2010/02/28

المجد للفساد !!


مارتن لوثر كان يقول : "ان تكون حاكما من دون ان تكون فاسدا هو شيء شبه مستحيل" .. كل الايديولوجيات ذات الشعارات الوردية اختبرت هذه الحقيقة المرة .. الضحية ما ان يستلم سلطة حتى يتحول الى جلاد .. الثائر ما ان يقوم بالثورة حتى يتحول الى مجرم .. المبدأ الانيق ما ان يستلم سلطة حتى يتحول الى لغة خشبية.. باختصار للسلطة ضريبتها.. وافضل واسرع وسيلة لتحييد الشعارات هو ان يواجه الشعار اختبار السلطة.

الاسلامجية الشيعة يختبرون السلطة منذ سبع سنوات .. وانت عندما تستمع اليوم الى ما يقال في اوساط الشيعة ..عندما تصغي لنبرة الخطاب .. وخصوصا عندما تقارن كل ذلك مع "خطب" ونبرة ما كان يقال قبل سبع سنوات .. ستعرف ان الاسلامجية الشيعة بدءوا يدفعون ضريبة السلطة.. هناك تقديرات تقول ان اعدادا كبيرة من الشيعة سوف لن تشارك في الانتخابات القادمة .. لماذا ؟ لانهم انتظروا خلال سبع عجاف سقوط الخير ولكنها امطرت لصوص وسرسرية .. ورجال الدين الشيعة وعبر شبكات "خمط" الخمس يعرفون جيدا مستوى التذمر في اوساط الشيعة .. وهم لذلك يخشون مقاطعة الانتخابات .. من هنا تصريحات ممثل السيستاني عبد المهدي الكربلائي يوم امس حين قال ان «سماحة المرجع حذر من عدم المشاركة وعزوف المواطن عن الانتخابات".

وحجة المرجعية في حث الشيعة على عدم المقاطعة بحسب الكربلائي هو ان " عدم المشاركة وعزوف المواطن عن الانتخابات سيمنح الفرصة للآخرين ممن يرفضون الأسلوب الديموقراطي في انتقال السلطة وادارة شؤون البلاد، ويتخذون العنف والاساليب غير المشروعة وسيلة لتغيير الواقع والوصول الى الحكم وفرض نهجهم على الآخرين".. وعندما تقرأ هذه اللغة الخشبية فعليك ان تضع مفردة البعثيين بدل مفردة "الاخرين".. واستخدام المرجعية للسعلوة البعثية يتناغم ويسند موقف الاحزاب الشيعية التي حركت مؤخرا الفزاعة البعثية لكي تخيف من يفكرون بعدم المشاركة بالانتخابات .. وعندما يقول عبد المهدي الكربلائي في نفس الخطبة ان «المرجعية لا تتبنى او تدعم اي قائمة" فهو يكذب وبالتقية المعهودة.. لان موقف المرجعية هذا هو دعم للاحزاب الشيعية التي توظف الفزاعة البعثية كبرنامج انتخابي وحيد.

ان لاتجد "المرجعية" من سبب لحث الشيعة على المشاركة في الانتخابات غير "السعلوة البعثية" هو دليل فشل واضح .. ان لا تجد المرجعية في سنوات الحكم الشيعي شيء ايجابي واحد تقنع فيه الشيعة بالمشاركة هو وثيقة افلاس دامغة لشعارات الاسلامجية الشيعة .. ان لا تجد المرجعية الشيعية غير الخطاب الضدي المؤجج لمخاوف الشيعة من السني "الخاتل" تحت سعلوة البعثي هو تأكيد لافتقار النخب الشيعية لاي برنامج سياسي .. فهذه الضدية ان دلت على شيء فهي تدل على انهم في السلطة ليس "من اجل شيء" وانما "ضد شيء" .. هم في السلطة لا لكي ينفذوا برنامج اقتصادي واجتماعي يدير دولة .. وهو المعيار الذي يحكم الناس في الديمقراطيات من خلاله على مرشحيهم ..لا، هم في السلطة فقط لكي يكونوا " ضد البعثيين" .. وعندما نفهم ان الضدية هي "برنامج" من لايملك برنامج سياسي .. عندها سنفهم انهم يستخدمون السعلوة البعثية لكي يغطون على غياب برنامجهم .

رهان الاسلامجية الشيعة على الضدية هو رهان خاسر .. لماذا ؟ لان التاريخ يقول لنا ان البشر اكلي خبز قبل كل شيء .. الناس قد تصدقك شعاراتك لبعض الوقت ولكنهم لن يصدقوك كل الوقت طالما ان الشعارات "ما توكل خبز" .. قد تستطيع استخدام السعلوة البعثية لاخافة بعض الشيعة كل الوقت.. ولكنك لن تستطيع استخدام السعلوة البعثية لاخافة كل الشيعة كل الوقت .. قدر الزعاطيط ان يكبروا ويفهموا سذاجتهم الاولى .. وقدر السعلوة ان تتحول الى "فلكلور" مضحك لا يخيف.. الزمن كفيل بتحييد الشعارات.. وواقع السلطة قاتل للشعارات.

قبل ثلاثة اسابيع وبمناسبة احتفال إيران بالذكرى الحادية والثلاثين للثورة، قال زعيم المعارضة مير حسين موسوي أن «الثورة الايرانية لم تحقق أهدافها»، واضاف ان «الديكتاتورية السائدة في حقبة الشاه، ما زالت موجودة»، محذرا من ان «الديكتاتورية باسم الدين انما هي اسوأ الديكتاتوريات" .. موسوي الذي كان رئيس وزراء خميني يعي اليوم فقط حدود الشعارات امام اختبار السلطة.

