2008/08/09

عندما يبرّئ اللون كونكريت الاحتلال





في الغارديان تحقيق مصور عن مشروع "تجميل" جدران الكونكريت الامريكية التي قتلت المدينة العراقية .. نستطيع ان نقول : "ومن اللون ما قتل" !! من شدة القبح طبعا .. الانحدار اللوني في عصر العمامة مخيف .. ارسم لي، اقل لك من انت !! قبح اللون هنا هو من قبح الكونكريت .. قبح الألوان الممولة من قبل المحتل هو من قبح الاحتلال .. إحدى الأبواق الإعلامية الممولة من قبل رأس المال القريب جدا من المخابرات الأمريكية تصف في عددها الاخير تلك الجدران بـ "الأصفاد الملونة" .. قبح اللون يزداد مع قبح تلك الكلمات .

في كتابه "أساطير" يقول رولان بارث عن اللغة الإيديولوجية بأنها لغة "لا تلغي الأشياء، لا بل على العكس فوظيفتها هي التطرق لتلك الأشياء ولكن على طريقتها .. من خلال تشذيب هذه الأشياء .. تبرئتها" .. بمعنى وضعها في إطار لغوي أخر من اجل إعطاءها معنى أخر يحجب معناها الأصلي .. ولغة الصحافة المرتزقة كما الألوان المرتزقة تفعل نفس الشيء هنا .. لأنها "لغة" ايديولوجية .

فكما ان الاحتلال ضمن هذة "اللغة" يصبح "تحرير" .. فان جدران الفصل الطائفي الكونكريتية تسمى "اصفاد ملونة" .. صفة "الملونة" تقوم هنا بتشذيب المعنى الاصلي القبيح لكونكريت المحتل .. انها محاولة تبرئة لجريمة الجدار بحق المدينة والمجتمع .. والألوان المغطية لقبح الكونكريت تقوم بنفس الوظيفة .. اللون يحاول طمس حقيقة الجدار .. اخفاء غايته العملية في ترسانة المحتل .. فالجدار العازل سلاح في ترسانة المحتل .. من هنا فان اللون "الملطوش" على الكونكريت المحتل للمدينة يقوم بالتعتيم على البعد "السياسي" في كونكريت المحتل .. فمن خصائص اللغة الايديولوجية هو ازالتها للبعد السياسي للاشياء .. ليس غريبا اذا ان تقرأ ان من ضمن الشروط التي وضعها الأمريكي "للملوّنين المرتزقة" هو عدم التطرق لمواضيع سياسية في رسومهم كما تقول الغارديان .

عندما تحاول الألوان اخفاء قبح الكونكريت القاتل للمدينة .. فهي تساهم بقتل المدينة من جديد ومن حيث تعتقد انها تجملها .. لان مشروع تلوين كونكريت الاحتلال هو مساهمة في تكريس جدران الاحتلال .. وبالنهاية هي تكريس للاحتلال من خلال تجميل وسائل احتلاله .. أي جعلها مقبولة في عيون الناس .. والامريكي عندما يقوم بتمويل "مشروع الوهم اللوني" فهو يعرف ماذا يفعل .. للفرشاة والبندقية فوهة واحدة !! فوهة امريكية طبعا !!

2008/07/27

صحافة الفنادق




مقال الـ "نيويورك تايمز" عن العراق لهذا اليوم يتطرق لتشرذم عصابات جيش المهدي .. هناك في المقال وصف مفصل لسرقات وجرائم سرسرية جيش المهدي في مدينة الثورة والشعلة والطوبجي .. وهو يعطي لمحات من "جمهورية الطالبان الشيعية" بقيادة "ملا تكتيك" .. بالمناسبة مقال النيويورك تايمز لايتطرق لـ "ملا تكتيك" ودوره في التهدئة مع "الشيطان الاكبر" بناء على اوامر "السرداب الاعلى" .. يقال انه عاكف على دراسة "فقه النكاح" .. لا حدود لنفاق العمامة .

كاتبة مقال النيويورك تايمز، وبسذاجة "صحافة الفنادق" المعهودة ، تُهيكل المقال لكي تقود القارئ الى استنتاج جاهز مسبقا .. استنتاج يردد اليوم على شكل كليشة ينبح بها الاعلام المرتبط بالاحتلال وفحواها تحسن الاداء الحكومي وبالتالي الوضع الامني في العراق .. المقال يقول لنا ان جيش المهدي قد اصبح ضعيفا ..وان احدى علامات هذا الضعف هو ان العشائر الشيعية بدأت تلاحق افراد جيش المهدي ممن قتلوا احد أبناءها لكي تفرض عليهم التعويض العشائري .. ويأتي الاستنتاج النهائي ليربط سببيا بين قوة الحكومة وضعف جيش المهدي .

ولكن الدليل الذي يقدمة المقال على ضعف جيش المهدي (وهو صعود نفوذ العشائر الى الحد الذي يجعلها تلاحق عصابات جيش المهدي وتفرض عليها دفع التعويضات ) هو بحد ذاته دليلا ايضا على ضعف الحكومة .. ان يلجأ الناس الى العشائر من اجل محاسبة القتلة والمجرمين هو أفضل دليل على الضعف الاداري للحكومة .. فجوهر الحكومة هو سيطرتها على وسائل العنف التي تمكنها من فرض القانون .. وعندما تقوم العشيرة بفرض القانون فهي تفضح هشاشة الحكومة .

