2011/07/31

عن الروبّيات الهندية


نصرالدين شاه هو احد ملوك ايران الصفوية.. في احدى زياراته لفرنسا بلغت ديونه في المواخير الباريسية حدا دفعه للتنازل لفرنسا عن حقوق التنقيب والاحتفاض بالقطع الاثرية التي يتم العثورعليها في جميع المواقع الاثرية الايرانية.. لكي يسدد ديونه ويعود لايران!! تاريخ ايران مليء بمثل هذا النمط من الملوك الذين كانوا من حين لاخر يفيقون من بين افخاذ الجواري ومؤخرات الغلمان طالبين زيارة العتبات "المقدسة" الشيعية والتقرب الى الائمة من خلال الاموال والهدايا التي كانت تُخْمَط من الفقراء.  

في القرن التاسع عشر كانت هناك امارة شيعية  قائمة في شمال الهند.. وكانت تحكمها سلالة مغولية مدعومة من قبل البريطانيين ..اغلبية سكان هذه الامارة كانوا من السنة ولكن السلالة المغولية التي كانت تحكمهم كانت شيعية.. امراء هذه الامارة كانوا يسحقون الفلاحين بضرائب مجحفة.. ويقرضون البريطانيين الملايين لمساعدتها في حربها الاستعمارية في جنوب شرق اسيا.. ويستلمون من ذلك فوائد مصرفية هائلة رغم انها تعتبر ربا ومحرمة اسلاميا.. ولكن رجال الدين الشيعة في العراق منحوهم فتاوي تحلل استثماراتهم المصرفية.. وهولاء الامراء الهنود كانوا ايضا يرسلون الاموال والهدايا لرجال الدين في النجف وكربلاء.

مقال الباحث خوان كول "المال الهندي والعتبات الشيعية في العراق" والمنشور في الـ" ميدل ايست جورنال" عام ١٩٨٦ يخبرنا عن تاريخ هذه الاموال الهندية.. والاهم هو انه يُبيّن لنا سلوكيات الفساد المالي التي كانت سائدة بين رجال الدين الشيعة.. وبالتحديد في النجف المرجع محمد حسن النجفي صاحب "جواهر الكلام" جد الشاعر الجواهري.. وفي كربلاء المرجع ابراهيم القزويني .

لقد ارسل الامراء الهنود وعبر وكلاء بريطانيين الملايين من الروبيات.. جزء منها لشق  قناة الهندية (سُميت هندية لان المال هندي).. وجزء لتوزيعها على الفقراء وطلاب الحوزة ولترميم الاضرحة.. ولكن الامراء الهنود يكتشفون بعد سنين طويلة وعبر وكلاهم البريطانيين ان رجال الدين لايقدمون وصولات بما كانوا يستلمونه من لاموال الطائلة.. وان جزء يسير جدا منها يذهب للفقراء.. وان قناة الهندية اخذت من الاموال ما يكفي لشق عدة قنوات.. ودائما بلا ادنى وصولات او حتى اي تقرير مالي وهو ما كان يلح بطلبه النواب الهنود.. الادهى ان من بين الاتفاقات ان يتم ايواء الزوار الهنود في اماكن كان يجب بناءها لهم من هذه الاموال ولكن الامر لم يتم.

عندما نقرأ مقال خوان كول نجدنا مضطرين للقول ما اشبه اليوم بالبارحة.. ولكن ما هو اهم في مقال كول هو انه يمكننا من فهم الظروف التاريخية التي مهدت الى تحرر الكثير من الشيعة من سلطة رجال الدين.. كثيرون من شيوعيوا الجنوب كانوا من عوائل دينية شيعية.. شاهدوا رجال الدين عن قرب وعرفوا فسادهم.. فهجروهم  الى "دين" اخر فاشل.. قصيدة الجواهري "الرجعيون" التي تصور فساد السراديب لم تأت من فراغ .. الجواهري ينتمي الى عائلة دينية لها تاريخ حافل بخمط اموال الفقراء.

