2007/02/24

كلية بغداد


كلية بغداد

Sports Day1974

هذا الفلم وعلى بساطته هو فلم تسجيلي .. موثق لحياة شريحة من المجتمع العراقي في منتصف السبعينات من القرن الماضي .. رغم ان الشريحة المصورة هنا لاتمثل تماما مجتمع تلك الفترة .. اعتقد ان البعد الزمني يعطيه قيمة كبيرة

هناك الكثير ما يمكن ان يقال عن هذا الفلم .. ولكنني اشعر ان الكلمات هنا ستخون تلك الصور القادمة من عراق اخر .. عراق ما قبل "عصر الجاهلية" الحالي .. ساكتفي بما تبقى من ضوء في تلك الصور لمواجهة سواد الوضاعة التي تحكم/ تقتل العراق اليوم

2007/02/13

بهما تحدينا العالم

 

عدنان ولينا " .. ابطال من زمن اخر .. كلمة سر للدخول الى عالم سحري .. كنا صغار ونحب كرة القدم اكثر من أي شيء اخر .. ولكن كان هناك استثناء .. عدنان ولينا .. نستغني عن غبار الساحة الترابية لنستنشق غبار الحلم المتصاعد من مغامرات عدنان ولينا .. عدنان ولينا او كيف يُدمر العالم ويُولد من جديد على جناح سنونو.

عدنان ولينا.. العالم بعد حرب كارثية .. عالم آلات يريد تحويل البشر الى آلات .. لم يكن بعيدا عن عالمنا...الم نكن نحن ايضا اطفال حرب ؟ الم تُحجّمنا مشاهد الحرب ؟ الم تحاول "صور من المعركة" قتل تصوراتنا ؟ الجثث المتناثرة بعد كل هجوم ايراني .. الاجساد المنتفخة .. و ذلك الاسير .. كيف ننسى صورة ذلك الاسير المربوط من معصميه بحبال تسحبهما سيارتان تنطلقان في اتجاه معاكس .. فتمزقان كتفيه .. كيف نخرج تلك الصورة من رؤوسنا .. ما يجري في العراق هو شاهد على انها لازالت راسخة ويتم تغذيتها كل يوم .. ما يجري في العراق هي اجزاء اخرى من تلك الحرب.

لحسن الحظ كان هناك عدنان ولينا ..عدنان ولينا هي قصتنا .. قصة اطفال الحرب .. الهياكل الحديدية الخارجة من عوالم مهجورة .. مدن محطمة .. طائرات مخيفة .. وجوه آلية بلا ملامح ..امام كل ذلك تقف براءة لينا ، شجاعة عدنان ، وتهور عبسي المضحك .. لذلك احببناهم بقوة .. تابعنا حكاياتهم بشغف .. صدقنا تلك الحكايات .. صدقنا عيون لينا .. تلك الجنية الرائعة .. عيون لينا كانت دوائر حلم تدور فتخرجنا من محدودية عالم الحرب .. عدنان الطفل الصياد .. عدنان ذو القوة الخارقة التي كانت تثير فينا ضحك كثير و تسحرنا لتحديها كل قوانين الطبيعة .. عدنان ولينا اروع حكايات طفل .. فن طفل راقي فيه ابعاد فهم مختلفة تناسب الصغار والكبار .. فلسفة عميقة .. رفض معسكر السلطة المُعد للحرب الملوثة والمدمرة للبيئة .. وعناق للطبيعة وللناس البسطاء .. فلسفة بيئية .. بلا شك ان من وضع تلك الحكاية هو ياباني يبكي هيروشيما .. انسان ضد الحرب .. لم نفهم تلك المعاني بهذه الدقة انذاك .. ولكننا استبطنا قيمها بلا وعي .. نحن اطفال الحرب.

طفولتنا بضعة حكايات .. عدنان ولينا كانت حكاية من تلك الحكايات .. ثم بعد ذلك بضعة صداقات رائعة .. وبضعة كتب حوتها مكتبة عامرة .. و"غابة عيون" .. كلها ساعدتنا تراكميا على حفظ "توازننا" .. عندها نمت اجنحتنا بما يكفي .. وذات "ريح" .. طرنا كما نوارس لينا ..الى ما وراء البحار .. وداعا ايها السلاح !!

لا اعرف بالتحديد من هو القائل : اعطي نصف عمري للذي يمنح طفلا باكيا ضحكة .. لطيف .. انا اعتقد ان افضل شيء يمكن ان يُقدم لطفل .. باكِ ام غير باك .. هي قصة هادفة .. قصة تبني خياله و تبنيه نفسيا .. عندها كل شيء يصبح ممكنا.. فهو عندما يعتقد بقيمة الحياة سيبني عالما افضل عندما يكبر .. ذلك ان طفلا من دون قصص محفزة على الحياة .. مثيرة لخياله و لبذرة الابداع التي يحمل .. سيكون غير قادر عندما يكبر على مواجهة العالم .. فعندما تموت مخيلة طفل .. يموت بعض عالم .. هذا ما يقوله جيمس باري مؤلف كتاب "بيتر بان" برمزية رائعة :


every time a child says, `I don't believe in fairies,' there is a fairy somewhere that falls down dead. James Barrie - Peter Pan

في كل مرة يقول فيها طفل " انا لا اصدق بوجود جنيات" .. ستموت جنية صغيرة في مكان ما .

ترى كم "جنية" تموت يوميا في العراق !!

قرأت امس ان "ايات الله" الشيطانية تريد الاشراف على مناهج التعليم في المدارس العراقية .. ترى كم من اشباح التقية سيحرسون تلك الارض القاحلة التي ستدعى عندها .. حراق !!