حنا بطاطو عندما يتطرق للولاءات المتعددة للمجتمع العراقي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة يورد ما يقوله احد النواب العراقيين في البرلمان العثماني في عام 1910 : " ان تحتمي بعشيرة هو آمن الف مرة من الاعتماد على الحكومة ، وذلك لان الحكومة (العثمانية) لاتقوم باداء واجبها في الردع، بينما العشيرة ، ومهما كان ضعفها، تهب للدفاع عن احد اعضاءها حالما تسمع بظلم وقع عليه " .. وهنا نص بطاطو :


“To depend on the tribe” wrote in 1910 one of Baghdad’s deputies to the Ottoman parliament. “is a thousand times safer than depending on the government, for whereas the latter defers or neglects repression, the tribe, no matter how feeble it may be, as soon as it learns that an injustice has been committed against one of its members readies itself to exact vengeance on his behalf”. BATATU,The Old Social Classes… p.21

النائب العراقي يصف هنا وعلى طريقته جدلية الدولة والعشيرة .. عندما تضعف الدولة تقوى العشيرة وعندما تقوى الدولة تضعف العشيرة .. وهو يقول لنا ان الناس كانوا يلجئون لعشائرهم من اجل ان تحميهم او تطالب لهم بحقوقهم لأنهم كانوا يعتبرون الحكومة ضعيفة وتعجز عن حمايتهم .. وعندما يلجأ الناس اليوم الى عشائرهم فلأنهم يعتقدون ان الحكومة غير قادرة على حماية نفسها .. فمن اين لها القدرة على حمايتهم.

العراقي اليوم مثلا لايذهب الى مراكز الشرطة لانه يعرف انها اوكار للمجرمين والحرامية ..ولانه يعرف ان كثير من جرائم الخطف من اجل المال تمت بمساعدة الشرطة.. وهذا ايضا ما يدفع الناس لِلجوء الى عشائرهم .. وعندما تقوم العشائر اليوم بملاحقة عصابات جيش المهدي فهي تفضح هذا الضعف الاداري لحكومة المنطقة الخضراء .. ليس هناك من دليل اقوى على ضعف حكومة ما من عدم قدرتها على فرض القانون .. وصحافة الفنادق تقول لنا ان الحكومة قوية .

صحافة الفنادق تخون هنا من جديد قرِاءها في الكوكب الامريكي حيث تستهلك الجرائد بالكيفية التي تستهلك بها الكوكاكولا .. هي قد باعتهم ذات يوم حرب سهلة ..هي اليوم تبيعهم انتصار اسهل .. صحافة الفنادق تريد ان تخفي حقيقة واضحة كالشمس في المقبرة الجماعية التي "يحرسها" اليانكي : العراق الامريكي هو فشل سياسي قبل ان يكون امني .. وحكومة المنطقة الخضراء لن تصمد اسبوع واحد بدون المئة والستين الف "بسطال" امريكي وعشرات الالاف من"القنادر" المرتزقة.

2008/07/15

ثقافة الحبال .. و"حبال" الثقافة

نشر عبد الاله الصائغ يوم امس مقال عن "ثورة/ انقلاب" ١٤ تموز ١٩٥٨ ..المختصون بالتاريخ يميزون بين مفهومي الانقلاب والثورة وفقا لمعايير محددة .. كالطريقة التي يتم فيها التغيير السياسي، موقع القائمين بـ "الانقلاب" في حقل الصراع الاجتماعي او العدد المشارك في التغيير او حجم التغييرالذي يحدثه النظام الجديد.. مثلا، بعض المؤرخين يعتبرون الانقلاب ثورة اذا ما احدث تغييرا جوهريا في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. ولكن الصائغ في مقاله غير معني بهذه الامور.. فحُكمه قيمّي قائم على معيار الخير والشر المسترخي على ثنائية ملائكة وشياطين ..لذلك نستطيع ان نقول ان قراءته هي قراءة "شعرية" للتاريخ (بالمعنى الشخابيطي لمفردة شعرية).. وبهذا المعنى فان مقال الصائغ ليس له قيمة من زاوية النظر الاكاديمية.

اضافة الى هذا الغياب الاصطلاحي التام ، فمقال الصائغ يحوي من الاسقاطات والمغالطات التاريخية ومن الثقافوية التحقيرية ما ينفع لعمل بحث كامل عن ضحالة المستوى الفكري السائد في وسط "المثقفين المرتزقة".. وفيه بعد ذلك من الانتقائية والدسية ما يكفي لتغذية الرؤوس الاسفنجية لعقود معارك جمل قادمة.. لماذا التوقف اذا امام هكذا مقال ضحل.. اعتقد ان "قيمته" تأتي من كونه يمثل اسلوب شائع ومقرؤ جدا من قبل الرؤوس الاسفنجية.. فنحن هنا امام نموذج للاستخدام "الكيفماشائي" للماضي.. والتوقف عنده ليس مضيعة للوقت.

فحوى مقال الصائغ الكيفماشائي يمكن تلخيصها بجمل بسيطة: ان انقلاب/ ثورة تموز والغوغائية التي صاحبتها ادت الى "عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وتلك العسكرة قد مهدت لكل الكوارث السياسية اللاحقة.. ساترك جانبا عبارة " عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وسأكتفي بسؤال اطرحه وعيني على الواقع ماضيا وحاضرا: هل هناك وعي جمعي عراقي ؟؟ الطامة الكبرى في هذا المقال تكمن في مكان اخر.. فالصائغ يدين هوسة "ماركس ابو دشداشة" الغوغائية "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة".. ولكنه بنفس الوقت يستعين بالجواهري كمعين في قراءة تاريخ تلك الفترة !! وهنا نحن امام مفارقة هائلة.

