2012/03/18

تاريخ التاريخ العراقي المعاصر .. حكايات المجانيين التي تروى لاغبياء


اقرأ حاليا كتاب " ديمتري بيساريف والايديولوجيا العدمية الروسية" للمؤرخ الفرنسي ارمون كوكار .. كتاب جيد ولكنني اتقدم ببطء في صفحاته التي تتجاوز الاربعمائة صفحة .. ساعات عملي الطويلة هذه الايام لا تترك في راسي ما يكفي من الهدوء للتركيز الذهني .. فمنذ اسبوع وهذا الكتاب معي ولازلت في الصفحات المئة الاولى .. في ايام الاعدادية والجامعة كنت قادرا في ايام العطل على التهام كتاب كامل في جلسة واحدة .. كم احن الى تلك الايام.

تستوقفني في هذا الكتاب ملاحظة مهمة يسجلها ارمون كوكار بخصوص الارشيف الخاص للشخصيات الادبية والسياسية الروسية في منتصف القرن التاسع عشر .. فهو يقول ان الارشيف الخاص لهذه الشخصيات هو ارشيف فقير بسبب رقابة النظام البوليسي انذاك .. وهذا ما كان يجبر تلك الشخصيات الى عدم التطرق الى مواضيع حساسة قد تسبب لهم مشاكل مع السلطة .. اما المراسلات الشخصية التي تحتوي على معلومات في غاية الاهمية فكان يتم التخلص منها حرقا خوفا من ان تقع يوما ما في ايادي غريبة.. مما يحرم الباحث من وجهات نظر تلك الشخصيات في تلك اللحظة التاريخية .. والنتيجة هي فجوات معلوماتية ونواقص تاريخية في غاية الاهمية لقراءة ذلك العصر قراءة صحيحة.

 ارمون كوكار يقول ان هناك الكثير من الكتب والمقالات الاستذكارية عن تلك الفترة المضطربة.. ولكن اغلب تلك الكتابات هي صياغة من الذاكرة تمت بعد زمن طويل على حدوث تلك الاحداث.. وهي لهذا السبب لاتمتلك المصداقية اللازمة .. لانها اعادة صياغة  تمت في مناخ فكري وسياسي يختلف عن المناخ الذي جرت فيه تلك الاحداث.. ارمون كوكار يضيف محذرا انه لا يجب تحميل رقابة السلطة فقط مسؤولية تلك الفجوات والنواقص التاريخية .. فالفجوات التي تميّز نتاج تلك الشخصيات عائد الى فترة زمنية تتميز بشيء من عدم النضج على مستوى الاشخاص كما المناخ العام الذي كان متسرعا ومهملا لكثير من الامور.

المهم عراقيا في ملاحظة ارمون كوكار هي انها تنفع كتحذير منهجي يجب استحضاره قبل كل قراءة للكتب التي تطرقت للتاريخ العراقي المعاصر .. لان اغلبها يحمل اسقاطات زمن متأخر على حدث متقدم ..اي انها نتاجات كَتبت الماضي بعيون الحاضر الذي كُتبت فيه .. وانت عندما تقرأ مثلا "ذاكرة" طالب شبيب وهو احد قيادات البعث في الستينات ستجد انه يسجل فترة الستينات بعوينات التسعينات .. من هنا ضحالة شهادته التاريخية وعدم مصداقيتها .. واغلب الكتب التي فبركها كتاب شيعة ابتداءً من حسن العلوي وانتهاءً بكنعان مكية تدخل ضمن هذا النمط المبتذل للتاريخ .. اي انها كتب تسجل الماضي بعيون واسقاطات الحاضر الذي كتبت فيه .. مما يحرمها من المصداقية التي يتكلم عنها ارمون كوكار في ملاحظته اعلاه.

لو كان عندي الوقت الكافي والامكانيات اللازمة لشرعت من الان في كتابة كتاب يحمل عنوان "تاريخ التاريخ العراقي المعاصر".. وساضع في السطر الاول من الصفحة الاولى منه الجملة التالية : " هنا حكايات مجانيين لازالت تروى لاغبياء".. وسيكفيني عندها ملاحظة ارمون كوكار المسجلة اعلاه كمنهجية نقدية.. مع بيتي شعر لـ ِمعروف الرصافي دلني عليهما احد اصدقاء الدربونة .. وفيهما نفس المنهجية النقدية للتاريخ:

وما كُتُب التأريخ في كل ما روت  لقرائها إلا حديث ملفقُ
 نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا    فكيف بأمر الغابرين نُصدقُ     

2012/02/29

ازبال التاريخ العراقي المعاصر


نشرت صحيفة هاريتز الاسرائيلية في طبعتها الانكليزية مؤخرا مقال  لـِ اماتزيا برام تناول فيه بعض اسرار الارشيف العراقي الذي استولت عليه الولايات المتحدة بعد غزوها للعراق عام ٢٠٠٣ .. اماتزيا برام لمن لا يعرفه هو "اكاديمي" اسرائيلي متخصص في الشؤون العراقية وله بحوث كثيرة في موضوع الهوية العراقية .. وهو واحد من الباحثين الذين سمحت لهم الولايات المتحدة بالاطلاع على هذا الارشيف بسبب قربه من دوائر القرار الامريكي.. يستوقفني في مقال اماتزيا برام قول لـ طارق عزيز في احد اجتماعات القيادة في التسعينات.. طارق عزيز يقول "ان البحوث التي تقوم بها الجامعة الاسرائيلية عن العرب وعن العراق مذهلة. وان الاسرائليين يستخدمون هذه الابحاث الاكاديمية (التي تركز على الخلافات المذهبية والعرقية )لاثارة هذه الخلافات بين العرب من اجل اضعافهم وتجزئتهم". 

لا اعرف النتاجات الاكاديمية الاسرائيلية عن المجتمعات العربية .. ولكنني قرأت بعض النتاجات الاكاديمية الاسرائيلية المترجمة للانكليزية عن المجتمع العراقي.. وهي فعلا تركز بمرضية عن موضوع انعدام الهوية بين مكونات المجتمع العراقي.. واماتزيا برام هو اكثر من ركز على هذا الموضوع ولهذا السبب استعانت به دوائر القرار الامريكي قبل احتلالها للعراق.. ولكن يجب القول ايضا ان البحوث الاكاديمية الاسرائيلية معمولة بشكل جيد ووفقا لمنهجية البحث العلمي.. وثراء معلوماتها عن تاريخ "المجتمع" العراقي مذهل.    