قبل فترة قرأت تقريرا يقول ان ارتداء الناس لزي رجال الدين قد قَلَ كثيرا في النجف بعد ان شهد اقبالا واسعا في سنوات الاحتلال الاولى.. والسبب هو السمعة السيئة التي تشوب رجال الدين مع قدوم مليارات "الروبيات" الخضراء الامريكية.. غزارة الروبيات الامريكية جعل تصفية الحسابات بين ابناء البيوتات الشيعية على المكشوف مما افقدهم احترام الكثير من الشيعة.. سياسة الارض المحروقة البعثية جعلت من رجال الدين ملجأ للنفوس الهشة  في عقود الفقر الاخيرة.. الروبيات والسلطة ستجعل منهم  عاجلا ام اجلا مصدر للنفور.. فمجدا للروبيات الفاضحة لجشع قوادي الدين. 

2011/07/17

عن الحجاج والجاموس ..استكان شاي مع فلهاوزن

كثيرون في العالم العربي يعرفون هشام جعيط وكتابة القيّم " الفتنة الكبرى".. ولكن قلة تعرف المؤرخ الالماني يوليوس فلهاوزن ومساهمته الهائلة في كتابة التاريخ العربي الاسلامي..وجعيط يسير على خطى فلهاوزن في القراءة النقدية للتاريخ .. فكتاب فلهاوزن "الدولة العربية وسقوطها " الذي صدر في ١٩٠٢ هو من اسس للمنهجية النقدية للتاريخ العربي الاسلامي.. قبل فلهاوزن كان التاريخ العربي الاسلامي يسير على نمط "قال فلان عن ابن خالة علان".. وبعد فلهاوزن اصبح هذا التاريخ عملية مقارنة للنصوص وتحليل لخلفيتها التاريخية وبالتالي تفكيك للمبالغات والفبركات التي تحفل بها كتب التاريخ العربي القديمة.. بفضل منهجية فلهاوزن خرج التاريخ العربي الاسلامي من خزعبلات واحقاد القرون الوسطى.. ودخل علم التاريخ ومكتسباته الحديثة.

تعرفون ان التاريخ العربي الاسلامي الذي وصلنا كُتِب في العصر العباسي.. واقدم الوثائق التي استند اليها هذا التاريخ كُتبت في الكوفة.. وكاتبها هو ابو مخنف ذو الهوى الشيعي.. تصورا اسلاموي شيعي يكتب تاريخ البعث في العراق.. او شيوعي عراقي  يكتب تاريخ الملكية في العراق.. اترك لمخيلتكم حجم المبالغات والفبركات التي ستحفل بها مثل هكذا تواريخ..  قيمة فلهاوزن تكمن في انه فضح ماكنة الكذب العباسية والشيعية التي عملت على تزوير العصر الاموي وشخوصه. 

واذا كان المؤرخ لامنس قد كرس بحثا كاملا لمعاوية لكي يخلص هذه الشخصية التاريخية الفريدة من المبالغات والاكاذيب التي احاطته بها ماكنة الكذب الشيعية والعباسية.. فان فلهاوزن في كتابه "الدولة العربية وسقوطها" يقوم بنفس الشيء بخصوص الحجاج.. فشخصية الحجاج هي من اكثر الشخصيات التي نالت منها ماكنة الكذب العباسية والشيعية.. وساضع هنا مقتطف مما يقوله فلهاوزن عن الحجاج .. هو مقتطف طويل من الترجمة الانكليزية لكتابه ولكنه مفيد في عرض طريقة فلهاوزن.

   His government regulations in matters of coinage, measures and taxes, and in the importance assigned to agriculture were epoch-making. In Iraq, exhausted and demoralised as it was by the constant succession of wars, he bad difficulty in maintaining the state-revenues, but all the same he was always in funds. He had the gift of ready speech, rather pluming himself on the elegance of his Arabic style, and , disliking to he surpassed in it , so that it is not without reason that the traditionalists adorn his introductory speech in Kufa with carefully-chosen turns of speech. He never let his courage fail under any circumstances; it took misfortune to bring out his greatness. But he was a little too impetuous, and was quick to get impatient with those who were executing his orders. His iron hand was covered with no velvet glove, nor had he any winning ways of  conversation. He was harsh and at times hard, but not cruel; neither was he petty and bigoted. He showed mercy, and freed a notable rebel, prisoner because he did not try to excuse himself but told the truth ... He was not so prejudiced by superstition and tradition as his contemporaries, but neither was he godless, and certainly not a hypocrite. Living and dying, he had a clear conscience. To the ordinary mind in the Hijaz and Iraq, it was of course a proof of his wickedness that he fearlessly cleared out the nest in Mecca, and did not allow the piety of the seditionists to be their justification. 

