2006/10/24

العمائم والفقراء .. وصيد السمك

تقول جريدة الحياة اليوم : " في العمارة عثرت دوريات للشرطة العراقية على جثة شقيق قائد «جيش المهدي» في العمارة حسين البهادلي، حيث اندلعت مواجهات جديدة أمس. وأفاد مصدر في شرطة ميسان ان جثة البهادلي الذي خطف الخميس الماضي، خلال الاشتباكات بين «جيش المهدي» والشرطة التي تنتمي الى «فيلق بدر» التابع لـ «المجلس الأعلى للثورة الاسلامية» بزعامة عبدالعزيز الحكيم وجدت مقطوعة الرأس وقد تعرضت للتعذيب.

في تعليقه على هذا الحادث يشير خوان كول " الى ان البهادلي هو اسم من عرب الاهوار، مما يشير الى ان هناك بعد اثني في الصراع الدائر" .. وهو يعرج بعد ذلك على النظرة التحقيرية للمعدان/ عرب الاهوار عند عرب العراق كطبقة واطئة.. ثم يقول ان "هناك الكثير من عرب الاهوار اصبحوا اتباعا لمقتدى الصدر ذو الاتجاه الوطني الذي يقدم نفسه كحامي للفقراء".

ملاحظة خوان كول شيء يعرفه العراقيون وعلى الخصوص الشيعة ذوي الاصول المتواضعه.. ولكن ما يدهشني هو ان خوان كول (هو الخبير بالشأن الشيعي) يقول ان هناك بعد اثني في الصراع (هل يا ترى ان مصطلح الاثني هو مصطلح جامع في اللغة الانكليزية الاصطلاحية ؟ ) .. ولكنه لايعمق تحليله بالاتجاه الصحيح .. اذا يقول " ان عرب العراق ينظرون الى المعدان نظره تحقيرية" .. وهذا صحيح.. كان المفروض منه ان يبقى في مستوى ملاحظته الذكية الاولى المتظمنة للصراع الشيعي/ الشيعي.. والاصح ان يقول ان هناك بعد طبقي/ اجتماعي في الصراع الدائر حاليا بين الشيعة في جنوب العراق.. ذلك ان افضل ما يمكن ان يقدم لعراق مخدر بالايديولوجيا الطائفية ولفقراء العراق، دافعي ثمن الفوضى، هو تفكيك المفردات الشمولية (سنة ، شيعة ) المدافع عنها من قبل الباحثين عن السلطة.

هذا الصراع بين الكربلائي (السيد) والشروقي (العبد ) هو صراع طبقي/ اجتماعي قديم.. قد تحيده الايديولوجيا لبعض الوقت ولكنها لن تنجح بأخفائه كل الوقت.. ومن لم يفهم ذلك سوف لن يفهم الموجة الشيوعية التي اجتاحت الجنوب العراقي في خمسينات وستينات القرن الماضي .. الاسلام السياسي الشيعي الذي حملت لواءه "البرجوازيات" النجفية والكربلائية في نفس الفترة كان رد فعل على الحزب الشيوعي الذي كان يسير مظاهرات في عقر دارهم ويجند الرفاق من بين ابنائهم.

الكثيرون من الشيعة يعرفون هذا ولكن الم الجراح ، الحرمانات ، سياسة الانتقام ، والتخويف، لم تعطهم الوقت الكافي لمواجهة المتغيرات الجديدة.. ولكن عندما تصدم المصدوم فأنك تيقظه.. عاجلا ام اجلا سيظهر الكذب والدجل.. شكاوى الناس البسطاء من تجار الجرح قد ظهرت بصورة خجلة منذ فترة ولكنها ستأخذ بالاتساع بمرور الوقت.. نعم الايديولوجيا لاتصمد امام الواقع الاجتماعي.

