2008/09/16

استكان شاي مع شاكر مصطفى سليم .. "على حساب" على الوردي


كنت اعتقد حتى وقت قريب ان أفضل من كتبوا عن العراق وعن "المجتمع " العراقي هُم من غير العراقيين .. ولكن يبدو ان هناك استثناء : شاكر مصطفى سليم ودراسته عن قرية الجبايش في الاهوار .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش هي اول دراسة انثربولوجية منهجية احصائية في العراق .. وهي "دراسة ميدانية" في الجبايش امتدت من 2 كانون الثاني عام 1953 حتى نهاية شهر ايلول من نفس السنة .. تسعة اشهر بحث ميداني وفي قرية نائية وفي خمسينات العراق .. مدهش .

حدث ذلك ذات "رجعية" .. وقبل ان تتسلق "تقدميات الارياف" اسوار المدينة وتغتال المدينة وجامعتها تدريجيا .. هذه الدراسة تشير وبطريقة غير مباشرة الى "الممكن" الهائل الذي كان يمكن مراكمته علميا وثقافيا .. ما الذي يمكن قراءته اليوم من "ادبيات" الحزب الشيوعي العراقي كوثيقة سوسيولوجية عن العراق !! لا شيء .. "ادبيات" كلمة كبيرة حتى ..شعارات او هوسات هو وصف ادق واصدق .. خصوصا اذا علمنا ان "الرفيق" فهد كان يسرق من "ادبيات" الحزب الشيوعي السوري .. حتى شعار "وطن حر وشعب سعيد" هو شعار مسروق من الحزب الشيوعي السوري .. يبدو ان "الامبريالية" لم تكن وحيدة في سرقة جهود الاخرين !!

هل هي مصادفة ان "رجالات" الشيوعية العراقية موزعين اليوم بين خدمة البسطال الامريكي .. وخدمة ما كانوا يسمونها حتى وقت قريب "صحف البترودولار" .. اقول هذا وانا استحضر مقال فالح عبد الجبار قبل اسبوعين "عن العروبة والعرب" في الحياة السعودية .. لطيف ان يُصفي شيوعي سابق حساباته مع القوميين على صفحات جريدة "بترودولارية" .. والادهى انه شيوعي يريد اليوم ايقاظ العروبة من سباتها !! لم لا .. كوندليزا رايس ايضا تريد ذلك من اجل مواجهة ايران كما قالت قبل اسابيع !! في هذه المقالة يعيب فالح عبد الجبار على ساطع الحصري انتقاله "بعد الحرب العالمية الاولى من فكرة الجامعة الاسلامية، الى الجامعة العربية، في رداء علماني" .. انا اعتقد ان المسافة بين الاسلام والعروبة ليست شاسعة .. وحتما هي ليست انتقالة شاذة او غير منطقية خصوصا اذا ما قارناها بانتقالة فالح عبد الجبار من الشيوعية الى الليبرالية البتروامريكية !! الى الامام رفيق !

وعود على بدء.. عودة الى من خدموا العراق وليس الاتحاد السوفيتي .. عودة الى من حاولوا فهم "الارض" ومشاكل الارض قبل تغييرها .. الارض العراقية التي قتلها قانون الاصلاح الزراعي الشيوعي لانه قانون تم فرضه وتطبيقه بعقلية "الفزعة" .. عودة الى من انتظر خمسة اشهر .. فقط لكي ينال ثقة اهالي قرية الجبايش ..عودة الى شاكر مصطفى سليم .

اول ما يثير الانتباه في كتاب شاكر مصطفى سليم هو الوضوح .. وضوح في البنية ، وضوح في المنهج ووضوح في الاصطلاح ..الفصل الاول من كتاب سليم مخصص لـ"ظروف وميادين الدراسة".. الفصل الاول هو جولة في "مطبخ" سليم حيث يشرح لنا طريقة اعداده لدراسته : لماذا اختار قرية الجبايش وليس قرية اخرى .. ظروف اقامته الطويلة والشاقة وصراعه مع البعوض النهم ..اساليب جمع المعلومات ومرامي الدراسة .. وكيف ان الحكومة لم تسمح له بالاطلاع على بعض الملفات "السرية" رغم محاولاته المتكررة وجهوده للحصول عليها في بغداد .. وكيف انه منع في ربيع 1953 من الذهاب الى الى منطقة معينة في اهوار العمارة بسبب اضطرابات ومصادمات بين الفلاحين والشيخ الخ .. باختصار نحن امام شرح مفصل قل نظيره للاجرائية التي تمت بها الدراسة .

