2009/03/30

حين يضحك التاريخ ويبكي


بمناسبة مرور ست سنوات على الاحتلال ، طالعتنا جريدة الحياة بلقاء مطول وعلى حلقات مع احمد الجلبي ..لما لا .. هو وقت مراجعة لاحداث العراق الجسام .. ويبدو ان الحياة لم تجد افضل من الجلبي ليقوم بهذه المراجعة !! علينا اولا ان نسجل وللامانة التاريخية ان نباح الجلببببي قد خف قياسا للسنوات السابقة .. كيف لا وقد تم استرداد ما ضاع من ورث العائلة الاقطاعية .. يا ملياراتنا !! ولكن الجلبي الذي اعتاد ان يعطي لنفسه اهمية اكبر من حجمه ما زال هو هو لم يتغير .. مسكين هذا القرقوز الذي لم يفهم حتى الان انه لم يكن غير بيدق نبّاح استخدمه السيد الامريكي مرحليا .. من يقول لهذا القرقوز ان قافلة الامبراطورية السارقة لثروات الشعوب تحركها حسابات استراتيجية اكبر حتى من رؤساء امريكا فما بالك بجلبببببببببببببببي لايحسن غير النباح .

ساضع جانبا حجم المعرفة "الهائلة" بالشان العراقي والتي يتمتع بها الصحافي اللبناني الذي اجرى الحوار بحيث يسمع كلمة الرصافة بعد الكرخ ويكتبها " الروسان" !! ولكنني ساتوقف عند جملة الصحافي التي يبرر بها اختيار احمد الجلبي، اذ يقول : "الصحافة لا تبحث عن الابرياء ولا تعيش على قصص القديسين" .. لا فض فوك !! نعم صحافة البترودولار تبحث عن خونة يمثلون اوطانهم لكي يغطون على امراء العار من حكام المحميات النفطية .. نعم صحافة البترودولار لاتبحث عن الابرياء لان هدفها هو ابدال مهنة البحث المتاعب بمهنة البحث عن الفضائح .. من يقول لهذا المسبح بحمد آل سعود ان اقوال المرتزقة والسرسرية (الزعران باللبناني) لا ولن تكون اساسا لكتابة التاريخ .. من يقول لهذا القلم اللبناني المباع ان الناس لا تنتظر معرفة من الاقلام المباعة .. فعندما يباع ويشترى القلم فانه يفقد شرعيته المعرفية.

التاريخ سيضحك حين يسجل ان سقراط دفع حياته ثمنا لترسو مهمة قول الحقائق اليوم عند دكاكين آل سعود الصحفية ! والتاريخ سيضحك حين يسجل ان الجلبي وامثاله من ابناء واحفاد البيوتات الشيعية يتكلمون اليوم بأسم فقراء الشيعة .. نعم التاريخ سيضحك حين يسجل ان احمد الجلبي، حفيد الاقطاعي الذي كانت سياط عبيده الافارقه تبتز جيوب فقراء الشيعة، يتكلم اليوم باسم فقراء الشيعة .. والتاريخ سيضحك حين يسجل ان عادل عبد المهدي المنتفجي الذي كانت سياط سراكيل جده تلسع اظْهُر فقراء الجنوب يتكلم اليوم عن مظلومية الشيعة .. والتاريخ سيضحك باكيا حين يسجل ان الدولة العراقية التي انشئت اول مدرسة في الجبايش عام 1924 (شاكرمصطفى سليم، الجبايش ص. 239) بعد ان الغت مشيخة آل خيون وسياط واستعباد آل خيون للمعدان اصبحت اليوم تنعت بـ "الدولة السنية" من قبل احفاد المعدان !

نعم التاريخ سيضحك حين يسجل ان من ساهم في تكريس مقولة "الدولة السنية" داخل الرؤوس الاسفنجية هو بالذات من يقول لنا اليوم بان شيعة السلطة الحاكمين الان لا يمثلون شيعة العراق كما ان سنة السلطة لم يكونوا يمثلون سنة العراق .. الفهلوي حسن العلوي الذي استخدمه الجلبي ذات حملة نباح مسعورة ضد "الدولة السنية" ايام كان رئيسا لتحرير جريدة المؤتمر الممولة امريكيا انذاك .. العلوي الذي كان عادل عبد المهدي المنتفجي يمول ويطبع كتبه العاوية بمظلومية الشيعة .. هذا العلوي يقول لنا اليوم فقط وبعد خراب البصرة انه يفرق بين شيعة السلطة وبين شيعة العراق كما يفرق بين سنة السلطة وسنة العراق !