كنت وما زلت اعتقد ان "البرجوازيات" الشيعية (عوائل واحفاد رجال الدين المتحالف مع بعض الشيوخ) قد حاولت تاريخيا وتحاول حاضرا قرصنة مفردة الشيعة.. نعم كان ولا زال الصراع هو قبل كل شيء صراع مفردات .. صراع على المفردات .. من ينجح بتمريرالمفردة ويستحوذ على حق الكلام باسمها .. ينجح بالتمثيل السياسي.. منذ محاربة رجال الدين الشيعة للمدارس الحديثة.. مرورا بفتوى الشيرازي التي منعت الشيعة من الدخول في اجهزة الدولة العراقية في العشرينات .. وانتهاءً بالاصطفاف الطائفي تحت مسمى الائتلاف العراقي الموحد الذي قام بمساعدة فتوى للسيستاني ابان الانتخابات الاولى التي جرت في عراق الاحتلال .. كان ولازال الهدف هو السيطرة على الشيعة كمفردة وبالتالي كوسيلة للسلطة.

عادة رجال الدين (تحليليا هم رجال دنيا )، كل رجال الدين سنة وشيعة ، ارثودوكس و كاثوليك ، انهم يعطون الفقيرسمكة كل يوم ولكنهم
لايعلمونه صيد السمك.

2006/10/23

هنا البصرة.. تقسيم العراق او فيدرالية الاقاليم لن يمنعا العمائم من القتل


انطوني شديد ،من الواشنطن بوست ، كعادته لا يستقي معلوماته من السياسيين او من المنطقة الخضراء عندما يكتب عن العراق .. القرى النائية هي اهداف زياراته العديدة للعراق منذ ثلاث سنوات .. الناس في اسفل السلم الاجتماعي يشكلون مصادر تحقيقاته واهتماماته .. وهو غالبا ما يخرج بتحقيقات هي اقرب للبحث السوسيولوجي منها الى الريبورتاج الصحفي .. بالامس نشرت له الواشنطن بوست اخر تحقيقاته التي قام بها خلال شهر رمضان في قرية قرب شط العرب في البصرة .. اقتطف هنا مقطعين هي بمثابة دلائل سوسيولوجية عن الناس والوضع العام في جنوب العراق .. اعتقد ان الاقتتال الجاري حاليا في مدينة العمارة يؤكد ما يلي

1

قبل عام تقريبا (في زيارته الاولى للقرية)، كان هناك بوسترا واحدا يزين جدار الشيخ عدنان العيداني. كان ذلك بورتريه للسيستاني ..اليوم هناك عشرات البوسترات ولكن لوجوه جديده .. تمثل القوى ( السياسية) في البصره وفي منطقته.

2

تقسيم العراق عادة ما يقدم كحل لانهاء الاقتتال الطائفي ، ولكن هذا التحليل يتغاضى عن الصراع الدموي والحاد الذي يعصف بالبصرة والمناطق الجنوبية الاخرى ذات الغالبية الشيعية. هنالك قتل اقل في البصرة عما هو عليه في بغداد وذلك لقلة الانشقاقات الطائفية نسبيا، ولكن السكان يؤكدون وبمرارة انه اكثر تنظيما، بما ان الاحزاب الشيعية المختلفة تتقاتل من اجل المال والسلطة.



In a Land Without Order, Punishment Is Power
Conflicts Among Shiites Challenge a Village Sheik in Southern Iraq

By Anthony Shadid
Washington Post
Sunday, October 22, 2006

A year or so ago, just one poster adorned Sheik Adnan Aidani's wall. It was a portrait of Grand Ayatollah Ali Sistani, Iraq's faded but still preeminent cleric, whose stern visage glared down on visitors to the tribal sheik's house along a forest of date palms in the southern Iraqi countryside. Today, there are perhaps a dozen posters with new faces....The posters on the sheik's wall represent the forces in Basra and his

A division of Iraq is sometimes offered as a way to end the country's sectarian strife, but that glosses over the bitter and bloody fights that torment Basra and other predominantly Shiite regions in the south. With fewer sectarian fault lines, there is less killing in Basra than in Baghdad; residents, a little bitterly, insist it is just more organized, as the various Shiite factions battle for money and power.

