمير).. وهذه المقال اثار غضب طلاب الحوزة في قم الذين قاموا في اليوم التالي بتنظيم مظاهرة جابت مدينة قم.. وتوقفت في نهاية المطاف امام مركز شرطة المدينة.. وهنا قامت الشرطة بإنذارهم بالتفرق.. ولكن المتظاهرون لم يتفرقوا.. وراحوا يصرخون بشعار: لا نريد حكم يزيد"!!! وهنا قامت الشرطة بإطلاق النار.. الحصيلة عشرات القتلى والجرحى.. هذه هي الشرارة التي اشعلت الاحتجاجات الإيرانية التي أطاحت بالشاه بعد سنة تقريبا من هذا الحدث.

في ١١ من شباط الحالي احتفل النظام الإيراني بذكرى الانتصار على "حكم يزيد".. ١١ شباط ١٩٧٩ هو تاريخ "سقوط" اخر حكومة بهلوية وكانت برئاسة شابور بختيار.. بعد سقوط حكومة بختيار.. كلف الخميني مهدي بازركان بتشكيل اول حكومة اسلامية.. ومهدي بازركان وفي اول خطاب له بعد تشكيل هذه الحكومة قال: ان حكومته لن تكون مثل حكومات الدول الإسلامية الأخرى.. وانما ستكون مثل الحكومة التي كانت اثناء خلافة عليّ ابن ابي طالب!!!

عندما نستحضر خطاب مهدي بازركان.. اول رئيس حكومة في "الجمهورية الاسلامية".. ونضعه جنبا الى جنب خطاب اخر رئيس حكومة فيها.. وهو مسعود بزشكيان الذي قال اثناء الاحتفال الاخير بذكرى انتصار "الثورة" في ١١ شباط الحالي: "إن الجرح الذي نشأ في المجتمع مؤلم".. وأضاف لاحقا "لا أستطيع النوم في كثير من الليالي؛ لأنني حزين جدًا لما وصلنا إليه".. عندما نقوم بوضع الخطابين جنبا الى جنب.. سنفهم ان حلم بازركان الطوباوي تحول الى كابوس.

بزشكيان في خطابه هذا استخدم أسلوب الكناية المستحي ليشير رمزيا الى المجزرة التي ارتكبتها "حكومته" يومي ٨ و٩ من الشهر الماضي.. ارق بزشكيان الحالي يذكرني بأرق الشاه الذي قضى الاسابيع الأخيرة من حكمه حاملا سماعة التلفون لا ينام الليل.. ولكن ما يمنع بزشكيان اليوم من النوم هو ليس مصير رؤساء حكومات الشاه السابقة الذين اُعدموا  من قبل نظام ولاية الفقيه.. ما يؤرق بزشكيان اليوم هو انه يخاف ان يلاقي مصير أتعس.. قتلا وسحلا في الشوارع.. لأنه رئيس الحكومة المسؤولة رسميا وتاريخيا عن أكبر مجزرة في تاريخ إيران الحديث.. الناس قد يحتملون الجوع ولكنهم لا يحتملون الجريمة.. كما يقول روبسبير.

فحجم المجزرة التي ارتكبها النظام العلوي في الشهر الماضي يختلف كماََ ونوعاََ عما سبقه.. وايران بعد هذه المجزرة ليست كما قبلها.. حكومة بزشكيان قالت ان حصيلة القتلى هي ٣١١٧.. ولكن هذه الأرقام تبقى ارقام حكومة.. ارقام رسمية.. وبين الأرقام الرسمية وبين الحقيقة هناك دائما هامش جريمة أكبر!! اما ارقام المعارضة الإيرانية فهي تتحدث عن أكثر من ٣٠ ألف قتيل.. الأرقام سلاح في المعركة السياسية!! منظمات حقوق الانسان لا زالت تدقق بأعداد الضحايا بمنهجية بحث شبه اركيولوجية.. واحدة من هذه المنظمات أعطت رقم مؤقت وهو ٧٠٠٠ قتيل.. وما يُصَعِّب من مهمة منظمات حقوق الانسان الصعبة أصلا.. هو ان "النظام العلوي" "اطفاء الضوء" اثناء ارتكابه للجريمة.. قطع الاتصالات الهاتفية والانترنيتية.. كاد المريب ان يقول خذوني!!