هل كنا نحتاج لخراب العراق لكي يتوصل فرسان ثقافة اللطم الى تلك البديهية ؟؟ سؤال رهيب !! لانه سؤال يكشف خواء الثقافة العراقية المتبجحة دائما .. انه سؤال المسافة بين الشعار والمصطلح .. بالاحرى سؤال غياب المسافة بين الشعار والمصطلح في الثقافة العراقية .. سؤال غياب الطرح الاصطلاحي لمفردتي "سنة" و"شيعة" مما فسح المجال اما الاستخدام السياسي الشعاراتي لهما من قبل تجار الجرح و "كهنة" الاحقاد القرووسطوية .. مفردتي السنة والشيعة وخصوصا الاستخدام الشعاراتي لهما هما سلاح دمارنا الشامل .. سلاح دمارنا الذاتي الشامل .. وللعقود القادمة .

عندما يتصدى صحافيون فهلوية كحسن العلوي للتاريخ .. وعندما تسود القراءات الشعرية للتاريخ في الثقافة العراقية .. فالنتيجة دائما قراءات مبتسرة وتسطيحية للماضي .. والقراءات المبتسرة والتسطيحية للماضي هي بالضرورة قراءات قاتلة للحاضر .. من نبوخذ نصر الى السيستاني .."بابل" تُنهب من جديد !

2009/03/16

باي باي لينين


في الاسبوع الماضي تابعت بفضول "عركة" بين شيوعيين عراقيين .. لقد عودتنا حفلات "النقد والنقد الذاتي" الشيوعية التقليدية على تبادل تُهم من نوع الاختلاسات المالية والتصرف الشخصي بالمدخرات الحزبية الى اخره من ثيمات ديالكتيك الدكاكين الحزبية .. وليس جديدا بعد ذلك ان تسمع تُهم التجسس والعمل لصالح المخابرات .. فلا يخلو "نقد ونقد ذاتي" شيوعي من قصص وكلاء الامن والمخابرات .. ولكن ما يثير الانتباه في "عركة" الرفاق الأخيرة هو انها تطرقت هذه المرة علنا لما كان يتداول في السابق في "النشرات الداخلية" للحزب فقط !

عركة الرفاق الأخيرة ككل عراكهم بدأت بالمرور على نضالهم "السلبي" المتشرنق بهالة الرومانسية الثورية .. تلتها انتقالة اجترارية تسجل على الرفيق الخصم تُهم تصريف بالسوق السوداء وفعاليات قجقجية .. ثم بعد ذلك تلميح مستحي الى علاقة جنسية مثلية .. وهنا يرد  "المدعي عليه" في حركة كرشندو دراماتيكية على "رفيقه" السابق في "النضال" بتهمة اغتصاب شقيقته ، وطرده من الحزب الشيوعي بسبب محاول الاعتداء جنسيا على شيخ كردي عجوز كان رفيقا له في موقع ما .. واخيرا بتهمة تهريب الفودكا والمومسات الروسيات !

كما ترون فان امكانيات "حُمر" العراق في "النقد والنقد الذاتي" هائلة .. ومنطقة "ما تحت الحزام" لها اهمية استراتيجية في "الصراع الطبقي" .. فعندما يريد ماركس ابو دشداشة ان يُسكت خصما ما فاسهل اسلحة ديالكتيك الدكاكين هو ان يلصق به تهمة جنسية .. او ما يسمونه جنحة مخله بالشرف.. شيء واحد كان ينقص "عركة" الرفاق الاخيرة وهو شعار : يا سرسرية العالم اتحدوا !

مستوى هذا "النقاش" الغارق بالوضاعة اكد لي من جديد المعادلة الرياضية المعروفة في الاوساط الشيوعية العراقية : شيوعي عراقي زائد شيوعي عراقي يساوي صفر ! اعترف ان مثل هكذا "نقاشات" لا قيمة لها من الناحية الفكرية .. ولكنها تزودنا بمعطيات سوسيولجية عن التركيبة السايكولوجية والاخلاقية لماركس ابو دشداشة .. فأمثال هولاء هم من استحوذوا على الحقل السياسي والفكري الناشئ في نهاية الخمسينيات .. طبقة انصاف المتعلمين الذين ارهقوا العراق بشعاراتهم ومزايداتهم  .. السياسي المحمّل بالضغينة لاينتج الا سلوكيات وضيعة .. فبلا سلوكيات مدنية متحضرة ليس هناك سياسة وحقل سياسي ناضج .. ومن دون حقل سياسي ناضج ليس هناك اوطان .