ما لا يقوله طارق عزيز النائم في دفء نظرية المؤامرة هو ان البحوث الاكاديمية الاسرائيلية تتطرق ايضا لحالة التشظي السائدة في المجتمع الاسرائيلي.. وكل من اطلع على هذه البحوث يعرف ان المجتمع الاسرائيلي تنخره صراعات حادة بين مكوناته .. بين اليهود الارثودوكس وبين العلمانيين.. وبين الاشكناز(اليهود من اصول اوربية) والسفاراد (اليهود من اصول شرقية).. ناهيك عن الصراع بين اليهود وعرب ٤٨.. انا شخصيا قمت قبل سنوات بدراسة النظام السياسي الاسرائيلي الذي يمتلك اعقد نظام برلماني في العالم بسبب حالة التشظي المجتمعي في اسرائيل.. ووجدت مثلا ان كليشة :"عراقيان ثلاثة احزاب" التي سادت في خمسينيات وستينيات العراق والتي وضعها حنا بطاطو للاسف عنوانا لاحد فصول كتابه.. هي في الاصل مقولة يهودية : "يهوديان ثلاثة اراء".. وهي مقولة كانت تطلق وصفا لحالة التشرذم التي كانت سائدة داخل الوكالة اليهودية في بداية القرن العشرين.. وانا اعتقد انها انتقلت للعراق عبر يهود العراق.. وهي مقولة لا زالت سائدة اليوم في اسرائيل لانها تصف حالة التشظي داخل المجتمع اليهودي. 

نعم لقد نجح الحقل الاكاديمي الاسرائيلي بفرض رؤية ثقافوية عن الصراع داخل مجتمعنا.. لانه ينطلق من معطيات واقعية (التشظي الاجتماعي عندنا حقيقة قائمة على ارض الواقع).. ونجح في تعميم هذه الرؤية لانه اتبع منهجية بحثية رصينة رغم انها لا تخلوا من اسقاطات ايديولوجية.. والاهم هو انه نجح لاننا تركناه وحيدا في هذا الاطار.. امام حقيقة تشظي مجتمعنا اتبعنا ولا زلنا نتبع سياسة النعامة.. امام واقع مجتمعنا المتشظي اكتفينا بمحكية اسطورية عن العراق الذي عمره سبعة الاف عام.. امام بحوث تعتمد على حقائق تاريخية، فضلنا الشعارات ونظرية المؤامرة.

خطورة هذا الموقف الشعاراتي يكمن في انه منع موقف اخر اكثر صحة تجاه تشظي المجتمع العراقي.. كان بالامكان طرح "الهوية" العراقية كواقع معقد.. كمشكل.. وبالتالي كسؤال ومحاولة اجابة عن هذا السؤال من خلال عرضه ومناقشته اكاديميا وربما ايجاد حلول له.. وهذه المواجهة مع الذات كان سيكون لها فوائد على المجتمع من منظور سايكولوجي.. فمناقشة مشاكلنا "بصوت عالي" هي طريقة علاجية ناجحة.. ونحن قد فضلنا دفن مشاكلنا تحت اكوام من الشعارات.. والمجتمع الاسرائيلي متفوق علينا سياسيا لهذا السبب.. فهو لايخاف من التطرق لمشاكله علنا.. ومراكز البحوث الاسرائيلية  تنشر احصاءات سنوية عن مكونات المجتمع الاسرائيلي (من عرق وديانة ولغة الخ) مدعومة بالارقام.. اما عندنا فقد رفضت السلطات العراقية درج المذهب في تعداد السكان تحت شعار الهوية العراقية فوق الانتماءات الاولية.. والنتيجة هو ان الاكاذيب حلت محل الحقيقة.. فنسبة الشيعة التي قدرتها احصائيات الخمسينات بـ ٥١ ٪  من السكان.. تحولت الى ٧٠٪ في دفاتر المعارضة الشيعية.. ومثل هذه الاكاذيب والمبالغات التي سخرتها امريكا في مشروعها هي من قتلت العراق في السنوات الاخيرة.

ما لا يقوله طارق عزيز ايضا هو ان الحقل الاكاديمي العراقي الذي انتج دراسات رائعة في الخمسينات والستينات تحول تدريجيا وبسبب انعدام الحرية الى دكاكين حزبية.. وشاعت نتيجة لذلك دراسات متحزبة تفتقد لابسط قواعد البحث العلمي.. وقد كان لذلك نتائج كارثية على تاريخ العراق المعاصر ونحن اليوم ندفع ايضا ثمن ذلك.. فغياب حقل اكاديمي عراقي رصين ومستقل يلعب دور الحكم في البحوث والدراسات التي تتطرق لتاريخ العراق المعاصر.. اضافة الى غياب الحرية.. جعلا التطرق للتاريخ العراقي المعاصر حكرا على الاقلام الموجودة خارج العراق.. والادهى ان اغلبيتها هي اقلام معارضة.. والنتيجة هو ان تَحزُّب المحكيات الرسمية في الداخل قابله تحزّب المحكيات المعارضة في الخارج.. وفي هذه المواجهة المتحزبة كانت الحقيقة التاريخية هي الضحية.

حاول ان تقارن مثلا بين ما يقوله طالب شبيب مع ما يقوله هاني الفكيكي عن حدث عايشه الاثنان سويا (وكلاهما من قيادات البعث في الستينات).. ستجد ان ما يقوله طالب شبيب يناقض ما يقوله الفكيكي إن لم يُكذّبه.. فما بالك بحجم الهوة بين المحكية الشيوعية والبعثية.. او بين المحكية البعثية والشيعوية.. وهذا يعطينا فكرة بسيطة عن الالغام التي يحفل التاريخ العراقي المعاصر.. وكل هذا بسبب غياب حقل اكاديمي متخصص ومستقل.. لقد قتلت جمهوريات الاسلاك الشائكة الحرية الفكرية.. وجعلت الخطاب الرسمي هو الحقيقة الوحيدة المسموح بها.. وفي هذه الصحراء الفكرية اصبح كل ما يخالف خطاب السلطة مرغوب.. لان كل ما هو ممنوع مرغوب.. وبالتالي تحولت اكاذيب وكليشات كتاب معارضين الى حقائق تاريخية.. واصبح بامكان اي كويتب ان يرمي زبالته الحزبية او الطائفية امام بوابة التاريخ العراقي المعاصر.. والعراق يموت اليوم بسبب تراكم هذه الازبال.