فالجواهري في قراءة الصائغ يلعب دور الحكيم والحكم ويقول ما معناه بان انحراف الثورة وغرقها في مستنقع الدم ناتج عن اعتماد عبد الكريم قاسم "على اناس غير مؤهلين".. والجواهري يقول لنا بانه عندما سمع اسماء هولاء في بداية الثورة، "قرأ الفاتحة على الجمهورية".. السؤال الان : اذا كان اولئك "الساسة" غير مؤهلين، فهل كان الجواهري "مؤهلا" انذاك !! والسؤال المكمل للسؤال الاول هو: الم يقرأ الجواهري آنذاك اشياء اخرى غير سورة الفاتحة !! قصيدة "تحرك اللحد"مثلا .. التي منها الابيات التالية :

فضيق الحبل واشدد من خناقهم    فربما كان في ارخائه ضرر
أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ  مُنطَبِعٌ      وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر

هذه هي "مؤهلات" الجواهري آنذاك.. الجواهري كان "حبل ثقافي" يدعو للبطش والتنكيل بخصومه السياسيين.. اتعلم ام انت لا تعلم بان "حِبال" الضحايا فم !! قصيدة "تحرك اللحد" هذه تقول لنا ان لثقافة الحبال فم .. والجواهري كان هذا الفم .. ومن هنا فهو اخر من يحق له الحديث عن "المؤهلات".

"هل يعلم الصائغ ام هو لا يعلم" بان قصيدة الجواهري" تحرك اللحد" كانت في الاصل مدحا لمن قاموا بانقلاب ١٩٣٦ وهو الانقلاب الاول ليس فقط في العراق ولكن ايضا في كل منطقتنا.. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري اطلق في عام ١٩٣٦ اسم "الانقلاب" على جريدته تيمنا بـ "ام الانقلابات".. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري اعاد صياغة قصيدة" تحرك اللحد" في نهاية ١٩٥٩ بعد محاولة اغتيال قاسم لكي تتناسب مع اسم "الانقلابي" الجديد.. اي بعد اكثر من سنة على قيام "ثورة" ١٩٥٨.. فمتى قرأ الجواهري اذا سورة الفاتحة على "الجمهورية" ؟؟ التاريخ لا يرحم .. فالتاريخ ليس حقل مبالغات مفتوح كالقصيدة كما يعتقد الجواهري.. ولا يمكن اعادة صياغته بحسب مزاج الشاعر كلما استجد حدث! 

اذا كان الصائغ يعرف تلك التفاصيل ويعمل بمبدأ الانتقائية فتلك مصيبة.. واذا كان لا يعرفها فالمصيبة اعظم .. باختصار.. قصة قصيدة الجواهري هذه تُبيّن ضحالة وحدود القراءة "الشعرية" للتاريخ.. وهي وبخلاف ما يقوله الصائغ، تُبيّن ان مسار ثقافة الحبال والسحل والقتل والتصفيات الدموية لم يبدأ في تموز ١٩٥٨.. انقلاب ١٩٣٦ هو اسبق في تأسيس مسار"عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. اذا جاز استخدام تلك العبارة الاخيرة.

ولكي نبقى في الاهم.. قصيدة "تحرك اللحد" يمكن تسميتها "تحرك الحبل".. لانها قصيدة مؤسسة لثقافة الحبال والسحل والتصفيات الدموية التي لم يخرج منها العراق بعد.. وهي تقول لنا ان الجواهري كان من نفس طينة "ماركس ابو دشداشة" وهوسته السيئة الصيت .. وهي تقول لنا اخيراً شيئا مهما غالبا ما يتناساه "المثقفون".. نعم، ثقافة الحبال لها ساستها وغوغاءها.. ولكن ثقافة الحبال والسحل والقتل لها ايضا شعراءها ومثقفيها وخصوصا انصاف متعلميها.

باختصار .. قراءة الصائغ "الشعرية" للتاريخ تستدعي مقولة شكسبير المأثورة : "التاريخ" هو حكايات مجانيين تروى لاغبياء !!

2008/06/30

قاعة امتحان .. لا ساحة حرب

اول امس اطلق حراس وزير التربية الفاقد للتربية (الادب سِز) النارعلى طلاب يؤدون امتحاناتهم النهائية في حي سبع ابكار في بغداد ..هذا الوزير عمل من دون ان يريد على تكذيب مقولة نابليون "ساحة حرب ولا قاعة امتحان" .. لسان حال الطلاب، الذين "زارهم" وزير الرصاص هذا، يقول "قاعة امتحان ( ومروحة اذا امكن) ولا ساحة حرب .. فليس كل الناس يمتلكون "عسكراوية" نابليون .. وخصوصا في عصر القتلقراطية هذا .

يوم امس كتب احد "اللطميون" يقول ان وزير التربية هذا هو بعثي سابق .. عذر اقبح من ذنب .. لا يجرؤ على مثل هكذا احتقار لعقول الناس غير اللطميين .. الوزير هو من نخب المظلومية و"المظلومين" ولكن ما ان يقترف هذا الوزير جريمة او ينهب بضعة ملايين من الدولارت حتى يتحول وبقدرة قادر الى بعثي .. السؤال الان هو لماذا يحتاج اللطمي دائما الى بعثي .. كيف حصل وبعد خمس سنوات زرف رؤوس ولازال اللطمي مستمر بلعب دور الضحية .

