2011/09/10

نهج السخافة .. ما لا يظهر على الشاشة الشيعية !!


اثار مسلسل الحسن والحسين ومعاوية  الكثير من ردود الافعال.. ومستوى هذه الردود قارب في الغالب الاعم المستوى الهابط للمسلسل.. الذي صُنع على النمط الحكواتي التلقيني الذي تعشقه الذائقة العربية.. هناك نوعان من ردود الافعال.. النوع الاول يعترض على ظهور احفاد "النبي" وبعض الصحابة على الشاشة.. ساضع جانبا هذا الاعتراض الشكلي العقيم الذي يكشف عن عجز مخيف في النظر لشخصيات الاسلام الاول كبشر يأكلون ويشربون ويتبرزون ويتصارعون ولهم نفس دوافع وغرائز البشر.. وهذا العجز هو ما منع ويمنع فهم ديناميكية الفتنة من منظور انثروبولوجي باعتبارها صراع بين بشر على السلطة.. غياب هذا المنظور الانثروبولوجي للصراع  جعل من التاريخ الاسلامي تاريخ صراع بين محكيات فبركتها المواقف المتحزبة والمتشيعة التي لازالت تمعن في قتلنا.. واذا كان هناك من ايجابي في المسلسل فهو يكمن في تجسيد شخصيات الاسلام الاول على الشاشة.. رغم ان معالجته الدرامية استمرت باحاطة تلك الشخصيات بهالة القداسة التي تفرّغ تلك الشخصيات من واقعيتها.

 اما النوع الثاني من ردود الافعال فهو يعترض على المحتوى التاريخي الذي تضمّنه المسلسل.. واغلب تلك الردود نشرها كتاب شيعة صدمتهم الصورة الايجابية لمعاوية في المسلسل.. لانهم تعودوا على اجترار صور نمطية كاريكاتورية تم انتاجها في بداية العصر العباسي عن علي القديس ومعاوية الداهية الشرير.. وهي صور كانت مفيدة سياسيا للعباسيين في بداية حكمهم وقبل ان يضيقوا ذرعا بالشيعة وينقلبوا عليهم. 

  ساتوقف هنا امام مقال د. علي الصكر الذي يمثل نموذج لردود الافعال هذه.. الصكر في مقاله يرتدي عمامة الواعظ التاريخي ويقول لنا ان " من حق المشاهد أن يتساءل عن مدى صحة الحدث الذي يراه على الشاشة".. من هنا مطالبته كاتبي المسلسل بـ "أن يخبرا المشاهد أين ومتى كان معاوية يسير في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس مثل معظم الزعماء العرب المحبوبين لدى شعوبهم".. وهذا التساؤل يُبيّن ان الصكر لم يعرف غير اتربة وغبار المصادر الشيعية مما يجعله غير قادر على فهم علاقة معاوية الجيدة مع اهل الشام.. لن استعين بمصادر كلاسيكية لانها حتما لن ترضي الصكر وامثاله  ممن لازالوا يستنشقون غبار معارك الجمل.. يكفيني فلهاوزن.. والرجل الماني وليس ناصبيا !! وهو "سيد مؤرخي الاسلام بين المستشرقين" كما يصفه عبد الرحمن بدوي.. ماذا يقول فلهاوزن في كتابه "الدولة العربية" حين يصف علاقة معاوية مع اهل الشام مقارنة بعلاقة علي مع اهل الكوفة ؟  

The men of Iraq, amongst the foremost of whom are always to be understood the men of Kufa, held fast, as a whole, to Ali. But his relations to them were different from these of Muàwia to the Syrians, and not so kindly. Muàwia was not risen from the ranks, but held the authority of a superior over them ; he did not owe his position to his inferiors, but was independent of them, when he ordered they obeyed.... . They had long known and respected him.... . On the other hand, men could not forget that Ali owed his power to a revolution, and he had neither the time nor the means to make up for this detraction by exceptional personal qualities. The men of Iraq did not forget that it was they who had advanced him ; they were too undisciplined, or perhaps too devout, to follow their Khalifa where he led them.   (Wellhausen. Arab Kingdom, pp.58  