2012/02/19

في وداع قلم انيق


"انطوني شديد كعادته لا يستقي معلوماته من السياسيين او من المنطقة الخضراء عندما يكتب عن العراق.. القرى النائية هي اهداف زياراته العديدة للعراق منذ ثلاث سنوات.. الناس في اسفل السلم الاجتماعي يشكلون مصادر تحقيقاته واهتماماته.. وهو غالبا ما يخرج بتحقيقات هي اقرب للبحث السوسيولوجي منها الى الريبورتاج الصحفي"..هذه الكلمات كتبتها هنا في الدربونة قبل سنوات.

انطوني شديد توفي قبل ثلاثة ايام بازمة ربو حادة في طريق عودته من سوريا التي دخلها سرا.. كان يستطيع ان يدخل سوريا بصورة رسميه.. ولكنه كان يعرف انه لن يكون حرا مع الناس في بلد مخابراتي.. كان يريد الذهاب كعادته خارج حدود الخطاب الرسمي.. الصحافة المجترة للخطاب الرسمي ليست صحافة.. المدن السورية التي تنام وتصحو على اصوات الانفجارات كانت وجهته.. كان يريد ان يشاهد بعينه ما يجري هناك.. هذه المرة لن نقرأ مشاهدات انطوني شديد.. الموت منعه من وضع ما شاهده باسلوبه البارع المعهود.

كثيرون يعتقدون ان شديد كان صحفيا ناجحا في تغطيته لاحداث العراق لانه من اصول عربية ولانه يتكلم اللغة العربية.. وهذا اعتقاد ساذج.. فهناك الكثيرين من الصحفيين الغربيين ممن يتكلمون اللغة العربية او هم من اصول عربية ولكنهم صحفيون عاديون.. ثم ان هناك المئات من الصحفيين العرب والعراقيين ممن عملوا في العراق.. ولكنهم لم يكتبوا شيئا يرقى لما كتبه شديد. 

لا شك ان خلفية شديد العربية ساعدته كثيرا في عملة في المنطقة العربية.. ولكن تميُّز شديد راجع الى فهمه الخاص للعمل الصحفي.. اضافة الى اسلوب بارع في الكتابة مرتبط ارتباط وثيق بهذا الفهم.. فشديد امام مادته الصحفية يعمل بطريقة الانثربولوجي .. فهو عين تسجل قبل كل شيء.. وافضل مقالات شديد هي تلك التي راحت فيها عينه تسجل الاشياء قبل ان تحكم عليها.. وهو في بعض هذه المقالات ترك لنا تحقيقات صحفية تقترب في عمقها من اسلوب الصحفي البولندي الساحر ريشارد كابوتشنسكي.

 اما عندما نسى شديد هذه الطريقة "العينية" وراح بحكم اقامته الطويلة في العراق يُغلِب ما يقوله له "خبراء الشأن العراقي" او بعض "المثقفين" العراقيين على مشاهداته.. فهو قد جنح للاسف نحو الاحكام العامة وبالتالي الكليشات.. واحدى مقالته الاخيرة عن العراق كانت من هذا النوع وجاءت محملة بالكليشات.. ما يشفع لشديد هو انه صحفي متواضع.. ذاتٌ غالبا ما تختفي امام مادتها الصحفية.. وهو بذلك ليس كما بعض الصحفيين العراقيين الذين يخنقون مواضيعهم بذواتهم المنتفخة.

مارتن شولوف وهو احد زملاء انطوني شديد كتب مقالا في الغارديان قبل يومين عن رحيل شديد المفاجئ .. شولوف يورد ما قاله له انطوني شديد في اخر ايامه في العراق :

"I came here to comprehend this place," he told me last year, talking of his time in Iraq. "With all its richness, beauty, insanity and loss, it is the one part of the world I wanted to make sense of. I'm not sure I know anything more now than when I got here 

وهي كلمات تكشف ان انطوني شديد كان في قمة التواضع.. فهو رغم انه افضل من غطى صحفيا سنوات الاحتلال الامريكي للعراق.. فانه يقر بعدم معرفته بالشأن العراقي.. وهذا الاعتراف الاخير يجعلنا نفهم الحيرة المعرفية التي وسمت مقالات شديد الاخيرة في العراق.. لقد جاء العراق لفهم البلد.. وخرج منه غير متأكد انه فهم اكثر مما كان يعرفه قبل دخوله. 

العراق الذي ساهمت في قتله كليشات صحفيون سرسرية من امثال حسن العلوي.. كم يحتاج الى هذا التواضع.


2012/01/31

شيعي اولا .. عراقي ثانيا !!


في الشهر الماضي نشرت صحيفة الغارديان مقال افتتاحي تناقش فيه مستقبل العراق بعد الانسحاب الامريكي.. وفيه يتساءل الكاتب عن جدية المقولة الامريكية التي تروج بان الحرب في العراق قد انتهت.. كاتب افتتاحية الغارديان يورد امثلة كثيرة تُكذّب هذه المقولة.. من ضمنها تصريح لنوري المالكي في احدى الغرف المغلقة  يقول فيه انه شيعي اولا وعراقي ثانيا.. وكاتب مقال الافتتاحية يتسائل " ما هو مستقبل دولة كهذه، اذا كان رئيس وزرائها يضع انتمائه المذهبي قبل انتمائه الوطني.. وهنا النص الانكليزي لهذا المقطع:

A war that is over?  Take the answer that the prime minister Nouri al-Maliki gave last week when asked to describe who he thought he was – first a Shia, second an Iraqi, third an arab, and fourth a member of the Dawa party. What chance for a nation state, if its prime minister places his confessional identity above his national one   

يوم امس فقط وبعد مضى اكثر من شهر على مقال الغارديان..اصدر المكتب الاعلامي للمالكي بيان يهدد فيه بمقاضاة صحيفة الغارديان لانها نشرت تصريح المالكي هذا..البيان يتهم الغارديان بان تغطيتها للشأن العراقي لاتتسم بالحياد والمهنية.. ويضيف ان المالكي "لم يدل بهذا التصريح لا لهذه الصحيفة ولا لغيرها".. بيان المكتب الاعلامي للمالكي وبلغته الخشبية المعهودة لم يذكر مقولة "عراقي اولا، شيعي ثانيا" ولكنه اشار فقط الى عنوان مقال الغارديان الذي ورد فيه تصريح المالكي. 