ولكن حتى لو اخذنا بارقام الحكومة العلوية وهي ٣١١٧ كفرضية عمل مؤقته.. نحن هنا امام أكثر من ثلاثة الاف قتيل سقطوا خلال يومين فقط!! وهذا شيء لم تعرفه إيران في كل تاريخها الحديث وربما القديم.. في تظاهرة قم عام ١٩٧٨ والتي كانت الشرارة التي اشعلت الثورة الإيرانية كان هناك ٧٨ قتيل.. اما في "مذبحة" الشيعة الكبرى في كربلاء فكان عدد القتلى ٧٢ فردا (وانا هنا اعطي "تكرما" ارقام السردية الشيعية وبالتحديد الأرقام التي استخدمها خميني سياسيا ذات يوم).. وعندما نقارن هذه الأرقام بأرقام المجزرة الأخيرة ٣١١٧.. اخذين بنظر الاعتبار المسلمة الأخلاقية في حديث: "الناس سواسية كأسنان المشط".. بمعنى ان حياة ابن حمال في البازار الإيراني تساوي حياة حفيد "نبي".. نستطيع ان نقول عندها ان يزيد ابن معاوية ويزيد هذا الزمان (الشاه).. هما "أطفال فرقة انشاد" بريئين حين نقارنهما بـقمعية "حسين هذا الزمان".

أضف الى ذلك.. ان النظام العلوي طالب عوائل القتلى بدفع الاف الدولارات مقابل تسليم جثامين "أبنائهم".. اما ثالثة الاثافي.. وفي ثقافة إيرانية انتجت بكائيات العزاء الحسيني.. فهو الإذلال الذي تعرضت له عوائل القتلى بخصوص مراسم الدفن والعزاء.. فالنظام العلوي اخذ تعهدات من العوائل المكلومة بالالتزام بمراسم دفن سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة وعدم احياء اربعينيات القتلى.. وهو شيء لم يجرؤ عليه حتى نظام الشاه.. ومراسم الدفن في مقبرة " جنة الزهراء" في طهران والتي نشرت عنها "نيويورك تايمز" مقال في ٢٦ من الشهر الماضي.. جرت تحت وابل من الشتائم من قبل موظفي مقبرة " الزهراء".. وكان هناك ضابط يقف فوق رؤوس العوائل ويصرخ بهم محذرا بعدم تجاوز الـ ٣٠ دقيقة للانتهاء من مراسم الدفن.. كما روى لـ "نيويورك تايمز" شاب حضر مراسم دفن أحد اقاربه.. وهذا الشاب اضاف غاضبا: "ان الصمت الذي تحاول السلطات الإيرانية فرضه على الناس لا يمكن له ان يستمر، وان مفردة الكراهية لا تكفي لوصف ما يشعر به الناس تجاه النظام.. هذا النظام انتهى".. هل تعرفون الان لماذا حرق الشباب الايراني حسينية "سيد الشهداء" في مدينة باكدشت التابعة لمحافظة طهران!! انه مكر التاريخ.. كما يقول هيغل.

"لا نريد حكم يزيد".. "نريد حكم عليّ".. مرحبا بكم على كوكب الأرض.. "عندما تريد الالهة عقاب انسان ما، تحقق أحلامه"!! تقول الحكمة الشهيرة الساخرة من كل تصور طوباوي ساذج للعالم.. واليوم وقد انقضت ٤٧ سنة من حكم "التشيع العلوي".. نستطيع ان نقول ان "الهة التاريخ" "حققت" حلم مهدي بازركان.. "فالنظام العلوي" الذي يحكم ايران منذ ٤٧ عاما هو النظام الأكثر دموية في تاريخ إيران.. وفترة حكمه هي الفترة الأكثر دمارا في تاريخ منطقتنا.. وعدد من قُتل من الإيرانيين فقط (حروبا واحتجاجات وغزوات لحماية مراقد "شركة آل البيت اللامحدودة").. هو أكثر مما قُتل خلال حكم الشاه الذي حكم إيران (هو وابوه) نفس المدة تقريبا.. بعبارة أخرى..ان يزيد هذا الزمان (الشاه) هو ارحم بكثير من حسين هذا الزمان (خامنئي).  