باختصار، فلهاوزن يقول "ان علاقة معاوية مع اهل الشام هي علاقة جيدة لان شرعيتة لم تكن موضع شك عندهم. لانها متأتية من كونه مُعين من قبل الخليفة ولم يكن مدينا لهم بشيء في هذا الاطار. وان اهل الشام كانوا يطيعونه لانهم كانوا يعرفونه منذ سنين طويلة ويحترمونه. اما علاقة علي مع اهل الكوفة فقد كانت علاقة طارئة وسيئة. لانهم يعرفون ان مصدر خلافته يرجع للثورة او الانقلاب العسكري على عثمان. ولم يمتلك علي لا الزمن الكافي ولا القدرة على التغلب على هذا النقص بقدرات شخصية ممتازة . ثم ان اهل الكوفة  لم ينسوا انهم هُم من ساعدوا علي  في تثبيت سلطته".. ما يهمنا في قول فلهاوزن هو ان اهل الشام كانوا يطيعون معاوية لانهم كانوا يعرفونه منذ سنين طويلة ويحترمونه".. فما الغريب اذا في ان يسير معاوية في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس ؟! خصوصا وان الرجل شارك اهل الشام في كل معارك "فتح" الشام وكان قد قضى فيها انذاك اكثر من عشرين سنه واستطاع ان يبني "مجال نفوذ حقيقي  قوامه الولاءت والتحالفات" كما يقول هشام جعيط في كتابه "الفتنة"، ص. ٣٢١.

 المذهل ان علي الصكر المشكك بمصادر كاتبي المسلسل يتساءل ما اذا كانا قد اطلعا على كتاب نهج البلاغة.. اي ان الصكر يعتبر نهج البلاغة مصدر تاريخي موثوق !! غير عارف بان نهج البلاغة هو كتاب مفبرك وضعه الشريف الرضي (وهو احد اعضاء شركة ال البيت اللامحدودة) ايام البويهيين الذين كانوا يزخرفون سيوفهم برسم علي.. التاريخ يقول لنا ان اقدم مصدر تاريخي يورد مقاطع من خطب علي هو ابو مخنف.. وهشام جعيط يقول ان حتى تلك المقاطع القصيرة هي اسلوبيا من "تأليف" ابو مخنف.. ومع مرور الزمن راحت هذه المقاطع تتضخم حجما وتُصقل اسلوبا حتى اصبحت كتاب كامل.. يحتوي على خطب مفبركة.. في غاية البلاغة نعم.. ولكنها في غاية السخف من الناحية التاريخية لانها خُطب وضعتها الاجيال اللاحقة.

الصكر يقول ايضا ان المسلسل:"يقدم لنا رؤية جديدة تماما لمبدأ التوريث الذي يعرف الجميع أن معاوية هو أول من ابتكره وسنه".. ونحن هنا نقف امام "ربع حقيقة".. فالتاريخ يقول لنا ان اول ظهورعملي لمفهوم الوراثة في الاسلام كان مع تنصيب الحسن خليفة في الكوفة بعد مقتل علي..آنذاك تم تنصيب الحسن ليس فقط باعتباره ابن لـ علي ولكن ايضا كحفيد " للنبي".. من هنا مفهوم ال البيت وهو مبدأ وراثي بامتياز.. وهذا المبدأ الوراثي هو اساس النظرية الشيعية للحكم التي تقصر الحكم على احفاد علي!! وكما يقول فلهاوزن فان "الشيعة لم يرفضوا المبدأ الوراثي في الحكم كما فعل الخوارج ولكنهم ارادو في معارضتهم لبني امية ابدال عائلة بعائلة اخرى" (فلهاوزن ، الدولة العربية، ص. ٦٦).