اعتقد اننا هنا امام احدى ميكانزمات الدفاع الفرويدية .. اليوم وقد عمت الكارثة .. اليوم وقد سقطت المظلومية في وحل الجريمة .. اليوم وقد تحول "المستضعفون في الارض" الى مختصين في ثقب الرؤوس .. اليوم وقد تحول الضحية الى جلاد .. فلابد من وهم يعوض قسوة الواقع .. لابد من واحة وهمية وسط صحراء الجريمة التي اشاعوا .. واحه وهمية يرتادها اللطمي كلما احس بوضاعة سلوكه .. بغوغائية فعله .. او بوحشية جريمته .. باختصار يرتادها حين يجد نفسه في نهاية المطاف وحيدا برفقة فشله وفشل خزعبلاته .

هناك عند اللطمي اليوم حنين الى قرون اللامسؤولية التي صاحبت دور الضحية الالفي .. ففي عقدة الضحية يكمن مشروع كسل اخلاقي هائل .. كم كان العالم بسيطا انذاك .. جلاد مغتصب للسلطة وضحية بريء .. شياطين وملائكة .. المظلومية، تلك النرجسية الهائلة التي استلقت على حافات العالم خلال قرون ونظرت له من خلال ثنائية الشرالمطلق والنقاء المطلق يزيد / الحسين، تحولت اليوم الى ظلم هائل بمجرد نزولها الى ارض الواقع التطبيقي .. المظلومية اليوم يجسدها حرامية ومجرمين وسرسرية .. مستوى السقوط الحالي لا يجاريه الا مستوى الاحتقار الألفي للعالم .

امام هكذا سقوط مدوي .. امام صحراء الجريمة الحالية .. لابد من واحة وهم يستلذ فيها اللطمي مازوخيا بلعب دور الضحية .. ولكن "تمثيلية" الضحية لاتكتمل من دون جلاد .. من هنا الحاجة الى البعثي .. ليحمل جرائم اللطميون اليوم .. من هنا قول اللطمي من ان وزير "التربية" الذي اطلق النار على طلاب مدارس هو بعثي سابق .. اذا سقط المرء اصبح لطميا !!

عندما تكذب في المرة الاولى تكون فعالية الكذبة كبيرة ..وربما منفعتها ايضا ..ولكن باستمرار الكذب تتناقص فعالية الكذب ومنافعه .. ولكن اللطميون يجهلون ذلك ..لانهم يجهلون قانون المنفعة المتناقصة .. اتذكر استاذنا في الثانوية حاملا برتقالة بيده يستخدمها كمثال لشرح هذا القانون : "عندما تأكلون برتقالة واحدة تكون المنفعة كاملة .. وبعد ذلك تتناقص المنفعة بازدياد عدد البرتقالات المسافرة في الاحشاء" .. كانت صفوفا ارحم رغم كل شيء.

2008/06/18

انهم يرفعون القاذورات

تصور انك في عام 2005 وتقرأ هذا الخبر: " شهدت بغداد يوم امس الثلاثاء انفجار بشاحنة ملغومة بالقرب من سوق مزدحمة بالناس في منطقة تسكنها اغلبية شيعية.. وقد قالت مصادر في الشرطة العراقية ان عدد القتلى قد ارتفع الى نحو 63 قتيلا" وان "أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى" .


تعال الان وافترض انك لم تستمر في قراءة هذا الخبر حتى نهايته.. وبعدها يُطرح عليك سؤال:"من هو المسؤول يا ترى عن هذا العمل الاجرامي ؟؟ قبل الاجابة.. تذكر اننا نتحدث عن عراق 2005.. قليل من الجهد الذهني رجاءً.. لا تستطيع.. حسناً انا ساقول لك.. لو كنت في 2005 وكنت تقرأ هذا الخبر فهناك نسبة 99,99 بالمئة من الحظ من انك ستجد نهاية الخبر تقول ان المسؤول عن هذا الفعل الاجرامي هم "جماعات مسلحة ارهابية سنية فقدت السلطة وتحاول تخريب العملية الديمقراطية".. وستختلف التسميات بعد ذلك بحسب مصدر العواء الاعلامي الذي تقرأ.. صحف اللطم والمظلومية ستكتب " بقايا النظام السابق" او احفاد من كسروا ضلع الزهراء.. اما الـ "لوس انجلس تايمز" واخواتها في مهنة عدم البحث عن المتاعب فان ارهاب"القاعدة" هي كليشة كافية وتبيع اكثر في الكوكب الامريكي.

تعال الان واقرأ خبر هذا اليوم 18. 6. 2008 كما اوردته رويترز :"ارتفع عدد القتلى في تفجير شاحنة في بغداد الى 63 قتيلا يوم الاربعاء.. وقالت الشرطة العراقية ان أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى في الانفجار الذي وقع يوم الثلاثاء بالقرب من سوق مزدحمة في حي الحرية الذي تقطنه أغلبية شيعية في شمال غرب بغداد.. وأصيب 75 في أعنف هجوم تشهده العاصمة العراقية في ثلاثة اشهر.. والقى الجيش الامريكي اللوم على "جماعات خاصة" وهو تعبير يدل على متشددين من الشيعة يقول الجيش الامريكي ان ايران تدعمهم.. وقال الجيش انه يعتقد ان الهجوم يهدف الى تحريض على عنف شيعي ضد السنة العرب ..انتهى

مكان الانفجار.. وسيلة التفجير.. مفردات الخبر وصياغته.. كلها اشياء خبرناها.. الشيء الوحيد الذي تغير في خبر اليوم هو ان المليشيات الشيعية حلت محل الجماعات السنية المسلحة.. ولا تتعب نفسك بالبحث عن ادلة او بالمطالبة بتحقيقات دولية.. دعه يمر..العم سام اصدر بيان.. ووكالات الانباء قد تناقلت البيان.. والصحف قد نشرت الخبر.. والرأي العام قد قرأ الخبر بعجالة.. وعاشوا عيشة سعيدة.. هكذا يتم تكوين الرأي العام .