Other shameful deeds laid to his charge are inventions and fabrications of the hatred of his enemies, which even after his death did not abate. For example he is said, according to an anonymous account in Tabari (p.1128) to have slaughtered in Basra, after the battle of Zawia, 11,000 or even 120,000 - 130,000 men. Kremer and Vloten apparently believe this nonsense. The old and genuine tradition, however, says the opposite. In Basra, as in Kufa, immediately after the victory, he had a general pardon proclaimed for those who gave up the struggle, and did his best to prevent the licence of the Syrian soldiery in the conquered towns. (p. 255 -256) 

لن اترجم هذا المقتطف الطويل .. ولكن فحواه هو اولا، ان الحجاج لم يكن السفاح المتعطش للدم الذي صورته ماكنة الكذب العباسية والشيعية.. وان التهم التي لحقت به هي من اختراع وفبركة اعدائه .. نعم الحجاج كان حاكما شديدا .. ولكنه لم يكن سفاحا .. ورواية الطبري التي ينقلها عن مصدر مجهول والتي تزعم بان الحجاج قد ذبح١٢٠ الف شخصا او حتى احد عشر الف شخصا عند دخوله البصرة هي كذب لا يقبله الا عقل خزعبلاتي .. فالروايات الاسبق والاكثر دقة بحسب فلهاوزن تقول العكس تماما .. فالحجاج بعد دخوله الكوفة والبصرة اصدر عفوا عاما وفعل كل ما في وسعه من اجل منع تجاوزات جنوده في هاتين المدينتين .. وثانيا، وهو ان الاصلاحات الادارية التي قام بها الحجاج اثناء حكمه للعراق الذي خربته عشرون عاما من الحروب والثورات كانت اصلاحات تاريخية بمقاييس ذلك الزمان.

وهناك خطوات اقتصادية في غاية الاهمية اتخذها الحجاج .. يذكرها فلهاوزن في كتابه :

Under Walid Hajjaj reaped the fruit of the hard work which he had had to do undar Abdul-malik. In Iraq peace prevailed. He used it to heal the wounds which a twenty-years war had inflicted upon the well-being of the country... He devoted his attention to the canal-systems upon which depends the fertility of the marshy land on the lower Tigris and Euphrates, and in the midst of the chief marshy region he founded his town of Wasit. He tried to stem the depopulation of the alluvial lands which was resulting from the thronging of the inhabitants into the large towns. It is said he also forbade the peasants to slaughter oxen, in order to keep them for the plough.( p.252) 

الكل يعرف ان الحجاج هو مؤسس مدينة واسط .. ونعرف ايضا اهتمامه الكبير بمشاريع الري والزراعة .. ولكن اهم خطواته هي محاولته منع المزارعين من الهجرة من الارياف الى المدينة .. لانه كان يعتقد ان ذلك خراب اقتصادي للارياف وخراب اجتماعي للمدن.. ومن يعرفون الخراب الاجتماعي الذي تعرضت له مدينتي بغداد والبصرة في العقود الاخيرة بسبب الهجرات "الريفية" الهائلة سيقدر حكمة الحجاج في هذا الاطار.. نقطة اخيرة مهمة .. فالحجاج هو من ادخل الجاموس الهندي الى اهوار العراق ضمن خطته الزراعية لتلك المنطقة والتي فاقت بحسب فلهاوزن كل ما قام به ملوك الفرس . .باختصار .. لولا الحجاج لما عرفنا القيمر !! فماذا ادخلت " شركة ال البيت اللامحدودة " للعراق غير النواح واللطم !!

2011/06/30

"كسلة" برفقة شسترتون


There are some who complain of a man for doing nothing, there are some, still more mysterious and amazing, who complain of having nothing to do. When actually presented with some beautiful blank hours or days, they will grumble at their blankness. When given the gift of loneliness, which is the gift of liberty, they will cast it away, they will destroy it deliberately with some dreadful game with cards, or a little ball … I cannot repress a shudder when I see them throwing away their hard won holidays by doing something. For my own part, l can never get enough Nothing-to-do 

2011/06/19

الشخصية العراقية .. في بُرْكة علي الوردي


امام ما يجري في مصر من غوغائية وشيوع سلوكيات البلطجة نشر عزيز الحاج مؤخرا مقال يقول فيه متسائلا :"هل تبدلت الشخصية المصرية فجأة، بعد أن كان المصري معروفا بالاعتدال بالعكس من الشخصية العراقية الموسومة بالعنف؟ أم إن الشخصية المصرية الأصلية كانت راقدة وسنحت لها اليوم فرص وظروف البروز؟" 

