قرأت مؤخرا كتاب"النفس المبتورة" للكاتب الايراني داريوش شايغان .. وهو كتاب نقدي للتشوهات التي تعاني منها المجتمعات الاسلامية نتيجة موقفها المزدوج من الحضارة الغربية .. فهي تستعير كل منتجات الغرب ولكنها تحتفظ بعقلية القرون الوسطى .. شايغان يكرس جزء كبير من كتابه لايران ما بعد الثورة الايرانية .. لم يعجبني الجزء النظري في كتابه (ربما بسبب الترجمة الرديئة) .. ولكن تحليله للتغيير المجتمعي الذي حصل في ايران بعد مجيء الملالي، وخصوصا وصفه لشخوص هذا التغيير اعجبني كثيرا..هناك في الكتاب بعض المقاطع المكتوبة بتسجيلية رائعة .. ساضع هنا نكتة طريفة شاعت بعد الثورة الايرانية .. يوردها شايغان ليدلل على انقلاب المفاهيم في المجتمع الايراني ما بعد الثورة .. حيث اصبح العالم يعمل بالمقلوب .. النكتة تقول:
" يروى ان رجل مغترب عاد للبلد بعد غياب عدة سنوات. وما ان وصل الى مطار طهران، حتى اخذ سيارة تاكسي لتقله الى بيته. في منتصف الطريق، طلب الرجل من سائق التاكسي التوقف امام بائع سجائر. فسأله سائق التاكسي :
ـ لماذا التوقف يا سيدي؟
ـ لاجل شراء السجائر.
ـ السجائر!!! السجائر تباع في الجامع.
ـ لكن الجامع بيت الله ويُذهب اليه للصلاة.
ـ خطأ !!! للصلاة، يا سيدي، يجب الذهاب للجامعة.
ـ واين تجري الدراسات اذا؟
ـ يا سيدي الكريم، الدراسات تجري في السجن.
ـ ولكن السجن هو المكان الذي يُوضع فيه المجرمين.
ـ خطأ !!! المجرمون، يا سيدي الكريم ، يوضعون في الحكومة."
شايغان يعلق على هذه النكتة المفعمة بالرمزية فيقول :" جميع الوظائف تبدلت في هذه النكتة .. فالدين تحول الى تجارة رابحة ، والجامعة الى حسينيات والسجن ملاذا لاساتذة الجامعات والحكومة للمجرمين".
هذه النكتة تصف ايضا حال العراق بعد مجيء المليشيات الشيعوية للسلطة .. ربما الاختلاف الوحيد في العراق هو ان اساتذه الجامعة والعلماء قد جرى تصفيتهم او تشريدهم .. لذلك فان "الدراسات" لاتجري في السجن كما هو الحال في الحالة الايرانية وانما في "القبر" او في المهجر!! فالحكومات في عراق ما بعد الدبابة الامريكية هي عبارة عن شلة مجرمين .. مَن لم يقتل او ساهم في سياسة القتل او التهجير الطائفي فهو قد سرق او ساهم في سرقة الملايين .. وكلاهما مجرم .. اما بخصوص حال الجامعات، فانت عندما تشاهد اليوم صور الجامعة المستنصرية ذات المعمار الرائع .. ستعتقد انك في حسينية من كثرة السواد الذي يغطي جدرانها .. جمال مطلق تحوّل الى قبح مطلق .. اما عن تحول الدين الى تجارة رابحة فحدث ولا حرج.
ما جرى في العراق في الايام الاخيرة يؤكد ايضا ان الحكومة في العراق العماماتي هي مافيا .. والدليل هو قيام "محكمة قاسم عطا" (التي بزت محاكم ستالين في سرعة انتزاعها للاعترافات التلفزيونية ) باتهام طارق الهاشمي باعطاء اوامر لحمايته بارتكاب اعمال ارهابية .. ليس من المفيد التذكير هنا بأن اسلوب الاعترافات التلفزيونية هو اسلوب مرفوض حسب المعايير القانونية الدولية .. وليس من المفيد التذكير ايضا بأن لا احد في العالم باستثناء مشاهدي قناة العراقية صدّق هذه الاتهامات ذات الدوافع الطائفية.
لا ولن ادافع عن طارق الهاشمي .. خصوصا وهو قد شارك في المشروع الامريكي الذي وضع في العراق برميل بارود طائفي وسماه ديمقراطية !! ولكنني اعتقد ان اتهام نائب رئيس جمهورية المنطقة الخضراء هو مناسبة جيدة لفتح تحقيقات ولو نظريا مع كل المجرميين الذين وضعتهم امريكا في السلطة واجراء محاكمات لهم .. اقول محاكمات وليس محاكم تفتيش على شاكلة محاكم قاسم عطا.. تصورا عندها حجم التهم التي ستوجه الى حكومة ضمت وتضم بين صفوفها مجرمين من مثل صولاغ او هادي العامري .. او عادل عبد المهدي الذي سرقت حمايته مصرف الزوية .. ولما لا مقتدى الصدر قائد "جيش الضال" الذي قام بأكبر مذبحة جماعية في تاريخ العراق .. عندها لتكن المقولة التي تُنسب للمسيح مدافعا عن امرأة اتهمها الناس بالزنى هي المعيار : "من لم يزنِ منكم فليرمها بحجر".