مثل هكذا وضوح اجرائي غائب تماما عن اغلب الاعمال العراقية التي تطرقت لدراسة المجتمع العراقي .. هناك ايضا عند سليم تسجيلية هائلة لانجد لها مثيل عند على الوردي مثلا .. سليم يُشبع الظواهر الاجتماعية التي يتطرق لها وصفا .. وهو لا "يخبزها" كما يفعل علي الوردي الذي يتطرق لظاهرة محلية ما، والادهى انه يعممها على العراق، مستندا في احيان كثيرة على "قال لي فلان " او سمعت من فلان".. هذا الفرق بين الوردي وسليم يجد اسبابه في المنهج الذي يتبعان في دراستيهما .

دراسة سليم الميدانية تعتمد على الطريقة الاحصائية ..وتتبع قواعد عمل محدد تنتمي الى مدرسة انثربولوجية رصينة .. في حين ان الوردي في كتابة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"يقول باستحالة اجراء دراسة ميدانية احصائية في العراق .. وحجته هو ان "المجتمع العراقي هو غير المجتمع الامريكي" ويضيف ان "اوساط العامة" كما يسميهم " اذا رأوا افنديا قادما اليهم وبيده قلم ودفتر حسبوه قد جاءهم لجباية الضريبة او التجنيد او لسوقهم الى الحبوس . وهم قد اعتادوا ان يكذبوا في جوابهم له بشتى الطرق خشية ان يصيبهم مكروه " كما يقول في مقدمة كتابه هذا .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش تكذب تبرير الوردي هذا .

ليس فقط ان سليم قد اجرى تلك الدراسة في قرية نائية ولكنه بقى هناك تسعة اشهر منها خمسة اشهر فقط لكي ينال ثقة اهل القرية .. وهو قد سبق "دراسة" الوردي بعشر سنوات تقريبا .. دراسة سليم بالطبع لم تخلو من تلك الصعوبات التي يبرر بها الوردي عدم قيامة بدراسة ميدانية احصائية .. سليم يتحدث مطولا عن تلك الصعوبات .. ولكنه يستعين بتقنيات طورتها العلوم الانسانية من اجل استحصال الاجابات وفرزها وتحليلها من اجل دقة اكبر .. المشكلة التي يطرحها الوردي هي مشكلة معروفة في البحث الميداني الذي يعتمد على الطريقة الاحصائية .. وكل باحث سوسيولوجي يقوم بهكذا دراسة وفي أي بلد في العالم سيواجه تلك الصعوبات وخصوصا مسألة عدم قول "الحقيقة" .. عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مثلا يتكلم عن تلك المشكلة كثيرا وهو كان يجري بحوثه في فرنسا السبعينات والثمانيات والتسعينات .. ولكن ذلك لم يدفعه الى تقديم التبريرات والاحكام التحقيرية من مثل "الفرنسي كذاب" كما يفعل على الوردي بخصوص كذب "عامة" العراقيين مبررا كسله البحثي .

دراسة سليم تنطلق من منهجية انثربولوجية تقتضي اختيار عينة صغيرة / مجموعة صغيرة لدراستها .. "فهم" تلك المجموعة يساعد في تسليط ضوء اكبر على المجتمع ككل .. ليس لان تلك المجموعة تمثل المجتمع ككل .. ولكن لانها تساعد على فهم المجموعات الاخرى وبالتالي المجتمع من خلال ابراز التناقض الموجود بينهما.. فرغم ان الجبايش لاتختلف عن باقي قرى الاهوار الاخرى في كثير من نواحي الحياة ولكنها كما يقول شاكر مصطفى سليم في مقدمة كتابه "تختلف في حياتها الاقتصادية اختلافا اساسيا عن بقية قرى الاهوار في العراق. فسكانها يعتمدون في الجزء الاكبر من موارد حياتهم على جمع القصب وحياكة الحصر التي يصدرونها خارج قريتهم، وهم بذلك يختلفون عن البقية الساحقة من سكان الاهوار الذين يعيشون على الزراعة ورعي الجاموس وتربية المواشي .