 ساضع جانبا، سالفة المهنية والحياد.. فرئيس وزراء ديمقراطية الاعترافات التلفزيونية هو اخر من يحق له الحديث عن المهنية !! ورئيس وزراء دولة تستخدم قاسم عطا متحدثا رسميا هو اخر من يحق له الكلام عن الحياد !! ولكن ما يستوقفني في بيان المالكي هو انه يقول لنا انه لم يدل بذلك التصريح لا لصحيفة الغارديان ولا لغيرها.. بتعبير اخر، المالكي لا ينفي انه قال ما قال في الغرف المغلقة.. ولكنه فقط ينفي انه قال ذلك لصحيفة الغارديان او لصحيفة اخرى.. بمعنى ان المالكي يعتقد ان الصحفي عليه ان ينشر فقط ما يقوله له المسؤول السياسي..الصحفي في هذا الفهم الستاليني يجب ان يسجل فقط ما يقال له في الاجتماعات الرسمية.. اما ان يذهب الصحفي في الكواليس باحثا عن ما يقال في الغرف المغلقة.. فهو بنظر المالكي سلوك لايتسم بالحياد والمهنية..من هنا غضب المالكي من صحيفة الغارديان التي نشرت ما لم يكن مخصصا للنشر.

غضب المالكي مفهوم اذا ما استحضرنا دور الصحافة في ديمقراطية المنطقة الخضراء.. فالمالكي قد تعود ان يستدعي الصحفييي العراقيين ويعطيهم المواد الاخبارية.. الصحفي في ديمقراطية الاعترافات التلفزيونية هو بوق يقف خاشعا امام اكاذيب قاسم عطا ويذهب بعد ذلك لنشرها.. الصحفيين في مزرعة المالكي هم قطيع يتم استدعائهم من اجل تصوير واستجواب متهمين بالارهاب يرتدون بدلات برتقالية.. وهذا ما قامت به حكومة المالكي قبل ثلاثة اسابيع حين وضعت متهمين بالارهاب اما قطيع من الصحفيين العراقيين في مسرحية ميلودرامية على الطريقة الفلمهندية التي تعشقها الذائقة الشيعية.. وقمة الوضاعة في هذا العرض المسرحي كانت صورة الطفل الباكي الذي يواجه ما قيل انه قاتل ابيه.. وهي صورة تذكرنا بصورة الام مع اطفالها في احدى المحاكمات الستالينية.. حين دخل الاطفال في نوبة بكاء مكيلين الاتهامات لوالدهم (المعارض السياسي) الذي كان في قفص الاتهام ومطالبين بانزال اقصى العقوبات بحقه.. عندما شاهد البير كامو هذا المشهد كفر بالشيوعية وبكل شعاراتها. 

المذهل ان من صدعوا رؤوسنا بقصصهم عن جمهورية الخوف البعثية وبشرونا بعهد جديد لم يعترضوا على هذا الاسلوب الستاليني..اما صحافة "شيعي اولا وعراقي ثانيا" فقد صفقت لهذه المسرحية المبتذلة وشاركت فيها بابتذال مخيف.. وهو شيء غير مستغرب من صحفيي العراق حيث تحولت مهنة البحث عن المتاعب الى مهنة البحث عن قطعة ارض سكنية !! اما الاعلام الامريكي فقد مر مرور الكرام على هذا "الانجاز" المخجل للديمقراطية المحمولة جوا.. النيويروك تايمز نشرت باستحياء مقال نقدي للمسرحية المالكية المبتذلة ولكن مع عنوان بارع :

Iraq Turns Justice Into a Show, and Terror Confessions a Script

فقط صحفي وضيع يقبل ان يقف امام شخص متهم بالارهاب ومحاط بجلاديه ويسأله عن جرمه.. خصوصا وان ابسط عراقي اليوم يعرف كيف يتم انتزاع الاعترافات من هولاء المتهمين.. ومقال غيث عبد الاحد الذي نشرته الغارديان قبل اسبوعين عن حال السجون العراقية هو وثيقة بارعة ودامغة في هذا الاطار.. وانا شخصيا اعتقد ان مقال غيث عبد الاحد هذا هو ما اثار المالكي وعصابته ضد الغارديان اكثر من مقولة "شيعي اولا وعراقي ثانيا".. فمقال غيث يرسم صورة مخيفة للسجون العراقية اليوم.. سجون يقايض فيها ضابط اُم تريد استرجاع ابنها الذي تمت تبرئته قضائيا منذ شهور ولكن الضابط يتصل بالام الفقيرة ويطلب منها مبلغ مالي ضخم من اجل الافراج عنه واذا لم تجلب هذا المبلغ  فهو يهددها بتعذيب ابنها..وعلينا ان نتذكر هنا ان المالكي سبق وان رفع قضية ضد الغارديان امام القضاء العراقي لانها نشرت تحقيق سابق لـِ غيث عبد الاحد مع ثلاثة من جهاز المخابرات العراقي اتهموا فيه المالكي بالنزعة الدكتاتورية.

البير كامو يقول:"اذا اردت ان تعرف مستوى تحضر بلد ما، فانظر الى سجونه".. وبنفس المعنى، اذا اردت ان تحكم على العراق اليوم فانظر الى سجونه ودعك من كل الخطابات الرسمية.. واذا اردت ان تحكم على مستوى الديمقراطية في العراق اليوم فانظر الى نظامه القضائي الذي يسمح باسلوب الاعترافات التلفزيونية التي تتنزع تحت التعذيب.. واذا اردت ان تعرف مستوى الحرية في العراق اليوم فانظر الى مستوى الاعلام الشيعي الذي يتناقل الخطاب الحكومي بميكانيكية البرافدا السوفيتية.. اما اذا لم تقتنع بكل هذا وبقيت مصرا على تصديق "وكالة انباء قاسم عطا".. فعليك عندها ان تأخذ نفسا عميقا .. وتهيء نفسك لاستيعاب حقيقة تحاول بلا وعي دفنها تحت تبريرات مختلفة.. وهي انك شيعي اولا.. وعراقي عاشرا.

