2026/02/08

إذا اردت ان تتحدث معي عن إيران.. اجلب معك خريطة !!

في بداية الشهر الأول من سنة ١٩٧٩ وبالتحديد بين ٤ و٧ كانون الثاني.. اجتمع رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية في جزيرة غوادلوب التابعة لفرنسا.. الازمة السياسية التي كان يعاني منها نظام الشاه آنذاك كانت من بين الملفات المطروحة على طاولة النقاش.. الاحتجاجات الإيرانية ضد نظام الشاه كانت مستمرة منذ ما يقارب السنة آنذاك.. وزخمها كان يتصاعد تدريجيا.. القادة الأربعة خلصوا الى قناعة انه لا سبيل الى انقاذ نظام الشاه.. وان بقاءه في السلطة قد يفاقم الازمة ويدخل إيران في حرب أهلية.. وهذا قد يحول إيران الى جغرافيا رخوة جيوستراتيجيا.

الاتحاد السوفيتي كان جارا بريا لإيران آنذاك.. والقادة الغربيين كانوا يعتقدون ان الفوضى في إيران ستؤدي الى تدخل سوفيتي في إيران (بعد سنة تقريبا من هذا التقييم قام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان بسبب الفوضى السياسية هناك).. وهذا كان اخر ما يريده الغرب.. علينا ان لا ننسى بأن إيران بـ جغرافيتها الحالية هي "دولة حاجز".. رسمتها بريطانيا لمنع "الدب الروسي" من الهبوط الى مياه الخليج العربي.. الخليج في بداية القرن العشرين كان يعتبر ممرا استراتيجيا في الطريق المؤدي للهند.. النفط جاء بعد ذلك.

الامبراطوريات تنظر للعالم من منظور امبراطوري.. بمعنى ان وحدة قياس المسافات على خرائطها هي ليست وحدة الـ "كيلومتر".. وانما وحدة الـ "ألف كيلومتر".. والقادة الغربيون الذي اجتمعوا في غوادلوب آنذاك كانوا ينظرون لخريطة منطقتنا بهذا المنظور الامبراطوري.. قيمة الشاه آنذاك لم تكن بقيمة الحفاظ على إيران كدولة حاجز مع "الدب السوفييتي" .. وبهذا المعنى فان خميني لم يكن خيارا غربيا.. او عميل كما كان يقول الخطاب البعثي الساذج جيوسياسيا.. خميني كان اهون الشرين من منظور امبراطوري غربي.. خصوصا وان خميني كان قد أرسل للقادة الغربيين رسائل مطمئنة عندما كان لايزال لاجئا في فرنسا.. ولكنه لاحقا غَيَّر خطابه السياسي. 

بعد أيام من انتهاء قمة غوادلوب استلم الشاه "توصية" القادة الغربيين.. والشاه الذي شهد صغيرا عزل والده عن الحكم من قبل الإنكليز (بسبب ميله لألمانيا اثناء الحرب العالمية الثانية).. تذكر ما فعله ابوه حينها.. الشاه الاب.. وقبل ان يغادر للمنفى من بندر عباس على متن بارجة بريطانية.. قام بوضع حفنة من تراب إيران في صندوق وحمله معه.. لأنه فهم ان رحلته تلك كانت بلا عودة.. الشاه الابن فعل نفس الشيء.. وغادر ايران في ١٦ كانون الثاني ١٩٧٩ على متن طائرته الخاصة حاملا معه ما خف حمله وغلى ثمنه.. بعد أسبوعين من مغادرة الشاه قامت فرنسا بنقل خميني من منفاه في ضواحي باريس الى طهران على متن طائرة فرنسية خاصة.. المخابرات الغربية تتمنى للجميع رحلة سعيدة!!

كنت صغيرا آنذاك.. ولم أكن على دراية بكل هذا الشطرنج الجيوسياسي.. كل ما كنت اعرفه عن إيران آنذاك هو وجه كوكوش.. في بغداد ذلك الزمان كنا نستقبل برامج التلفزيون الإيراني.. وكوكوش بصوتها الجميل كانت تهيمن على الشاشة الإيرانية آنذاك.. كوكوش في مخيلتي الصغيرة آنذاك كانت هي إيران.. فجأة.. "انقطع البث" واختفت كوكوش.. بعد ذلك وتدريجيا.. ظهر امامنا من خلال "الاعلام" العراقي وجه إيران الاخر.. ظهر امامنا "الجانب المظلم للقمر".. ظهر امامنا وجه خميني.. وجه عبوس لا يعرف الابتسام.. تعتليه حواجب معقوفة مخيفة.. وتحيط به لحية "انسان الكهوف".. باختصار.. جمال كوكوش "المطلق" حل محله قبح رجل السراديب المطلق.. هكذا بدت لي "الثورة الإيرانية" صغيرا !! انقلاب في "المفاهيم الجمالية"!! 

يتبع

2026/01/07

هل سيشارك ترامب في "مراسم دفن" خامنئي ؟

 الأنظمة السياسية تموت قبل ان تسقط.. وهذا الموت السياسي الذي يميز الأنظمة الفاشلة.. يشبه ما يسمى طبيا بالموت السريري: توقف الأعضاء الرئيسية (القلب وجهاز التنفس مثلا) عن أداء وظائفها.. يترك خلايا الجسم بلا غذاء.. وفشل الأعضاء الرئيسية هذا يودي الى موت تدريجي وبطيء لأعضاء الجسم الأخرى.. والنتيجة جسم فاشل داخليا.. فاشل عضويا.. وفي هيكلية الدول يقوم الاقتصاد بدور مشابه لوظيفة جهاز التنفس في الجسم.. من هنا عبارة "الرئة الاقتصادية" التي تستخدم في الاقتصاد السياسي.. يفشل الاقتصاد تموت الدولة تدريجيا.. ونظام الملالي يختبر اليوم حالة الموت السريري.