رجل الدين في السلطة هو أفضل دعاية ضد دين ما .. نيتشه يقول ان ماكيافلي كان يفسر نفور وارتياب الايطاليين من رجال الدين بسبب ان الكنسية الكاثوليكية كانت على ارضهم وقريبة منهم .. وهم لذلك يعرفون سلوكيات رجال الدين الفاسدة اكثر من غيرهم .. ونيتشه يضيف مقارنا ان كثير من الفلاسفة والمثقفين الالمان كانوا من بيوت دينية وشاهدوا كيف يتصرف القس او الكاهن عن قرب وفقدوا بسبب ذلك ايمانهم.

نفس الشيء حدث في العراق في النصف الاول من القرن الماضي .. وحنا بطاطو يسجل ان كثير من اليساريين العراقيين ينحدرون من عوائل دينية .. وخصوصا الشيوعيين .. والنموذج الاوضح هو الجواهري .. الجواهري هو من عائلة دينية لها تاريخ حافل بـ " خمط الخمس" .. والجواهري كان طالبا في الحوزة النجفية في بداية القرن الماضي .. وهو بهذا المعنى يعرف المستور افضل من غيره .. وقصيدته "الرجعيون" هي وصف صارخ لفساد رجال الدين الشيعة انذاك .. لن نفهم تجربة الاحزاب العبرطائفية العلمانية انذاك ما لم نستوعب ذلك.

باختصار ..التاريخ لن ينتهي في عطلة نهاية الاسبوع القادم .. وللسلطة ضريبتها كما يقول مارتن لوثر .. والاسلامجية الشيعة خلال سبع سنوات في السلطة قد وصلوا بالفساد الى قمم لم يسبقهم اليها احد .. وعاجلا ام اجلا سيدفع رجال الدين ضريبة فسادهم .. فمجدا للفساد الفاضح لرجال الدين المتاجرين باحقاد القرون الوسطى!! مجدا للفساد الفاضح لقوادي الدين!!

2010/02/17

امنحوهم اربع سنوات اخرى

لو كنت ممن ينذرون النذور .. لنذرت نذرا عظيما لكي يفوز الاسلامجية الشيعة بالانتخابات القادمة .. نعم انا اتمنى من كل قلبي ان يفوز الاسلامجية الشيعة.. امنحي ايتها الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى للسيستاني .. اربع سنوات اخرى فقط .. لا اطلب اكثر من ذلك .. اعرف ان الضرر الذي لحق بالعراق بسبب الاسلامجية الشيعة هائل .. واعرف ان الثمن الذي سيدفعه العراق جراء بقائهم في السلطة اربع سنوات اخرى سيكون كبير .. ولكن يبدوا ان الثمن على قدر الغباء السائد.

بقاء الاسلامجية الشيعة اربع سنوات اخرى .. سيعني حتميا اربع سنوات فساد .. واربع سنوات فساد اخرى تعني سقوط نهائي لكل شعارتهم .. وبالتالي انتفاء قدرتهم على الشحن الطائفي .. وهنا يكمن شرط ظهور احزاب وطنية عابرة للطوائف .. لن يكون هناك احزاب وطنية "عبرطائفية" علمانية في العراق ما لم يفشل خطاب الاسلامجية الشيعة فشلا ذريعا .. ولن يكون هناك فشل ذريع من دون سنوات فساد اخرى .

بعض التحليلات ترجح خسارة الاسلامجية في الانتخابات القادمة .. ونفس التقديرات التي تتنبأ بخسار الاحزاب الشيعية تقول ايضا ان القائمة العراقية ستكون الرابح الاكبر.. لذلك فان ايران قد نصحت الاسلامجية الشيعة باعادة استخدام السياسة الضدية من جديد .. من هنا الفزاعة البعثية اليوم .. فالضدية هي "برنامج" من لا يمتلكون برنامج سياسي .. انا اعتقد ان أي فوز لعلمانية "النص ردن" التي يمثلها علاوي سيكون بمثابة "استراحة محارب" للاسلامجية الشيعة .. اي فوز لقائمة علاوي في هذا التوقيت سيكون مظلة انقاذ للاسلامجية الشيعة .. ومصلحة العراق تقتضي سقوطهم سقوط حر.. واربع سنوات اخرى ستساهم في ذلك.

لك ان تجند كل الائمة والقديسين .. لك ان تجتر ليل نهار خطب وخطابات نهج البلاغة.. لك ان تدعي انك من "فروخ النبي" .. ولك ان تدعي انك تملك وكالة مفاتيح الجنة ودكاكين صكوك الغفران .. ولك بعد هذا وذاك ان تستخدم الفزاعة البعثية لكي ترتجف الاصابع البنفسجية من جديد وتنتخبك .. لك كل هذا .. ولكن بما انك فاسد .. بما انك في الواقع حرامي .. فان الناس لن تصدقك .. طالما انك حرامي وفاسد ومن العيار الثقيل .. فان خطابك مصاب بمرض فقدان القدرة على الاقناع.

في السابق كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي في دولة يحكمها السنة .. اليوم وبعد سبعة سنوات فساد ما عاد الفقير الشيعي يصدق تلك الحجة .. الشيعي فهم اخيرا .. ومتأخرا جدا.. ان حكومة من نفس مذهبه ليست بالضرورة حكومة "المعذبين في الارض" كما وعدته الشعارات .. وكثير من الشيعة يقبلون اليوم حقيقة ان الحكومة الشيعية الحالية هي افسد حكومة عرفها تاريخ العراقي المعاصر.. وهذا ورب الكعبة انجاز تاريخي .