2012/01/16

الفرق بين المأساة والفلم الهندي .. الحسين في موسوعة غينيس!!

تزامنا مع زيارة عاشورا نشر احدهم قبل ايام مقال عنوانه : "لماذا لا تدخل كربلاء  بموسوعة غينيس ؟؟" .. صاحبنا يتساءل في هذا المقال " لماذا يقوم العالم بتصوير وتسجيل والانبهار بابسط الامور واقلها اهمية  مثل أكبر كيكه او اطول ثوب زفاف وتدخل هذه الاعمال ضمن موسوعة غينيس. ويتم تجاهل مدينة كربلاء وخاصة في ايام عاشوراء حيث يجتمع ثلاثين مليون. الا يضع هذا الرقم الكبير من الزائرين مدينة كربلاء ضمن موسوعة غينيس للارقام القياسية ؟ وجواب صاحبنا على هذا السؤال هو ان هناك "تجاهل عالمي متعمد لهذه المدينة بسبب انها مدينة الامام الحسين". انتهى.

هذا اللطمي الذي يعتقد ان قيمة الاشياء تكمن في احجامها او اعدادها يفضح هنا ومن دون ان يدري واحد من اسس المذهب الشيعي الذي يقول ان عدد اتباع قضية ما ليس دليلا على قيمتها او صحتها .. وهي حجة وضعها رجال الدين الشيعة من اجل تبرير قلة عدد الشيعة بين المسلمين .. ومع ذلك فليس هنا المهم .. انا شخصيا اعتقد ان صناعة كيكة صغيرة او خياطة ثوب زفاف هما اكثر اهمية بكثير من عاشورا ومن ملايين عاشورا .. لانها اشياء وعلى بساطتها تحتفي بالحياة ..  بينما ملايين عاشورا تحتفي بالموت .. من هنا فالسؤال هو ليس :لماذا  يتجاهل العالم عاشورا .. السؤال هو لماذا على العالم ان يعير اهمية لعاشورا ..لماذا على العالم ان يشاهد رؤوس اطفال تشجها السيوف.. او وجوه قبيحة تغطيها الدماء .. فالانسان السليم عقليا عندما تخيره بين مشهد دم عاشورائي وبين اناقة ثوب زفاف فانه سيفضل الاناقة على القبح.. وفقط مريض نفسي يعتقد ان هناك ما يستحق اهتمام العالم في القبح الكربلائي.

تعالوا الان نتطرق لمسالة الارقام الفلكية .. لن اتوقف عند صاحبنا اللطمي الذي يعطي رقم ٣٠ مليون زائر .. كل له الحق ان يظل غبيا .. ولكنني ساتوقف امام ظاهرة تضخيم اعداد عاشورا هذا العام .. فـ"وكالة انباء قاسم عطا" صرحت ان عدد الزوار هذا العام قد بلغ  ١٧ مليون زائر .. لحسن حظ عقولنا ان هذه الارقام الفلكية لا يمكن تصديقها بسبب استهتارها بالقوانين اللوجستية .. من هنا فعدم مصداقية هذه الارقام ليست هي ما يشغلنا .. المهم في هذه الارقام يكمن في ظرفيتها.. فهي تذكرنا بمحاولات التضخيم التي جرت في السنوات الاولى للاحتلال .. فمن تابع عاشورا في سنوات الاحتلال الاولى يعرف ان "وكالة انباء قاسم عطا" اعطت انذاك ارقام مقاربة في فلكيتها لارقام هذا العام .. خلافا للارقام المتواضعة نسبيا في السنوات الاخيرة .

السؤال هو : لماذا تظهر هذه الارقام الفلكية من جديد اليوم كما حدث في عاشورا سنوات الاحتلال الاولى؟؟ والجواب هو الاستقطاب الطائفي السائد اليوم في المشهد السياسي العراقي .. وهو نفس الاستقطاب الذي كان سائدا في بداية الاحتلال.. من هنا فتضخيم عدد الزوار هو سلاح في المعركة مع الاخر .. كلما شعر قادة الشيعة بالقلق سياسيا لجأوا الى استخدام عدد الزوار كسلاح في المعركة.. من اجل نفخ الذات ورفع معنويات القطيع .. ونحن هنا امام ما يسميه علماء النفس بعملية التعويض الوهمي سايكولوجيا التي تقوم بها شخصية قلقة في وضع قلق .. وبهذا المعنى فان ظاهرة تضخيم اعداد الزوار تكشف عن السايكولوجية الشيعية الهشة في هذا الظرف.. ولكي نفهم هذه القلق الشيعي بشكل أفضل علينا ان نضع في الاعتبار الهشاشة الجيوشيعية مع اهتزاز النظام العلوي في سوريا والضغط الذي تتعرض له ايران عالميا.. من هنا فتضخيم اعداد الزوار هدفه رفع معنويات القطيع ورص الصفوف.

وهذا بالتحديد ما يكشفه الكتاب الرسمي (المرفق ادناه والذي وصلني من صديق) والذي عممته مؤخرا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على جامعات بغداد والجنوب .. وفيه تعليمات لهياكل الوزارة بنقل زوار اربعينية الحسين وتشكيل قافلة باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحت شعار "الحسين يجمعنا وطريقه يوحدنا" !! عندما نفهم هذا الشعار الموجه للجمهور الشيعي من اجل رص الصفوف ..سنفهم ان هناك قرار سياسي شيعي من اجل تضخيم ونفخ ارقام عاشورا هذا العام .. بالطبع سلوك وزارة التعليم العالي هذا لو حصل في احد البلدان الاوربية لقامت الدنيا ولم تقعد لانه يعتبر تسخير لاموال الدولة  لخدمة اغراض مذهبية .. وهو ما يشكل جريمة قانونية .. ولكن العراق اليوم هو "جمهورية موز" .. جمهورية هريسة !!  