مأساة مهدي بازركان الذي قال له علي شريعتي ان هناك تشيّع صفوي سلطوي وتشيّع علوي ملائكي.. هو انه لم يكن يعرف ان خلافة عليّ ابن ابي طالب كانت الفترة الأكثر دموية في التاريخ الإسلامي.. ولم يكن يعرف ان عليّ بن ابي طالب شيّد سلطته على ثلاثة مذابح مشهورة في التاريخ الإسلامي: الأولى هي الانقلاب الدموي الذي انتهى بذبح عثمان بطريقة بشعة.. ثم مذبحة الجمل.. واخيرا مذبحة النهروان.. هذه هي المراحل التاريخية الدموية الثلاثة التي شكلت سلطة عليّ في الكوفة.. ومهدي بازركان الذي لم يسمع بـ "هارد وير" سلطة عليّ ابن ابي طالب هذا.. كان ايضا جاهلا بـ"سوفت وير" سلطة علي ابن ابي طالب في الكوفة.. وهو لذلك لم يكن يعرف ان عليّ ابن ابي طالب كان يحرق بيوت معارضيه في الكوفة ( في رواية أخرى يُشعثها!!).. ويهدمها أخرى.. ويهجرهم قسرا!!

وهذه الوقائع التاريخية لم يفهمها مهدي بازركان.. لأنه لم يكن يميز بين السردية الشيعية والتاريخ.. من هنا العمى التاريخي.. إسرائيل لم تخترع عقوبة هدم بيوت معارضيها وتهجيرهم!! ميكانزمات السلطة القمعية واحدة منذ "قابيل وهايبل"!! ومذبحة النهروان من هذا المنظور السوسيوتاريخي.. لا تختلف الا بوسيلة القتل عن المذبحة الاخيرة التي ارتكبها "النظام العلوي" في الشهر الماضي.. بالأمس "خوارج" واليوم "عملاء للخارج"!! تعددت الاسباب والقمع واحد!!

باختصار.. المهندس مهدي بازركان المختص بفيزياء الطاقة الحرارية والذي كان يريد إعادة انتاج حكومة عليّ.. لم يفهم "قوانين الفيزياء السياسية".. وبالتالي كان جاهلا بميكانيك السلطة.. لأنه ينتمي لجيل التكنوقراط المشرقي الساذج فكريا.. جيل استعار التقنية الغربية ولكنه لم يستوعب الابستيمة الفلسفية والفكرية التي انتجت هذه التقنية.. والنتيجة هي ان مهندسين وأطباء وحتى علماء ذرة.. يمتلكون عقلية اطفال في الصف الخامس الابتدائي.. مهندسون وأطباء وعلماء ذرة.. يصدقون بـ"حكايات أطفال" تقول لهم ان "طفلا اختفى في سرداب قبل اكثر من الف عام سيظهر قريبا لنشر العدل على كوكب الأرض!!

و"نيوتن أبو عمامة" (مهدي بازركان) الذي التحق برعاع خميني في بداية الثورة.. يتحمل مسؤولية تاريخية كبيرة في صعود امثال عباس محمد حسني لواجهة السلطة في ايران.. عباس محمد حسني هو اليوم رئيس هيئة التوجيه العقائدي والسياسي في الجيش الإيراني.. وقال مؤخرا إنه: "يتعيّن علينا تحديد السبل الكفيلة بتسريع تعجيل ظهور المهدي، والسعي إلى حلول عملية لا نظرية، مع إجراء بحوث تطبيقية في هذا المجال، بما يقرّبنا خطوة إضافية من ظهور المهدي".