باختصار المسلسل فاشل ليس للاسباب التي يطرحها بعض الكتاب الشيعة.. من يصدق اناس يتورم حسهم النقدي امام مشهد معاوية يمشي في السوق ويسلم على الناس.. ولكنهم يصمتون صمت القبور على خرافة المهدي المنتظر!! لا.. المسلسل فاشل لانه تعبير عن مجتمع فاشل ما زال نائما في رؤية اسطورية غير تاريخية لفترة الاسلام الاول.. مجتمع يستمتع بحكايات الاطفال التاريخية كما يسمي فويرباخ الاساطير المسيحية.. فـ علي الفاشل تاريخيا في اختبار السلطة بسبب ضعف قدراته الادارية كما يقول فلهاوزن.. يتحول في القرن القادم ومع مجيء العباسيين الى السلطة الى بطل اسطوري شبه قديس.. اما طلحة والزبير وعائشة فقد كانوا يحرضون الناس على عثمان واصبحوا بعد مقتله يطالبون بثأره لان السلطة ذهبت الى علي او قل أن علي ذهب الى السلطة برفقة قتلة عثمان !! في حين ان الحسين الذي يذهب الى الكوفة من اجل ورث جده وابيه في السلطة يتحول بقدرة قادرالى شهيد ثأئر ضد الظلم!!

 هذه التحريف للتاريخ هو اسقاط سايكولوجي تعويضي يقوم به "مجتمع" يعاني من اعراض ما بعد الصدمة.. صدمة الفتنة الكبرى.. لانه مجتمع يمتلك تصور قيمي ساذج للسلطة ولميكانزمات السلطة .. مجتمع يدفعه احباطه التاريخي الى انتاج اساطير كنوع من التعويض.. مجتمع مازال يجتر جروحه لانه لا يفهم معنى الحداد.. او قل هو مجتمع يفهم الحداد كونه اما استرجاع ثأري للجروح او عمل ترقيعي لاخفاء العورات.. وليس مكاشفة مع الذات والاشياء.. وبهذا المعنى فان المسلسل هو حداد اخر فاشل.

2011/08/31

يحدث في سوريا



في كل مرة تحدث فيها مثل هكذا مواجهة  .. فهذا يعني ان الجيش قد فقد زمام المبادرة .. فبعد ان فشل في اخماد التحركات الشعبية  بالقوة .. يلجأ الجيش السوري اليوم الى الشعارات .. منظر الجنود هنا يثير الشفقة .. وشجاعة اهالي إنخل تثير الاعجاب .

2011/08/14

الشروكية .. بين الحقيقة التاريخية والتأويل الشيعوي


نشر كويتب شيعي مؤخرا مقال عنوانه "إنجازات الشروكية في حكم العراق" يقول فيه  ان مفردة شروكية "هي مفردة جغرافية يقابلها في المجال الجغرافي العام وفي المجال الاجتماعي الخاص في العراق مفردة " الغربية ". واذا كان المعني بوصف الشروكية ابناء المناطق الشرقية في الجنوب والفرات الاوسط وامتداداته في بغداد فان وصف الغربية يشيرالى محافظات الانبار والموصل وتكريت.. وهو يضيف بعد ذلك "ان استخدام وصف الشروكية القصد منه النيل من كرامة ومكانة الغالبية الساحقة للشعب العراقي" وهو يقصد الشيعة.

ما لا يعرفه هذا الكويتب هو ان مفردة "الشروكية" ليست مقابل جغرافي  لمفردة  "الغربية".. وبالتالي فليس هناك بعداً طائفيا لمفردة الشروكية.. اي انها ليست نعتا تحقيريا ابتدعه السنة.. فمفردة الشروكية ومضمونها التحقيري تاريخيا هي تسمية استخدمتها عشائر الفرات الاوسط  الشيعية لنعت العشائر الشيعية القاطنة الى الشرق منها قرب دجلة.

وهذا ما يؤكده علي الوردي في كتابه " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" حيث يقول: " ينبغي ان نذكر ان قبائل الفرات الاوسط  تنظر الى قبائل دجلة القاطنة الى الشرق منها نظرة لاتخلوا من احتقار.. وهي تطلق عليها اسم "الشروقيين" نسبة الى الشروق اي الشرق"(ص. ١٦١) و"ان قبائل الفرات الاوسط تنظر الى المعدان مثل نظرتها االى الشروقيين" (ص. ١٦١).. وعلي الوردي يضيف بنظرة قِيَميّة شائعة في كتبه ولا تمت لعلم الاجتماع بصلة :" يبدو ان قبائل الفرات الاوسط لها بعض الحق في احتقار المعدان .. فالمعدان لم يستطيعوا ان يحافظوا على القيم البدوية" ويضيف مستشهداً بالكاتب البريطاني ثيسيغر ان "لهم سمعة واسعة باللصوصية" (ص. ١٦٢). انتهى. 