في كتابه "احزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الاسلام"  يقوم فلهاوزن بتقييم شخصية الحسين الهشة وحادثة قتله عندما حاول الاستيلاء على السلطة قائلا:" ان الحسين مد يده كالطفل ليأخذ القمر. ادعى اعرض الدعاوى، ولكنه لم يبذل شيئا في سبيل تحقيق ادناها، بل ترك للاخرين ان يعملوا من اجله كل شيء. وفي الواقع لم يكن احد يوليه ثقة، انما قدّم القوم رؤوسهم يائسين. ولم يكد يصطدم باول مقاومة حتى انهار، فاراد الانسحاب ولكن كان ذلك متأخرا فاكتفى بان راح ينظر الى انصاره وهم يموتون في القتال من اجله، وابقى على نفسه حتى اللحظة الاخيرة. لقد كان مقتل عثمان مأساة (تراجيديا)، اما مقتل الحسين فكان مسرحية انفعالية (ميلودراما)". ( 
فلهاوزن ص. ١٨٧).

وهذا الطابع الميلودرامي (الفلمهندي) هو ايضا ابرز ما يميز الطقوس الباثولوجية لعاشورا .. والمطالبة  بضم اربعينية الحسين في موسوعة غينيس تدخل في هذا الاطار ..انا شخصيا اعتقد انه اذا كان ولابد من ادخال اربعينية الحسين في موسوعة غينيس فعلى اساس انه الحدث الاكثر تخريبا في تاريخ مجتمعنا ..لانه اسس لثقافة التشرذم والتذابح.. من هنا وخلافا لشعار قافلة وزارة التعليم العالي الميلودرامي : "الحسين يجمعنا وطريقه يوحدنا".. فان الواقع المأساوي على الارض العراقية يجعل من شعار "الحسين يشرذمنا وطريقه يفرقنا" !! اكثر تعبيرا عن هذا الواقع التراجيدي.

2011/12/31

في البدء كانت الاساطير .. استكان شاي مع فردريك دِليتش


 اطلعت مؤخرا على مقال لـ سليم مطر يقول فيه ان منظمة سرية عالمية تتحكم بامريكا وغالبية الدول الغربية هي من دفع امريكا لاحتلال العراق ليس بسبب مواردة النفطية او بسبب موقعه الاستراتيجي في الشرق الاوسط وانما لاسباب سرية اهم ..سليم مطر الذي يورد قناعاته في هذا المقال مختفيا خلف قناع عضو في هذه المنظمة السرية يقول ان هناك "قوى جبارة خفية مجهولة اختارت الشرق الاوسط ليكون موطنها. وقد اختارت عاصمتين لها: الاولى في مصر حيث توجد حضارة روحانية أخروية جوهرها تقديس الحياة الاخرى، لهذا فأن اعظم رموزها هي (الاهرام)، وكتابها المقدس هو(كتاب الموتى). والعاصمة الثانية في العراق حيث توجد الحضارة العراقية وهي النقيض تماما للمصرية، لانها مادية دنيوية لا تؤمن بالحياة الاخرى ولا بجنة موعودة، بل غايتها الدنيا والمتعة، لهذا فأن اعظم رموزها هو (برج بابل والجنائن المعلقة) وهي رموز دنيوية غايتها العظمة والمتعة، اما كتابها المقدس فهو(قصة كلكامش)..اما لماذا قررت المنظمة السرية احتلال العراق وليس مصر فذلك لأن الحضارة المصرية حضارة مسالمة، لم تنبثق فيها دولة توسعية ولم تمارس الغزو الخارجي وهي لا تخيف ولا تنافس المنظمة السرية او الغرب.اما الحضارة العراقية فهي نارية استحواذية توسعية، لهذا كان العراق مقرا لامبراطوريات كبرى توسعية منذ البابلين والآشوريين، وصولا لأخطرها امبراطورية العباسيين فهي لذلك المنافس الاكبر للحضارة الغربية التي هي صورة محدثة عنها، أي ذرورة الحضارة المادية الدنيوية. انتهى.

لن اتطرق لكل المغالطات التي يحويها مقال سليم مطر لان ذلك سيحتاج الى اكثر من مقال .. ولكنني ساركز على الاسس التي يبني عليها حجته .. ضرب هذه الاسس كفيل بهدم خطابه الاسطوري اللاتاريخي .. اولا، سليم مطر يخلط بين الثابت الجغرافي (ارض الرافدين) والمتغير التاريخي (الانظمة السياسية والايديولوجيات التي قامت على تلك الارض) .. من هنا فالعراق والعراقي في قرأته هما ماهية ثابته غير قابلة للصرف التاريخي .. هناك روح عراقي عابر للقرون اياً كان الجسد او المكان .. كلكامش ومقتدى الصدر يمتلكان نفس الروح العراقي .. حمورابي وعبد حمود .. سيان .. ما يؤمن به سومري من اور هو نفس ما يؤمن به شروكي من مدينة الناصرية .. اسس ومعتقدات الامبراطورية الاشورية هي نفس اسس ومعتقدات الامبراطورية العباسية .. باختصار .. من نبوخذنصر الى صدام حسين: "امة عراقية" واحدة ذات رسالة خالدة !! وهذا سخف فكري يطلق عليه علماء التاريخ اسم المغالطة التاريخية .. وهو خطأ شائع في الوسط الثقافي العراقي الذي يقرصنه امثال سليم مطر.

 ثانيا، وخلافا لما يقوله سليم مطر فان مادية او روحانية حضارة ما، لا يحدده ايمانها او عدم ايمانها بالحياة الاخرى او بجنة موعودة .. فهناك ثقافات روحانية (كالبوذية مثلا) وحضارات (كالصينية) ليس فقط انها لا تؤمن بالحياة الاخرى او بجنة موعودة بل انها شيدت مفهومها الديني والاخلاقي من دون رب .. من هنا فعدم ايمان الحضارة "العراقية" القديمة بالحياة الاخرى او بجنة موعودة لا يكفي ليجعل منها حضارة مادية ودنيوية.. ثم تعال ارجوك وقل لي .. من قال ان فكرة الجنة الموعودة هي فكرة روحانية ؟؟ ان تفعل الخير في هذا العالم لكي تحصل على مكافأة في الحياة الاخرى هي فكرة في قمة النفعية وليست روحانية بالمرة .. انها مقايضة مادية مع الرب .. وهذا بالتحديد ما تعيبه الفلسفات الروحانية على الاديان التوحيدية. 