شيء ايجابي ان ينتقد عزيز الحاج ما يسميه بالـ"ثورية المنفلتة" في مصر.. هو القيادي الشيوعي الذي ساهم بنشر سلوكيات "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" في الشارع العراقي  في نهاية الخمسينات.. وشيء ايجابي ايضا ان ينتقد عزيز الحاج  "شباب الثورة" في مصر الذين يرفعون "في ميدان التحرير وبطريقة غوغائية شعار "لا بديل عن الإعدام" لحسني مبارك.. نعم شيء جيد ان يقول لنا ذلك من ساهم في نصب اعمدة المشانق في شوارع بغداد وكركوك والموصل.. ان يتعلم الناس من اخطاهم السابقة هو شيء جيد.. الى الامام "رفيق".. سر ونحن من وراءك !!

ولكن ما يستوقفني في مقال عزيز الحاج هو قوله ان "الشخصية العراقية موسومة بالعنف" وان الشخصية المصرية معتدلة.. ساضع جانبا مسألة التعميم الاعتباطي لمفردة"الشخصية" على شعب كامل.. واكتفي بملاحظة يعرفها كل طلاب المرحلة الاولى في علم الاجتماع.. وهي ان الشخصية او بالاحرى مكونات الشخصية هي نتاج مجموع الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيش فيها انسان ما.. وسايكولوجية شخص ما هي رهن باشباع او عدم اشباع حاجاته المتنوعة.. بمعنى ان المصري الذي يعيش في حي راقي في القاهرة يختلف في شخصيته عن مصري اخر يعيش في حي شعبي من نفس المدينة.. فما بالك بمن يعيش في العشوائيات او في الارياف.. وهناك بين فرنسي يسكن في حي راقي في باريس وامريكي يسكن في حي راقي في نيويورك مشتركات سلوكية ونفسية اكبر مما هي بين هذا الفرنسي والفرنسي الذي يعيش في اطراف باريس.. وبنفس المنطق هناك بين مصري يسكن في الزمالك وبين عراقي يسكن في حي راقي من بغداد مشتركات شخصية وسلوكية اكبر مما هي بين مصري الزمالك وبين ومصري العشوائيات.

ما الذي يجمع بين شخصية بغدادي وبين شخصية فرد قادم من خلف السدة ؟ لا شيء.. اذا فالقول بان هناك شخصية عراقية هو قول ينتمي الى العصر الحجري سوسيولوجيا.. وفقط سذاجة علي الوردي تسمح له بالكلام عن "شخصية الفرد العراقي" وعن "طبيعة المجتمع العراقي" في وقت كانت الحكومات العراقية تحاول جاهدة توحيد فسيفساء من الاثنيات والمذاهب والعشائر التي لا يجمعها سوى الارض.. ونحن اليوم نكتشف بحساب الواقع وليس بالشعارات عدم وجود هذا المجتمع او بالاحرى عدم تكونه لا فكريا ولا سايكولوجيا.. كل من يعرف المنهجية السوسيولوجية يعرف هذه الهشاشة الاصطلاحية عند علي الوردي.. وفقط مشهد ثقافي عراقي بائس يسود فيه الحكواتية والشعراء الرداحة جعل من علي الوردي صنما فكريا.

الفكرة الكليشة التي يتضمنها مقال عزيز الحاج هي فكرة نجدها عند الكثير ممن يسمونهم عندنا بالمثقفين.. وفحواها ان الشخصية العراقية عنيفة بينما الشخصية المصرية معتدلة والسبب هو ان النيل نهر متزن ولا يسلك سلوكا مفاجئا ويفيض في اوقات محددة.. اما دجلة والفرات فهما يرتفعان بدون انذار سابق وسلوكهما على الدوام مفاجئ.. مما ينتج فيضانات ومجتمع متصارع وبالتالي شخصيات عنيفة.. وهي فكرة استعارها مثقفونا من كليشة ثقافوية سخيفة لعلي الوردي في كتابة "طبيعة المجتمع العراقي".. وهذا الابتذال الثقافي اوصلنا اليوم الى درجة ان احد الفنانين العراقيين يستخدم نفس الفكرة ليفسر للصحافي الامريكي انطوني شديد العنف السائد في عراق الاحتلال.. وفي مقال نشرته الـ نيويورك تايمز قبل سنة تقريبا :