اذا وخلافا لما يعتقده كويتبنا فان مفردة "شروكية" هي نعت تحقيري صادر من  قبل شيعي بحق شيعي اخر.. وثانيا، ان تحليل مفردة "الشروكية" يكشف عن مناطقية متورمة تاريخيا في الجنوب.. وهذا ما تحاول ان تخفيه المحكية الشيعوية الحالية من خلال منح مفردة الشروكية بُعداً مذهبيا طائفيا.. وثالثا، فان الشيعة ليس كلهم شروكية .. فهناك كان دائما فرقا اجتماعيا واقتصاديا ومعنويا بين "السادة" وعبيد السادة.

كويتبنا يعتقد ان المالكي وعادل عبد المهدي هم شروكية من هنا تراه يتكلم عن حكم الشروكية اليوم.. في حين ان اجداد هولاء في الفرات الاوسط هم اول من استخدم المفردة تحقيرا للشروكية .. اقرأوا التاريخ قليلا ياسادة .. او يا عبيد "السادة" !

2011/07/31

عن الروبّيات الهندية


نصرالدين شاه هو احد ملوك ايران الصفوية.. في احدى زياراته لفرنسا بلغت ديونه في المواخير الباريسية حدا دفعه للتنازل لفرنسا عن حقوق التنقيب والاحتفاض بالقطع الاثرية التي يتم العثورعليها في جميع المواقع الاثرية الايرانية.. لكي يسدد ديونه ويعود لايران!! تاريخ ايران مليء بمثل هذا النمط من الملوك الذين كانوا من حين لاخر يفيقون من بين افخاذ الجواري ومؤخرات الغلمان طالبين زيارة العتبات "المقدسة" الشيعية والتقرب الى الائمة من خلال الاموال والهدايا التي كانت تُخْمَط من الفقراء.  

في القرن التاسع عشر كانت هناك امارة شيعية  قائمة في شمال الهند.. وكانت تحكمها سلالة مغولية مدعومة من قبل البريطانيين ..اغلبية سكان هذه الامارة كانوا من السنة ولكن السلالة المغولية التي كانت تحكمهم كانت شيعية.. امراء هذه الامارة كانوا يسحقون الفلاحين بضرائب مجحفة.. ويقرضون البريطانيين الملايين لمساعدتها في حربها الاستعمارية في جنوب شرق اسيا.. ويستلمون من ذلك فوائد مصرفية هائلة رغم انها تعتبر ربا ومحرمة اسلاميا.. ولكن رجال الدين الشيعة في العراق منحوهم فتاوي تحلل استثماراتهم المصرفية.. وهولاء الامراء الهنود كانوا ايضا يرسلون الاموال والهدايا لرجال الدين في النجف وكربلاء.

مقال الباحث خوان كول "المال الهندي والعتبات الشيعية في العراق" والمنشور في الـ" ميدل ايست جورنال" عام ١٩٨٦ يخبرنا عن تاريخ هذه الاموال الهندية.. والاهم هو انه يُبيّن لنا سلوكيات الفساد المالي التي كانت سائدة بين رجال الدين الشيعة.. وبالتحديد في النجف المرجع محمد حسن النجفي صاحب "جواهر الكلام" جد الشاعر الجواهري.. وفي كربلاء المرجع ابراهيم القزويني .

لقد ارسل الامراء الهنود وعبر وكلاء بريطانيين الملايين من الروبيات.. جزء منها لشق  قناة الهندية (سُميت هندية لان المال هندي).. وجزء لتوزيعها على الفقراء وطلاب الحوزة ولترميم الاضرحة.. ولكن الامراء الهنود يكتشفون بعد سنين طويلة وعبر وكلاهم البريطانيين ان رجال الدين لايقدمون وصولات بما كانوا يستلمونه من لاموال الطائلة.. وان جزء يسير جدا منها يذهب للفقراء.. وان قناة الهندية اخذت من الاموال ما يكفي لشق عدة قنوات.. ودائما بلا ادنى وصولات او حتى اي تقرير مالي وهو ما كان يلح بطلبه النواب الهنود.. الادهى ان من بين الاتفاقات ان يتم ايواء الزوار الهنود في اماكن كان يجب بناءها لهم من هذه الاموال ولكن الامر لم يتم.