بحوث تطبيقية لتعجيل ظهور المهدي!!!!!!!!! هزلت ورب اينشتاين!! لحسن الحظ ان "الجماعة" لا يمتلكون قنبلة نووية!!  نحن هنا امام جوهر الازمة الفكرية الإيرانية التي انتجت الثورة الايرانية.. مفاهيم علمية تلوكها "عقول" سراديبية.. نيوتن التقى صدفة بـأمثال مهدي بازركان.. وكارل ماركس بأمثال عليّ شريعتي.. ونتيجة مثل هكذا صدف تاريخية هي دائما فيزياء سراديب!!

2026/02/08

إذا اردت ان تتحدث معي عن إيران.. اجلب معك خريطة !!

في بداية الشهر الأول من سنة ١٩٧٩ وبالتحديد بين ٤ و٧ كانون الثاني.. اجتمع رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية في جزيرة غوادلوب التابعة لفرنسا.. الازمة السياسية التي كان يعاني منها نظام الشاه آنذاك كانت من بين الملفات المطروحة على طاولة النقاش.. الاحتجاجات الإيرانية ضد نظام الشاه كانت مستمرة منذ ما يقارب السنة آنذاك.. وزخمها كان يتصاعد تدريجيا.. القادة الأربعة خلصوا الى قناعة انه لا سبيل الى انقاذ نظام الشاه.. وان بقاءه في السلطة قد يفاقم الازمة ويدخل إيران في حرب أهلية.. وهذا قد يحول إيران الى جغرافيا رخوة جيوستراتيجيا

الاتحاد السوفيتي كان جارا بريا لإيران آنذاك.. وعلينا ان نعرف ان المادتين الخامسة والسادسة من اتفاقية ١٩٢١ بين ايران والاتحاد السوفيتي تعطي الحق للسوفييت بالتدخل في ايران في الحالات الاستثنائية..والقادة الغربيين كانوا يعتقدون ان الفوضى في إيران ستؤدي الى تدخل سوفيتي في إيران (بعد سنة تقريبا من هذا التقييم قام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان بسبب الفوضى السياسية هناك).. وهذا كان اخر ما يريده الغرب.. علينا ان لا ننسى بأن إيران بـ جغرافيتها الحالية هي "دولة حاجز".. رسمتها بريطانيا لمنع "الدب الروسي" من الهبوط الى مياه الخليج العربي.. الخليج في بداية القرن العشرين كان يعتبر ممرا استراتيجيا في الطريق المؤدي للهند.. النفط جاء بعد ذلك.

الامبراطوريات تنظر للعالم من منظور امبراطوري.. بمعنى ان وحدة قياس المسافات على خرائطها هي ليست وحدة الـ "كيلومتر".. وانما وحدة الـ "ألف كيلومتر".. والقادة الغربيون الذي اجتمعوا في غوادلوب آنذاك كانوا ينظرون لخريطة منطقتنا بهذا المنظور الامبراطوري.. قيمة الشاه آنذاك لم تكن بقيمة الحفاظ على إيران كدولة حاجز مع "الدب السوفييتي" .. وبهذا المعنى فان خميني لم يكن خيارا غربيا.. او عميل كما كان يقول الخطاب البعثي الساذج جيوسياسيا.. خميني كان اهون الشرين من منظور امبراطوري غربي.. خصوصا وان خميني كان قد أرسل للقادة الغربيين رسائل مطمئنة عندما كان لايزال لاجئا في فرنسا.. ولكنه لاحقا غَيَّر خطابه السياسي