2007/01/21

غُلبت اصالح في عراق


بغداد شارع طويل .. شارع الرشيد .. اقدم شوارع بغداد .. هو اروعها .. هو الان شارع يحتضر كبغداد.. بغداد المدينة الحديثة ولدت ، ثقافيا و سياسيا ، في بدايات هذا الشارع .. جهة ساحة الميدان .. مظاهرات "ثورة العشرين" انطلقت من جامع الحيدرخانه .. اشهر مظاهرات العهد الملكي ضد الانكليز ايضا مرت من هنا .. ذات "رجعية" !! حين كان الاختلاف السياسي يظهر ويتظاهر في الشارع علنا .. "التقدميات" التي اسقطت تلك "الرجعية" جعلت من اقبية السجون المكان الوحيد الذي يظهر فيه الاختلاف السياسي ويغيب للابد !! المدينة ليست عمرانا فقط .. المدينة سلوكيات .. سلوكيات لم تعرفها "تقدميات" الاطراف التي زحفت تشويها للمدينة .

في بداية شارع الرشيد، جهة ساحة الميدان، هناك الكثير من المقاهي .. بلا شك هي البقعة التي تحوي اكبر عدد من المقاهي في العراق .. مقاهي الزهاوي ، حسن عجمي ، والشابندر هي اشهرها بفضل مرتاديها من المثقفين.. ولكن هناك مقهى اخر اقل حضوة عند المثقفين ..هو مقهى ام كلثوم .. كنا نسميه "مقهى السيدة" تحببا او "السيدة" فقط .. مقهى السيدة لم يكن يشبه المقاهي القريبة منه.. ففيه صوت السيدة يشجو من الصباح وحتى المساء .. وما عدا ذلك فهو مقهى بسيط .. جدران زاد دخان السكائر من بنيتها، تتناثر عليها صور السيدة ومقالات الصحف العراقية عن المقهى وصاحبه الذي يحتفظ بتسجيلات نادرة للسيدة .. وهناك ايضا صور قديمة لصاحب المقهى برفقة ام كلثوم.

عندما ابحث في ذاكرتي عن بداية علاقتي بمقهى السيدة .. اجدني برفقة صديق طفولة يكبرني ببضعة سنوات وكان يرتاد المقهى آنذاك .. سادعوه هنا "ميم" .. ميم هذا هو كردي بغدادي .. استذكر اسمه الان واستحضر اسماء اخوته .. فتنتابني مشاعر متضاربة .. قلة من اصدقائي العرب يحملون اسماء تغوص في عمق تاريخ العرب بهذا الالحاح .. اسم ابيهم ايضا قادم من طفولة الحرف العربي .. الكثير من الاكراد يحملون اسماء عربية اسلامية .. اعرف ذلك .. ولكن ان تكون كرديا وتحمل اسماء عربية تعود لما قبل الاسلام !! لا اعتقد انني طرحت على ميم مثل هذا السوأل .. وهل نطرح مثل تلك الاسئلة على اصدقاء تعودنا على ملامح وجوههم منذ الطفولة ؟ لم نكن نعطي تلك الاشياء هذه الاهمية التي تأخذ اليوم .. الاصل، الهوية هي مفردات سياسة ونحن كنا "مجتمع" .. المجتمع العراقي كان اكثر وعيا وتسامحا من ساسته في مسألة الهوية .. من كل ساسته .. القدامى وخصوصا الحاليين الذين يدمرون العراق بطائفيتهم المريضة.

في نهاية سنوات الاعدادية جلست بضعة مرات على مقاعد مقهى السيدة الخشبية .. كنت اذهب لرؤية ميم هناك .. لم يكن يعجبني مقهى السيدة في تلك الايام .. ما كان يستهويني انذاك في تلك البقعة من بغداد هو شارع / سوق ، لايبعد اكثر من مئتي متر عن مقهى السيدة .. شارع المتنبي .. "بورصة" الكتاب العراقي وسوقه الاروع .. هناك كنت اذهب احيانا برفقة بعض الاصدقاء .. وما ان ننتهي من شارع المتنبي حتى نضيع مشيا في شارع الرشيد .. صيادون في شارع "طويل".. وصولا لشارع السعدون .. عندها ندخل في مطعم ما لنأكل ونستريح قليلا .. ونخرج بعدها لنرمي اجسادنا المتعبة على مقاعد سينما سميراميس.

عندما التحقت بجامعة بغداد / باب المعظم .. اصبحت اتردد اكثر على مقهى السيدة .. قرب المكان من الجامعة ..بعض اصدقاء الجامعة من طلاب المحافظات كان يسكن قريبا من المقهى ايضا .. وهو قد اصبح في تلك الايام العنوان الدائم لميم .. كنت اذهب برفقة مجموعة من اصدقائي الطلاب .. لم نكن من "سميعة" السيدة .. نادرا ما كنا نسمع ما تقوله السيدة .. واذا سمعنا وتفاعلنا فمع اغنياتها المتأخرة .. تلك التي وزعت الحانها بآلات غربية .. سهلة التقبل لنا نحن اطفال اذاعة "اف ام" بغداد و"اوكسجين" جان ميشيل جار.. كنا نضيع في نقاشات الطلاب التي لاتنتهي.. وما ان تنتهي حتى نضيع في لعبة الطاولي وضجتها المصاحبه لرهاناتها .. الخاسر كان يدفع "الشايات" كالعادة .. رائعة عصريات تلك الايام رغم كل شيء.