نعم ان يفهم الشيعي .. ولو بعد خراب البصرة .. ان حكومة من نفس طائفته لا تعني بالضرورة حكومة ملائكة .. هو انجاز تاريخي .. ان يعي الفقير الشيعي ان فقره السابق لم يكن بسبب كون الحاكم سني .. هو تفكيك لـِ عقدة الضحية الالفية المكونة للسايكولوجيا الشيعية الباثولوجية .. وان يشاهد الفقير الشيعي "فروخ النبي" في دور اللصوص طوال اربع سنوات اخرى قادمة .. فذلك سيشكل ضربة قاصمة لمحكية المظلومية التي قتلت العراق .. فامنحيهم ايتها الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى !

2010/01/31

السنة و الشيعة .. بين شمولية المفردات وتشظي الواقع


سنة العراق يفشلون في التكتل لخوض الانتخابات .. هذا هو عنوان احدى المقالات التي قرأتها مؤخرا ..في هذا المقال هناك قراءتين حول سبب فشل السنة في التكتل لخوض الانتخابات .. الاولى لـ رايدار فيسر الباحث المتخصص في الشؤون العراقية والذي يقول لنا ان السنة "فعلوا ذلك لانهم يعتقدون ان هذه الاستراتيجية سيكون لها صدى لدى الناخبين وعلى هذا تمنحهم أصواتا أكثر من استراتيجية قائمة على الطائفية" .. اما القراءة الثانية فهي لـ جوست هيلترمان من المجموعة الدولية لمعالجة الازمات الذي يقول لنا ان "المسألة لا تتمثل في أن السياسيين من العرب السنة قرروا عدم تشكيل تحالف موحد لكن المسألة هي أنهم لا يستطيعون ان يتخذوا قرارا مشتركا بشأن أي شيء".

قراءة رايدر فيسر المنفعية تتضمن قبول بمسلمة شائعة في الدراسات التي تتطرق للعراق .. وهي ان السنة يشكلون مجموعة متجانسة مذهبيا .. وبالتالي يمتلكون رؤيا سياسية تحتم سلوكية سياسية مشتركة .. قراءة هيلترمان على العكس تؤكد ان السنة رغم "انتمائهم المذهبي" ليسوا على وفاق سياسيا مما يجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارا مشتركا.. ولكن هيلترمان ينطلق هنا من منظور تقني بحت .. اي انه يريد ان يقول لنا ان هناك خلاف بين الشخصيات السياسية السنية مما ينتج عدم اتفاق فيما بينهم .. اي انه يقبل ضمنيا بوجود مجموعة سنية متجانسة تحت طبقة الساسة السنة.

ما يعاب على قراءات "خبراء الشأن العراقي" هو انها تتخذ مفردات "سنة" و"شيعة" كمسلمات .. مفردات السنة والشيعة في تلك القراءات هي انعكاس امين للواقع ولا يمكن التشكيك بها .. ما تتجاهله تلك القراءات هو ان مفردات سنة وشيعة هي ادوات في الصراع السياسي .. وفرض تلك المفردات وبالتالي التصورات التي تتضمن هو ليس معطى طبيعي .. ولكنه توظيف ايديولجي ضمن مسار صراع سياسي .. تلك المفردات هي اسلحة في معركة سياسية.. من هنا لا يجوز للباحث ان يقبلها كتحصيل حاصل.

ان تقول لفقير من مدينة الثورة "انت فقير لان الحكومة فاسدة" هو شيء .. ولكن ان تقول له : "انت فقير لانك شيعي محكوم من حكومة سنية" ..فهو شيء اخر مختلف تماما يفرض تصورات اخرى ..تصورات تقتل العراق اليوم تحت شعار المظلومية .. من هنا فالباحث الاكاديمي مطالب بالارتفاع من المستوى التسجيلي الاولي الى المستوى التحليلي المفكك .. والا فما معنى لقب باحث اكاديمي اذا لم يقم ذلك الباحث بنقل المفردات من الاستخدام السياسي الايديولوجي الى الاستخدام الاصطلاحي العلمي؟

لو كنت "خبيرا بالشأن العراقي" وجاءني صحافي حاملا كليشة : "سنة العراق يفشلون في التكتل لخوض الانتخابات القادمة ، فما هو رأيك بذلك ؟ " .. فسوف ارُد على هذا الصحفي : ومتى نجح السنة في التكتل سياسيا سابقا ؟؟ خذ كل تاريخ العراق المعاصر .. وقل لي متى كان السنة كتلة سياسية واحدة ؟ الدولة العراقية الحديثة ولدت بسبب وقوف قيادات سنية ضد الدولة العثمانية السنية .. انقلاب حركة مايس قام به ضباط "سنة" ضد نظام ملكي يُنعت بالسني من قبل ثقافة اللطم .. انقلاب تموز قام به ضباط اغلبيتهم "سنة" ضد نظام ملكي يُنعت بالسني من قبل ثقافة اللطم .. وحنا بطاطو يقول لنا ان اغلب الشيوعيين الذين قاوموا انقلاب 1963 في بغداد كانوا من السنة .. وهو الانقلاب الذي ينعت بالسني من قبل ثقافة اللطم .. وكثير من "السنة" عارضوا نظام صدام حسين الذي ينعت بالسني .. ما يعني ان "السنة" وخلافا للطرح الشمولي لمفردة السنة لم يكونوا في يوما ما كتلة سياسية واحدة .. وجود حاكم من نفس طائفته لم يمنع "السني" من معارضة ذلك الحاكم .. بتعبير اخر، ان "انتماء" السني المذهبي لم يحتم عليه ولاء سياسيا.