2006/10/22

كان يا ما كان .. المثلث السني


قبل ايام كتب خوان كول ، الخبير في الشأن العراقي، في مدونته : " في صيف
2003
، فقط 14 بالمئه من السنة كانوا يساندون هجمات العنف ضد القوات الامريكية . اما في اخر الاحصائات فـ 70 بالمئه منهم يساند مثل هكذا افعال." .. يبقى خوان كول ، رغم عمق معرفته بالشأن العراقي ، اكثر معرفة بشيعة العراق( اختصاصه الاول).. لذلك سأستعين برأي دافيد باران المعلق الكندي الذي يعرف السنة جيدا.. وهو اكثر معرفة بالعراق كارضية بحثية من كول لانه كان في العراق قبل وبعد الاحتلال الامريكي ولفترات طويلة.. مقالته " التباس في الفلوجة" التي نشرت في حزيران 2003 في صحيفة " العالم الدبلوماسي" تحكي عن الاحتمالات التي غيبت بسبب الحماقات الامريكية.

يقول باران " ان عشائر المحامدة ، الجميلات ، البو عيسى ، زوبع الخ التي تسكن الفلوجة ، كانت لها علاقات جيدة مع النظام السابق. ومع ذلك وبعد سقوط النظام فأن وجهاءها كانوا يعتقدون من العبث ومن غير النافع مقاومة الامريكيين. من هنا وفي نيسان/أبريل عام 2003، غداة سقوط بغداد، تشكل بصورة عفوية مجلس من الوجهاء الدينيين والقبليين اضطلع بمسؤوليات المرحلة الانتقالية بعد انهيار مؤسسات النظام وأرسل موفداً الى قوات التحالف للتفاوض على استسلام المدينة. كانت الرسالة واضحة " الفلوجة تتمنى قبل كل شيء السلام". اذا لقد دخل الامريكيون مدينة هادئة ومحكومة من قبل مجلس الوجهاء وهذا على عكس الكثير من مدن العراق التي كانت تعمها الفوضى .. ولكن بعد ذلك جاءت مواكب من سوء الفهم.

" سكان المدينة لم يفهموا لماذا تفتح القوات الامريكية المخازن الحكومية امام النهابين . لم يتصور احدا ان قوات " التحرير" ستتمركز في وسط المدينة وتسيطر على تقاطعات المدينة الاستراتيجية، تستعرض في الاحياء السكنية، تراقب المدينة بالهليكوبترات التي كانت تحلق بمستوى البيوت. هذا الموقف الاستفزازي لم يكن يتناسب مع مدينة تمنت السلم بوضوح وهي كانت امنة وهادئة. اتخاذ الامريكيين لمدرسة كقاعدة ولسطوحها كابراج مراقبة ادى الى اشعال النفوس.. ان مراقبة هذه المنطقة السكنية من قبل جنود مزودين بنواظير كان يشكل اعتداء على حرمة عوائل محافظة.. وكرد فعل قامت مظاهرة امام تلك المدرسة احتجاجا على هذا التصرف الغيرلائق.." القوات الامريكية تطلق النار لا لتفرق المظاهرة وانما على الطريقة الامريكية المعروفة (الاستخدام الكثيف للنار) ..النتيجة مذبحة .. ثم ثأر وحلقة العنف.

هذة قصة الفلوجة التي كانت اول مدينة تثور بوجه الامريكيين.. عندما تعتبر الاخر عدوا فانك تنتهي بأن تجعله بنهاية الامر كذلك.. يقول باران الفلوجة في نظر الامريكيين "لا يمكن إلا أن تكون مدينة عدوة، وهذا ما أصبحت عليه بالفعل.

هذة العدائية الامريكية ليست وليدة الصدفة تجاة المدن السنية .. ولكنها سياسة انتجها انزلاق مفاهيمي لعقلية استشراقية.. صدام سني اذا كل السنة في العراق هم صداميون .. لقد اعتبروا السنة كل السنة صداميون ، لذلك كان لابد على الاقل اهانتهم اذا لم يكن تصفيتهم.. اكشن .. عنف مجاني انتج عنف مجنون .. هذه قصة الدراما العراقية من الاصل.