عندما نقرأ مقال خوان كول نجدنا مضطرين للقول ما اشبه اليوم بالبارحة.. ولكن ما هو اهم في مقال كول هو انه يمكننا من فهم الظروف التاريخية التي مهدت الى تحرر الكثير من الشيعة من سلطة رجال الدين.. كثيرون من شيوعيوا الجنوب كانوا من عوائل دينية شيعية.. شاهدوا رجال الدين عن قرب وعرفوا فسادهم.. فهجروهم  الى "دين" اخر فاشل.. قصيدة الجواهري "الرجعيون" التي تصور فساد السراديب لم تأت من فراغ .. الجواهري ينتمي الى عائلة دينية لها تاريخ حافل بخمط اموال الفقراء.

قبل فترة قرأت تقريرا يقول ان ارتداء الناس لزي رجال الدين قد قَلَ كثيرا في النجف بعد ان شهد اقبالا واسعا في سنوات الاحتلال الاولى.. والسبب هو السمعة السيئة التي تشوب رجال الدين مع قدوم مليارات "الروبيات" الخضراء الامريكية.. غزارة الروبيات الامريكية جعل تصفية الحسابات بين ابناء البيوتات الشيعية على المكشوف مما افقدهم احترام الكثير من الشيعة.. سياسة الارض المحروقة البعثية جعلت من رجال الدين ملجأ للنفوس الهشة  في عقود الفقر الاخيرة.. الروبيات والسلطة ستجعل منهم  عاجلا ام اجلا مصدر للنفور.. فمجدا للروبيات الفاضحة لجشع قوادي الدين. 

2011/07/17

عن الحجاج والجاموس ..استكان شاي مع فلهاوزن

كثيرون في العالم العربي يعرفون هشام جعيط وكتابة القيّم " الفتنة الكبرى".. ولكن قلة تعرف المؤرخ الالماني يوليوس فلهاوزن ومساهمته الهائلة في كتابة التاريخ العربي الاسلامي..وجعيط يسير على خطى فلهاوزن في القراءة النقدية للتاريخ .. فكتاب فلهاوزن "الدولة العربية وسقوطها " الذي صدر في ١٩٠٢ هو من اسس للمنهجية النقدية للتاريخ العربي الاسلامي.. قبل فلهاوزن كان التاريخ العربي الاسلامي يسير على نمط "قال فلان عن ابن خالة علان".. وبعد فلهاوزن اصبح هذا التاريخ عملية مقارنة للنصوص وتحليل لخلفيتها التاريخية وبالتالي تفكيك للمبالغات والفبركات التي تحفل بها كتب التاريخ العربي القديمة.. بفضل منهجية فلهاوزن خرج التاريخ العربي الاسلامي من خزعبلات واحقاد القرون الوسطى.. ودخل علم التاريخ ومكتسباته الحديثة.

تعرفون ان التاريخ العربي الاسلامي الذي وصلنا كُتِب في العصر العباسي.. واقدم الوثائق التي استند اليها هذا التاريخ كُتبت في الكوفة.. وكاتبها هو ابو مخنف ذو الهوى الشيعي.. تصورا اسلاموي شيعي يكتب تاريخ البعث في العراق.. او شيوعي عراقي  يكتب تاريخ الملكية في العراق.. اترك لمخيلتكم حجم المبالغات والفبركات التي ستحفل بها مثل هكذا تواريخ..  قيمة فلهاوزن تكمن في انه فضح ماكنة الكذب العباسية والشيعية التي عملت على تزوير العصر الاموي وشخوصه. 

واذا كان المؤرخ لامنس قد كرس بحثا كاملا لمعاوية لكي يخلص هذه الشخصية التاريخية الفريدة من المبالغات والاكاذيب التي احاطته بها ماكنة الكذب الشيعية والعباسية.. فان فلهاوزن في كتابه "الدولة العربية وسقوطها" يقوم بنفس الشيء بخصوص الحجاج.. فشخصية الحجاج هي من اكثر الشخصيات التي نالت منها ماكنة الكذب العباسية والشيعية.. وساضع هنا مقتطف مما يقوله فلهاوزن عن الحجاج .. هو مقتطف طويل من الترجمة الانكليزية لكتابه ولكنه مفيد في عرض طريقة فلهاوزن.