نعم هناك سنة في العراق .. ولكن تاريخ العراق المعاصر يقول لنا انهم لم يشكلوا يوما كتلة سياسية واحدة .. الانتماء المذهبي السني لم يحتم لا ايديولجيا ولا رؤيا ولا سلوكية سياسية مشتركة .. لقد كان فيهم القومي والشيوعي والبعثي والليبرالي والملحد الخ .. وهم قد تقاتلوا ايديولوجيا حد الدم .. بتعبير اخر، نعم هناك سنة وشيعة في العراق .. ولكنهم في الواقع ليسوا كما تقدمهم شمولية المفردات .. وهذا الشيء ينطبق على العراقيين الشيعة .. اقول "العراقيين" الشيعة وليس "الشيعة" العراقيين!! لان هذا الصنف الاخير من الشيعة والذين يقدمون ولاءهم المذهبي على عراقيتهم .. حاولوا ومنذ عقود تسييس "المقدس" الشيعي من اجل فرض الولاء المذهبي كأساس للعمل السياسي .. من هنا اصرارها على فرض قراءة مذهبية للتاريخ العراقي المعاصر من خلال طرح شمولي لمفردات شيعة وسنة .. وخطاب المظلومية الشيعية الضدي هو جوهر هذا الطرح .

السنوات الاخيرة اثبتت بوضوح قاتل ان شمولية مفردة "الشيعة" ليس لها وجود على ارض الواقع .. سبع سنوات كانت كافية لتفتيت شعار "البيت الشيعي" الى "مشتملات" متصارعة .. الشيعة في المفردة السياسية شيء وعلى الواقع شيء اخر .. الشيعة في المفردة مجموعة متجانسة مذهبيا وبالتالي سياسيا .. ولكن الشيعة على الواقع احزاب وتيارات وخلافات وصراعات تصل حد القتل والحرق .. باختصار، لمفردة "الشيعة" شمولية ليس لها وجود في الواقع المتشظي .. وهذا ثابت سوسيولوجي تاريخي .. وفشل "السنة" في التكتل لخوض الانتخابات ما هو الا تأكيد لهذا الثابت السوسيولوجي التاريخي .. السنة كمفردة شاملة لا يشبهون السنة كواقع.


وعود على بدء.. ربما "ان غياب صوت متجانس للعرب السنة في الانتخابات القادمة قد يكلفهم الكثير على الصعيد السياسي" كما يقول جوست هيلترمان في نفس المقال .. ولكن ما لا يراه هيلترمان هو حجم الخسارة التي اصابت الاحزاب الشيعية التي اصطفت طائفيا .. فالسياسة قبل ان تكون مغانم مادية هي رمزية .. وكل مغانم الارض المادية لن تفيد حين تخسر رمزيا .. وما فتت وسيفتت طروحات الاحزاب الطائفية الشيعية هو سقوط تصوراتهم رمزيا .. نعم السياسة رمز قبل كل شيء .. من هنا فما يعتبر خسارة سياسية للسنة على المدى القريب .. هو انتصار للعراق على المدى البعيد .

هناك في قرية نائية في العمارة .. زارها مؤخرا الصحافي انطوني شديد .. شاب اسمه صدام .. صدام هذا زار النجف مؤخرا .. وهو ببساطة ابن الريف يقول لانطوني شديد "انها مدينة جميلة .. وشوارعها مبلطة .. ولكنه يضيف بتذمر المحروم "وماذا عنا نحن ؟" .. اي متى سيلتفتون الينا .. اما شيخ القرية فيقول " الا نستحق مدرسة ؟" .. هل ترون ما ارى ؟ بالامس كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي تعيش في دولة سنية .. ترى ماذا سيقولون لهم بعد اليوم !!

2010/01/16

عاشوراء .. انقلاب الدجل على الدجال


يبدوا ان ايران دخلت في الاسابيع الاخيرة وبالتحديد منذ احداث عاشوراء الاخيرة مرحلة سياسية جديدة .. اذا لم يعد غضب المتظاهرين وشعاراتهم تنصب على احمدي نجاد والانتخابات المزورة .. نقمة المتظاهرين اليوم توجّه الى خامنئي او "بينوشيه ايران" كما تسميه احدى الشعارات ..الشعار الاشهر اليوم في الشارع الايراني هو: "خامنئي قاتله ولايته باطلة" .. وقمع السلطة قد زاد من الطين بله .. هناك صور كثيرة للقمع الذي تعرض له المتظاهرون موخرا ولكن واحدة من ابشع الصور التي شاهدتها عن تلك الاحداث هي سيارة سلطة تحاول تخويف المتظاهرين من خلال الحركة بسرعة في كل الاتجاهات فتنتهي بسحق متظاهرا (او متظاهرة؟؟) تحت عجلاتها.

ما يستوقفني في هذه الاحداث هي مسألة التظاهر في عاشوراء .. وبالتحديد خطاب السلطات الايرانية ردا على ما سمته "الاستخدام السياسي" لمناسبة دينية مقدسة.. الحرس الثوري طالب بـ "معاقبة من يقفون وراء الإهانة الرهيبة التي لحقت بعاشوراء"..ممثل علي خامنئي قال "ان زعماء المعارضة اعداء الله ويستحقون الاعدام".. وكالة انباء فارس شبه الرسمية قالت ان المحتجين أهانوا يوم عاشوراء .. وبعض المحافظين نعت المتظاهرين بالغوغاء.