منهج سليم الانثربولوجي هذا يدلنا على ضعف اخر في "حكواتية" على الوردي .. ففي مقدمة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" يرد الوردي على من انتقدوه بخصوص تركيزه على العراق وليس على الوطن العربي بالقول :" كيف يمكن دراسة المجتمع الكبير من غير دراسة الاجزاء الصغيرة منه كل على حده..( ص.8) .. وهذه حجة وان كانت تخفي موقفا سياسيا (على الوردي "عراقوي" سياسيا ) ولكنها حجة مقبولة علميا.. فمن غير الجائز معرفيا تحييد فرضية "علمية" من خلال "ضربها" بحجة سياسية .

نعم دراسة الاجزاء ضرورة لفهم الكل كما يقول الوردي ( رغم ان السوسيولوجيا الحديثة تجاوزت ثنائية الاسنتاجي/ الاستقرائي وتؤكد على اهمية الطريقتين ) ..ولكن ما لم يقله لنا على الوردي هو كيف تمكن هو ان يدرس " المجتمع العراقي" ويعمم فرضيات كثيرة عنه من دون حتى ان يقوم بدراسة أجزاءه او مكوناته الصغيرة ؟؟ هنا تكمن هشاشة الحجة الوردية .. هو يدعو لدراسة الاجزاء الصغيرة من اجل فهم الكبير (الطريقة الاستقرائية كما يسميها) ولكنه فيما يخص العراق يفهم "الكبير العراقي" من دون ان يقوم بدراسة أجزائه الصغيرة المكونة ( وهو بذلك يتبع الطريقة الاستنتاجية التي يعيبها على منتقديه) وهذا يدلل على ان موقف الوردي هنا هو موقف "جدلي" اكثر منه علمي ..( مما يثبت ان وراء حجة الوردي هذه موقف سياسي وليس ابستمولجي) .. ليس مستغربا بعد ذلك ان الوردي يستخدم تعبيرات "المجتمع العراقي" او "الفرد العراقي" كتحصيل حاصل رغم هشاشتهما الاصطلاحية .

كارثة ان علي الوردي الذي اشاع عدد كبير من الاحكام العامة والكليشات المتداولة اليوم في افواه انصاف المتعلمين ، لم ينفذ ولا حتى دراسة ميدانية واحدة بخصوص المجتمع الذي يدرس.. في وقت كانت الظروف السياسية (وهي المعوق الحقيقي ) تسمح بذلك .. الوردي يقول لنا "ان اصح طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي جاء بها العالم الالماني المعروف ماكس فيبر. وهي التي تعتمد على "التفهم" وتكوين المثال النموذجي" .. ولكنه لايقول لنا لا كيف يقوم فيبر بذلك ولا حتى كيف كوّن هو "مثاله النموذج" عن المجتمع العراقي .. الادهى هو ان الوردي لم يستند الى كتب ماكس فيبر بهذا الخصوص وانما الى كتاب بارنز "تاريخ علم الاجتماع" !! بمعنى ان قراءته هي قراءة لقراءة لماكس فيبر !! وهذا يذكرني بقول احد المختصين الفرنسين بالشان العراقي من ان قراءة الوردي لابن خلدون هي بالاحرى قراءة لقراءة "مفسرين" غربيين .. وهو يقول لنا ان اهتمام على الوردي بابن خلدون قد تجسد في الجامعة الامريكية حيث كرس رسالته للدكتوراه عن ابن خلدون .. انذاك كانت النظرية "الثقافوية" هي النظرية السائدة في الجامعة الامريكية.