الفلوجة والمناطق المحيطة بها كانت تسمى في البداية " المثلث السني".. ولكن أي انتقام للواقع .. نعم، الهندسة التي لا تأخذ بعين الاعتبار جميع نقاط الفضاء المدروس تستحيل الى قراءة تنجيمية للابراج .. المثلث السني الذي ارادوه صغيرا (غرب وجنوب بغداد) يجد اليوم امتداده وحجمه السوسيولوجي .. دراسات الستينات تستخدم مصطلح المثلث السني لتشير الى مثلث رأسه في الموصل وقاعدتة الانبار ـ بغداد ـ ديالى .. نصف مساحة العراق مشتعلة .. نادرا ما كانت انزلاقات المفاهيم بهذه القدرة على الدمار. 

2006/10/20

امريكا .. من قراءة ابراج الى قراءة هندسية للواقع العراقي؟



فعل
جريدة الحياة تقول اليوم من مصادر موثوقة أن «الجيش الإسلامي»، يخوض، منذ يومين، محادثات سرية مع وفد أميركي في عمّان، ويشترك في جانب منها ممثلون عن جبهة «التوافق» السنّية، بالإضافة إلى زعامات عشائرية .. ( إفهم: هناك تغيرا استراتيجيا في السياسة الامريكية في العراق بخصوص المثلث السني الذي اشعلوه بحماقاتهم القاتلة)

محاولات اتصال خجلة من جانب الطرفين بدأت منذ اكثر من سنه تقريبا ويبدو انها تنضج اكثر.. كما قلت في " منطق الابواب المغلقة" فان دوائر القرار الامريكي فهمت ان العمى الايديولوجي تجاه سنة العراق قد يكلفها انكسارا استراتيجيا .. ويبدو انها قد فهمت ايضا ان منطق الابواب المغلقة سيفضي الى ابواب مكسورة .. امريكا التي زرعت الريح في "المثلث السني " بدأت تعي حجم هذا المثلث (نصف عراق محترق ) الذي ارادته صغيرا ايام قراءة الابراج ، وهي حتما لديها اشارات بأن الرياح تنذر بالتحول الى عواصف.. سأعود لوصف مسار العمى هذا في يوم اخر.


ردود فعل

امس 19 تشرين الاول 2006

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يزور المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني .. اللغة الخشبية تقول" نتحرك على كل المواقع التي تؤثر في الجانب السياسي والاجتماعي من اجل حشد التأييد والدعم وتعبئة الصفوف وايجاد مساحة وقاعدة عريضة من كل المواقع المؤثرة من اجل الضغط على القوى الارهابية التي تريد ان تعيث في الارض فسادا.. (إفهم : في سبيل وضع سقف للمفاوضة مع " بقايا الصداميين والبعثين والتكفيرين " كما يسمونهم باللغة الخشبية الجديدة .)

وزير" الأمن الوطني" العراقي (هل هناك بقية من امن وطني !!) شروان الوائلي قال أمس، أن القوات الأميركية رفضت التفاوض مع «الجيش الاسلامي في العراق» لعدم ثقتها في «أنه يُمثل الجماعات التي يدعي تمثيلها" ( إفهم : هناك مفاوضات يقوم بها الامريكيون مع الجيش الاسلامي وان الاخ غير راض او هو يحاول ان يموه بطلب من اسياده.)

نفس الوزير يقول بنفس اللغة الخشبية " يجب عدم التساهل مع أي متهم تُثبت الأدلة تقصيره وارتباطه بجماعات إرهابية وتقديمه الى المحاكمة وفقاً لقانون الارهاب، حتى وإن كان يتمتع بحصانة قانونية». وأشار الى «تقارير عن علاقة سياسيين وتنفيذيين من رجال الدولة بجهات ارهابية» .. (إفهم : انذار للساسة السنة المندمجين في اللعبة السياسية على عدم الذهاب ابعد مما ينبغي في التواصل مع المقاومة .. في انتظار الاوامر من السيد (بدون عمامة ) سام.
 