كما ترون فأن عاشوراء عندما توظف سياسيا من قبل شيعة ضد سلطة شيعية فهي تعتبر "اهانة رهيبة" للمناسبة الدينية "المقدسة".. ولكنها عندما تستخدم من قبل شيعة ضد سلطة غير شيعية فهي تعتبر عملا بطوليا ..عاشوراء عندما يستخدمها ايرانيون ضد الحكومة الايرانية هي غوغائية وخيانة لمناسبة "مقدسة" وعقوبتها الموت .. اما عندما يستخدمها الشيعة ضد حكومة عراقية فهم مجاهدون وحلفاء تتم استضافتهم ومدهم بالمال والسلاح من اجل إضعاف الدولة العراقية .. الاستخدام السياسي لعاشوراء في ايران"خامنئي" حرامس" .. اما الاستخدام السياسي لعاشوراء في دولة غير شيعية فهو "حلالس" !!

هذا الحدث مهم لانه يفيدنا في اعادة قراءة للتاريخ العراقي المعاصر.. لانه يفضح خطاب الاسلامجية الشيعة في العراق .. فهولاء قد استخدموا سابقا المناسبات الدينية وخصوصا عاشوراء في الصراع مع السلطة وبالتحديد في عامي 1974 و1977 .. وعندما جابهتهم السلطة قالوا طائفية .. المثال الايراني اليوم يكذب تلك المحكية اللطمية .. المثال الايراني اليوم يقول لنا ان منطق السلطة لا يفرق مذهبيا بين من يهدده.. والسلطة العراقية انذاك لم تتحرك بوجه الاسلامجية الشيعة من منطلق طائفي.

لقد استخدم الاسلامجية الشيعة عاشورا من اجل اغراض سياسية في عراق السبعينات.. كانوا يريدون تسييس "المقدس" الشيعي لانهم كانوا يريدون تأجيج الصراع الطائفي في العراق.. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي.. لقد تطرقت لـهذه الاحداث بتفصيل اكبر في مقال سابق كان ردا على رسالة احمد الكاتب الى السيستاني .. واحمد الكاتب هو واحد ممن عايشوا تلك الاحداث.. احمد الكاتب نشر مقالتي تلك في موقعه الشخصي من دون ان يرد عليها .. وكما يقال السكوت علامة الرضا.

رجال الدين الشيعة اليوم يحكمون في العراق كما في ايران .. وفي كلا البلدين تم قمع متظاهرين شيعة استخدموا مناسبة عاشوراء لأغراض سياسية .. حكومة المالكي قمعت جماعة الصرخي قبل سنتين .. وحكومة ولاية الفقيه في ايران قمعت قبل اسبوعين جماعة كروبي وحسين موسوي .. مهدي كروبي ذكّر قبل ايام بالاحتجاجات التي نظمها رجال الدين في عاشوراء عام 1963 في عهد الشاه .. وهو قد اعترف ان الشاه كان اقل عنفا تجاه المتظاهرين آنذاك من حكومة ولاية الفقيه الحالية .. باختصار، الملا عاري.

كل يوم اخر للاسلامجية الشيعة في السلطة هو خطوة باتجاه الخروج من الفهم الخزعبلاتي لمفهوم السلطة .. كل يوم اخر هو ضربة للمنظور الاسكاتولوجي الشيعي للعالم .. كل يوم اخر هو انتصار لتشريح ماكيافلي الواقعي للبشر والسياسة على هلاميات نهج البلاغة .. كل يوم اخر في السلطة هو عدد اقل من "شاربي الشاي" الجالسين في مقاهي يغطيها غبار معارك الجمل .. كل يوم اخر هي "توبة" اخرى غير مقبولة لأصبع بنفسجي أمام "ضريح" العراق .

2009/12/27

ما قاله ارسطو عن الهريسة

Le juge d’un diner n’est pas le cuisiner, mais celui qui doit le manger. Aristote

فريد زكريا وفي مقال نشرته الواشنطن بوست قبل ايام يقول ان في العراق دلائل تشير الى ان البلد في طريقه لكي يصبح نموذج ديمقراطي للبلدان العربية.. المذهل ان من بين الدلائل التي يستند اليها زكريا في حجته هذه هو ان "خطب الجمعة في العراق اليوم اصبحت تركز نقمتها على الفساد السائد في العراق وليس على المخططات الامريكية" !! تصورا.

من يقول لـ فريد زكريا ان البلدان العربية التي تستقبل ملايين اللاجئين العراقيين اللذين شردتهم الديمقراطية.. ستضحك على سذاجته حين يسمعونه يقول ان العراق الحالي هو نموذج للبلدان العربية .. ومن يقول لـ زكريا ان بعض اشد المعارضين العرب للدكتاتوريات العربية اصبحوا اليوم يترددون امام كلمة ديمقراطية بعد ان شاهدوا مخلفاتها الكارثية.. ومن يقول اخيرا لـ فريد زكريا ان تركيز خطب الجمعة على الفساد هو بالتحديد مؤشر على فساد تلك "الديمقراطية".