بعد أيام من انتهاء قمة غوادلوب استلم الشاه "توصية" القادة الغربيين.. والشاه الذي شهد صغيرا عزل والده عن الحكم من قبل الإنكليز (بسبب ميله لألمانيا اثناء الحرب العالمية الثانية).. تذكر ما فعله ابوه حينها.. الشاه الاب.. وقبل ان يغادر للمنفى من بندر عباس على متن بارجة بريطانية.. قام بوضع حفنة من تراب إيران في صندوق وحمله معه.. لأنه فهم ان رحلته تلك كانت بلا عودة.. الشاه الابن فعل نفس الشيء.. وغادر ايران في ١٦ كانون الثاني ١٩٧٩ على متن طائرته الخاصة حاملا معه ما خف حمله وغلى ثمنه.. بعد أسبوعين من مغادرة الشاه قامت فرنسا بنقل خميني من منفاه في ضواحي باريس الى طهران على متن طائرة فرنسية خاصة.. المخابرات الغربية تتمنى للجميع رحلة سعيدة!! 

كنت صغيرا آنذاك.. ولم أكن على دراية بكل هذا الشطرنج الجيوسياسي.. كل ما كنت اعرفه عن إيران آنذاك هو وجه كوكوش.. في بغداد ذلك الزمان كنا نستقبل برامج التلفزيون الإيراني.. وكوكوش بصوتها الجميل كانت تهيمن على الشاشة الإيرانية آنذاك.. كوكوش في مخيلتي الصغيرة آنذاك كانت هي إيران.. فجأة.. "انقطع البث" واختفت كوكوش.. بعد ذلك وتدريجيا.. ظهر امامنا من خلال "الاعلام" العراقي وجه إيران الاخر.. ظهر امامنا "الجانب المظلم للقمر".. ظهر امامنا وجه خميني.. وجه عبوس لا يعرف الابتسام.. تعتليه حواجب معقوفة مخيفة.. وتحيط به لحية "انسان الكهوف".. باختصار.. جمال كوكوش "المطلق" حل محله قبح رجل السراديب المطلق.. هكذا بدت لي "الثورة الإيرانية" صغيرا !! انقلاب في "المفاهيم الجمالية"!! 

 

2026/01/07

هل سيشارك ترامب في "مراسم دفن" خامنئي ؟

 الأنظمة السياسية تموت قبل ان تسقط.. وهذا الموت السياسي الذي يميز الأنظمة الفاشلة.. يشبه ما يسمى طبيا بالموت السريري: توقف الأعضاء الرئيسية (القلب وجهاز التنفس مثلا) عن أداء وظائفها.. يترك خلايا الجسم بلا غذاء.. وفشل الأعضاء الرئيسية هذا يودي الى موت تدريجي وبطيء لأعضاء الجسم الأخرى.. والنتيجة جسم فاشل داخليا.. فاشل عضويا.. وفي هيكلية الدول يقوم الاقتصاد بدور مشابه لوظيفة جهاز التنفس في الجسم.. من هنا عبارة "الرئة الاقتصادية" التي تستخدم في الاقتصاد السياسي.. يفشل الاقتصاد تموت الدولة تدريجيا.. ونظام الملالي يختبر اليوم حالة الموت السريري.

وأفضل من دلّنا على الموت السريري لنظام الملالي هي المتحدثة باسم لجنة الاقتصاد في البرلمان الإيراني فاطمة مقصودي.. التي قالت منتقدة الاحتجاجات التي اندلعت مؤخرا في ايران: "حين يقول ترامب لنتنياهو: تعال لنشرب قهوة، فجأة ترتفع أسعار العملات. وعندما يدلي نتنياهو بأي تصريح، ترتفع الأسعار".. فاطمة مقصودي.. ومن حيث لا تريد.. تصف لنا "بشهادة شاهد من اهلها" مستوى الفشل الذي يعاني منه "جهاز التنفس" الايراني.. فعندما تفقد العملة الايرانية  ٥٪ من قيمتها.. فقط لان ترامب يدعو نتانياهو "لشرب القهوة" في مار الاغو.. او بسبب "تغريده" لـ نتانياهو.. فهذا يعني تحليليا ان نظام الملالي فقد سيطرته على الاقتصاد الإيراني.. وبالتالي فقد سيادته الاقتصادية.. وفشل "جهاز التنفس" الإيراني هذا يضع نظام الملالي في حالة موت سريري.