2009/02/16

عن الديّكة التي ظنت ان الفجر يطلع لأنها "تعوعي


الخطابية الاحتفالية التي تلت انتخابات مجالس المحافظات ذكرتني بالاحتفاليات الردحية التي تبعت لطميات الاصابع البنفسجية السابقة .. يبدوا ان "عرضحالجية" ثقافة اللطم لم يتعلموا من التجارب السابقة .. "ديّكة" ثقافة اللطم التي ظنت بالامس ان "الفجر" سيطلع لأنها "تعوعي" .. لم تفهم بعد ان الشمس لاتشرق بسبب صياحها المزعج .. هي مازالت تعيش في غباء ومحدودية عالم الديكة .. من هنا استمرارها بالصياح تحت شعار : " عوعي عوعي حتى يصدقك الناس" .

غباء ديكة وذاكرة فئران .. يعتقدون ان صياحهم كافٍ لكي يقنعنا اليوم باستداراتهم والتفافاتهم الانتهازية .. نسوا ان نفس الصياح بالامس هو من جاء بـ "تكنوقراط الدريلات" الى السلطة .. نسوا بانهم هم من لعبوا دور الاجراس في تجربة البافلوفية الرعاعية .. نسوا انهم هم من "شحنوا" الدريلات التي "صلت" صلاة المظلومية على الرؤوس !

من يصدق ان "ديكة" ثقافة اللطم الذين كانوا حتى الامس القريب يصيحون ليل نهار بمظلومية الشيعة يتكلمون اليوم عن "الوطنية" .. من يصدق ان من ارادوا دستورا يقر باغلبية الشيعة العددية يتكلمون اليوم عن المواطنة .. من يصدق ان من رفعوا شعار "البيت الشيعي" ذات لطمية اصابع بنفسجية يتكلمون اليوم عن المركزية .. قل لي يا هذا .. هل تصدق !!

انا شخصيا لا ولن اصدق شعارات "الوطنية" التي ينهض بها "دعوجي" كان حزبه اول من مَذْهَبَ العمل السياسي في العراق مما اعطانا تراكميا سرطان الطائفية الحالي .. وانا شخصيا لا ولن اصدق علمانية "اخر وكت" التي تذهب مباشرة بعد فوزها بالانتخابات لاداء مراسم الطاعة امام "آية السرداب العظمى" .. وانا اخيرا لا ولن اصدق شعار "دولة القانون" يرفعه من ساهم في تدمير الدولة العراقية التي شيدها تعب الاجيال العراقية السابقة .. قل لي يا هذا .. هل يبنى لص الدار التي يسرق منذ خمس سنوات ؟

اعرف شيء واحد في هذا الاطار وهو ان نفس الاشخاص الذين حملوا شعار"اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعة " في الاسابيع الاولى من الاحتلال .. هم انفسهم من حملوا الدريلات بعد ذلك باشهر قليلة .. وهذا بالتحديد ما يجعلني اشكك بصياح الديكة التي تردح اليوم بشعارات الوطنية الخانقة لاسئلة الازمة .. افق "الديكة" المحدود يمنعها من استيعاب شيء في غاية الاهمية : سرطان الطائفية الذي يفتك بالعراق لا يتم علاجة بحبات فاليوم انتخابية .

لنكن واضحين .. كل له الحق ان يظل غبيا .. لا اعتراض على ذلك !! ولكن علينا ان نعرف ان الشعوب التي تحمل ذاكرة فئران .. الشعوب التي تعتقد ان علاج سرطان الطائفية هو شعارات "اخوان سنة وشيعة " العالسة لاسئلة الازمة .. الشعوب التي تضع خمرة الطائفية العفنة في قناني جديدة وتسمي ذلك علمانية .. الشعوب التي تصدق ان من جاء على ظهر الدبابة ابرامز وعمل على تكريس الطائفية وساهم في تدمير الدولة العراقية يمكن ان يتحول بين ليلة انتخابية وضحاها الى وطني .. مثل تلك الشعوب واهمة .. ومثل هكذا شعوب قد تنعم بغفوة سلام قصيرة لانها اليوم منهكة .. ولكنها ستستيقظ ذات يوم لتجد دريلات آل البيت "راكعة ساجدة" على الرؤوس تصلي من جديد صلاة المظلومية .

عندما يحصل للعراق كل الذي حصل خلال السنوات الخمس الاخيرة ، و تأتي بعد ذلك وتجد نفسك امام نفس الطرح الساذج والعالس لاسئلة الازمة .. فعليك ان تعرف ان الدريلات نائمة في مخازن "شركة احفاد آل البيت" لزرف الرؤوس .. نائمة تنتظر بافلوفية رعاعية اخرى .. ونصف شعب يتحكم به "مُلا" قرووسطوي هو مشروع بافلوفيات رعاعية .