ثالثا، سليم مطر يقول ان حضارة ما بين النهرين هي مادية ودنيوية لان اعظم رموزها (برج بابل) هو رمز دنيوي غايته العظمة والمتعة.. وهذا استهتار بحقائق التاريخ .. فبرج بابل بحسب علماء الاثار هو زقورة .. والزقورة في حضارة ما بين النهرين هو معبد لخدمة الرب .. وبهذا المعنى فـان "برج بابل" هو رمز ديني وليس رمزا دنيويا كما يعتقد سليم مطر ..سليم مطر يرتكب هذا الخطأ التاريخي لانه يعتمد على اسطورة "برج بابل" التي اشاعتها المحكية التوراتية الضدية ومفادها ان بابل هي مدينة دنيوية ولا اخلاقية وان "برج بابل" ذو الارتفاع الشاهق كان نوع من التطاول على الاله .. في حين ان البابليون شيدوا هذ البرج الزقورة اجلالا وتقربا للاله مردوخ ..لان بابل كانت تعتبر نفسها "المدينة المقدسة" التي يقيم فيها الاله..من هنا تسمية "بابل" التي تعني بالاكادية "بوابة الاله". 

وكل هلوسات سليم مطر في مقاله تستند في الواقع الى هذه الاسطورة وبالتالي الى فهم مغلوط للمعتقدات الدينية لحضارة ما بين النهرين.. فالعقيدة الدينية الاولى لحضارة ما بين النهرين تنص على ان الالهة خلقت البشر لكي يقوموا بخدمتها.. لقد كان الناس انذاك يعتقدون ان كل ما يجري في هذا العالم صادر عن ارادة الهية.. وان كل خطأ مهما كان حجمه هو تمرد ضد الالهة وهو ما يستدعي عقوبة الهية .. ويمكن الرجوع في هذا الموضوع الى كتاب " في البدء كانت الالهة" لـ جان بوتيرو .. وهو من افضل المختصين في حضارة ما بين النهرين.. بوتيرو يلخص عقيدة الرافديني القديم كالتالي : " اذا كنت اعاني، فهذا يعني انني معاقب من قبل الالهة، وبما ان الالهة  قد عاقبتني فهذا يعني انني ارتكبت خطيئة بحقها".. باختصار.. حضارة ما بين الرافدين لا تؤمن بالحياة الاخرى ولا بجنة موعودة لانها كانت تعتقد ان العقوبة الالهية تنزل على البشر في حياتهم وليس بعد مماتهم .. والرافديني القديم الذي كان يعتقد ان ظواهر طبيعية كالبرق اوالفيضان هما عقوبات الهية كان يلجأ للصلوات والنذور خوفا من غضب الالهة او انتظارا لغفرانها .. وطبقة رجال الدين (كما هو دورها في كل زمان ومكان) كانت تسهر على افزاع الناس من اجل سرقة نذورهم .. وسليم مطر يقول لنا ان حضارة ما بين الرافدين كانت مادية غايتها الدنيا والمتعة!!  

لقد عانت بابل خلال قرون من المحكية الاسطورية التي اشاعتها التوراة .. وظلت هذه  المحكية الاسطورية سائدة حتى الثلث الاخير من القرن التاسع عشر ..حين تمكّن البريطاني جورج سميث في عام ١٨٧٢ من اكتشاف وقراءة لوح طيني يسجل قصة الطوفان التي ترد في التوراة .. ثم تبين له تدريجيا ان الالواح الطينية البابلية تحتوي على قصص اخرى موجودة في التوراة .. مما دفعه للاستنتاج بان التوراة قد استعارت الكثير من معتقداتها من البابليين.. وقد قام سميث بنشر هذه الاستنتاجات في كتاب عام ١٨٧٥.. وبالرغم من هذا الاكتشاف الاركيولوجي الهائل استمرت المؤسسة الدينية المسيحية بالترويج لفكرة التفوق الروحي والاخلاقي للتوراة مقارنة بالعقائد البابلية.. وقد جاء الرد على هذا الادعاء من البروفيسور الالماني فردريك دِليتش في محاضراته الشهيرة "بابل والتوراة" .. لقد قام البروفيسور دِليتش بتحليل ومقارنة قصة الطوفان في النسختين البابلبة والتوراتية وبرهن ان البعد الاخلاقي والروحي في القصة البابلية هو اكثر انسانية مما هو موجود في القصة التوراتية .. ليس هذا وحسب بل انه بيّن ان البابليين كانوا في طريقهم نحو فكرة الاله الواحد وبهذا المعنى فان فكرة التوحيد هي فكرة بابلية وليست يهودية .. لقد كان لاراء البروفيسور دِليتش وقع العاصفة الفكرية في المانيا واوربا.. مما دفع احد رجال الدين بالكتابة للقيصر مشتكيا :" ان حديث الشارع الالماني هو ان الكتاب المقدس لم يعد له قيمة".. لقد كانت محاضرات البروفيسور دِليتش المسمار الاخير في نعش الاسطورة التوراتية.. منذ ذلك الوقت اصبح معروفا ومقبولا في الاوساط العلمية ان الديانات التوحيدية هي في الحقيقة مسار نشأ وتطور في البقعة التي تسمى اليوم بالمشرق العربي .. والاستعارات والنسخ فيما بينها هو امر لايخفى على عاقل.. كل دين جديد يظهر كان ينتقد السابق بحجة انه حاد عن الطريق القويم .. وهذا بالتحديد ما فعلته التوراة مع الديانة البابلية حين اشاعت اسطورة ان بابل هي مدينة دنيوية غايتها الدنيا والمتعة لذلك دمرها الاله.. وهذا ما يروج له سليم مطر اليوم. 