For Egypt, with its reputation for humor and revelry, the Nile was that country’s good fortune, surging waters bringing farms to the desert. The Tigris, an artist once told me, destroyed when it flooded, reckless and unpredictable as it was. It left hard personalities in its wake, delivering Iraqis their well-deserved reputation for toughness


هذا الفنان العراقي ومعه الصحفي الامريكي لا يكلفا نفسيهما عناء التذكير بان اخر فيضان لنهر دجلة  كان في بداية الخمسينات من القرن الماضي.. اي منذ اكثر من نصف قرن.. والاغلبية الساحقة من العراقيين اليوم لم يشاهدوا في حياتهم فيضانا.. فاذا كان صحيحا ان انعدام الفيضانات ينتج شخصيات معتدلة  فكان المفروض ان عراقيوا اليوم هم ملائكة !! هل ترون سخافة الفكرة وتناقضها.

وعزيزالحاج يقف اليوم حائرا امام نفس التناقض.. قال له علي الوردي ان المصري معتدل لان النيل نهر متزن.. ولكن النيل اليوم اكثر "اتزانا" لقلة مناسيبه بسبب السدود الاثيوبية !! في حين ان المصري اصبح عنيفا.. غريب .. حيرة عزيز الحاج كبيرة.. وهزيمته الفكرية اكبر.. فهو بعد ان كان يعتقد بان "الشخصية العراقية هي الشخصية الوحيدة الموسومة بالعنف".. تراه يلجأ اليوم الى تعميم هذه الكليشة على الشخصية المصرية والعربية !!

السوسيولوجيا التاريخية تقول لنا ان العنف مشترك بشري عرفته وتعرفه كل الثقاقات.. وفي ظروف تاريخية متشابهة (غياب السلطة مثلا ) كل الثقافات ارتكبت العنف.. والمصري او الليبي او الجزائري او العراقي لا يختلفون في ذلك عن الفرنسي او الروسي او الصيني او الامريكي .. وكل حديث عن شخصية عراقية او مصرية بطريقة ماهياتية غير تاريخية هو سخف فكري وتحقيري للذات.. واصرار عزيز الحاج على الاعتقاد بان هناك شخصية مصرية اوعربية عنيفة بعد ان كان يعتقد بعنف الشخصية العراقية فقط، هو استمرار بالسباحة في بركة علي الوردي الثقافوية الآسنة .

2011/05/21

كما تكونوا تكون ديمقراطيتكم .. استكان شاي مع برناردشو


 واحد من اغرب التصريحات التي قرأتها موخرا هو تصريح من يسمى بالمرشد الروحي لحزب الفضيلة الشيخ محمد اليعقوبي الذي يقول ان «الديموقراطية أثبتت فشلها في العراق». والسبب هو أن «النظرية الغربية المبنية على الديموقراطية أثبتت فشلها في تحقيق العدالة لأن أساس الحكم هو العدل، والهدف منه توزيع الحقوق والواجبات على الناس بالقسط والعدل وهذا ما لم تستطع تحقيقه تلك النظرية الغربية».

الديمقراطية هي مجموعة ضوابط لتنظيم العمل السياسي في بلد ما.. وهي بذلك لاتختلف عن مجموعة الضوابط  والقواعد المرورية التي تنظم حركة السير في شارع ما .. وعندما  لا يلتزم الناس بقواعد المرور .. يتحول الشارع الى فوضى  .. فهل هذا يعني ان قواعد المرور هي السبب ؟ بالطبع لا.. السبب يكمن في عدم التزام الناس بقواعد المرور .. ونفس الشيء يمكن ان يقال عن الديمقراطية التي هي مجموعة ضوابط وقواعد لتنظيم حركة المرور السياسي بين الاحزاب والتيارات المتصارعة على السلطة.. وعندما تفشل الديمقراطية فالسبب في ذلك هُم من يدّعون ممارستها ولايلتزمون بضوابطها.