تعال الان لنغوص في مستوى اعمق لمعنى الخبر.. الجيش الامريكي يصدر بيان يتهم فيه المليشيات الشيعية بقتل الشيعة من اجل التحريض على السنة.. هناك متضمن هائل في هذا الخبر.. نفس المصدر الذي قال لنا ان القاعدة هي من فجرت ضريح العسكري في سامراء.. يقول لنا اليوم ان جماعات خاصة من داخل طائفة الشيعة تفجر الشاحنات في اسواق الشيعة من اجل التحريض على قتل السنة.. هل ترون ما ارى.. هذا يعني استنتاجا ان العديد من تفجيرات السنوات الاخيرة والتي تمت نسبتها الى "القاعدة" كانت "اعمال داخلية" كما حصل في التفجير الاخير من اجل تشويه سمعة المقاومة واثارة الشيعة ضد السنة .

السؤال الان: اذا كانت المجموعات الشيعية تلجا الى مثل تلك الاساليب.. فما الذي يمنع فرق الموت الامريكية من اللجوء الى نفس الاسلوب.. خصوصا وان الامبراطورية اُهينت عسكريا في العراق.. والاهم ان فرق الموت هو اسلوب عمل استخدمته الامبراطورية في ساحات صراع اخرى.. اعمال فرق الموت التي ادارها نغروبونتي في امريكا الوسطى والجنوبية استخدمت نفس هذا الاسلوب من اجل تشويه سمعة المعارضين الشيوعيين لمشاريع امريكا هناك.. حدث ذلك ذات حرب تسمى "باردة" حين كان العدو هو المد الشيوعي.. ايطاليا السبعينات ايضا شهدت هذا النوع من الاعمال حين قامت المخابرات الايطالية، ويقال عملا بنصيحة "اولاد العم سام من ذوي النظارات السوداء"، بتنفيذ تفجيرات "ارهابية" في الاماكن العامة ونسبتها الى المنظمات الشيوعية تحت لافتة الارهاب الشيوعي .. وحشّنة العدو هي انجع سلاح لتحييده امام الرأي العام .

خبر اليوم يفضح مسار واسلوب عمل قذر تسبب في قتل مئات الالوف من العراقيين وهجر اكثر من اربعة ملايين عراقي من منازلهم.. وما يقوله ايضا خبر اليوم هو ان مفهوم الارهاب في القاموس الامريكي هو مفهوم "حركي".. اقتل من العراقيين ما استطعت اليه سبيلا.. لن يمسُك شيء (جرائم فيلق بدر انموذجا).. ولكن في اللحظة التي تتعرض فيها لجندي امريكي فانت ارهابي.. سرسرية جيش المهدي الذين حاولوا افراغ بغداد من السُنة وبدعم الامريكي الذي كان يريد الضغط على مقاومة السنة.. هم من يقوم اليانكي اليوم بافراغ بغداد منهم.. شخصيا ساكون اخر من يقف امام مشروع رفع "القاذورات" من بغداد.. فمن يقتل المدينة التي استقبلته مهاجرا لا يستحق العيش في تلك المدينة ولا حتى في اكوام زبالتها على الاطراف.

2008/05/26

حين كان السيستاني يلعب "طم خريزة" مع بريمر


قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الاسوشيتد برس خبرا مفاده ان السيستاني افتى سرا بان المقاومة المسلحة للمحتل مسموح بها .. ولكن مقربين من السيد (دام ظلامه) سارعو بنفي هذا الخبر مطمئنين ان ليس هناك من انقطاع في "العلاقة التحت ارضية" بين سراديب النجف وسراديب المنطقة الخضراء .. الملفت للانتباه هو ان خوان كول الخبير في الشأن الشيعي والذي استشارته الاسوشيتد برس لم يشكّك بخبر الفتوى .. وهو في مدونته كتب مقال مطول شارحا فيه الاسباب والدوافع من وراءها .. اظن ان كول لم يشكّك بخبر الفتوى لانه يعرف ان مثل تلك الطريقة الكتمانية باصدار الفتاوى شائعة تاريخيا .. من هنا فهو لم يستبعدها خصوصا ونحن في عصر الـ "تكتيك" حبيبي !!

قد يكون خبر الفتوى ملفقا وقد لايكون .. ولكن الخبر يطرح للنقاش موقف السيستاني من الاحتلال .. ويطرح للنقاش ايضا شروط فتوى المقاومة المسلحة.. ساضع جانبا الابتذال الهائل الكامن في مفهوم الحاجة الى فتوى لكي تدافع عن وطنك المحتل .. وساركز على موقف السرداب الاعظم من الشيطان الاكبر .. ولمعرفة موقف السيستاني يجب طرح حيثيات هذا الموقف .. السيستاني ممثل للشيعة .. وهو في تعامله مع المحتل يعمل وفقا لمصالح واولويات طائفته .. وطالما ان الشيطان الاكبر (دام ظله ) يراعي مصالح الطائفة والاهم من ذلك لا يضر بدور المرجعية فان موقف السيستاني هو موقف بازاري .. "شيلني واشيلك" .. من هنا موقف السيستاني المهادن للاحتلال .. وساضع في النهاية مقتطفات من مذكرات بريمر تبين هذا الموقف بكلمات السيستاني نفسه .