البعض كان يعتبر مقهى السيدة مقهى شعبي وفيه بعض "سوقية" .. انا كنت ولا زلت احب "الشعبي" ولم تزعجني "سوقية" مقهى السيدة .. السيدة كانت "سوق" سوسيولوجي لكل شرائح المجتمع العراقي .. من العامل البسيط مرورا بسائقي الباصات العاملون في محطة/كراج الميدان للباصات القريب .. وللعاطلين عن العمل.. وللجنود وحتى للفرارية .. ولطلبة الجامعات .. ولطلبة اكاديمية الفنون الجميلة /قسم الرسم المتصيدين لوجوه رواد المقهى .. واحد من اقرب اصدقائي كان من هولاء .. جواد سليم علمهم حب "الشعبي" .. نكهة "السيدة" قياسا لمقهى الشابندر الخاص بالمثقفين تكمن هنا .. ثلاثمئة متر تقريبا تفصل ما بين مقهى الشابندر ومقهى السيدة .. وعالم من الواقع لم تعرفه "ثقافة" الشابندر المسافرة غالبا في الماضي ..عندما يتحول الماضي الى اسطورة يصبح الحاضر مبتذل.. شعبي.

في مقهى السيدة التي كان يملكها عبد المعين الموصلي (شيخ وقور يجلس بصمت ازلي خلف طاولة تمتلئ باسطوانات السيدة وجهازي الغرامافون العتيقين ).. كان هناك تقليد (اتفاق ضمني مع شيخوخة عبد المعين ).. عندما تنتهي اسطوانة ما .. يقوم رواد المقهى القدامى(السَمّيعة) بتغييرها ووضع اسطوانة اخرى .. وهولاء يفضلون غالبا اغاني السيدة الشرقية القادمة من عصر ما قبل "امبريالية" الآله الغربية التي "استولت" على حنجرة السيدة بقيادة "الجنرال" عبد الوهاب .. "سَمّيعة" السيدة كانوا يفضلون السنباطي شيخا لهم .. ارتياد مقهى السيدة ، وبمرور الوقت، جعلنا نستبطن بلا وعي موسيقى السنباطي .. اصبحنا ومن دون دراية "ميلومانات" لموسيقى السنباطي.

يبدو ان تلك البقعة من بغداد قد اصبحت شبه مقفرة الان .. ويبدو ان شارع الرشيد قد فقد معالمه وخطوات محبيه .. كما هو حال عموم شوارع بغداد .. الى متى ستصمد السيدة في عصر اللطمية هذا .. سيكون من الرائع ان تستمر في الغناء في مثل تلك الظروف.

رائعة "غُلبت اصالح في روحي" في شتاء بغدادي مع استكان شاي وبرفقة "شلة العباقرة" .. "ميم" كان يعشق موسيقى "حديث الروح" .. السنباطي صوفياً .
 

2007/01/11

الحجاج يدق الباب من جديد


قبل ايام التقيت الحجاج .. شاهدته يطرق ابواب رؤوس ارهقتها خساراتنا المتتالية .. نعم التقيت الحجاج على صفحات الجرائد وفي كلمات كتاب عراقيين وعرب لا بل وحتى غربيين .. استذكرته خطبة بليغة حفظناها في المدارس .. خطبة تكمن في سحرها الخطابي معاني قمع مدمرة .. حفظناها ونحن صغار فهزمتنا ونحن كبار .. وها هو الحجاج يزورنا من جديد .. كل هزيمة والحجاج بخير!!

التقيت الحجاج في كلمات الكثير من الكتاب العراقيين بهيئة استكانة تجتر مقولات التاريخ لتشرح عنف الحاضر .. ترى لماذا كل هذا العنف في العراق ؟ سؤال مشروع .. ولكن اجابة كتاب الاجترار تخون السؤال لأنها جاهزة : هذا هو العراق منذ خمسة الاف سنة ، البعض يزايد ويذهب نحو سبعة الاف .. لا باس ماذا بعد .. العراقي بدوي بطبعه ومن هنا عنفه .. طبيعة عراقية عنيفة ازلية .. فعنف ازلي.

والتقيت الحجاج في كلمات بعض الكتاب العرب .. وخصوصا من رهنوا اقلامهم لحجاج يحكم او شيخ يلطم .. التقيته في كلماتهم بهيئة جهل كبير بالتاريخ .. تاريخهم .. وبعض شماتة و تشفي بالعراق المحتضر .. العراق حتى وهو يحتضر يذّكرهم بعارهم .. بخياناتهم اللامتناهية لقضايا العرب ولشعوبهم من اجل حفنة من الدولارات : هولاء العراقيين اهل شقاق ولايحكمهم الا حجاج سفاح.

والتقيت الحجاج عند بعض الكتاب الغربيين قبل ايام .. في كلماتهم كان الحجاج يختفي خلف مفردات القانون والديمقراطية وحقوق الانسان التي ترفض عقوبة الاعدام .. ولكن هذه الكلمات الساطعة لم تستطع اخفاء ملامح الحجاج .. فحوى كلماتهم امام عنف الجلادين الجدد تقول : قضية خاسرة هم العرب .. سيوف وحبال .. والرقاب واحدة.

ليس غريبا ان ترى الحجاج للمرة الالف في كلمات الكثير من الكتاب العراقيين .. فمنهم من لم يخرج بعد من عباءة المُلا .. وهذا الصنف لايعرف من التاريخ غير خطب وخطابة وقوالب كلام جاهزة ومجترة .. ومنهم من لم يذهب في دراسة الماركسية ابعد من شوارب ستالين وقمعيته "المبسطة" للاجساد وللأرواح .. ومنهم من خرج من عباءة الملا فاحتضنته بنيوية المقاهي التي يمنعها دخان السكائر من رؤية التاريخ .. بنيوية المقاهي .. "جينات" ازلية .. وعنف الجينات : من الحجاج الى اليوم العقلية واحدة اذا العنف واحد .. بنيوية المقاهي هي تاريخ ذهب في اجازة طويلة الامد .. تاريخ مستقيل ..عندما لانفهم عالمنا لايبقى امامنا غير خيار الاجترار لمقولات التاريخ او الاستقالة عن الواقع .. وما اكثر استقالاتنا التي وضعت العراق في كف عفريت امريكي وكف عمامة .. وما اكثر الاجترار هذه الايام.