عندما يحصل للعراق كل الذي حصل وتاتي بعد ذلك وتجد نفسك امام ديكة تردح بشعار "العلمانية" كما هو الحال في استدارتهم الاخيرة .. فعليك ان تعرف انك امام علس اضافي لاسئلة الازمة .. لانهم قد يدّعون "العلمانية" ويظلون رغم ذلك يحملون فايروس "مظلومية الشيعة" كما هو حال الكثيرين من صنف "ماركس ابو دشداشة" القادم من خلف السدة .. وعندما يشاء لك حظك العاثر ان تقرأ "علمانية النص ردن" هذه .. اقرأ جيدا ما بين السطور لتجد ان خلف الشعار"العلماني" يختفي شعار المظلومية الشيعية .. وهذا هو السبب الذي يجعل "ماركس ابو دشداشة" يسمي الاحتلال البريطاني استعمار بينما يسمي الاحتلال الامريكي "تحرير" .

المشُكل هو ليس فقط "الاحزاب الدينية" كما تدعي ديكة ثقافة اللطم من اجل علس المُشْكل .. المشكل وهنا الاهم هو شعار "المظلومية الشيعية" الذي اجج النار التي احرقت العراق في السنوات الاخيرة .. والتاريخ سيسجل انه الشعار الاكثر فتكا في تاريخ العراق المعاصر.. وما لم يتم الاعتراف ومناقشة ذلك بصورة جدية من اجل تأسيس مشترك وطني سيظل الرعاع ينامون ويصحون على اجراس سقيفة بني ساعدة .. وكل من يتحدث عن الوطنية والمواطنة قبل ذلك هو اما ساذج عن طيبة .. او تقية .. والعراق المقتول اليوم بالغباء ليس بحاجة لكلا الصنفين .

شعار وعقلية "المظلومية الشيعية هو المشكل اليوم وغدا .. ومن دون التخلي عن تلك العقلية القرووسطوية لن يكون في العراق لا وطن ولا مواطنة .. فشعار مظلومية الشيعة وما يحتويه من تمايزية سلبية وفقا للمذهب هو نقيض للمواطنة .. وشعار تنام فيه بمطاطية عابرة للقرون تجاذبات سقيفة بني ساعدة و ضلوع الزهراء "المكسورة" جنبا الى جنب مع هوسة "الدولة السنية الظالمة للشيعة" هو شعار قد ينفع لاقامة شعائر لطمية .. ولكنه لا ولن يكون اساسا لبناء وطن او لتكريس مواطنة .

وديكة ثقافة اللطم تريد الاحتفاظ بكل هذه الخزعبلات غير ممسوسة وفي نفس الوقت ترفع شعارات الوطنية والمواطنة !! شكرا للجهود !! للوطن والمواطنة شروط أولها ان يتم رمي ثارات القرون الوسطى في مزبلة التاريخ .. هل "عرضحالجية" ثقافة اللطم مستعدون لهذا الطرح ؟؟ اشك في ذلك .. خصوصا حين ارى نحيب "ماركس ابو دشداشة" امام شباك الحسين َ!

2009/01/28

ديمقراطية البطانيات


يبدو ان الشتاء قارص جدا في عراق الاحتلال .. من هنا شعار "خذ بطانية وامنحني صوتك" .. ويبدو ان مبدأ الديمقراطية الاهم : " وان فويس، وان فوت" قد تم تحويره الى : "صوت واحد .. بطانية واحدة" .. فالاخبار القادمة من ديمقراطية البطانيات تحكي قصص مضحكة مبكية .. ومن بين قصص البطانيات الكثيرة تستوقفني حكاية "البطانية والملا" : يقال ان احدى القوائم في الناصرية قدمت بطانيات لعائلة فقيرة مقابل منح اصواتها ولكن العائلة "استفسرت عن جواز ذلك من احد رجال الدين الذي اجابهم : طالما انكم عائلة فقيرة فبامكانكم قبول هذه الهدايا لكن ليس على حساب اصواتكم التي يفترض ان تمنحوها وفق قناعتكم" .