اما بخصوص شروط فتوى المقاومة المسلحة للاحتلال .. فهي تخضع لنفس المنطق البازاري الاول .. السيستاني لمح عدة مرات في السنوات الاولى من الاحتلال الى ثورة العشرين ولدور المرجعية فيها ( وما ادراك ما ثورة العشرين !! فتوى الشيرازي في "ثورة" العشرين هي فتوى "دفاعية" بمفرداتها وصياغتها الحمالة الاوجه ، وهي لم تصدر الا بعد ان القى الانكليز القبض على ابن الشيرازي ونفوه الى جزيرة هنجام ، في حين ان كثير من مناطق العراق كانت ملتهبة قبل تلك الفتوى ) .. و مع ذلك فعلينا ان نحلل معنى تلميح السيستاني الى ثورة العشرين .. لان هناك في ثقافة اللطم قراءتين لثورة العشرين : باطنية وعلنية .. باطنيا المرجعية لاتريد تكرار ما تسميه ادبيات ثقافة اللطم بالخطأ التاريخي بعدم التعامل مع الانكليز والذي ادى الى تهميش الشيعة .. ثورة العشرين في هذه القراءة هي خطأ ان لم تكن خطيئة .. اما في القراءة العلنية فثورة العشرين هي ليست خطأ وانما حدث يحتفى به بالاحرى يلوح به لاستخدامه سياسيا .

من هذه الازدواجية نستطيع ان نستخلص ان تلميح السيستاني الى ثورة العشرين في سنوات الاحتلال الاولى كان لغرض المقايضة .. "تكتيك حبيبي" .. وخصوصا في اللحظات التي كانت المرجعية تشعر فيها ان الشيطان الاكبر (دام ظله) غير واضح النوايا تجاه الشيعة، كما حصل قبل الانتخابات الاولى حين كان الامريكان يريدون تأجيل الانتخابات لعدم توفر شروطها بينما كان "ابناء البيوتات"الشيعية يريدون فرض واقع ميليشياتهم التي اعطتنا الكارثة الحالية .. من كل ما تقدم فان السيستاني لن يصدر فتوى المقاومة المسلحة الا حين يعتقد ان مصالح الشيعة مهددة .. اما حجة " نرفض الاحتلال ولكننا نعمل على طرده من خلال المقاومة السلمية والاعتصامات" فهو تبرير قد يقنع مشاهدي قناة الفرات اللطمية .. اما لمن يمتلك ذره عقل فهو نوع الاستهبال .

موقف السيستاني من الاحتلال بعد كل تلك السنوات الخمسة واضح لا لبس فيه .. ومن يبحث عن ادلة اكثر يجدها في ما يرويه بول بريمر عن اتصالاته العديدة مع السيستاني في كتابه "سنتي في العراق" الذي صدر عام 2005 وبالتحديد في الصفحات 165 و 166 .. وباختصار فان بريمر يقول انه تبادل مع السيستاني عشرات الرسائل بين شهري تموز وسبتمبر فقط .. وبحسب بريمر فان السيستاني في رسائله كان دائما يشكر سلطة التحالف على ما قدمته للشيعة وللعراق .. والسيستاني كان يرفض اللقاء العلني ببريمر "ليس من باب العداء لسلطة الاحتلال" كما يقول السيستاني لبريمر ولكن لانه يعتقد ان "تجنب الاتصال العلني سيسمح له ان يكون اكثر نفعا للاهداف المشتركة" مع سلطة الاحتلال .. وهنا مقتطفات مما يورده بريمر في كتابه بهذا الخصوص:


Just after Liberation, the ayatollah had let it be known through private channels that he would not meet with anyone from the Coalition. And I had not pressed for a personal meeting. Hume, who understood Islam and the Arab world well, succinctly analyzed this situation. “He can’t be publicly seen as cooperating with the occupying powers, Jerry,” he had told me. “Shades of 1920 and all that. And he’s got to protect his flanks from the hotheads like Muqtada. But the ayatollah will work with us. We share the same goals.” p.165

While both the Arab and the Western media lamented the supposed breach between Ayatollah Sistani and the Coalition, throughout the Coalition’s time in Iraq he and I communicated regularly on vital issues through intermediaries. ….And Hume was right. In the early summer, Sistani had sent word to me that his position had not been taken “out of hostility to the Coalition.” Rather, the ayatollah believed that avoiding public contact with the Coalition allowed him to be more useful in “our joint pursuits,” that he would forfeit some of his credibility among the faithful were he to cooperate openly with Coalition officials. As had many secular Shiites and Sunnis, as well as devout but lower-ranking Shia clergy.… In subsequent exchanges I assured the ayatollah that I was well aware of the suffering of the Shia, noting that my first trip outside Baghdad had been to Al-Hillah’s mass graves. And I pointed out that the Coalition was pumping lots of money into reconstruction projects in the Shia heartland. … Between July and mid-September alone, I had more than a dozen exchanges with the ayatollah. Sistani repeatedly expressed his personal gratitude for all that the Coalition had done for the Shia and for Iraq. Pp.166

MY YEAR IN IRAQ , By L. Paul Bremer III with Matthew McConnell. Illustrated. 417 pp. Simon
& Schuster

2008/05/12

ديالكتيك الهويات الضيقة

1

احمد الكاتب هو "باحث" شيعي نفى وجود شخصية المهدي تاريخيا وقال باسطوريتها .. المهدي "المنتظر" لم يولد ولم يغيب ولم يختفي .. وأبوه ورغم اسطوانة المظلومية لم يكن مضطهدا ولم يُسمم ولم يقتل ولا هم يحزنون .. بل كان ينعم بنعم وهبات الخليفة العباسي في سامراء .. لا شيء من كل ذلك الهراء المستجدي لعقول البسطاء والمسحوقين والسارق لارزاقهم .. شخصية المهدي المنتظر هي بحسب احمد الكاتب من اختراع "وكلاء المهدي الاربعة" من اجل كسب الخُمس ..احمد الكاتب يقول ان الائمة انفسهم لم يعتبروا انفسهم معصومين .. ولم يعتبروا انفسهم ائمة بالطريقة التي تقدمها نظرية الامامة الشيعية الاثنى عشرية والتي سهر على تغذيتها عبر القرون رجال الدين المتاجرين بفكرة الشفاعة والموزعين لمفاتيح الجنة الوهمية .