وليس غريبا بعد ذلك ان تجد الحجاج في كلمات بعض الكتاب العرب .. هم صنفان .. صنف "يسوّد" اوراقه وبالتالي الواقع ، بأمر الحاكم الان .. وهولاء لاننتظر منهم معرفة .. فعندما يباع القلم يفقد شرعيته المعرفية .. وصنف اخر تهيمن دكتاتورية عاطفته على بقايا عقله .. وهولاء يبكون في حضرة التاريخ واحداثه .. والتاريخ يحتاج لمن يحلل الظروف التي انتجت احداثه .. لا لباكٍ على الاطلال او لطّام على المواجع.

وانا اخير لااستغرب ازدراء ذلك البعض من الكتاب الغربيين .. كلما اصادف هكذا غباء مزدري .. اتذكر ما قاله برنارد لويس لـ بوش .. عندها لا يدهشني شيء .. برنارد لويس هو مستشرق مقروء جدا في الغرب ومسموع داخل الحلقة التي تخطط لبعثرتنا و لهيكلتنا على شكل امارات تابعة .. هل تعرفون ماذا قالت معرفة برنارد لويس عن العرب لبوش الذي بعث يستشيره بعد احداث 11 ايلول: " برأيي ان احد الاشياء التي يجب ان تقوم بها ضد العرب هو ضربهم بين عيونهم بعصا طويلة .. فهم يحترمون القوة" .. هكذا تكلمت قمة "المعرفة" الاستشراقية .. هل نستغرب غباء القعر!!

عندما تردد على شخص ما قول ما ولفترة طويلة فانك ستنتهي باقناعه بذلك .. المشتغلين في حقل التربية والدعاية يعرفون تلك الحقيقة .. وكثيرون منا قد هزمتهم الحجج المجترة لمقولات التاريخ .. كثيرا ما سمعنا عراقي او عربي يردد وبحتمية مهزوم ان ما يحصل له هو بسبب طبيعة عرقه او ثقافته ، او انها عقوبة الهية .. ومسؤولية المنبر و "كتابنا" في هذا الخصوص كبيرة .. ارهاب فكري ان تردد على انساننا البسيط كل مرة انه خروف قاصر ولا يفيده غير حجاج "يسهر" على الرقاب .. وارهابي ذلك المنبر الذي يُحّمل المستضعفين جريمة حدثت قبل الف وثلاثمائة سنة ( ليس في الاسلام خطيئة كما هو الحال في المسيحية يا عمامة) .. وارهابي ذلك " المفكر" العراقي او العربي المشتغل في "معاهد السلام الامريكية" المُعدّة للحروب ، والذي يبث تصورات تحقيرية لاخيه العراقي او العربي .. ويحمله مسؤولية العنف السائد في العراق او في المنطقة .

لا ، لا .. العنف ليس حصرا على العراقيين ولا على العرب كما يردد علينا بعض كتابنا .. او كما حاولت وتحاول ان تلقنهم العقلية الاستشراقية .. كل الثقافات قتلت تحت ظروف معينة .. لن نذهب الى عصور الظلام الاوربية حيث المحارق الهمجية للنساء .. سنكتفي بالتاريخ المعاصر .. في الحرب العالمية الثانية .. الياباني قد تصرف بهمجية لامثيل لها عند احتلاله للصين .. و الالماني الذي كان قمة الغرب الفكرية ، قد تصرف ايضا ببشاعة تجاه البلدان المحتلة .. امريكا وخلال قرن تأسيسها الاول قد قتلت 20 مليون من سكان امريكا الاصليين .. وهي بذلك قد قتلت في قرن ما قتلناه نحن في قرون .. العنف لا يعرف حدودا ثقافية .. هو ليس انتاج طبيعة ثقافية معينة ... هو نتاج ظروف تاريخية محددة .. وهذا ليس تبريرا للعنف السائد حاليا في العراق او في اماكن اخرى .. ولكنها محاولة فهم وتحييد للصور وللتصورات التي يحاولون لصقها بنا فقط .

منطق القوة يفهمه ويخافه ويحترمه كل البشر .. العنف لغة كونية .. كل دارس لحقل الانثروبولوجيا يعرف ذلك المشترك الكوني بين البشر .. القوة ومنطق العنف الذي تتضمن هو في اساس كل التنظيمات الاجتماعية وهو حاضر في كل الثقافات .. والعراقيون او العرب ليسوا وحدهم من يهاب او يحترم القوة .. وليسوا وحدهم من انصاعوا لجنرالات الحرب او لحجاجيها .. لولا القوة ومنطق العنف الذي تتضمن لما نجح مشروع الدولة في الغرب .. نعم الدولة هي في جوهرها عنف منظم قد نجح وشرعن نفسه .. هكذا تكلم ماكس فيبر وعرّف مفهوم الدولة .. و سكان الجنوب الامريكي هم على حد علمنا ليسوا عربا بل هم اوربيون اريون .. وهم يحترمون "المسدس" اكثر من ابائهم .. وقد تم اخضاعهم وضمهم بالقوة الى الامبراطورية ابان الحرب الاهلية الامريكية .. ويابان الساموراي تحترم القوة و تم اخضاعها بالقوة .. والمانيا الآرية ، التي كونها بسمارك، تحترم القوة وقد تم اخضاعها بالقوة لا بحجج كانط او هيجل الفلسفية.

