اقرأ حاليا كتاب " ديمتري بيساريف والايديولوجيا العدمية الروسية" للمؤرخ الفرنسي ارمون كوكار .. كتاب جيد ولكنني اتقدم ببطء في صفحاته التي تتجاوز الاربعمائة صفحة .. ساعات عملي الطويلة هذه الايام لا تترك في راسي ما يكفي من الهدوء للتركيز الذهني .. فمنذ اسبوع وهذا الكتاب معي ولازلت في الصفحات المئة الاولى .. في ايام الاعدادية والجامعة كنت قادرا في ايام العطل على التهام كتاب كامل في جلسة واحدة .. كم احن الى تلك الايام.
تستوقفني في هذا الكتاب ملاحظة مهمة يسجلها ارمون كوكار بخصوص الارشيف الخاص للشخصيات الادبية والسياسية الروسية في منتصف القرن التاسع عشر .. فهو يقول ان الارشيف الخاص لهذه الشخصيات هو ارشيف فقير بسبب رقابة النظام البوليسي انذاك .. وهذا ما كان يجبر تلك الشخصيات الى عدم التطرق الى مواضيع حساسة قد تسبب لهم مشاكل مع السلطة .. اما المراسلات الشخصية التي تحتوي على معلومات في غاية الاهمية فكان يتم التخلص منها حرقا خوفا من ان تقع يوما ما في ايادي غريبة.. مما يحرم الباحث من وجهات نظر تلك الشخصيات في تلك اللحظة التاريخية .. والنتيجة هي فجوات معلوماتية ونواقص تاريخية في غاية الاهمية لقراءة ذلك العصر قراءة صحيحة.
ارمون كوكار يقول ان هناك الكثير من الكتب والمقالات الاستذكارية عن تلك الفترة المضطربة.. ولكن اغلب تلك الكتابات هي صياغة من الذاكرة تمت بعد زمن طويل على حدوث تلك الاحداث.. وهي لهذا السبب لاتمتلك المصداقية اللازمة .. لانها اعادة صياغة تمت في مناخ فكري وسياسي يختلف عن المناخ الذي جرت فيه تلك الاحداث.. ارمون كوكار يضيف محذرا انه لا يجب تحميل رقابة السلطة فقط مسؤولية تلك الفجوات والنواقص التاريخية .. فالفجوات التي تميّز نتاج تلك الشخصيات عائد الى فترة زمنية تتميز بشيء من عدم النضج على مستوى الاشخاص كما المناخ العام الذي كان متسرعا ومهملا لكثير من الامور.
المهم عراقيا في ملاحظة ارمون كوكار هي انها تنفع كتحذير منهجي يجب استحضاره قبل كل قراءة للكتب التي تطرقت للتاريخ العراقي المعاصر .. لان اغلبها يحمل اسقاطات زمن متأخر على حدث متقدم ..اي انها نتاجات كَتبت الماضي بعيون الحاضر الذي كُتبت فيه .. وانت عندما تقرأ مثلا "ذاكرة" طالب شبيب وهو احد قيادات البعث في الستينات ستجد انه يسجل فترة الستينات بعوينات التسعينات .. من هنا ضحالة شهادته التاريخية وعدم مصداقيتها .. واغلب الكتب التي فبركها كتاب شيعة ابتداءً من حسن العلوي وانتهاءً بكنعان مكية تدخل ضمن هذا النمط المبتذل للتاريخ .. اي انها كتب تسجل الماضي بعيون واسقاطات الحاضر الذي كتبت فيه .. مما يحرمها من المصداقية التي يتكلم عنها ارمون كوكار في ملاحظته اعلاه.
لو كان عندي الوقت الكافي والامكانيات اللازمة لشرعت من الان في كتابة كتاب يحمل عنوان "تاريخ التاريخ العراقي المعاصر".. وساضع في السطر الاول من الصفحة الاولى منه الجملة التالية : " هنا حكايات مجانيين لازالت تروى لاغبياء".. وسيكفيني عندها ملاحظة ارمون كوكار المسجلة اعلاه كمنهجية نقدية.. مع بيتي شعر لـ ِمعروف الرصافي دلني عليهما احد اصدقاء الدربونة .. وفيهما نفس المنهجية النقدية للتاريخ:
وما كُتُب التأريخ في كل ما روت لقرائها إلا حديث ملفقُ
نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا فكيف بأمر الغابرين نُصدقُ