2006/10/18

غياب الحقل السياسي .. وحضور مفاتيح الجنة



الحروب الدينية هي الاشكال التي تأخذها الحروب الاهلية عندما لا يكون الحقل السياسي قد استقل بعد عن الحقل الديني

بيير بورديو


Les guerres de religion sont la forme que prennent les guerres civiles dans l’état de différenciation des
champs où le champ politique n’est pas encore différencié du champ religieux
Pierre Bourdieu

2006/10/17

الفيدرالية الان


حزب آل حكيم يطالب بفيدرالية جنوب ووسط العراق .. لا بأس.. ولكن ما هي حجتهم ؟ يقولون انها تمنع الدكتاتورية.. كيف استطاعوا تمرير هذا الخلط القسري للمعاني على هذا البعض من العراقيين الشيعة؟ اعتقد ان الاجابة على هذا السؤال لا تحتاج الى جهد كبير في زمن التأزم .. ولكن من اين جاءوا بهذه الحجة الواهية : الفيدرالية كنقيض للحكم الدكتاتوري؟ لا اظن ان صاحب عقل وفطنة يستطيع ان يقول لنا ان اقليم كردستان الفيدرالي ( وهو نموذج يطمح اليه آل حكيم ) والذي يتنازعة جلال ومسعود هو بديل للدكتاتورية.. طالما ان اهالي حلبجة وهم "رمز المعاناة الكردية" يتعرضون لنار "شرطة" اقليم كردستان بسبب من خروجهم بمظاهرة تعري مستخدمي الجرح ، فاننا امام دليل عراقي حي من ان اقليم كردستان الفيدرالي ليس مرادفا لغياب التعسف الدكتاتوري.. ففي كردستان الدكتاتورية الكبيرة قد فرخت دكتاتوريتان صغيرتان .. ترى كم دكتاتورية سيولد اقليم الوسط والجنوب "شيعستان" ؟ اترك لمخيلتكم الجواب.

لو ان عصابة آل الحكيم قالوا لنا بصراحة ان فيدرالية اقليم الوسط والجنوب سوف تساعد على توزيع "الهريسة" بشكل اكثر فعالية كنت سأكون من اول المدافعين عن مطلبهم بفيدرالية.. ذلك انه سيكون من الصعب اخلاقيا الوقوف بوجه دمقرطة الهريسة .. ولو قالوا لنا انهم يطالبون بفيدرالية الوسط والجنوب وفاءً لنضال " ارستقراطيات" النجف وكربلاء في خمسينيات القرن الماضي، لتعاطفنا مع امانتهم التاريخية .. اما وانهم ، هم الذين كانوا في سنوات الاسر الايراني يعذبون اسرى الجيش العراقي من الشيعة لكي يجندونهم ضمن فيلق بدر ، يطالبون بفيدرالية من اجل محاربة الدكتاتورية.. فهذا يدفعنا على اقل تقدير لطرح اسئلة بخصوص طريقة ادارتهم للفيدرالية المبتغاة.. اتذكر تعليق المجرم صولاغ "وزير الداخلية" السابق (وهوعضو في عصابة آل الحكيم) عندما اكتشفت اقبية تعذيب في وزارته : "لا عدد المعذبين لم يكن بالمئات وانما بالعشرات" !! عذر اقبح من ذنب.. هل فيدرالية يديرها مثل هولاء تستطيع تجنب ويلات الدكتاتورية.. شخصيا لااظن .. لانني اعتقد ان النظم السياسية هي اطارات اما من يفّعل محتوياتها فهم البشرالذين يتحركون في داخلها.

الفيدرالية نظام سياسي راقي، ولكنها كفكرة ، كتقنية حكم مجردة ليس حلا سحريا كما تدعي الخطابات التعميمية.. وفي المجتمعات التي لم تتوافر لها لا الإمكانيات ولا الوقت الكافي ولا الظروف الملائمة ، فأن الفيدرالية هي جزء من استراتيجة معقدة تتطلب شروط اخرى لاحلال السلم بين مكونات هذة المجتمعات.. واول ما يقتضيه هذا النموذج ، من بين الشروط الكثيرة الممكنة لتفعيله ، هو نخب سياسية تتحمل مسوؤلية فن التوافق او على الاقل ان تعرف كيف تتكلم (وهذا غير متوفر لا عند العمامة التي تقود التيار المطالب بفيدرالية الجنوب والوسط ولاعند اغلب الساسة العراقيين.