نحن لا نكرر التاريخ وعنف التاريخ لا ننا ذوي طبيعة عنيفة تجد اصلها في ثقافة عنيفة .. العنف يتكرر لاننا لازلنا نعيش ظروف تاريخية مولدة للعنف .. الانسان في كل مكان وزمان عندما يعيش نفس الظروف القاهرة فهو سينتج نفس السلوك العنيف .. انت لاتتعصب وتقتل لانك بدوي ، عراقي ، عربي ، انت تفعل لانك انتاج ظروف تجعلك تقتل .. بعض جيران العراق من هم اكثر بداوة .. ولكنهم لاينتجون عنفا مماثل .. لماذا لاننا في العراق نقف على صدع ثقافي جيوسياسي (حدود ثقافات عربية ، تركية ، فارسية ) .. نعم ما يفرق بين لا استقرار العراق المزمن وبين "استقرار" سلطنة عُمان .. هو ايضا عامل جغرافي .. ان تكون حدودك بحار وربع خالي .. ليس كما لو كنت بمواجهة سيل من الثقافات والاصول والاعراق كما هو حال العراق على مدى التاريخ.

ثم بعد ذلك .. ان يكون لك ثروات كبيرة فهذا سيزيد الاطماع ومحاولات التدخل الخارجي .. كثير من صراعات الاسلام الاول، والتي انتجت فيما بعد الفوضى في العراق ، بدأت صراعا على بستان قريش، كما كانوا يسمون العراق انذاك ، بين المتنازعين من قريش على السلطة .. واليوم في العراق نفط كثير .. "بستان نفط" هو العراق اليوم .. من هنا التدخلات الخارجية .. ومن هنا الصراع والفوضى والعنف المستشري .. بلدان كالعراق وبتنوعها وغناها ترتقي القمم عندما يتوفر لها الاستقرار.. وهي تسقط سقوط مدوي عندما تعم الفوضى .. ليس بسبب طبيعة عنيفة ازلية .. وانما بسبب تنوع المكونات الداخلية وتنوع المؤثرات الخارجية التي تحيط به و تعدد الرهانات على ثروات العراق .. نجد هنا بعض اسباب الازمة التاريخية والحاضرة في العراق .. ظروف تاريخية متشابهة تنتج ازمات متشابهة ، فوضى متشابهة وعنف لايختلف عن القديم الا بوسائل القتل.

خلاصة القول .. لو شهد بلد ما ما شهده العراق والانسان العراقي خلال الثلاثين سنة الاخيرة .. لخاض ذلك البلد ما يعادل ثلاثون حربا اهلية وليس واحدة فقط .. حتى في ارقى بلد في العالم ، عندما تخلق ذلك الفراغ الامني المخيف فسوف تعم الفوضى .. يكفينا استحضار ما حدث في الجنوب الامريكي بعد مرور الاعصار كاترينا .. غياب الامن لمدة ثلاثة ايام كان كفيلا باعادة بعض مدن الامبراطورية "المتحضرة" الى القرون الوسطى .. والعراق قد صمد امام حصار قاتل لمدة ثلاثة عشر عام ، والعراقيون قد عاشوا ثلاثة حروب مدمرة .. و ما يقرب اربع سنوات الان من غياب تام للسلطة وللامن .. ربما يعتقدون اننا ملائكة !!

لا، لا، لا.. نحن بشر .. نحن اكلوا خبز قبل كل شيء كما يقول فلاسفة اليونان .. ولا نختلف عن الاخرين الا بموقع بلدنا "القائم" على صدع جيوسياسي .. الانسان في كل ثقافة وفي كل دين وفي كل قارة عندما تجوعه ، تحرمه ، تهينه ، تذله .. فسلوكه سيتأثر بهذة الحرمانات لانسانيته .. وهو تحت وطئة تلك الظروف قد يقتل ، ينهب ، يدمر ، يتصرف بهمجية ، يقطع الرقاب ، وينتقم حتى من ذاته .. الآري في القرون الوسطى لم يكن أفضل من العراقي او العربي في نفس الفترة .. وهو حتما ليس افضل منه في العصر الحديث .. في اسبانيا الثلاثينات والمانيا الاربعينات .. كما في يوغسلافيا السلافية التسعينات .. كان هناك قتلة كثر ودماء كثيرة .. في لبنان السبعينات ، في جزائر التسعينات و كما في عراق اليوم .. كانت هناك بنادق وسكاكين تقتل وكانت هناك للأسف دماء كثيرة .. ظروف الفوضى واحدة والقتل واحد رغم اختلاف الامكنة والتاريخ والثقافة.

2006/12/18

ما قالته الفأرة للفيل

هناك مؤتمر مصالحة اخر .. يقال ان القوى المؤثرة في المقاومة لم تحضر.. ولكن هناك معلومات عن حضور وفد صغير يمثل كبار ضباط الجيش السابق .. ترى هل هناك جس نبض متبادل .. حضور خفي وتصريحات مستحية عن فتح باب الخدمة امام" الحرس القديم" .. المفاوضات السرية تبداء دائما بسقف منخفض يهيء الارضية والنفوس .. ماذا عن انسحاب العمامة الصدرية .. هل هو حقا بسبب حضور عناصر "بعثية" (كل من يختلف مع العمامة الصدرية هو "بعثي" رغم ان اغلب كوادرها هم من البعثيين !! عجيب امور غريب قضية) .. ام هو بسبب مشروع الاقصاء من بعض الوزارات بناء على طلب العم سام .. الصورة معتمة يصعب رؤية تفاصيلها.. هل ما زال هناك متسع من الوقت لتجبير خواطر متكسرة .. يا مصانع "الجبس" اغيثي.