اما القول بان الديمقراطية هي نظرية غربية وانها لاتتوافق مع "المجتمع الاسلامي" كما يدل المتضمن في تصريح "المرشد الروحي".. فهي حجة قرووسطوية ولا تقنع الا ساذج .. فهناك بلدان اسلامية تطبق نظرية الديمقراطية وتنعم باستقرار سياسي وتطور اقتصادي لابأس به.. تركيا انموذجا.. ثم تعال يا شيخ وقل لي.. المطبعة التي تطبع نهج البلاغة هي ايضا من اختراع غربي..السيارة اوالطائرة التي تحمل السيستاني للعلاج في لندن هي اختراع غربي!! حتى ملابس نسائكم الداخلية هي صناعة غربية!!  فلماذا تستخدمون كل المنتجات الغربية وتنتفعون منها وتعيبون على الديمقراطية منشأها الغربي.. ثم ماذا لديكم انتم كبديل في هذا الاطار.. الف واربعمئة عام وكل مالديكم هي حروب جمل لم تنتهي بعد.. الف واربعمئة عام وكل ما لديكم هو مشروع حرب اهلية.. هذا هو نموذجكم السياسي حتى الان.. فمن نصدق .. لغوتكم عن العدل والعدالة ام فسادكم ودريلاتكم!! 

ثم من قال ان هدف الديمقراطية هو تحقيق العدالة الاجتماعية ؟  فلو كان هدف الديمقراطية هو تحقيق العدالة الاجتماعية لكان علينا اعتبار الاتحاد السوفيتي نظام ديمقراطي.. لانه العدالة الاجتماعية  كانت متوفرة في الاتحاد السوفييتي.. ونفس الشيء ينطبق على الصين.. ثم ان هناك بلدان ديمقراطية كثيرة ولكن العدالة الاجتماعية فيها تتفاوت.. امريكا هي بلد ديمقراطي من ناحية الحريات.. ولكنها متخلفة في حقل العدالة الاجتماعية  قياسا للبلدان الاسكندنافية.. بمعنى ان الديمقراطية هي عدالة سياسية قبل ان تكون عدالة اجتماعية.. جوهر نظرية الديمقراطية هي الحريات المتساوية للجميع.. والعدالة الاجتماعية من دون حرية سياسية هي دكتاتورية.. واستخدام الملا الفضفاض لمفردتي العدالة والعدل هدفه دفن مبدأ الحريات الذي يرفضه الاسلامجية.

للديمقراطية شروط واهمها هو شرط الحرية.. ومن دون تلك الحرية ليست هناك ديمقراطية.. مبدأ الديمقراطية الاول هو "وان فويس، وان فوت" بمعنى ان كل مواطن يملك صوته.. وهذا المبدأ يتعارض مع منطق الفتوى التي هي مصادرة وقتل لهذا المبدأ .. ان تُخيّر"عبد السادة" بين التصويت لقائمة شيعية او حرمانة من حصته التموينية هو اغتصاب فكري لعبد السادة وقتل للحرية التي هي اساس الديمقراطية.. اذا من فشل في العراق.. الديمقراطية ام من اغتصبوا مبادئها ويحاولون اليوم رمي مسؤولية الفشل عليها ؟؟ لا ، ما فشل في العراق هو ليس الديمقراطية.. ما فشل في العراق هي ديمقراطية الملا.. ديمقراطية المرشد الروحي.. "ديمقراطية الفتوى".. وهنا نحن امام صراع اضداد.. تناقض منطقي.. لأن الفتوى هي نقيض ونقض لمبادئ الديمقراطية.

هناك مقولة رائعة لـ برناردشو يصعب ترجمتها من دون خيانة جماليتها الاسلوبية وعمقها.. لذلك ساحاول ان اترجمها حرفيا.. لانها مقولة تشاكس وتفضح المنطق التبريري الكبشفدائي والضدي النائم في تصريح "المرشد الروحي" لحزب الفضيلة المفقودة .. برناردشو يقول :

Democracy is a device that ensures we shall be governed no better than we deserve  

الديمقراطية هي جهاز يضمن اننا لن نُحْكَم افضل مما نستحق.

ومع بعض التصرف بالمقولة العربية الشهيرة فهي تعني كما تكونوا تكون ديمقراطيتكم .. وهذا ما لم ولا ولن يفهمه "المرشد الروحي".. مرشد روحي بحاجة الى ارشاد!! هل نستغرب كل هذا الخراب !! 