   His government regulations in matters of coinage, measures and taxes, and in the importance assigned to agriculture were epoch-making. In Iraq, exhausted and demoralised as it was by the constant succession of wars, he bad difficulty in maintaining the state-revenues, but all the same he was always in funds. He had the gift of ready speech, rather pluming himself on the elegance of his Arabic style, and , disliking to he surpassed in it , so that it is not without reason that the traditionalists adorn his introductory speech in Kufa with carefully-chosen turns of speech. He never let his courage fail under any circumstances; it took misfortune to bring out his greatness. But he was a little too impetuous, and was quick to get impatient with those who were executing his orders. His iron hand was covered with no velvet glove, nor had he any winning ways of  conversation. He was harsh and at times hard, but not cruel; neither was he petty and bigoted. He showed mercy, and freed a notable rebel, prisoner because he did not try to excuse himself but told the truth ... He was not so prejudiced by superstition and tradition as his contemporaries, but neither was he godless, and certainly not a hypocrite. Living and dying, he had a clear conscience. To the ordinary mind in the Hijaz and Iraq, it was of course a proof of his wickedness that he fearlessly cleared out the nest in Mecca, and did not allow the piety of the seditionists to be their justification. 

Other shameful deeds laid to his charge are inventions and fabrications of the hatred of his enemies, which even after his death did not abate. For example he is said, according to an anonymous account in Tabari (p.1128) to have slaughtered in Basra, after the battle of Zawia, 11,000 or even 120,000 - 130,000 men. Kremer and Vloten apparently believe this nonsense. The old and genuine tradition, however, says the opposite. In Basra, as in Kufa, immediately after the victory, he had a general pardon proclaimed for those who gave up the struggle, and did his best to prevent the licence of the Syrian soldiery in the conquered towns. (p. 255 -256) 

لن اترجم هذا المقتطف الطويل .. ولكن فحواه هو اولا، ان الحجاج لم يكن السفاح المتعطش للدم الذي صورته ماكنة الكذب العباسية والشيعية.. وان التهم التي لحقت به هي من اختراع وفبركة اعدائه .. نعم الحجاج كان حاكما شديدا .. ولكنه لم يكن سفاحا .. ورواية الطبري التي ينقلها عن مصدر مجهول والتي تزعم بان الحجاج قد ذبح١٢٠ الف شخصا او حتى احد عشر الف شخصا عند دخوله البصرة هي كذب لا يقبله الا عقل خزعبلاتي .. فالروايات الاسبق والاكثر دقة بحسب فلهاوزن تقول العكس تماما .. فالحجاج بعد دخوله الكوفة والبصرة اصدر عفوا عاما وفعل كل ما في وسعه من اجل منع تجاوزات جنوده في هاتين المدينتين .. وثانيا، وهو ان الاصلاحات الادارية التي قام بها الحجاج اثناء حكمه للعراق الذي خربته عشرون عاما من الحروب والثورات كانت اصلاحات تاريخية بمقاييس ذلك الزمان.

وهناك خطوات اقتصادية في غاية الاهمية اتخذها الحجاج .. يذكرها فلهاوزن في كتابه :

Under Walid Hajjaj reaped the fruit of the hard work which he had had to do undar Abdul-malik. In Iraq peace prevailed. He used it to heal the wounds which a twenty-years war had inflicted upon the well-being of the country... He devoted his attention to the canal-systems upon which depends the fertility of the marshy land on the lower Tigris and Euphrates, and in the midst of the chief marshy region he founded his town of Wasit. He tried to stem the depopulation of the alluvial lands which was resulting from the thronging of the inhabitants into the large towns. It is said he also forbade the peasants to slaughter oxen, in order to keep them for the plough.( p.252) 