هذا العمى في تقييم الوضع في العراق هو نتيجة جهل بما يعيشه الناس في العراق .. زكريا يقول ما يقول لانه يجهل معاناة العراقيين في ظل الديمقراطية المحمولة جوا.. فـ فريد زكريا وامثاله من المعلقين السياسيين الأمريكيين يعتمدون في استنتاجاتهم على ما تقوله تقارير سكان المنطقة الخضراء.. والمعايير التي يستندون اليها في تكوين احكامهم هي معايير مجردة لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الناس اللذين يعيشون ذلك الواقع .

فريد زكريا الحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من اشهر الجامعات الامريكية بحاجة الى اعادة قراءة كتاب "السياسة" لـ ارسطو .. وهو اذا ما فعل فانه سيجد العنصر الغائب في تحليله .. ذلك ان ارسطو يقول لنا في كتابه هذا:" ليس الطباخ هو من يحكم على وجبة عشاء اعدها وانما الحُكم لمن يجب عليه اكلها".. وهذا هو المعيار الارسطي في الحكم على الحكومات والانظمة السياسية.

وترجمة ارسطو عراقيا تعني الأتي : لا يحق لـ جورج بوش او جو بايدن الحكم على الديمقراطية المحموله جوا الى العراق .. لا .. من يحكم عليها هم العراقيون الذين يعيشون ويلاتها .. ومن يحكم على طبخة "الهريسة" الامريكية هم ليسوا مساعدي الطباخ الامريكي من سيستاني او مالكي.. لا .. من يحكم على "زقنبوت" هولاء هم من اكلوه وتسمموا به .. واخيرا ليس لصحفي يعيش في كوكب الكوكا كولا ان يحكم عن هريسة مسمومة لم يتذوقها.

من هنا.. فمن يريد الحكم على طبخة "الهريسة" الامريكية عليه اولا ان يستمع الى من "اكلوها" وتسممت حياتهم بسببها.. من يريد الحكم على الديمقراطية المحمولة جوا عليه ان يستمع مثلا الى العراقي ميرو بركات وهو مهندس زراعي متقاعد .. بركات قال يوم امس لاحد الصحفيين: " لا نتأمل شيئا من المسؤولين في الحكومة والاحزاب الحاليين ، عمري اكثر من سبعين عاما ولو اتيحت لي الفرصة لغادرت البلد حالا" .. هل يفهم فريد زكريا معنى ان يتمنى رجل في السبعين مغادرة ارضه !!


2009/11/30

الحرية التي لم نرها في"نصب الحرية"


أجرت وكالة الصحافة الفرنسية مقابلة مع النحات محمد غني حكمت .. تقول بعض سطورها ان حكمت "ساعد في عمل "نصب الحرية" الذي كان من تصميم استاذه النحات العراقي جواد سليم الذي وافاه الاجل في سن الثانية والاربعين قبل اكتمال هذا العمل .... ورغم ان هذا النصب الذي ازيح عنه الستار في 14 تموز/يوليو 1961، قد تم انشاؤه بعد سقوط الملكية في العراق (1958) ومجيء الزعيم عبد الكريم قاسم إلى السلطة إلا ان حكمت يؤكد بأن "العراق لم يشهد استقرارا امنيا فعليا منذ ذلك الحين".

تستوقفني جملة حكمت الاخيرة .. ليس فقط لانها صادرة عمن ساهم في تنفيذ اهم رموز العهد الجمهوري وهو نصب الحرية .. ولكن لأنها تحتوي على مفارقة كبيرة تخص نصب الحرية ..عندما تقول ان العراق لم يشهد استقرارا امنيا فعليا منذ سقوط الملكية .. فهذا يعني ضمنيا ان العهد الملكي كان يتمتع باستقرار امني فعلي .. وهذا غير صحيح تاريخيا .. العهد الملكي لم يكن مستقرا امنيا وقد شهد اضطرابات سياسية كثيرة كما شهد انقلابين خطيرين .. لا بل نستطيع ان نقول ان العراق منذ منتصف الستينات وحتى بداية الثمانينات شهد "استقرار" امني اكبر من استقرار العهد الملكي .. من هنا فان "الاستقرار الامني" ليس هو ما يميز العهد الملكي عن العهد الجمهوري.

ما يميز العهد الملكي هو حيز الحرية .. ما يميز العهد الملكي هي الحرية النسبية التي كانت متاحة للاختلاف السياسي .. في العهد الملكي كانت امكانية التظاهر في الشوارع ضد قرارات الحكومة حقيقة قائمة .. لا بل كانت هناك حتى امكانية اسقاط حكومة من خلال مظاهرة شوارع .. وهو شيء لم يعد ممكنا بعد ذلك .. منذ سقوط الملكية اختفت تلك الحرية .. لقد جعلت الانظمة الجمهورية من السجون المكان الوحيد الذي "يظهر" فيه الاختلاف السياسي و"يغيب" للأبد !!

منذ ذلك التاريخ اصبحت المسيرات المطبلة للسلطة هي النوع الوحيد المسموح به من "المظاهرات" .. والادهى انها اصبحت "مظاهرات" اجبارية .. ليس فقط اننا لم نعد نتمتع بحق الخروج في مظاهرات ضد قرارات الحكومة .. وهو ما كان ممكنا في العهد الملكي .. ولكننا فقدنا حتى حق عدم المشاركة في مسيرة قطيعية.. ليس فقط اننا لم نعد قادرين على فعل ما نريد (الاعتراض سياسيا على قرارات الحكومة) .. ولكننا لم نعد قادرين حتى على عدم فعل ما لا نريد (المشاركة قسريا في مسيرة تطبيلية للحكومة) ..ولكي نستخدم مفردات الفلسفة السياسية.. لم نفقد فقط "الحرية الايجابية" ولكننا فقدنا حتى "الحرية السلبية".