هناك تحركات كواليس متسارعة في بغداد كما في واشنطن .. وهناك مشاريع جبهات جديدة وتكتلات اقصائية اخرى ومشاريع انقلابات مؤجلة .. ومؤتمر المصالحة هذا وتوقيته فيه اشارات، ان تأكدت، فهي توضح مفترق طرق في السياسة الامريكية .. ان تعود مطالب ضباط الجيش العراقي السابق، والتي لازالت تسمى "بعثية" ، الى قصر المؤتمرات وان تناقش هذه المطالب في لجان البرلمان .. هذا معناه ان بعض دوائر القرار الامريكية، وخصوصا الكوادر القديمة في وزارة الخارجية والسي أي اي، قد نجحت قليلا في تحريك مقود الآلة الثقيلة التي استحوذ عليها البنتاغون سابقا .. امريكا امبراطورية وحركات عجلتها السياسية الضخمة تحتاج الى فضاء واسع والى وقت اطول لكي تستدير .. في التحركات الاخيرة هناك ما يشبه بداية التفاف على المحور يسبق عادة الانطلاق في اتجاه اخر .. من يدري.

من كل تلك الضوضاء هناك معطى واحد لاغبار عليه .. معطى واضح كما الشمس ولا يغطى بغربال .. "العملية السياسية" في عراق ما بعد صدام والتي اشرفت امريكا على تزويقها قد فشلت وبانت كالحة بعيوبها.. هذا ما يقوله ولايقوله بشكل مباشر تقرير بيكر/ هاملتون .. نعم في العراق "عملية سياسية" لاتعمل .. وهي ان عملت على شيء فهو تدميرها للنسيج الاجتماعي العراقي .. تلك الحقيقة يعرفها المواطن العراقي العادي منذ السنة الاولى للاحتلال .. بارونات الحرب الامريكية احتاجت الى مايقرب الاربع سنوات لكي تتقبل على مضض هذة الحقيقة .. تقرير بيكر/هاملتون ما هو الا ذر رماد في العيون .. وكل المشاكل التقنية التي يقدمها التقرير كاسباب للفوضى وكل التقديرات اللوجستية التي يقدمها كحلول ما هو الا ذر رماد في العيون .. الفشل سياسي قبل ان يكون امني.

علينا ان نتذكر بأن الساسة هم اناس لايقولون دائما ما يفكرون به او ينوون فعله .. هذا هو درس ميكيافيلي للامير .. اللقاءات المكوكية الاخيرة ، اصطفافات الساسة العراقيين امام البيت الابيض ، التصريحات السياسية المستحية من واشنطن مرورا بلندن فبغداد .. ربما تدل على ان "الفيل" قد استمع الى ما قالته "الفأرة".. يقال ان جيمس بيكر واثناء اعداده لتقريره الاخير التقى طارق عزيزالمعتقل "ليستشيره"..البعض يقول ليستخدمه كوسيط مع البعثيين .. اتصور شماتة طارق عزيز وهو امام بيكر .. اتصور كلام "الفأرة" المعاتبة "للفيل" : الذنب ذنبك يا فيل .. لم ترضى بشوارب صدام فحصلت على لحية "الملا" .. قلت لك ذلك كثيرا فيما مضى ولكنك لم تستمع لنصيحتي .. لك الان ان تختار بين "شوارب البعث" او لحى الملالي .. وشارب واحد افضل من عشر لحى على المنبر تتشابك في حيص بيص .. وانت قد جربت الاثنين الان وعليك ان تختار .. اعرفك براغماتيا يا فيل .. اذا لا تتعب نفسك فهذا العراق ليس فيه غير شوارب ولحى.

نعم .." الشوارب" البعثية فعلت كل ما في وسعها لكي يصل العراق الى هذا الفقر في البدائل : اما شوارب او لحى .. العراق الذي يحوي اكبر نسبة مهندسين في المنطقة قياسا لسكانه (وهذه ليست جملة خطابية ولكنها مؤشر يستخدمه اخصائي التنمية في الامم المتحدة كمعيار للكفاءة البشرية) حولته سياسة الارض المحروقة الصدامية الى خواء سياسي : فانعدام حقل سياسي عراقي هو ما مكن العمامات من الاستحواذ على الشارع العراقي.

في السياسة الامريكية الحسابات والخطط جاهزة ولا شيء يأتي صدفة .. وهذا لايعني، لحسن الحظ او لسوءه، ضرورة نجاح تلك الحسابات والخطط .. خسارة "الفيل" امام "الحمار" في الانتخابات النصفية للكونغرس الامريكي كانت متوقعة منذ فترة طويلة ولجنة بيكر/ هاملتون كان يراد لها ان تكون "مظلة انقاذ" تحفظ ماء وجه "الفيل" الساقط في "مستنقع" العراق .. تراي اند ايرور .. اخطأ وجرب من جديد .. هو جوهر العقلية الامريكية البراغماتية .. حقل تجارب عندهم هو حقل السياسة العراقية .. فئران تتبع فئران .. ارى فئران قد شاخت وحان وقت طردها .. ويحكى ان هناك "فأر بلا شوارب" مستعد للانقلاب .. والحبل علجرار.

آه وآه يا وطن .. تحيط بك البنادق من كل الجهات .. وانت محاصر باغبياء يمتلكون اسلحة كثيرة وعقول صغيرة .. فيّلة وحمير وفئران .. لك الله يا وطن.

2006/12/10

PowerPoint وشاي ابو الهيل وتمر

قرأت االبارحة مقالة لامريكي من اصل يهودي عراقي .. دلني عليها زياد (مدون عراقي) خلال نقاشنا في حقل التعليقات بخصوص مقالتي السابقة .. مقالة رائعة جدا، تحكي قصة محاولة استيراد تمر عراقي الى امريكا .. اكتشفت من خلال قراءتي لقصة راكوفيتز ان اصل تمر كاليفورنيا هو عراقي وهو حصيلة خلط فسائل اربعة اصناف من التمر العراقي .. هذه المعلومة الجديدة ذكرتني بحادثة " تمر" اخرى عشتها هنا في سويسرا.