وأفضل من دلّنا على الموت السريري لنظام الملالي هي المتحدثة باسم لجنة الاقتصاد في البرلمان الإيراني فاطمة مقصودي.. التي قالت منتقدة الاحتجاجات التي اندلعت مؤخرا في ايران: "حين يقول ترامب لنتنياهو: تعال لنشرب قهوة، فجأة ترتفع أسعار العملات. وعندما يدلي نتنياهو بأي تصريح، ترتفع الأسعار".. فاطمة مقصودي.. ومن حيث لا تريد.. تصف لنا "بشهادة شاهد من اهلها" مستوى الفشل الذي يعاني منه "جهاز التنفس" الايراني.. فعندما تفقد العملة الايرانية  ٥٪ من قيمتها.. فقط لان ترامب يدعو نتانياهو "لشرب القهوة" في مار الاغو.. او بسبب "تغريده" لـ نتانياهو.. فهذا يعني تحليليا ان نظام الملالي فقد سيطرته على الاقتصاد الإيراني.. وبالتالي فقد سيادته الاقتصادية.. وفشل "جهاز التنفس" الإيراني هذا يضع نظام الملالي في حالة موت سريري.

السؤال الان هو: هل سيشارك ترامب في "مراسم دفن" خامنئي الميت سرسريا؟؟  مع ترامب كل شيء ممكن.. من كان يتصور عملية اختطاف مادورو من قلب العاصمة الفنزويلية قبل يومين!! عسكريا وخصوصا تكنولوجيا أمريكا تستطيع فعل ما تشاء اليوم.. وهي بالتالي تستطيع ان تقوم بنفس العملية في ايران التي تشترك مع فنزويلا في الكثير من الخصائص السوسيولوجية والسياسية.. شعب منقسم.. اقتصاد فاشل.. نظام متكلس أيديولوجيا.. ومنظومة امنية مخترقة حتى النخاع.

ولكنني شخصيا.. وخصوصا بعد اندلاع الاحتجاجات الإيرانية.. أتمنى ان لا يشارك ترامب بـ "مراسم دفن" خامنئي.. انا اليوم أتمنى سقوط النظام الايراني بدون تدخل خارجي.. اتمنى ان يسقط نظام ولاية الفقيه من الداخل.. ان يفشل عضويا.. فهذا النظام الذي دمر بلداننا يستحق ان يتذوق ذُل الفشل من الداخل.. ومرارة الاحتضار.. واي تدخل خارجي لأسقاط النظام سيحرمنا من مشهد الاحتضار الذي يستحقه.. ثم ان التدخل الخارجي سيجعل من خامنئي ضحية.. وبالتالي سيحوله الى "شهيد".. وهذا لن يكون على المدى البعيد.. لا في صالح إيران.. ولا في صالح المنطقة.. لهذا السبب اريد لخامنئي ان يُقتل او يطرد على يد "اهل الكوفة".. على يد اهل قم وطهران.. وكفانا الله شر عقلية الضحية وشر المظلومية الشيعية!!

 أكبر حماقة سياسية ارتكبها يزيد بن معاوية (بالأحرى بعض قادته الميدانيين) هو انه حَوّل الحسين من "رجل خفيف" (كما تصفه بعض الروايات).. كان ينكح الجواري والاماء خلال عشرين عاما في المدينة.. الى ضحية وبالتالي الى مظلوم ومظلومية لا زالت تمعن في قتل حاضرنا.. كان على "يزيد" ترك الحسين يكمل رحلة البحث عن السلطة في الكوفة.. كان على يزيد ترك الحسين يدخل معترك السياسة في الكوفة.. كان على يزيد ترك الحسين ينهار سياسيا في الكوفة.. كما انهار ابيه وأخيه الحسن من قبله.. كان على يزيد ترك الحسين يلاقي نفس مصيرهما مطعونا من قبل "اهل الكوفة".. السلطان والمظلومية لا يجتمعان!! عندها ما كنا سنحصل على شعار "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا" الذي دمر عراقنا.. عندها كنا حصلنا على نفس الكارثة السياسية والأخلاقية التي انتجها "اتباع اهل البيت" في العراق وايران اليوم.. خرابُ في خراب في خرابِ.

باختصار.. نظام الملالي مات سريريا.. واكرام الميت دفنه!! وسيكون أفضل لمستقبل إيران والمنطقة.. ان لا يشارك ترامب في "مراسم الدفن".. لأنه.. إن فَعل.. سيجعل من خامنئي ضحية عند الكثير من الشيعة.. ونحن في هذه البقعة الجغرافية الملعونة بالرعاع.. قد سئمنا من عقلية الضحية الشيعية.. سيكون من العدل تاريخيا ان يقوم "الشعب الايراني" ذو المذهب الشيعي الذي جاء بهذا العفن الفكري.. بإزالته بنفسه.. ويتحمل بذلك تبعات اعماله.. عندها سنكون بصحبة مفهوم المسؤولية.. ومفهوم المسؤولية هو النقيض الاخلاقي لِـ فكرة الضحية الكسولة التي انتجت مجتمعات معاقة أخلاقيا..  وبالتالي دول فاشلة سياسيا.