لنلاحظ اولا كيف تحولت البطانيات التي تعتبر رشوة في العرف القانوني الى "هدايا" في لغة رجل الدين الشيعي .. ثانيا، الفقر لا يشكل عذرا لكي تقبل باسمه رشوة .. فقبول الفقير برشوة هولاء اللصوص هو مساهمة غير مباشرة في ادامة فقر الفقراء .. فمليارات الدولارات التي كانت كفيلة بإزالة فقر الفقراء نهبها امثال هولاء الساسة المرتشين والراشين .. وقبول "هداياهم" هو مساهمة غير مباشرة في استمرار سلوكيات نهبهم للمال العام .. وهنا اكثر من أي مكان اخر تصح مقولة "الضحية يتحمل جزء من المسؤولية في وضعه كضحية" .. بتعبير اخر، عندما يقبل الفقير "هدايا" اللصوص فهو يساهم في ادامة وضعه كفقير.. انه منطق المسؤولية .. وبلا حس مسؤولية ومواطن مسؤول لن يكون هناك عدالة تنصف الفقراء ولا وطن يحميهم .

على النقيض من منطق المسؤولية هذا الذي هو عماد الحداثة السياسية، يقف "منطق" رجل الدين الفهلوي : لكم ان تأخذوا بطانيات القائمة ولكن لا تصوتوا لهم !! بمعنى اخر : لكم ان تأخذوا الرشوة ولكن لا تصوتوا للراشي .. وعاشوا عيشة سعيدة !! لا يحتاج المرء الى معرفة كبيرة لكي يفهم ان منطق رجل الدين الشيعي هنا قائم على مفهوم "خمطي" يتناقض تماما مع الصالح العام .. وهو نفس المفهوم الذي تم بموجبة "حسم" ونهب مؤسسات العراق ايام الفرهود التاريخي .. فقط عندما نفهم هذا المنطق الخمطي المهادن لسلوكية الرشاوى نفهم عندها اين ذهبت المليارات المسروقة .. فبمثل هذه "الاخلاقيات" الخمطية ارادوا حكم العراق .. هل نستغرب بعد ذلك ان يتصدر عراق "عمامة بلا حدود" قائمة البلدان الاكثر فسادا في العالم !!

وكما ان حكاية "البطانية والملا" تطرح اسئلة عن قيمة " دين" يحث المواطن على قبول رشوة .. فانها تطرح اسئلة اخرى عن استحقاقات وشروط الديمقراطية .. فما قيمة الديمقراطية كممارسة حين يغش المرشح ؟ وحين يقبل "المواطن" بالبطانيات الرشوة ؟ وحين يحلل "قواد الدين" الرشوة ؟ والسؤال الاهم الذي ينخر رأسي هو : ماذا تعني ديمقراطية يذهب فيها "مواطن" الى رجل دين لكي يعرف ما اذا كان سلوك مرشح فاسد حرام ام حلال؟؟ معقول !! معقول ان الجهل قد وصل الى هذا الحد !!

الناس في الديمقراطيات ينتخبون اشخاص يعتقدون انهم قادرين على تحسين حياتهم وضمان مستقبل اطفالهم .. ينتخبون اشخاص يعتقدون انهم قادرين على بناء مدارس ومستشفيات وطرق الخ .. اما في الديمقراطيات المحمولة جوا فان "عبيد السادة" تكفيهم بطانية و"تشغلهم" عن المصلحة العامة بطانية .. لذلك تراهم ينتهزون مناسبة الانتخاب لكي يطرحوا سؤالهم الوجودي الاوحد : هل البطانية الرشوة حلال ام حرام !!

يبدو ان ارسطو على حق : "بعض الناس ولدوا لكي يعيشوا عبيد" .

2009/01/11

عندما اسمع كلمة ثقافة


قبل ثلاثة ايام وبمناسبة "إحياء اليوم العاشر من محرم" قام المسرحي العراقي جواد الاسدي بتقديم شخصية الحسين على المسرح في بيروت .. والاسدي تعليقا على هذه المساهمة اللطمية يقول لنا ان " من واجب المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة إعادة كتابة شخصية الحسين. كتابةٌ تقدّم إلى العالم كما فعل بيتر بروك عندما أعاد كتابة الميثولوجيا الهندية في «المهابهاراتا» فقدّمها كمبتكر جمالي ومعرفي جديد".. اما عن سبب وأهمية مسرحة الحسين فالاسدي يقول لنا : " العالم يحتاج إلى معرفة الميثولوجيا العربية والكونية الإنسانية التي تنبثق من تاريخنا " انتهى

في كلمات الاسدي هناك الكثير مما يستحق "الرجم" بالكلمات .. ولكن المجال لا يتسع لمشاكسة كل شطحات الاسدي في دفعة واحدة .. لذلك ساركز على ما يبدو لي في صلب المشكل العراقي .. اولا ان مقارنة الاسدي لـ "محكية" الحسين بالمهاباراتا الهندية هو تحليق حر ومجاني في فضاء الاستخفاف .. و"دحس" اسم بيتر بروك هنا لا يكفي لتحويل هذا الاستخفاف الى حجة مقنعة .. نعم "محكية" المهدي تنتمي الى الميثولوجيا لانها قصة مفبركة ليس لها اساس تاريخي .. ولكن "محكية" الحسين وان اخذت عبر الاجيال ابعاد اسطورية في تفاصيلها تبقى حدث تاريخي .. وكل ثقافة تبتغي المعرفة يجب ان تؤكد على تاريخية الحدث وليس "تغنيصه" و"اسطرته" تحت مسميات تضبب الرؤوس وبالتالي تساهم بصورة غير مباشرة في "زرفها" .