وبهذا المعنى فـ تموز 1958 هو مفترق طرق في التاريخ العراقي المعاصر .. وهو ايضا مفارقة كبيرة .. حصلنا على "الاستقلال" ولكننا فقدنا الحرية النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي .. حصل البلد على استقلاله .. وفقد الانسان استقلاليته .."تحرر" الوطن .. وفقد "المواطن" حريته .. فليس هناك استقلال حقيقي من دون حرية .. ذلك لأن ليس هناك وطن من دون مواطن .. وليس هناك مواطن من دون حرية.

عذرا "استاذ" محمد .. ما فقده العراق منذ تموز 1958 هو ليس الاستقرار الامني .. لا .. ما فقده العراق منذ ذلك الحين هو الحرية النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي .. وعذرا استاذ محمد على المفارقة .. ولكن ما افتقده العراق منذ "نصب الحرية" هو بالتحديد الحرية .. ففي نفس الفترة التي اقيم فيها نصب الحرية كانت الحرية تُذبح في الشوارع .. لقد "عُلقت" الحرية فنيا في عهد جمهوري "علقها" وعطل مفعولها السياسي !! منذ ذلك الحين حضرت الحرية نحتا ورسما وخطابة .. ولكنها غابت واقعا .. وحضور الشيء في الخطاب الرسمي وغيابه في الواقع يسمى في علم الاجتماع السياسي : ايديولوجيا .. منذ ذلك الحين اصبحت الحرية شعار .. شعار نراه في كل مكان .. في الكتب المدرسية .. في الصفوف .. على الجدران .. اما في الواقع فلا .. منذ ذلك الحين اصبحت الحرية شعار "معلق" في "نصب الحرية".

2009/11/16

من اجل هزيمة المظلومية


نشر علاء اللامي يوم امس مقال عنوانه "من أجل هزيمة الطائفيين " يقول فيه ان:" التشكيك بأصول الخصم السياسي تقليد أوجده القوميون العرب والبعثيون منهم بخاصة، يعتبر ساطع الحصري من أوائل مستعمليه حين شكك بأصول الشاعر العراقي محمد مهدي لجواهري واتهمه بالعجمة والأصل الفارسي في وقت كان فيه الجواهري يتبوأ إمارة الشعر العربي ويلقبه طه حسين " برب القوافي".

ساضع جانبا الجزء الاخير من الجملة الذي يقول ان الجواهري كان يتبوأ آنذاك إمارة الشعر العربي .. ففيه من الاستخفاف بعقول الناس ما يكفي لتصنيفه في باب الردحيات .. اكتفي فقط بالقول ان الجواهري آنذاك كان في مقتبل العمر ولم يكن معروفا .. والرصافي والزهاوي كانا اكبر مكانة منه واوسع انتشارا آنذاك.. فمن اين جاءته اذا امارة الشعر العربي .. قليل من الاحترام لعقول الناس لا يضر.. ولكن ليس هنا المهم .. ما يستوقفني في جملة اللامي هو الجزء الاول منها .. اللامي يريد هزيمة الطائفيين ولكنة يستخدم اكاذيب المظلومية التي هي جوهر خطاب الطائفيين .. فحادثة الخلاف بين الجواهري وساطع الحصري هي واحدة من اكثر الهوسات التي ردحت بها الابواق الطائفية كدليل على طائفية الدولة العراقية.

قول اللامي بان الحصري اتهم الجواهري بالعجمة والأصل الفارسي هو ببساطة كذب ومن النوع المحتقر لعقول الناس .. حادثة الخلاف بين الحصري والجواهري لها روايتين رئيسيتين إلتفّت حولهما بعد ذلك تأويلات كثيرة .. الرواية الاولى تقول ان الحصري رفض تعيين الجواهري لانه لا يحمل شهادة مدرسية ..اما الرواية الثانية فتقول ان الحصري رفض تعيينه لانه يحمل الجنسية الايرانية .. الرواية الثانية تقول ان الحصري طلب من الجواهري ان يتخلى عن جنسيته الايرانية .. ولكن الجواهري رفض ذلك .. من هنا رفض الحصري تعينه بوظيفة في وزارة المعارف .. حتى في هذه الرواية فان الحصري لم يتهم الجواهري بالعجمة والاصل الفارسي .. الحصري لم يقل للجواهري" انت فارسي" كما يقول اللامي .. ولم يقل له "انت شيعي ولا يحق لك التعيين في وزارة المعارف" .. الحصري طلب منه فقط ان يتخلى عن الجنسية الايرانية والحصول على الجنسية العراقية.. وهذه تهمة الحصري في "محاكم التفتيش" اللطمية .

حجة حكواتية المظلومية هي التالية : كيف لـ سوري كساطع الحصري ان يطلب من الجواهري ذلك .. كيف للحصري الذي ينطق العربية بلكنة تركية ان يطلب من الجواهري ذلك .. وهنا ايضا، فان قول اللامي بان الحصري كان من اوائل من استعملوا "التشكيك بأصول الخصم السياسي" هو كذب وقلب للحقائق التاريخية .. فاللطميون هنا، وليس الحصري، هم من استخدموا "التشكيك بأصول الخصم السياسي".. فهم قد حولوا سؤال اداري روتيني تقتضيه قوانين دولة ناشئة .. الى تهجم على اصل الحصري السوري .. و ذهبوا حد التشكيك بعروبته لانه يتكلم العربية بلكنة تركية .. وكما يقول موسى الحسيني في مقال "الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة" فان الحصري هو من تعرض للابتزاز في هذه الحادثة .. وموسى الحسيني هو عراقي شيعي ونجفي .. وليس وهابي او قومجي.