السؤال الان هو: هل سيشارك ترامب في "مراسم دفن" خامنئي الميت سريريا؟؟ مع ترامب كل شيء ممكن.. من كان يتصور عملية اختطاف مادورو من قلب العاصمة الفنزويلية قبل يومين!! عسكريا وخصوصا تكنولوجيا أمريكا تستطيع فعل ما تشاء اليوم.. وهي بالتالي تستطيع ان تقوم بنفس العملية في ايران التي تشترك مع فنزويلا في الكثير من الخصائص السوسيولوجية والسياسية.. شعب منقسم.. اقتصاد فاشل.. نظام متكلس أيديولوجيا.. ومنظومة امنية مخترقة حتى النخاع.

ولكنني شخصيا.. وخصوصا بعد اندلاع الاحتجاجات الإيرانية.. أتمنى ان لا يشارك ترامب بـ "مراسم دفن" خامنئي.. انا اليوم أتمنى سقوط النظام الايراني بدون تدخل خارجي.. اتمنى ان يسقط نظام ولاية الفقيه من الداخل.. ان يفشل عضويا.. فهذا النظام الذي دمر بلداننا يستحق ان يتذوق ذُل الفشل من الداخل.. ومرارة الاحتضار.. واي تدخل خارجي لأسقاط النظام سيحرمنا من مشهد الاحتضار الذي يستحقه.. ثم ان التدخل الخارجي سيجعل من خامنئي ضحية.. وبالتالي سيحوله الى "شهيد".. وهذا لن يكون على المدى البعيد.. لا في صالح إيران.. ولا في صالح المنطقة.. لهذا السبب اريد لخامنئي ان يُقتل او يطرد على يد "اهل الكوفة".. على يد اهل قم وطهران.. وكفانا الله شر عقلية الضحية وشر المظلومية الشيعية!!

 أكبر حماقة سياسية ارتكبها يزيد بن معاوية (بالأحرى بعض قادته الميدانيين) هو انه حَوّل الحسين من "رجل خفيف" (كما تصفه بعض الروايات).. كان ينكح الجواري والاماء خلال عشرين عاما في المدينة.. الى ضحية وبالتالي الى مظلوم ومظلومية لا زالت تمعن في قتل حاضرنا.. كان على "يزيد" ترك الحسين يكمل رحلة البحث عن السلطة في الكوفة.. كان على يزيد ترك الحسين يدخل معترك السياسة في الكوفة.. كان على يزيد ترك الحسين ينهار سياسيا في الكوفة.. كما انهار ابيه وأخيه الحسن من قبله.. كان على يزيد ترك الحسين يلاقي نفس مصيرهما مطعونا من قبل "اهل الكوفة".. السلطان والمظلومية لا يجتمعان!! عندها ما كنا سنحصل على شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا" الذي دمر عراقنا.. عندها كنا حصلنا على نفس الكارثة السياسية والأخلاقية التي انتجها "اتباع اهل البيت" في العراق وايران اليوم.. خرابُ في خراب في خرابِ.

باختصار.. نظام الملالي مات سريريا.. واكرام الميت دفنه "بهدوء"!! وسيكون أفضل لمستقبل إيران والمنطقة.. ان لا يشارك ترامب في "مراسم الدفن".. لأنه.. إن فَعل.. سيجعل من خامنئي ضحية عند الكثير من الشيعة.. ونحن في هذه البقعة الجغرافية الملعونة بالرعاع.. قد سئمنا من عقلية الضحية الشيعية.. سيكون من العدل تاريخيا ان يقوم "الشعب الايراني" ذو المذهب الشيعي الذي جاء بهذا العفن الفكري.. بإزالته بنفسه.. ويتحمل بذلك تبعات اعماله.. عندها سنكون بصحبة مفهوم المسؤولية.. ومفهوم المسؤولية هو النقيض الاخلاقي لِـ فكرة الضحية الكسولة التي انتجت مجتمعات معاقة أخلاقيا..  وبالتالي دول فاشلة سياسيا.