المحكية الحسينية ليست "ميثولوجيا" .. والبعد الزمني ليس كافيا لمنحها صفة الميثولوجيا .. وذلك لان كل حدث تاريخي ومهما بَعُدَ في التاريخ يظل "حدث حاضر" طالما انه "فاعل" في الحاضر .. والمحكية الحسينية مازالت "حدث" حاضر اجتماعيا وسياسيا وفاعل بالحاضر بقوة تدميرية .. لا بل هي عنصر مهم في موضوع الصراع على الحاضر .. سلاح في الصراع على الحاضر .. ومقارنة مثل هكذا"محكية" تساهم في زرف الرؤوس بالدريل وحرق البشر في تنور الزهراء بالمهابهاراتا الهندية تنم عن سطحية مذهلة لا يجرؤ عليها إلا "شيوعي" سابق يريد البكاء على الحسين ولكنه "يتجمّل" .

الثقافة هي عنصر الجمال زائد عنصر الذاكرة (بالمعنى التوثيقي المعرفي لمفردة الذاكرة) .. وتغليب البعد الجمالي على البعد المعرفي النقدي كما يفعل الاسدي في لطميته هو "خيانة" للثقافة ..ذلك ان الطرح الذي يتبناه الاسدي بمواجهة "الحدث الحسيني" هو انتصار للاسطورة على حساب "الذاكرة" .. وهذا اخر ما يحتاجه العراق اليوم .. فالعراق المطعون بالخزعبلات اليوم بحاجة الى تغليب "الذاكرة" كفعل معرفي على "الاسطورة" كفعل زارف للرؤوس .


النقطة الأخرى التي تصفع الانتباه في كلام الاسدي هو تعبير"المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة" .. قليل من الانتباه رجاءً .. ساعيد كتابة هذا التعبير الذي يحلق عاليا في فضاء التوليد الاجتراري للكلمات .. اسمعوا: "المثقفين والثقافة الطليعية التجريبية التأملية الجديدة" .. تعبير الاسدي هذا هو تعبير قادم من مقاهي ستينات وسبعينات العراق .. مقاهي شهدت ولوج افكار "الواقعية الاشتراكية" السوفيتية داخل رؤوس هشة فكريا خرجت بالكاد من "عباءة الملا".. وهذا الولوج "الصدفوي" انتج مسوخ ثقافية شبيهة بالمسوخ السياسية التي انتجها اليسار العراقي .

باستثناء مفردة "تأملية" فان كل المفردات التي تشكل تعبيرالاسدي هنا تحمل غبار واتربة لغة اليسار العراقي الاجترارية .. فـجواد الاسدي هو سليل "ثقافة" اعطتنا سياسيا "ماركس ابو دشداشة" صاحب نشيد "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" .. واعطتنا شعريا "مايكوفسكي ابو دشداشة" الذي ما زال يكتب "شعر الكلمات المتقاطعة" الملتبس .. واعطتنا مسرحيا "بريخت ابو دشداشة" الذي يلطم اليوم على المسرح .. ترى .. هل تم ادخال كلمة "تأملية" هنا لكي "تفلسف" باطنيا الاستدارة اللطمية ؟ ام ان "المودة" اليوم داخل الوسط الثقافي العراقي هو ان تكون "صوفي" .. "تأملي" .. كما كانت الموضة تحتم سابقا ان تكون طليعي ، تجريبي ؟

انا من جيل وعى العالم يوم كانت تلك المفردات تلفظ انفاسها الاخيرة .. و"الثقافة الطليعية".. "الثقافة الجديدة" .." الثقافة التجريبية" هي مفردات طالما سمعنا عنها .. قرأنا لها .. وانا شخصيا حضرت حتى بعض عروضها المسرحية ذات عراق .. آنذاك كان بريخت "يحكم" خشبة المسرح العراقي براديكالية دكتاتور.. و"ابو الدشداشة" كان "لا يحلف إلا بأسمه".. والويل لمن يحيد عن الطريق "البريختي" .. فتهمة الرجعي او البرجوازي كانت اسهل التهم في جعبة "كُتاب التقارير" الجمالية .