الكل يعرف ان الحجاج هو مؤسس مدينة واسط .. ونعرف ايضا اهتمامه الكبير بمشاريع الري والزراعة .. ولكن اهم خطواته هي محاولته منع المزارعين من الهجرة من الارياف الى المدينة .. لانه كان يعتقد ان ذلك خراب اقتصادي للارياف وخراب اجتماعي للمدن.. ومن يعرفون الخراب الاجتماعي الذي تعرضت له مدينتي بغداد والبصرة في العقود الاخيرة بسبب الهجرات "الريفية" الهائلة سيقدر حكمة الحجاج في هذا الاطار.. نقطة اخيرة مهمة .. فالحجاج هو من ادخل الجاموس الهندي الى اهوار العراق ضمن خطته الزراعية لتلك المنطقة والتي فاقت بحسب فلهاوزن كل ما قام به ملوك الفرس . .باختصار .. لولا الحجاج لما عرفنا القيمر !! فماذا ادخلت " شركة ال البيت اللامحدودة " للعراق غير النواح واللطم !!

2011/06/30

"كسلة" برفقة شسترتون


There are some who complain of a man for doing nothing, there are some, still more mysterious and amazing, who complain of having nothing to do. When actually presented with some beautiful blank hours or days, they will grumble at their blankness. When given the gift of loneliness, which is the gift of liberty, they will cast it away, they will destroy it deliberately with some dreadful game with cards, or a little ball … I cannot repress a shudder when I see them throwing away their hard won holidays by doing something. For my own part, l can never get enough Nothing-to-do 

2011/06/19

الشخصية العراقية .. في بُرْكة علي الوردي


امام ما يجري في مصر من غوغائية وشيوع سلوكيات البلطجة نشر عزيز الحاج مؤخرا مقال يقول فيه متسائلا :"هل تبدلت الشخصية المصرية فجأة، بعد أن كان المصري معروفا بالاعتدال بالعكس من الشخصية العراقية الموسومة بالعنف؟ أم إن الشخصية المصرية الأصلية كانت راقدة وسنحت لها اليوم فرص وظروف البروز؟" 

شيء ايجابي ان ينتقد عزيز الحاج ما يسميه بالـ"ثورية المنفلتة" في مصر.. هو القيادي الشيوعي الذي ساهم بنشر سلوكيات "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" في الشارع العراقي  في نهاية الخمسينات.. وشيء ايجابي ايضا ان ينتقد عزيز الحاج  "شباب الثورة" في مصر الذين يرفعون "في ميدان التحرير وبطريقة غوغائية شعار "لا بديل عن الإعدام" لحسني مبارك.. نعم شيء جيد ان يقول لنا ذلك من ساهم في نصب اعمدة المشانق في شوارع بغداد وكركوك والموصل.. ان يتعلم الناس من اخطاهم السابقة هو شيء جيد.. الى الامام "رفيق".. سر ونحن من وراءك !!

ولكن ما يستوقفني في مقال عزيز الحاج هو قوله ان "الشخصية العراقية موسومة بالعنف" وان الشخصية المصرية معتدلة.. ساضع جانبا مسألة التعميم الاعتباطي لمفردة"الشخصية" على شعب كامل.. واكتفي بملاحظة يعرفها كل طلاب المرحلة الاولى في علم الاجتماع.. وهي ان الشخصية او بالاحرى مكونات الشخصية هي نتاج مجموع الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيش فيها انسان ما.. وسايكولوجية شخص ما هي رهن باشباع او عدم اشباع حاجاته المتنوعة.. بمعنى ان المصري الذي يعيش في حي راقي في القاهرة يختلف في شخصيته عن مصري اخر يعيش في حي شعبي من نفس المدينة.. فما بالك بمن يعيش في العشوائيات او في الارياف.. وهناك بين فرنسي يسكن في حي راقي في باريس وامريكي يسكن في حي راقي في نيويورك مشتركات سلوكية ونفسية اكبر مما هي بين هذا الفرنسي والفرنسي الذي يعيش في اطراف باريس.. وبنفس المنطق هناك بين مصري يسكن في الزمالك وبين عراقي يسكن في حي راقي من بغداد مشتركات شخصية وسلوكية اكبر مما هي بين مصري الزمالك وبين ومصري العشوائيات.