باختصار.. سليم مطر الذي يعتقد ان منظمة سرية دفعت امريكا لاحتلال العراق لان حضارته دنيوية من صنع "قوى جبارة خفية مجهولة، لغتها الرموز الكونية وابراج النجوم".. هو عندي لا يختلف عن الدجال محمد صادق الصدر الذي يقول في هذا الفيديو ان "امريكا  اسست قوات التدخل السريع وافتعلت حرب الخليح لاجل ان تملىء الخليج بالبوارج الحربية تحسبا لظهور المهدي .. وان للمهدي ملف كامل في البنتاغون ولكنهم لايملكون الصورة الشخصية له"!! فكلاهما يروج لمنطق غيبي اسطوري .. وهذا المنطق الغيبي الاسطوري هو بالتحديد سبب خراب العراق ..فالعراق وصل الى ما وصل اليه لان فيه قادة اغبياء اعتقدوا كما سليم مطر انهم ورثة نبوخذنصر فارتكبوا الحماقة السياسية تلو الحماقة.. والعراق وصل الى ما وصل اليه بعد ذلك لان فيه شعب متناحر لا زال يستنشق غبار معارك الجمل ..شعب "زقورات" واضرحة يغتصبه فكريا رجال الدين والفهلوية .. شعب يسمي امثال سليم مطر مثقفين وامثال مقتدى الصدر قادة !!

2011/12/21

العالم بالمقلوب .. محاكمات قاسم عطا !!


قرأت مؤخرا كتاب"النفس المبتورة" للكاتب الايراني داريوش شايغان .. وهو كتاب نقدي للتشوهات التي تعاني منها المجتمعات الاسلامية نتيجة موقفها المزدوج من الحضارة الغربية .. فهي تستعير كل منتجات الغرب ولكنها تحتفظ بعقلية القرون الوسطى .. شايغان  يكرس جزء كبير من كتابه لايران ما بعد الثورة الايرانية .. لم يعجبني الجزء النظري في كتابه (ربما بسبب الترجمة الرديئة) .. ولكن تحليله للتغيير المجتمعي الذي حصل في ايران بعد مجيء الملالي، وخصوصا وصفه لشخوص هذا التغيير اعجبني كثيرا..هناك في الكتاب بعض المقاطع المكتوبة بتسجيلية رائعة .. ساضع هنا نكتة طريفة شاعت بعد الثورة الايرانية .. يوردها شايغان ليدلل على انقلاب المفاهيم في المجتمع الايراني ما بعد الثورة .. حيث اصبح العالم يعمل بالمقلوب .. النكتة تقول:

" يروى ان رجل مغترب عاد للبلد بعد غياب عدة سنوات. وما ان وصل الى مطار طهران، حتى اخذ سيارة تاكسي لتقله الى بيته. في منتصف الطريق، طلب الرجل من سائق التاكسي التوقف امام بائع سجائر. فسأله سائق التاكسي :
ـ لماذا التوقف يا سيدي؟
ـ لاجل شراء السجائر.
ـ السجائر!!! السجائر تباع في الجامع.
ـ لكن الجامع بيت الله ويُذهب اليه للصلاة.
ـ خطأ !!!  للصلاة، يا سيدي، يجب الذهاب للجامعة. 
ـ  واين تجري الدراسات اذا؟
ـ يا سيدي الكريم، الدراسات تجري في السجن.
ـ ولكن السجن هو المكان الذي يُوضع فيه المجرمين.
ـ خطأ !!! المجرمون، يا سيدي الكريم ، يوضعون في الحكومة."

شايغان يعلق على هذه النكتة المفعمة بالرمزية فيقول :" جميع الوظائف تبدلت في هذه النكتة .. فالدين تحول الى تجارة رابحة ، والجامعة الى حسينيات والسجن ملاذا لاساتذة الجامعات والحكومة للمجرمين".

هذه النكتة تصف ايضا حال العراق بعد مجيء المليشيات الشيعوية للسلطة .. ربما الاختلاف الوحيد في العراق هو ان اساتذه الجامعة والعلماء قد جرى تصفيتهم او تشريدهم .. لذلك فان "الدراسات" لاتجري في السجن كما هو الحال في الحالة الايرانية وانما في "القبر" او في المهجر!! فالحكومات في عراق ما بعد الدبابة الامريكية هي عبارة عن شلة مجرمين .. مَن لم يقتل او ساهم في سياسة القتل او التهجير الطائفي فهو قد سرق او ساهم في سرقة الملايين .. وكلاهما مجرم .. اما بخصوص حال الجامعات، فانت عندما تشاهد اليوم صور الجامعة المستنصرية ذات المعمار الرائع .. ستعتقد انك في حسينية من كثرة السواد الذي يغطي جدرانها .. جمال مطلق تحوّل الى قبح مطلق .. اما عن تحول الدين الى تجارة رابحة فحدث ولا حرج. 

ما جرى في العراق في الايام الاخيرة يؤكد ايضا ان الحكومة في العراق العماماتي هي مافيا .. والدليل هو قيام "محكمة قاسم عطا" (التي بزت محاكم ستالين في سرعة انتزاعها للاعترافات التلفزيونية ) باتهام طارق الهاشمي باعطاء اوامر لحمايته بارتكاب اعمال ارهابية .. ليس من المفيد التذكير هنا بأن اسلوب الاعترافات التلفزيونية هو اسلوب مرفوض حسب المعايير القانونية الدولية .. وليس من المفيد التذكير ايضا بأن لا احد في العالم باستثناء مشاهدي قناة العراقية صدّق هذه الاتهامات ذات الدوافع الطائفية.

لا ولن ادافع عن طارق الهاشمي .. خصوصا وهو قد شارك في المشروع الامريكي الذي وضع في العراق برميل بارود طائفي وسماه ديمقراطية !! ولكنني اعتقد ان اتهام نائب رئيس جمهورية المنطقة الخضراء هو مناسبة جيدة لفتح تحقيقات ولو نظريا مع كل المجرميين الذين وضعتهم امريكا في السلطة واجراء محاكمات لهم .. اقول محاكمات وليس محاكم تفتيش على شاكلة محاكم قاسم عطا.. تصورا عندها حجم التهم التي ستوجه الى حكومة ضمت وتضم بين صفوفها مجرمين من مثل صولاغ او هادي العامري .. او عادل عبد المهدي الذي سرقت حمايته مصرف الزوية .. ولما لا مقتدى الصدر قائد "جيش الضال" الذي قام بأكبر مذبحة جماعية في تاريخ العراق .. عندها لتكن المقولة التي تُنسب للمسيح مدافعا عن امرأة اتهمها الناس بالزنى هي المعيار : "من لم يزنِ منكم فليرمها بحجر".