اذا فالاختلاف الاجرائي وبالتالي الاسلوبي بين الدراستين هو في الاصل اختلاف منهجي .. شاكر مصطفى سليم تشرّب منهجية المدرسة الانثربولوجية البريطانية الصارمة وفحواها الاجرائي (كنت هناك ..شاهدت ..فسجلت ) .. في حين ان الوردي قد تشرّب النظرة الباثولوجية للمشاكل الاجتماعية والتي كانت سائدة في الجامعة الامريكية في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي .. تركيز الوردي على باثولوجية / مرضية "الفرد العراقي" و"المجتمع العراقي" هو من مخلفات هذا المنظور الباثولوجي للمشاكل الاجتماعية .. اما الطريقة الاحصائية التي هي اهم ما يميز السوسيولوجيا الامريكية (بالاحري "مدرسة شيكاغو" وعلى الوردي درس في جامعة تكساس ) فهو قد "رفسها" بتبرير ميل "عامة" العراقيين الى الكذب !

عندما نضع دراسة شاكر مصطفى سليم مقابل "دراسة" علي الوردي فان دراسة سليم تبز "دراسة" الوردي منهجيا واجرائيا واصطلاحيا .. لا بل ان قراءة كتاب الجبايش تضعنا بسهولة امام حقيقة ان شاكر مصطفى سليم قد انتج بكتابه هذا افضل دراسة انثربولوجية في "اللغة العربية".. ومع ذلك فهو لم ينل شهرة على الوردي .. هو معروف في اوساط المختصين .. ولكنه غير معروف عند الجمهور العريض .. "السوسيولوجيا العفوية الساذجة" للوردي والمحملة بالكليشات السائدة في المجتمع تجعلة اسهل قراءة .. خصوصا وهو يقدم "محكية" شاملة وبسيطة .. والمحكيات الشاملة مريحة ذهنيا للباحثين عن شرح بسيط للمعقد .. ومثل تلك المحكيات تنجح في ثقافة يسيطر عليها الشعراء "البزاخة" والحكواتية .. ليس غريبا ان الوردي  تحول الى صنم في جمهورية عبدة "الاصنام" والمقابر .. في مملكة العميان الاعور ملك !

ولكن .. منذ متى كانت الشهرة معياراً للنوعية .. فـَ سوزان تميم مشهورة .. ومقتدى الصدر  مشهور !! والقائمة تطول ..يكفي شاكر مصطفى سليم شهادة حنا بطاطو .. بطاطو لم يشر الى أي من كتب على الوردي الكليشاتية !! ولكن بطاطو يأسف لعدم وجود دراسات عن المجتمع العراقي كدراسة "الجبايش" .."الجبايش" كانت اطروحة دكتوراه .. وشهادة حنا بطاطو هي بمثابة دكتوراه فخرية .. تحية "استاد" شاكر .

2008/08/31

فأرة غرامشي


رسائل غرامشي من السجن رائعة .. في واحدة من تلك الرسائل هناك قصة كتبها غرامشي من السجن لابنه الصغير.. غرامشي يكتبها بخطوط عريضة ويترك لزوجته بعد ذلك ان تتصرف بالتفاصيل كما تريد .. الحكاية بسيطة ولكنها هادفة .. اترجم الحكاية هنا من النص الفرنسي وبتصرف ..عملا برغبة غرامشي :