اسطورية شخصية "المنقذ" المنتظر ليست فكرة جديدة .. سوسيولوجيا الاديان وخصوصا الدراسات التي تستند الى النظرية البنيوية بينت وجود الفكرة في اديان ثقافات كثيرة فضلا عن اسطوريتها .. من هنا فقيمة مساهمة احمد الكاتب لاتأتي من جدة الفكرة .. ولكن لكون القائل بها شيعي درس ودرّس في حوزة شيعية وفرضيته تستند الى نصوص الشيعة "الرسمية" وامهات كتب المذهب .. ورغم ان الكاتب لايذهب في منهجه الى حدوده القصوى كما تفعل سوسيولوجيا الاديان فان مساهمته تعتبر "ثورة" في عالم السراديب .

المذهب الشيعي قائم في جوهره على نظرية الامامة .. احد المختصين الفرنسيين بالشان الشيعي يعرف المذهب الشيعي بـانه "امامولوجي" .. وانت عندما تلغي وجود الامام الثاني عشر فانت تفند بنفس الوقت نظرية الامامة باكملها .. والسؤال هو ماذا يبقى من المذهب الاثنى عشري اذا اسقطنا نظرية الامامة .. السؤال يتضمن اجابته .. ولكن احمد الكاتب لايذهب الى هذا الحد .

2

اطلعت امس على رسالة من احمد الكاتب يناشد فيها السيستاني بخصوص بعض الفتاوى الطائفية الموجودة في موقعه الرسمي على الانترنيت .. الكاتب يبدأ مناشدته للسيستاني بشكره جزيل الشكر على دوره " التاريخي الكبير في المحافظة على وحدة الشعب العراقي" والكاتب يخص بالذكر تصريحات السيستاني " المؤكدة على هامشية الخلافات بين الشيعة والسنة".. و " بعدم وجود خلافات حقيقية بين السنة والشيعة، ودعوته للشيعة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية للسنة قبل أبناء السنة أنفسهم. وتوصيته للشيعة بأن لا يقولوا "إخواننا السنة" وأن يقولوا بدلا من ذلك:" أنفسنا أهل السنة .

بعد قراءتي لهذه الكلمات احسست برغبة بالتقيؤ.. العراقيون يحرقون في تنور الزهراء واحمد الكاتب يشكر السيستاني على دوره في الحفاظ على "وحده الشعب العراقي" .. انا شخصيا لا اعرف عن اية وحدة يتكلم الكاتب .. "المجتمع" العراقي اليوم يعيش اكبر صراع طائفي عرفه في تاريخه .. والملا يقول لنا دعه يمر " الخلافات هامشية" .. تلك الطريقة بمعالجة اكبر كارثة عرفها العراق تصيبني بالغثيان .. تلك الطريقة الغبية التي تطرح الاسئلة بأسلوب يغيّب اسئلة الازمة هي ايضا تساهم بقتل العراق .. "حسجة الاخويات" هذه لا ولن تنتج غير اجوبة "الاخويات" .. ونحن اليوم نعرف الى اين قادتنا شعارات "اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه" : مباشرة الى تنور الزهراء !!

ما يستوقفني هو ان احمد الكاتب يستغرب من ان السيستاني يدعو الى الوحدة مع "انفسنا اهل السنة" في حين ان موقعه على الانترنيت ينشر فتاوى في قسم الأسئلة والأجوبة بخصوص الصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي السيستاني " بالصلاة ظاهريا معهم" ، ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال " .. واحمد الكاتب يستغرب هذا التناقض بين التصريحات الاخوية والفتاوى الطائفية .

انا شخصيا لا ولن استغرب فقه السراديب .. ما استغربه هو استغراب احمد الكاتب الذي يطلب من رجل دين بالكف عن فعل ما يُقيم سلطته .. ما لا يفهمه احمد الكاتب هو ان من دون تلك الفتاوى التي تُنظّر للاختلاف المذهبي لن يبقى هناك مذهب .. المذهب تاريخيا قام ضديا ومن دون تلك الضدية لن يعود هناك مذهب .. فعندما يتوقف السيستاني عن اصدار من مثل هكذا فتاوى منتجة للاختلاف فان سلطته ستنتفي .. واحمد الكاتب الذي قال بنفعية الدوافع التي كرست نظرية الامامة يطلب من رجل دين تقوم سلطته على التنظير للاختلاف بان لايفعل ذلك ..افتونا يرحمكم الله !!