نعم تلك "الثقافة الطليعية التجريبية الجديدة" عرفناها .. ولكن ما نعرفه ايضا، وهنا الاهم، هو ما آلت اليه تلك "الثقافة الطليعية".. فسقوط "بريخت ابو دشداشة" لايعادله سقوط .. وانموذج هذا السقوط هو سامي عبد الحميد الذي عمل قبل الاحتلال الامريكي باشهر على مسرحة رواية صدام حسين "زبيبة والملك" وقام بعد الاحتلال باشهر بمسرحة شخصية محمد باقر الصدر .. وسامي عبد الحميد هو من ابرز مسرحيّ الجيل " الطليعي" .. واظن ولست متأكدا ان الاسدي هو من "تلامذه" عبد الحميد السابقين .. والاسدي ما زال يتكلم عن "مثقفين وثقافة طليعية تجريبية تأملية جديدة !

مسكينة أيتها "الثقافة" كم من الجرائم ارتكبت باسمكِ .. ومسكينة ايتها الثقافة كم من الضحالات ارتكبها باسمكِ "المثقفون الطليعيون" .. لا أحب جملة غوبلز :"عندما اسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي" ..ولكن بما ان الثقافة قد تخلت عن وظيفتها النقدية المعرفية التي ازعجت غوبلز ذات "فاشية".. وبما ان "ثقافتنا" اليوم تعمل بشعار "لطم مع الناس عيد" .. وبما ان "طليعتنا" الثقافية على هذا المستوى من الضحالة .. فانني اجد نفسي مجبراً على محاكاتها .. فانا اليوم عندما اسمع عِبارة "ثقافة عراقية" أتحسس قندرتي
.

2008/12/23

صورة السلطة .. وسلطة الصورة في عولمة لغة الحذاء

صدام حسين في السلطة كانت له "صورة" .. وصورة صدام في السلطة كانت صورة مبالغ فيها لانها صورة سلطة .. صورة مفروضة من قبل سلطة وتحمل تصورات سلطة .. وطابعها المفبرك التي امتازت به ناتج عن كونها بالتحديد صورة سلطة .

بعد احتلال العراق حاول خبراء الحرب النفسية في المخابرات الامريكية ان يطيحوا بـ "صورة" صدام هذه .. فمن اجل انهاء حقبة ما لابد من ضرب "صورة" الحقبة ورمز الحقبة .. من هنا صورة الحفرة المفبركة : صدام بلحيته وشعره "المنفوش" والضابط الامريكي يفحص فمه .. ولكن صورة "السي آي اِي" هذه كانت ايضا "صورة سلطة" .. وطابعها المفبرك كان صارخا .. ومبالغة خبراء "السي آي اِي" في مسرحة الاهانة في تلك الصورة دفعت الكثيرين من معارضي صدام للتعاطف معه كرد فعل ضد مبالغة تلك الصورة .. فالناس يكرهون مبالغات صور السلطة .

لقد اعتقد خبراء الحرب النفسية في "السي آي اِي" ان صورة الحفرة المفبركة ستكون صورة صدام الاخيرة .. الصورة التي سيحفظها التاريخ لصدام .. ولكن الصورة التي تركها صدام للتاريخ هي صورة اعدامه .. لماذا ؟ لانها لم تكن صورة سلطة .. صورة الاعدام كانت صورة غير مفبركة .. وقوتها تكمن هنا .. صلابة صدام امام حبل المشنقة مقابل غوغائية العصابة التي كانت حوله .. "عفوية" التصرفات من جانب وحيوانيتها من جانب اخر هي التي صنعت قوة تلك الصورة .. تلك العفوية منحت صورة الاعدام قيمة وثائقية .. قيمة تاريخية .

صورة منتظر الزيدي راميا فردتي حذاءه على الرئيس الامريكي تنتمي الى هذا الصنف من الصور .. قوتها متأتية من كونها ليست صورة مفبركة ككل صور السلطة .. بمعنى انها صورة لم تُعد وتُدرس مسبقا كما كل صور السلطة .. لقد كانت حركة عفوية بارعة داخل ديكور وشخوص وحركات مدروسة ومعدة مسبقا .. وقيمتها السياسية، وهنا الاهم، متأتية من كونها نقض لطقوس ومراسم سلطة .. ومن ركزوا باجترار سخيف على بعدها الثقافي ( قيمة القندرة في الثقافة العراقية او العربية) لم يفهموا شيئا من البعد السياسي الهائل الكامن في صورة الحذاء .. كونها فض ورفض لطقوس ومراسم سلطة الامبراطورية .. وهذا البعد السياسي هو ما جعل العالم من طوكيو الى كاراكاس يفهم " لغة الحذاء" رغم اختلاف الثقافات .