قبل اربع سنوات دعتني زميلة جامعة سويسرية الى تقديم عرض /محاضرة عن العراق .. زميلتي كانت مكلفة من قبل منظمة تعنى بالمعاقين الشباب الى اعداد برنامج ثقافي ترفيهي/ تعليمي لهذا النوع من الجمهور.. وكانت لديها فكرة تقديم خمسة عشر بلدا كعينة تمثل قارات وثقافات العالم .. على ان يقدم هذه البلدان اشخاص من تلك البلدان .. وسألتني ان كنت مستعدا للمشاركة وتقديم العراق في هذه الفعالية .. لكي تضيف العراق الى لائحة تلك البلدان .. وانا لا افوت فرصة للحديث عن العراق .. فوافقت ولكن وبصراحة كنت وقتها خائفا امام هذا النوع من الجمهور الذي يتطلب منك عناية وجهدا اكبر .. كان من ضمن البرنامج ان نجلب شئ للتذوق مصدره البلد الذي نمثله .. شيء يؤكل او يُشرب لكي يتذوقه الحضور ولكي يكون البلد حاضرا حضور "مادي" .. قدمت بلا تردد عرضا بالصور من خلال برنامج "باور بوينت" .. و اخترت .. وبقليل من التردد .. ان اعد لهم شاي عراقي .. شاي ابو الهيل.

النتيجة كانت مرضية للحضور الذي اعجبه طعم الشاي العراقي وطريقة العرض بالصور.. زميلتي قالت لي فيما بعد انني كنت الوحيد من بين المحاضرين الذي استخدم العرض بالصور من خلال سلايدات برنامج "باور بوينت" وهذا قد اعجب الحضور كثيرا .. لم اشك في قدرة هذا البرنامج على مخيلة هذا النوع من الجمهور ولذلك اخترته .. ولكنني كنت اخاف ان لايعجبهم طعم شاي ابو الهيل القادم من كوكب اخر.. ولكنهم احبوه .. مفاجأة رائعة .. وهذا افرحني اكثر من اعجابهم بطريقة العرض ببرنامج باور بوينت "الامريكي".. لم اكن مستعدا لخسارة اخرى امام امريكا و"برامجها" .. كنت ابحث عن التعادل على اقل تقدير في هذه المواجهة الرمزية .. في ذلك الوقت كان الحصار الامريكي يقتل اطفال العراق واردت الانتقام رمزيا .. التعادل كان انتصارا للعراق .. ان لايخسر شاي ابو الهيل امام باور بوينت .. مجرد انه لم يخسر .. كان انتصارا.

قبل سنتين اعادت المنظمة المذكورة نفس البرنامج الثقافي .. وزميلتي لم تكن مشرفة على النشاط هذه المرة .. ورغم انهم غيروا لائحة البلدان ولكنهم احتفظوا باسم العراق ضمن البرنامج .. فرحت كثيرا لذلك .. دليل اخر على انتصار العراق الرمزي .. في زمن الخسارة الاكثر مرارة .. قدمت نفس العرض تقريبا ..وأضفت شيئين جديدين في محاضرتي .. موسيقى منير بشير للاستماع .. كنت قد سمعت ان موسيقى منير بشير تستخدم في مستشفيات كوبا ( وكوبا متطورة جدا في مجال الطب) كنوع من العلاج لتهدئة الاعصاب .. فقلت لاجرب العود العراقي لتهدئة اعصاب هذا الحضور المتعب الأعصاب قليلا .. صوت عود منير بشير في قاعة شبه معتمة .. سكينة .. نجح العود العراقي في الاختبار.. ولكنني فشلت فشلا ذريعا في اختبار اخر .. جلبت معي هذة المرة .. تمر للتذوق .. السوق السويسري لا يحوي تمر العراق .. ولذلك كنت مجبرا على شراء تمر ظننت انه تونسي عندما اخذته على عجل من سوق قريب لمكان إلقاء المحاضرة .. التمر التونسي له حضور حلو وكبير في سويسرا .. التمر الذي اخترته كان قريب جدا لشكل التمر العراقي .. وهو مغلف بصورة جذابة ولهذا سحبته بقوة .. دفعت المبلغ سعيدا .. وخرجت مسرعا.. ولكن .. التمر الذي جلبته لم يعجب الحضور .. أحزنني ذلك .. محزنة خسارة التمر امام "باور بوينت .

بعد فترة مررت بنفس السوق .. وشاهدت التمر الذي خسر امام باور بوينت .. وعندما تفحصت جوانب غلافه بدقة وجدت ان مصدره كاليفورنيا .. ازعجني هذا الاكتشاف في البداية .. كيف ارتكبت تلك الخيانة البلهاء .. "تمر العدو" في محاضرة عن العراق الذي يخنقون .. اردت لها ان تكون مواجهة رمزية مع العدو .. بعد ذلك قلت لنفسي مبررا.. وعلى طريقة الخونة الفاشلين عندما يبررون .. كان تمرا امريكيا لذلك فشل في الاختبار .. واحتفظت بابتسامة عريضة .. وخرجت من السوق.

بالامس فقط عرفت من قرأتي لمقالة راكوفيتز ان تمر كاليفورنيا هذا هو في الاصل تهجين لاربعة فسائل عراقية مشهورة : البرحي والزهدي والخضراوي والحلاوي.. ترى هل لهذا السبب ادهشني تمر كاليفورنيا الذي اشتريته لمحاضرتي انذاك .. محاولة الامريكي بخلق نوع تمر افضل من التمر العراقي .. هي محاولة تثير الاعجاب .. وهي قد خلقت فصيلة اكثر مقاومة للزمن .. ضرورة تجارية مهمة للامريكي .. ولكنها فشلت في منافسة حلاوة ومذاق التمر العراقي .. نسوا ان من يسقي النخل في العراق هما دجلة والفرات .. وهما حين يلتقيان في القرنة/ موقع جنة عدن كما يعتقد العراقيون .. ينتجان تمر من الجنة .. تمر البصرة.