ان هذا ليس تهجما على حق الادارة الذاتية المشروع لكل مكونات الشعب العراقي بما تراه مناسبا لتحسين اماكن وظروف عيشها بدء من الدربونة ، المحلة ، المدينة ، المحافظة الخ .. ولكنها محاولة لمواجهة الحق الذي يراد به باطلا.. فعندما يقول لك مختار محلة انه يريد ان يستقل بمحلته لان حاكم المدينة جائر/ دكتاتوري .. وانت تعرف ان مختار المحلة (و الشقاوات التي تدور حوله) يعذب ابناء المحلة او سبق له ان عذبهم قبل مطالبته بالاستقلال او هو غير قادر حتى على تنظيف ازقة المحلة ، فأقل ما يمكن عمله هو تعرية هذه الكذبة.. العراقيين الشيعة لا يصلحوا ان يكونوا حقل تجارب بعد كل الذي عانوه .. وهم بحاجة الى حكماء يطببون جراحاتهم الكثيرة.. اثبتوا لهم انكم قادرون على ادارة مدينة ثم تعالوا وخذوا محافظة .. اثبتوا لهم انكم قادرون على ادارة محافظة ثم تعالوا وخذوا اقليما .. اثبتوا لنا انكم قادرون على ادارة الاقليم .. عندها تعالوا واحكموا العراق.. ولكن لنا هنا ملاحظة .. الحكم ليس معناه ثقب الرؤوس بالدريل ، ومن لايفرق بين الاثنين لن يؤخذ طلبه بالحكم بنظر الاعتبار وسيرمى في سلة المهملات.

الفيدرالية في جوهرها هي نزعة ضد الادارة المركزية وطموح مشروع بالادارة الذاتية.. وهي في المجتمعات المتنوعة ضرورة لاقامة سلم اجتماعي وثقة سياسية من اجل تفعيل المجتمع .. ولكن الفيدرالية اذا ما جندت بطريقة ضدية تكتيكيا (على المدى القصير) من اجل اقامة دويلة صغيرة فهي على المدى الطويل لن تكون رادعا امام قيام دكتاتورية صغيرة.. من يريدها حربا على الدكتاتورية في العراق فعليه بفيدرالية المحافظات .. لان فيدرالية الاقاليم لن تشكل ابدا عقبة امام الدكتاتورية.. من هنا فأن تصوير فيدرالية الاقاليم كمانع امام الدكتاتورية هو خلط قسري لمصطلحين هدفه التعويم والتعميم من اجل التنويم .. لنتذكر ان مثل هكذا خطاب تعميمي هو اسلوب حكم الانظمة الدكتاتورية كبيرة كانت ام صغيرة.

2006/10/14

صخرة طانيوس .. ثمة ماضٍ حاضر


صخرة طانيوس لـِ امين معلوف رواية رائعة.. لغة مدهشة، بناء درامي متين، عمق في تكوين الشخصيات.. انها رواية تستوحي بحسب الكاتب"بتصرف شديد قصة حقيقية".. الرواية مهداة الى "ذكرى الرجل ذي الاجنحة المتكسرة". اظن ان جبران كان سيفرح بهذا الاهداء لان مستوى التراكم الادبي المضطرد بين الجيلين كان ليطمئنه عن الممكن في المشرق على الاقل ثقافيا.


انها رواية تاريخ الضيعة ، الجبل ، لبنان ، المشرق، كل هذا معا.. " الامر يتعلق بمجتمع يحتم فيه الاحترام الشديد للنساء تجاهلهن".. ذلك ان طانيوس" كان يخاطب هذه الفتاة ويتحاشى التحديق اليها".. نعم انها رواية عن المشرق، قبل قرن ونصف، حين كان الاقطاع المتحالف مع رجال الدين يحكم : سطوة واستهتار الشيوخ ، تعصب رجال الدين، طيبة وخنوع البسطاء ، النزاعات المحلية التي لاتنتهي الخ.