لقد حاول بوش ان يعطي لنفسة صورة المحارب يوم هبط على حاملة الطائرات الامريكية بلباس الطيار وخلفه عبارة " تم انجاز المهمة" .. ارادها صورة يحفظها له التاريخ .. ولكنها كانت صورة سلطة .. صورة مفبركة .. صورة تمت مسرحتها من قبل فريق الرئيس الاعلامي .. ويشاء القدر ان العراق الذي دمره بوش هو من يعطي بوش صورته التاريخية .. لن يُذكر بوش بعد الان من دون ذكر واقعة القندرة .. صورة الحذاء هي الصورة التي سيحفظها التاريخ لبوش .. نعم "سيادة الرئيس" .. " تم انجاز المهمة" !!

2008/12/17

هاملت عراقي في مسرح فرجة



الحرب صور .. معركة صور ..وخلف الصور ومراسم الصور هناك دائما تصورات يراد فرضها.. وزيارة بوش الأخيرة لبغداد كانت "زيارة صور" .. من اجل "اعطاء صورة" .. بمعنى فرض تصورات فشلت أضخم آلة إعلامية بفرضها في عراق الاحتلال .. أمريكا في العراق قد خسرت معركة الصورة منذ فترة طويلة .. وحذاء منتظر الزيدي ليس الا "الضربة القاضية" في هذا النزال .. في معركة الصور حذاء منتظر هو الـ " كش مات" .. انتهت اللعبة "سيادة" الرئيس ..انتهت المسرحية .. ستارة .. والى كواليس مزبلة التاريخ المظلمة حيث سيلاحقك للأبد شبح القندرة .

نعم انتهت المسرحية .. فالسياسة البوشية لم تكن اكثر من"مسرح فرجة".. وبوش جاء بغداد قبل ايام لكي يقدم "فرجة" أخيرة لكوكب الكوكاكولا .. وفريق الرئيس الإعلامي كالعادة قد اشرف على كل شيء : من ديكور الصالة الممل .. الى توزيع مواقع الكراسي والكاميرات .. وانتهاء بانتقاء "الصحفيين المرافقين" للرئيس على نفس الطائرة ومن يحق له من بينهم بطرح الأسئلة اثناء المؤتمر الصحفي .. اكشن : مصافحة "للمملوك" الذي لم يعلم مسبقا بموعد زيارة سيده .. إيماءة هنا .. ضحكة هناك .. وتعليق ساخر يلتف على السؤال لكي يلغي السؤال ..الخ من اسلحة الغباء الشامل .. كل ذلك بخفة واستخفاف من يعيشون في قصور المناطق الخضراء او الكواكب الأخرى .. فالهدف هو تقديم صورة مغايرة للواقع ..صور وتصورات تخون الواقع .

امام هكذا استخفاف عاهر بالواقع انتفض منتظر.. فحذاء منتظر هو رفض لمسرح الدمى الذي يسمي الاحتلال تحرير ويسمي المقاومة ارهاب ويسمي الدمار تحسن امني ويسمي الانتداب معاهدة امنية .. حذاء منتظر هو رفض لهذا العهر الاعلامي ..وهو تذكير بحقائق الارض والواقع التي يحاول مسرح الفرجه ان يخفيها .. حذاء و خصوصا كلمات منتظر ارادوا تذكير بوش وصحافة الفنادق و"كوكب الكوكاكولا" بالمقبرة الجماعية التي صنعها الفهم "المسرحي" للسياسة .

حذاء وكلمات منتظر ارادوا فرض لغة جدية .. نعم لغة جدية لمواجهة خفة واستخفاف مسرح الفرجة .. منتظر اراد فرض لغة شكسبيرية رصينة امام الماساة العراقية.. فلغة بوش المستخفة امام المأساة هو ما لم يتحمله منتظر .. وكل تحويل لـهذا الفعل الشجاع الى مجرد فعل ساخر اونكته او لعبة انترنيت هو مساهمة في اعادة منظور مسرح الفرجة للماساة العراقية .. ومنتظر ذهب الى اقبية التعذيب من اجل ان لا تختفي الماساة عن الانظار ..من اجل ان يلتفت العالم الى عذابات وجراح الملايين من الايتام والارامل والمشردين .. ومن اجل ان لا تسود لغة "الدمى".