يفشل الامريكي عندما لايفهم تلك الحقيقة البسيطة .. تمور كانت ام اوطان .. " مكونات الارض الاصلية" هي من تعطي الارض قيمتها و مذاق ثمارها .. في التمر كما في السياسة .. تفشل امريكا امام العراق .

2006/12/06

وما ادراك ما بغداد .. الى سمير نقاش

قبل ايام كنت جالسا مع صديق سويسري .. تحدثنا فيما تحدثنا عن الوضع الكارثي في العراق وعن جحيم بغداد اليوم .. وفي لحظة مرارة، قلت له ان بغداد في بداية القرن الماضي كانت اكثر كوزموبوليتانية من باريس في نفس الفترة التاريخية .. ضحك صديقي على هذه المقارنة التي بدت له فنطازية .. وظن انني استفزه مازحا بمثل هذا القول .. غير معقول كيف لمدينة فقيرة كبغداد ان تكون اكثر كوزموبوليتانية من اغنى عواصم العالم واكثرها كوزموبوليتانية انذاك .. اتصور ما كان يدور في رأس صديقي المؤدب جدا.. بغداد .. باريس .. كيف لكريم ان يجروء على مثل تلك المقارنة المفعمة بالادعائية .

حجتي كانت بسيطة وهي غير كاملة حتى .. ولكنها لصديقي المتسامح جدا كانت اكثر من مقنعة .. اكتشاف مذهل كانت تلك المعلومة له : المدينة العراقية كانت وحتى بداية الخمسينات من القرن الماضي تضم اكبر "تجمع" يهودي في الشرق .. وثلث سكان بغداد في بداية القرن الماضي كانوا من العراقيين اليهود .. حتى نيويورك اليوم ، وليست فقط باريس ذلك الزمان، لاتستطيع مجاراة بغداد في ذلك .. مدن الغرب عرفت حديثا التنوع الكوزموبوليتاني : تنوع الاصول العرقية والثقافية وخصوصا الدينية .. مدن الشرق الكبيرة تعرف ذلك منذ قرون .. تنوع ديني عرقي وطائفي لا مثيل له .. المستشرقون درجوا على تسمية هذا التنوع : تشظي ثقافي ، شقاق اجتماعي، هجين غريب ..الأن نعرف ورغم كل شيء انه كان اروع تسامح.


استخفاف صديقي السويسري في البداية وضحكته الغير مصدقة.. يمكن فهمهما بسهولة .. كيف له ان يصدق ذلك وهو يرى "سكان" بغداد يحرقون اطفال بعضهم بعضا وبوحشية تجعلنا في عيون الغربيين عبارة عن مجاميع من البرابرة السفاحين.

شرحت لصديقي التكوينة العمرانية والتاريخية لبغداد .. وايضا تركيبتها السكانية الحالية بعد الهجرات الداخلية المتتالية بعد قيام الدولة الحديثة .. وقلت له من يقتل بغداد اليوم.

ليسوا سكان بغداد من قتلوا بغداد خلال الثلاثين سنة الماضية ويقتلون بغداد اليوم .. احزمة الفقر التي اتت من الارياف ومن البوادي وباعداد لاتستوعبها حتى تخطيطات وخطط مدن كنيويورك .. وظلوا يحسدون تلك المدينة التي استقبلتهم كما تستطيع .. احزمة الفقر هي من تقتل بغداد اليوم .. سكان بغداد الاصليون لايفعلون ذلك .. تسامحم خرافي و"اريحيتهم" مدهشة.. لقد هاجر الكثيرين من سكان بغداد .. والقتلة والحرامية اليوم يبتزون ويهجرون من بقى من سكانها.

عادة ما ينهب ويقتل الفقرانتقاما .. قبل اشهر انتقمت احزمة الفقر من باريس المترفة .. قبل سنوات فعلت احزمة الفقر حول لوس انجلوس ونيويورك نفس الشيء.. احزمة الفقر نهبت بغداد انتقاما من آلقها ويحرقونها اليوم انتقاما من تسامحها .. مهما كان السبب المعلن سياسيا عن نهب واغتيال بغداد اليوم .. السبب السوسيولوجي /الفقر هو اهم الاسباب ..الشعار السياسي الطائفي يركب على موجة الفقر لكي يزيد الانتقام انتقاما اخر من مدينة السلام .. بغداد .

وهذا لايعني ان كل سكان احزمة الفقر مشتركين في ذلك ولكن اغلب من يشتركون في جريمة اغتيال بغداد من المليشيات وعلى قلتهم قياسا لاغلبية سكان احزمة الفقر ، هم من احزمة الفقر.. المليشيات في كل مكان وفي كل الحروب تتكون في الغالب من الفقراء المعدمين .. يعطونهم خبز .. ويرمونهم في نار الحروب كوقود .. وهذا النوع من "الفقراء" لايفكر حتى بأمه وابيه.. فكيف بمدينة يسكن في اطرافها ويحسد "وسطها".. شهوة الفقير المحروم .. اغتصاب وقتل.
~ ~ ~ ~ ~ ~
سمير نقاش هو اديب من يهود العراق، غادر العراق وهو طفل، ورغم انه عاش بعد ذلك في اسرائيل ولكنه استمر بالكتابة بالعربية واصر على ان يكتب مؤلفاته بالعربية ايضا حبا بالعراق وتأكيدا لانتمائه كما يقول الى "اصلي العراقي". 

بخصوص احصائيات سكان بغداد ونسبة اليهود فيها انظر كتاب حنا بطاطو صفحة 248
Batatu, (Hanna), The old social classes and the revolutionary
movements of Iraq, Princton, 1978.