وهي على مستوى اخر تسجل لتاريخ ولوج الغرب في الشرق .. اصطدام جيل جديد (طانيوس) بالافكار الجديدة (القس الانكليزي ومدرسته) ..الصراع بين القيم الجديدة (الحرية) مع القيم القديمة (الاقطاع) ، والنتيجة : صدمة ثقافية، اغتراب عن المحيط .. التمزق بين عالمين.. اجيال عربية كثيرة اختبرت كطانيوس كيف " الحلم يتحول الى كابوس ، والغضب الى غثيان .. مثال:

طانيوس : ارغب بمتابعة دراستي
ابوه : ما تعلمته يكفي صدقني، لو درست كثيرا ، لن تطيق العيش وسط اهلك. ص. 130

انها ببساطة رواية تقول لنا من اين اتي المشرق كبنى تنظيمية اجتماعية وسياسية ، وكتكوينية نفسية وهذا ليس بالقليل.

الرواية بعد ذلك حبلى بالرموز والجمل التي تحكي عن الماضي وكأنها تشير للحاضر وهذا احد اسباب كثافتها.. هنا بعض المقتطفات..عن جريمة اغتيال البطريرك :

 جريمة اقترفت على اراضي الشيخ ، على يد امين سره (الطبقة الوسطى الصاعدة) بالسلاح الذي عهد به اليه شخصيا. كان سلاحا اهداه قنصل انكلترا وقد استعمل بالضبط لاغتيال البطريرك ، احد المناوئيين للسياسة الانكليزية . ص. 184

عن مسؤولية ابناء البلد عن العنف والنزاعات التي لاتنتهي يقول القس الانكليزي :

 "للحصول على راس مجرم ، قُتل اربعة ابرياء. قال لي قحطان بك انه لم يشأ حدوث ذلك ، ولكنه لم يسع للحؤول دون حدوثه. وغدا، سوف يأتي اهالي كفريبدا ، بدافع الثار، لذبح ابرياء اخرين. ثم يتذرع هولاء واولئك، في السنوات اللاحقة بحجج مفحمة لتبرير انتقاماتهم المتتالية. لم يقل الرب للانسان: لن تقتل بدون مبرر بل قال فقط: لن تقتل". من يتحمل وزر ما حدث ؟ انه بكل تأكيد باشا مصر الذي قلب اهل الجبل ضد بعضهم البعض، ونحن كذلك بريطانيين وفرنسيين ....وكذلك العثمانيين... ولانني احببت هذا الجبل كما لو كان مسقط راسي ، فأنني ارى ان ذنب ابناء هذا البلد ، مسيحيين او دروزا، لايغتفر. ص. 285

عن المقاومة التي تحرق الغابة بعد ان استدرجت العدو الى داخلها فينتشر الحريق الى الضيعة مما يتسبب بموت خمسين من الاهالي ، وثلاثين في صفوف جنود الاحتلال :

 "هل كان الايقاع بجيش الاحتلال يسوغ الاستهتار على هذا النحو بحياة الاهالي ، وبيوتهم ، بل وغابتهم الثمينة ؟ هل كان الفرارية الشبان الخمسة عشر ابطالا ؟ ام مقاومين جريئين ؟ ام مقاتلين متهورين ؟ لاريب انهم كانوا يتحلون بكل هذة الصفات ، مقاومين مجرمين ، وابطالا غير مسؤولين عن افعالهم .ص. 152

كريستيان ماكاريان من مجلة "لوبوان" الفرنسية يقول في تعليقه الموجود على غلاف الرواية الخلفي " بقرائتنا لصخرة طانيوس ثمة شرق يقترب". ربما .. ولكن يقترب من ماذا، ممن؟ ربما للجيل الجديد من الاوربيين؟ لابأس ! هناك جمل تقول الاشياء بطرق تجعلها تغيب معاني الاشياء.. لا اظن ان الشرق كان بعيدا يوما ما عن الغرب ، والرواية تخبرنا بأن الغرب وخصوصا منذ قرنين قد " اقترب اكثر من اللزوم" من الشرق .

يقول الامير (وهو حاكم الجبل) : "لقد نعم الجبل بالامس بالازدهار حين كان السلام مستتبا حوله. ولكننا لانمتلك القرار متى تناحر الكبار". ص.262 .

لا جديد في مشرقنا .