يقال ان طريقة طرح السؤال تحدد مسبقا الاجابة .. واحمد الكاتب عندما يطرح مشكلة الطائفية والتعايش المذهبي من خلال التوجه الى رجل دين فهو يحصر الاجابة بفتوى رجال الدين .. وهو بذلك لايقوم الا بتقوية سلطة رجال الدين الرمزية .. لا غرابة فاحمد الكاتب يبقى بعد كل شي مُنتج حوزوي .. ولكن هذه الطريقة بطرح سؤال التعايش المذهبي تغيّب اشياء كثيرة واولها الظروف التاريخية التي انتجت التعايش المذهبي في عراق كان يا ما كان في قديم الزمان ..التعايش والتزاوج العبرطائفي الذي عرفه العراق قبل حكم العمامة لم تؤسس له فتوى .. لا بل ان مثل تلك الفتاوى الطائفية كانت موجودة .. لان عمرها قرون .. ولكنها لم تمنع التزاوج العبر طائفي.. السؤال الان هو كيف حصل ذلك التعايش المذهبي رغم وجود تلك الفتاوى الطائفية ؟

طرح السؤال بهذه الطريقة يقترح منظور اخر للاجابة غير المنظور الذي يفرضه احمد الكاتب لمعالجة مسألة التعايش المذهبي وبالتالي التزاوج العبرطائفي .. تكلمت في السابق عن ظاهرة التزاوج العبرطائفي .. التزاوج العبرطائفي هو نتاج مشروع الدولة العراقية الحديثة .. والمدرسة المصنع الجيش الجامعة الخ كانت هي الحاضنات التي مكنت التعايش المذهبي وبالتالي الزواج العبرطائفي .. هذه هي مصانع الاوطان في كل الدول .. ونظرية الدولة فيها دراسات كثيرة عن هذا الموضوع .. ليس غريبا ان رجال الدين في النجف وكربلاء قد حاربوا المدارس الحديثة وحاربوا الجيش في بدايات تأسيسه .. تلك المؤسسات هي الادوات التي فتت نسبيا الغيتوهات الطائفية وبالتالي هي قد فتت سلطة رجال الدين القائمين والعاملين على ابقاء الغيتوهات الطائفية .

3

احمد الكاتب هو من جيل "جاهد" في سبعينيات القرن العراقي الماضي من اجل تطبيق ما كانوا يسمونه "حكم المرجعية" في العراق .. وهو وكثيرين من امثاله شاركوا في تأجيج الصراع الطائفي في السبعينات .. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. الحركات المهدوية التي ظهرت في السنوات الخمس الاخيرة في العراق استخدمت نفس اسلوب جيل احمد الكاتب في تسييس المناسبات الدينية ..وشيعة السلطة قد ردوا عليها بعنف افضع من عنف سلطة البعث في السبعينات .. امس كما اليوم السلطة قد تحركت ضد خطر يهددها والعامل المذهبي ليس له علاقة في الموضوع ..ولكن ثقافة اللطم وظفت تحرك السلطة ضدهم في عام 1974 و 1977 من اجل وصف السلطة بالطائفية .. لم يكن التركيز على قمعية النظام .. لا ..وانما على طائفيته .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي .. وهم في ذلك كانوا متناغمين مع مشروع عالم السراديب .

خطتهم في تسييس "المقدس" والاستفادة منه حركيا كانت فعالة .. ورغم ان رد السلطة البعثية على "مهدويات" السبعينات كان متواضعا قياسا للقمع الذي مارسه شيعة السلطة مؤخرا ضد مهدويات اليوم .. إلا انهم ضربوا على اوتار حساسة داخل "نخب" سياسية خرجت توا من سجن الملّة ... مقالة اوفرا بنجيو في الـ "ميدل ايسترن ستديز" وعنوانها "الشيعه والسياسة في العراق البعثي" (المجلد 21 عدد 1 لسنة 1985) تتناول تلك الاحداث بتفصيل جيد .. وهي تقول ان تلك الاحداث قد ساهمت في تهميش وبالتالي سقوط جناح احمد حسن البكر المعتدل داخل مجلس قيادة الثورة وصعود جناح صدام حسين المتطرف .. وتقول ان اقصاء احمد حسن البكر ووضعه تحت الاقامة الجبرية جاء نتجة لهذا الصراع بين الجناحين حول كيفية التعامل مع خطر الاسلام الشيعي في الداخل وخصوصا بعد قيام الثورة الايرانية .. بمعنى ان جيل احمد الكاتب قد ساهم على طريقته باشعال الحرب العراقية الايرانية .. واحمد الكاتب يعترف بذلك .. ومنظمة العمل الاسلامي التي ينتمي اليها الكاتب هي اول من لجأ الى التفجيرات الارهابية في عراق ما قبل الحرب العراقية الايرانية .

دارت عجلة الزمن .. جيل احمد الكاتب "يحكم" اليوم في العراق بفضل "الشيطان الاكبر" كما تسميه ادبياتهم .. وهم حتى اليوم لم ينجحوا في ادارة مدينة كما ينبغي .. وقد وصلوا بالعنف الطائفي الى درجة لم يشهدها العراق في تاريخه .. وتدميرية نظامهم الميليشياوي هو اسؤ شيء حصل للعراق منذ المغول .. واحمد الكاتب يناشد السيستاني اليوم من اجل التعايش المجتمعي .. "شكرا" احمد الكاتب على الجهود .. ولكننا لا ننتظر شيئا من رجل دين قروسطوي .. لانه ببساطة جزء من المشكلة .. و"شكرا" ايضا على بحوثكم .. ولكننا لم نكن ننتظر "غودو" .. نحن لم نكن ننتظر اساطير وخزعبلات غبية .. كنا ننتظر اشياء من هذا العالم .. كنا ننتظر تراكم اكبر .. كنا ننتظر نضوج وطن .. وطن تقتله اليوم ثقافة الكُره التي غذتها عمامات السراديب التي ربتكم .. تلك المسوخ التي تقتل اليوم بتنور الزهراء والدريل هي مخلوقات ساهم في خلقها نضال سراديبكم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .. كل فتاوى العالم لن تستطيع بعد اليوم اعادة ذلك التعايش الذي كان يا ما كان في قديم الزمان .. قبل ان تخرجوا من سراديبكم .