2011/04/30

تحول الطموح الى جريمة


نشر باتريك سيل يوم امس مقال بعنوان "المدّ القومي العربي الجديد " يقول فيه "يبدو أنّ المنطقة تشهد لحظة عروبة جامعة جديدة. وهذه العروبة الجامعة الحديثة العهد، التي تبدو أكثر صدقاً من تلك التي روّج لها في الماضي زعماء منفردون، أمثال جمال عبد الناصر أو خصومه في حزب البعث، فهي عبارة عن اتحاد بين الشعوب، وليس اتحاد بين الزعماء . لقد مُنيت العروبة السياسية بالفشل، فهل ستنجح العروبة الشعبية أكثر منها؟" انتهى.

لا اعرف على اي اساس بنى باتريك سيل حجته من ان ما يحصل هو لحظة عروبة جديدة .. فالعروبة او الشعارات القومية لم تكن الدافع الاساس وراء التغييرات التي تحصل في البلدان العربية اليوم .. مطالب الاصلاح المحلية كانت هي الاهداف السائدة.. واذا كان هناك من مستفيد سياسيا من هذه التغييرات فهي التيارات الاسلامية .. وخطاب هولاء يتجاوز الخطاب القومي العروبي الى الاممي الاسلامي.

ثانيا .. حتى وان صحت فرضية اننا ازاء لحظة عروبة جديدة .. فان حجج باتريك سيل تبدو لي هشة وهو يقارن بين ما يسميه "العروبة السياسية" السابقة و "العروبة الشعبية" الحالية .. فهو يعتقد ان فشل العروبة السابقة ناتج عن كونها عروبة مفتعلة وغير صادقة .. لانها كانت عروبة نخبوية روج لها زعماء منفردين كعبد الناصر والبعث .. وهذا ما يميزها برأيه عن لحظة العروبة الشعبية الحالية.. وهذا كلام غير دقيق تاريخيا .. وساذج تحليليا.

اولا ..عروبة الخمسينات لم تكن عروبة نخب روج لها زعماء منفردون كما يدعي باتريك سيل .. لقد كانت حركة جماهيرية واسعة .. لا بل هي اكثر صدقا وعفوية من "العروبة" الحالية اذا ما استحظرنا الجو الايديولوجي الذي كان سائدا في المنطقة انذاك .. ولكن من قال ان عفوية او صدق حركة ما هو سبب نجاحها.. انا شخصيا اعتقد ان احد اسباب فشل العروبة السابقة يكمن في عفويتها وصدقها وخصوصا في سذاجة شعاراتها وعدم مهنية قادتها .

وما يقلقني اليوم بالتحديد .. هو ان "الثورات" العربية الحالية لا تختلف كثيرا عن الثورات التي حصلت في خمسينيات القرن الماضي ..وخصوصا عندما نستمع لسذاجة الخطابات المرافقة لها.. ولديماغوجية التيارات المرشحة للاستيلاء عليها.. فالانقيادية القطيعية للجماهير امام المغناطيسية العالية للخطاب الاسلاموي اليوم لاتختلف عن قطيعية الجماهير امام خطابات "صوت العرب" في الخمسينات .. والتفائل المفرط السائد اليوم لايختلف كثيرا عن التفائل الذي كان سائدا في ثورات الخمسينات .

عندما اسمع وائل غنيم يقول ان مصر ستصبح في المراتب الاولى بين اقتصاديات العالم في السنوات العشر القادمة .. فانني اضع يدي على قلبي !! فقول غنيم يذكرني باحد قادة دول منطقتنا عندما وعد صحفي من "الديرشبيغل" في بداية السبعينات من ان بلاده ستصبح في مستوى المانيا خلال عشر سنوات ! 

الطموح والتفائل هي اشياء مشروعة على شرط ان لا تشطح عاليا في الاوهام .. لان السقوط عندها سيكون مدوي .. هذا هو درس تجربة العروبة السابقة .. لا نحتاج الى عواطف صادقة .. نحتاج الى الوضوح .. وقليل من التواضع .. هناك مقولة رائعة للكاتب الفرنسي شاتوبريان تختصر هذا الدرس : 


L'ambition dont on n'a pas les talents est un crime 
  

الطموح الذي لانملك مؤهلات تحقيقه هو جريمة.

اجيال كثيرة من العرب بعثرتها مثل هكذا طموحات مجرمة .. وبعض الاوطان تموت اليوم لان قادتها  كانوا طموحين اكثر من اللازم ! 