ما الذي يجمع بين شخصية بغدادي وبين شخصية فرد قادم من خلف السدة ؟ لا شيء.. اذا فالقول بان هناك شخصية عراقية هو قول ينتمي الى العصر الحجري سوسيولوجيا.. وفقط سذاجة علي الوردي تسمح له بالكلام عن "شخصية الفرد العراقي" وعن "طبيعة المجتمع العراقي" في وقت كانت الحكومات العراقية تحاول جاهدة توحيد فسيفساء من الاثنيات والمذاهب والعشائر التي لا يجمعها سوى الارض.. ونحن اليوم نكتشف بحساب الواقع وليس بالشعارات عدم وجود هذا المجتمع او بالاحرى عدم تكونه لا فكريا ولا سايكولوجيا.. كل من يعرف المنهجية السوسيولوجية يعرف هذه الهشاشة الاصطلاحية عند علي الوردي.. وفقط مشهد ثقافي عراقي بائس يسود فيه الحكواتية والشعراء الرداحة جعل من علي الوردي صنما فكريا.

الفكرة الكليشة التي يتضمنها مقال عزيز الحاج هي فكرة نجدها عند الكثير ممن يسمونهم عندنا بالمثقفين.. وفحواها ان الشخصية العراقية عنيفة بينما الشخصية المصرية معتدلة والسبب هو ان النيل نهر متزن ولا يسلك سلوكا مفاجئا ويفيض في اوقات محددة.. اما دجلة والفرات فهما يرتفعان بدون انذار سابق وسلوكهما على الدوام مفاجئ.. مما ينتج فيضانات ومجتمع متصارع وبالتالي شخصيات عنيفة.. وهي فكرة استعارها مثقفونا من كليشة ثقافوية سخيفة لعلي الوردي في كتابة "طبيعة المجتمع العراقي".. وهذا الابتذال الثقافي اوصلنا اليوم الى درجة ان احد الفنانين العراقيين يستخدم نفس الفكرة ليفسر للصحافي الامريكي انطوني شديد العنف السائد في عراق الاحتلال.. وفي مقال نشرته الـ نيويورك تايمز قبل سنة تقريبا :

For Egypt, with its reputation for humor and revelry, the Nile was that country’s good fortune, surging waters bringing farms to the desert. The Tigris, an artist once told me, destroyed when it flooded, reckless and unpredictable as it was. It left hard personalities in its wake, delivering Iraqis their well-deserved reputation for toughness


هذا الفنان العراقي ومعه الصحفي الامريكي لا يكلفا نفسيهما عناء التذكير بان اخر فيضان لنهر دجلة  كان في بداية الخمسينات من القرن الماضي.. اي منذ اكثر من نصف قرن.. والاغلبية الساحقة من العراقيين اليوم لم يشاهدوا في حياتهم فيضانا.. فاذا كان صحيحا ان انعدام الفيضانات ينتج شخصيات معتدلة  فكان المفروض ان عراقيوا اليوم هم ملائكة !! هل ترون سخافة الفكرة وتناقضها.

وعزيزالحاج يقف اليوم حائرا امام نفس التناقض.. قال له علي الوردي ان المصري معتدل لان النيل نهر متزن.. ولكن النيل اليوم اكثر "اتزانا" لقلة مناسيبه بسبب السدود الاثيوبية !! في حين ان المصري اصبح عنيفا.. غريب .. حيرة عزيز الحاج كبيرة.. وهزيمته الفكرية اكبر.. فهو بعد ان كان يعتقد بان "الشخصية العراقية هي الشخصية الوحيدة الموسومة بالعنف".. تراه يلجأ اليوم الى تعميم هذه الكليشة على الشخصية المصرية والعربية !!

السوسيولوجيا التاريخية تقول لنا ان العنف مشترك بشري عرفته وتعرفه كل الثقاقات.. وفي ظروف تاريخية متشابهة (غياب السلطة مثلا ) كل الثقافات ارتكبت العنف.. والمصري او الليبي او الجزائري او العراقي لا يختلفون في ذلك عن الفرنسي او الروسي او الصيني او الامريكي .. وكل حديث عن شخصية عراقية او مصرية بطريقة ماهياتية غير تاريخية هو سخف فكري وتحقيري للذات.. واصرار عزيز الحاج على الاعتقاد بان هناك شخصية مصرية اوعربية عنيفة بعد ان كان يعتقد بعنف الشخصية العراقية فقط، هو استمرار بالسباحة في بركة علي الوردي الثقافوية الآسنة .