مشكلة حكواتية المظلومية هو انهم يدخلون الماضي بعقلية المتبضع في السوق .. ينتقون من احداث الماضي ما يناسب طبخة المظلومية فقط .. لذلك فان ايراد بعض المصادر ضروري .. وليام كليفلاند كاتب سيرة الحصري يقول ان الحصري كان مهنيا صارما مع الاساتذة والطلاب .. ريفا سيمون تقول انه خاض خلافات كثيرة خلال تجربته كمشرف على وزارة المعارف ..لانه لم يكن يطيق جهل منتقديه في مجال التعليم .. فهو قد اختلف مع سامي شوكت ومع محمد فاضل الجمالي ومع المستشارين البريطانيين كـ المستر فاريل والمستر سميث وفرض على البريطانيين رؤيته في التعليم .. والمستر فاريل قد استقال نهائيا بسبب خلافه مع الحصري .. والمستر سميث قد استقال اكثر من مرة لنفس السبب ولكنه عاد وعمل من جديد مع الحصري .. و ريفا سيمون تقول ان خصومه البريطانيون، رغم خلافاتهم الشديدة معه، كانوا يقدرون قيمته ومعرفته الهائلة في مجال التعليم وهي تورد ما يقوله عنه المستر سميث :
No other Iraqi combines his enthusiasm, his experience and knowledge of education system, and his fearlessnesses. In, Reeva Simon, The teaching of History in Iraq before the Rashid Ali Coup of 1941

"لم يكن هناك عراقي اخر يجمع حماسته وخبرته ومعرفته بنظام التعليم".


باختصار.. الحصري كان صارما لانه كان يعتقد ان التعليم هو اساس الدولة .. يفشل التعليم تفشل الدولة .. وهذه العصامية كانت لا تعجب واحد من افسد الوزراء آنذاك واكثرهم استهتارا بالمصلحة الوطنية، وهو عبد المهدي المنتفجي (والد عادل عبد المهدي سارق المصارف !!) .. ذلك ان هذا الوزير كان يطلب من الاساتذة بتزويد طلاب شيعة فشلوا في الامتحانات بالشهادات .. وهذا ما ترويه المس بيل في إحدى رسائلها الى أبيها نقلا عن المستر فاريل المستشار البريطاني في وزارة المعارف :
I then spent an hour listening to the woes of Mr Farrell, Director of Education, who has come into serious collision with his Minister, the only Shi'ah in the Cabinet. Poor Mr Farrell! what are you to do with a Minister of Education who when a Shi'ah student fails to pass an examination writes to the examiner and directs him to provide him with a diploma! Letters of Gertrude Bell, 6 December 1921

وهذا ما كان يرفضه الحصري .. علينا ان نتذكر ان خلاف الحصري مع الجواهري حصل خلال الفترة التي كان فيها المنتفجي وزيرا للمعارف .. وموسى الحسيني يقول في مقالته ان المنتفجي كان يريد ان يبتز الحصري من خلال مبالغة خلافه مع الجواهري وتلوينه بالطائفية .. باختصار الحصري كان شديدا مع كثيرين لانه كان مهنيا .. وخلافه مع الجواهري هو واحد من خلافات كثيرة خاضها حفاظا على جودة النظام التعليمي .. وهو تحليليا نموذج للخلاف بين ثقافتين .. ثقافة التكنوقراط وثقافة المحسوبية.. والحقيقة التاريخية هو ان الوزير المنتفجي اراد تعيين الجواهري بالمحسوبية .. والحصري رفض تعيينه لانه لا يحمل شهادة.. وكل ما جرى بعد ذلك هو تأويل طائفي اراد استخدام حادثة الجواهري سلاحا في معركة المظلومية .. والمظلومية هي حطب العداء السايكولوجي بين السنة والشيعة الذي اجج الطائفية الحالية.

وعود على بدء .. لا نريد منكم ان تهزموا الطائفيين.. ولا نريد منكم ان تهزموا الطائفية .. فالطائفية لا يمكن هزيمتها بالهوسات .. اهزموا المظلومية في نفوسكم اولا، ستهزم الطائفية السياسية .. فحطب الطائفية هي اكاذيب المظلومية .. اهزموا المظلومية النائمة في "لاوعيكم" ثم تعالوا بعد ذلك وتكلموا عن الوطنية .. فالعراق الحديث بناه اشخاص كـ ساطع الحصري .. نعم بناه التكنوقراط .. وليس الشعراء الرداحة .. من هنا .. فبين شاعر قدّاح مدّاح .. وبين تكنوقراطي .. نختار التكنوقراطي .. وبين قصيدة "تحرك اللحد" التي أسست لثقافة الانقلابات والحبال والسحل .. وبين " دار داران دور" .. نختار" دار داران دور" الكتاب الذي علّم ملايين الاطفال العراقيين القراءة .. لسنا بحاجة الى شاعر راح في ارذل العمر يطرق ابواب السلطان مادحا "ابن الهواشم" بعد ان مدح قبل ذلك من قاموا بقتل "ابن عمه" في العراق .. مثل هكذا ثقافة ليست جديرة بالاحترام .. خذوا ألف شاعر مدّاح قدّاح كالجواهري .. واعطونا تكنوقراطي واحد من مثل ساطع الحصري.