2011/04/17

العالم "ضيعة" صغيرة




لم اعد اذكر بالتحديد عنوان تلك اللعبة التي كنت احبها وانا صغير.."اعثر على الفروقات بين الصورتين" او شيء من هذا  القبيل.. صورتان متطابقتان تماما.. مع بعض الفروقات في التفاصيل الدقيقة.. وعليك ان تجد هذه الفروقات.. كانت لعبة مسلية جدا ومفيدة في تقوية الملاحظة البصرية.. نوع من الشطرنج البصري.. لم العب هذه اللعبة  منذ زمن بعيد.. بالامس فقط تذكرتها.. وانا احاول المقارنة في تفاصيل "صورتين" قادمتين من قرية سورية.

قبل ثلاثة ايام نشر موقع الثورة السورية هذا الفيديو المرفق هنا الذي يظهر مشاهد تعذيب لمواطنين سوريين عزّل من قبل قوات النظام السوري.. مكان الحدث هو قرية البيضا قرب بانياس.. والمواطنين هم من ابناء تلك القرية.. كل من عاش في جمهوريات الاسلاك الشائكة يعرف ان هذه المشاهد تحصل كثيرا.. في اقبية السجون غالبا.. وفي الاماكن المفتوحة في حالات استشنائية كحالات الانتفاض على السلطة.

وكالات الانباء تناقلت هذه المشاهد المدمرة رمزيا للنظام السوري.. ولكن الاعلام الرسمي السوري شكك بهذا الفلم وبصحته وبمكان تصويره.. لا بل ان البعض ذهب في هلوستة الى حد القول ان هذا الفيديو مصور في العراق وان القوات الامنية التي تظهر في الفلم هي قوات البيشمركة الكردية.. موقع الثورة السورية وردا على تكذيب الاعلام السوري نشر امس فيديو اخر يصور احد المواطنين الذين يظهرون في الفيديو الاول .. ويبدو انه نفس المواطن الذي ظهر الاقرب للكاميرا في فلم التعذيب.. والاهم من كل ذلك هو ان الفيديو الذي نشر يوم امس قد تم تصويره في نفس الساحة التي تم فيها التعذيب في قرية البيضا.

لقد تفحصت هذه الفديوهات طويلا ..واعدت مشاهدتهما عدة مرات.. ولكي اقطع الشك باليقين التقطت صورتين لنفس الخلفية من كلا "الفلمين".. ووضعتهما جنبا الى جنب.. وبدأت ابحث عن اوجه الشبه والاختلاف.. وهنا تذكرت لعبة الفروقات بين صورتين التي كنت احبها صغيرا.. وتذكرت ان افضل واسرع طريقة في كشف الفروقات هي عدم التركيز على  الكبير الذي غالبا ما يخدع العين والذهاب الى الخلفيات والاشياء الصغيرة.. وهكذا كان.. كل من يقف مطولا امام الفلمين المرفقين سيجد ان المكان هو نفس المكان.. ساحة في قرية البيضا قرب بانياس.. وسيفهم ان الاعلام السوري يكذب.. وان ما يحويه الفيديو هو حدث حقيقي.. حدث حصل في سوريا.. قرب مدينة بانياس.. في قرية البيضا.. في ساحة صغيرة في مساحتها.. ولكنها ستصبح كبيرة في رمزيتها .

ابناء تلك المنطقة السورية يسمون القرية "ضيعة".. رائعة تلك التسمية المولودة لغوياَ من جذر "ضاع".. الضيعة هي مكان بعيد.. مكان ضائع.. يصعب العثور عليه.. ولكن ضيعة "البيضا" ما عادت كذلك .. فنحن نعيش في عصر الانترنيت..الذي جعل من العالم قرية صغيرة.. جعل من العالم "ضيعة" صغيرة.. وهذا ما لم يفهمه الاعلام الرسمي السوري.. الملايين اليوم يعرفون اسم "البيضا".. من هنا فهي لم تعد "ضيعة".. النظام السوري هو من ضاع وسيضيع بعد همجية قواته تجاه مواطنين عُزّل .

باختصار.. ما حصل في البيضا يثبت ان النظام السوري لازال يتصرف وكأن المواطنين السوريين هم بهائم.. يربطهم ويضربهم ويركلهم.. لانه يعتقد ان الوطن هو مزرعة خاصة.. لانه يعتقد ان الوطن هو "ضيعة" كبيرة.. لم يفهم بعد ان زمن الاوطان التي تدار كمزارع قد ولى.