قبل ايام كنت جالسا مع صديق سويسري .. تحدثنا فيما تحدثنا عن الوضع الكارثي في العراق وعن جحيم بغداد اليوم .. وفي لحظة مرارة، قلت له ان بغداد في بداية القرن الماضي كانت اكثر كوزموبوليتانية من باريس في نفس الفترة التاريخية .. ضحك صديقي على هذه المقارنة التي بدت له فنطازية .. وظن انني استفزه مازحا بمثل هذا القول .. غير معقول كيف لمدينة فقيرة كبغداد ان تكون اكثر كوزموبوليتانية من اغنى عواصم العالم واكثرها كوزموبوليتانية انذاك .. اتصور ما كان يدور في رأس صديقي المؤدب جدا.. بغداد .. باريس .. كيف لكريم ان يجروء على مثل تلك المقارنة المفعمة بالادعائية .
حجتي كانت بسيطة وهي غير كاملة حتى .. ولكنها لصديقي المتسامح جدا كانت اكثر من مقنعة .. اكتشاف مذهل كانت تلك المعلومة له : المدينة العراقية كانت وحتى بداية الخمسينات من القرن الماضي تضم اكبر "تجمع" يهودي في الشرق .. وثلث سكان بغداد في بداية القرن الماضي كانوا من العراقيين اليهود .. حتى نيويورك اليوم ، وليست فقط باريس ذلك الزمان، لاتستطيع مجاراة بغداد في ذلك .. مدن الغرب عرفت حديثا التنوع الكوزموبوليتاني : تنوع الاصول العرقية والثقافية وخصوصا الدينية .. مدن الشرق الكبيرة تعرف ذلك منذ قرون .. تنوع ديني عرقي وطائفي لا مثيل له .. المستشرقون درجوا على تسمية هذا التنوع : تشظي ثقافي ، شقاق اجتماعي، هجين غريب ..الأن نعرف ورغم كل شيء انه كان اروع تسامح.
استخفاف صديقي السويسري في البداية وضحكته الغير مصدقة.. يمكن فهمهما بسهولة .. كيف له ان يصدق ذلك وهو يرى "سكان" بغداد يحرقون اطفال بعضهم بعضا وبوحشية تجعلنا في عيون الغربيين عبارة عن مجاميع من البرابرة السفاحين.
شرحت لصديقي التكوينة العمرانية والتاريخية لبغداد .. وايضا تركيبتها السكانية الحالية بعد الهجرات الداخلية المتتالية بعد قيام الدولة الحديثة .. وقلت له من يقتل بغداد اليوم.
ليسوا سكان بغداد من قتلوا بغداد خلال الثلاثين سنة الماضية ويقتلون بغداد اليوم .. احزمة الفقر التي اتت من الارياف ومن البوادي وباعداد لاتستوعبها حتى تخطيطات وخطط مدن كنيويورك .. وظلوا يحسدون تلك المدينة التي استقبلتهم كما تستطيع .. احزمة الفقر هي من تقتل بغداد اليوم .. سكان بغداد الاصليون لايفعلون ذلك .. تسامحم خرافي و"اريحيتهم" مدهشة.. لقد هاجر الكثيرين من سكان بغداد .. والقتلة والحرامية اليوم يبتزون ويهجرون من بقى من سكانها.
عادة ما ينهب ويقتل الفقرانتقاما .. قبل اشهر انتقمت احزمة الفقر من باريس المترفة .. قبل سنوات فعلت احزمة الفقر حول لوس انجلوس ونيويورك نفس الشيء.. احزمة الفقر نهبت بغداد انتقاما من آلقها ويحرقونها اليوم انتقاما من تسامحها .. مهما كان السبب المعلن سياسيا عن نهب واغتيال بغداد اليوم .. السبب السوسيولوجي /الفقر هو اهم الاسباب ..الشعار السياسي الطائفي يركب على موجة الفقر لكي يزيد الانتقام انتقاما اخر من مدينة السلام .. بغداد .
وهذا لايعني ان كل سكان احزمة الفقر مشتركين في ذلك ولكن اغلب من يشتركون في جريمة اغتيال بغداد من المليشيات وعلى قلتهم قياسا لاغلبية سكان احزمة الفقر ، هم من احزمة الفقر.. المليشيات في كل مكان وفي كل الحروب تتكون في الغالب من الفقراء المعدمين .. يعطونهم خبز .. ويرمونهم في نار الحروب كوقود .. وهذا النوع من "الفقراء" لايفكر حتى بأمه وابيه.. فكيف بمدينة يسكن في اطرافها ويحسد "وسطها".. شهوة الفقير المحروم .. اغتصاب وقتل.
~ ~ ~ ~ ~ ~
سمير نقاش هو اديب من يهود العراق، غادر العراق وهو طفل، ورغم انه عاش بعد ذلك في اسرائيل ولكنه استمر بالكتابة بالعربية واصر على ان يكتب مؤلفاته بالعربية ايضا حبا بالعراق وتأكيدا لانتمائه كما يقول الى "اصلي العراقي".
بخصوص احصائيات سكان بغداد ونسبة اليهود فيها انظر كتاب حنا بطاطو صفحة 248
Batatu, (Hanna), The old social classes and the revolutionary
movements of Iraq, Princton, 1978.