كان يا ما كان .. في قرية إحدى البلدان .. كان هناك طفل يغط في نوم عميق .. وقرب فراشه كان هناك قدح حليب وضعته له أمه لكي يشربه عندما يستيقظ في الصباح .. وقبل ان يستيقظ الطفل ، تظهر فأرة وتشرب الحليب الموجود في القدح .. وعندما يستيقظ الطفل ولا يجد حليبه يبدأ بالبكاء .. فتأتي أمه وتفهم ما حصل فتبدأ بالبكاء هي أيضا .. وعندما تسمع الفارة بكاءهما تخرج من ثقب جدار الغرفة وتراهما على هذا الحال فتبدأ بتأنيب نفسها .. وتحت وطأة إحساسها الكبير بالذنب تبدأ الفارة بضرب رأسها بالحائط .. ولكنها تنتبه بعد لحظات من ان ضرب رأسها بالحائط سوف لن يغير من الأمر شيئا .. فتخرج راكضة الى العنزة لكي تجلب منها حليب للطفل .. ولكن العنزة تطلب من الفأرة عشبا لكي تعطيها الحليب .. فتتوجه الفأرة مسرعة للأرض لتجلب منها عشبا فتجدها قاحلة .. فتطلب الأرض من الفأرة ماءً لكي تعطيها عشبا .. عندها تتجه الفأرة الى الينبوع فتجد ان الحوض الذي يجمع ماءه قد دمرته الحرب مما يتسبب بضياع الماء هدرا.. فتدرك ان ذلك يتطلب عاملا لكي يبني الحوض .. فتذهب الفارة للقاء العامل .. ولكن العامل يطلب من الفارة حجرا لكي يعيد بناء الحوض .. فتذهب الفارة مسرعة الى الجبل لجلب الحجر .. وعندما تصل الفارة الى الجبل ..تجده كالح حزين تمت تعرية جوانبه .. فيشكو الجبل للفارة جشع التجار المضاربين الذين قطعوا جميع أشجاره مما جعله بهذا الحال .. وتحكي الفارة قصتها للجبل وتعده بان الطفل عندما يكبر سوف يزرع اشجار الصنوبر والسنديان والكستناء على جوانبه .. فيقتنع الجبل بوعد الفارة ويعطيها الحجارة .. فيتمكن العامل من بناء حوض الينبوع .. ويجمع حوض الينبوع ماء وفير لسقاية الارض .. وتعطي الارض عشبها .. وتعطي العنزة حليبها .. ويحصل الطفل على حليب كثير .. وينمو الطفل بسرعة ويصبح قويا .. فيزرع الاشجار على سفوح الجبل.. وتزدهر القرية ويعيش الناس عيشة سعيدة.

يقول غرامشي معلقا على تلك الحكاية "ان الفارة وضعت هنا خطة خمسية" !! رائع تعليق غرامشي .. الحكاية تحمل رسالة بسيطة و هادفة .. "فارة غرامشي" تقف موقف ايجابي من الحياة .. اعتقد ان حكاية فارة غرامشي تستحق ان توضع في مناهج أطفال العراق .. لأنها حكاية محفزة على تجاوز الأخطاء ، محفزة على العمل ، على التدبير ، على التخطيط الخ .. باختصار هي حكاية محفزة على الحياة .. وفي بلد تسود فيه ثقافة الموت واللطم .. فأن مثل هكذا حكاية تصبح ضرورة .

العمامة حتما سوف لن تسمح بمرور "فارة غرامشي" في صفوف ومخيلة اطفال العراق .. والسبب، لان مضامين حكاية فارة غرامشي تهدد "قيم" ثقافة اللطم .. فارة غرامشي تحمل رسالة حياة .. والعمامة عملت وتعمل من اجل ثقافة الموت وعبادة الأموات .. او ليست الحياة عندهم  أتفه من "عفطة عنز" !! فارة غرامشي تتوقف عن "تطبير" رأسها بالحائط لانه سلوك عبثي لن يرد لها الحليب .. من هنا "خطتها الخمسية" من اجل "كل يوم حليب" .. والعمامة تدعو الى "كل يوم عاشورا" ( مقولة إرهابية بامتياز) .. منطق الثأر هذا يعمل على تغذية ذاكرة تجتر تجاذبات الصريفة وعلى مسرّحة لمشهد الدم .. من هنا الموقف اللطمي التطبيري للذات .. فارة غرامشي يؤنبها ضميرها على شرب قدح حليب ليس لها .. واقتصاد العمامة قائم على "فيل" المهدي الذي اختلقه "وكلاء الغيبة الصغرى" من اجل سرقة خمس الفقراء .. هل هي مصادفة تلك السرقات الفلكية التي جعلت العراق يحتل المركز الاول في قائمة البلدان الاكثر فسادا في العالم !! فاقد الشيء لا يعطيه .

باختصار .. العمامة ستفعل كل ما في وسعها من اجل منع فارة غرامشي " من المرور" في صفوف أطفال العراق .. والسبب : امام براءة ومخيلة أطفال .. فارة غرامشي ستهزم "فيل" المهدي !!


ـ الفيل في العامية العراقية تعني مجازا "كذبة كبيرة".. الكذاب هو من يجعل الفيلة تطير .. من هنا فكل كذبة كبيرة هي فيل.

2008/08/09

عندما يبرّئ اللون كونكريت الاحتلال





في الغارديان تحقيق مصور عن مشروع "تجميل" جدران الكونكريت الامريكية التي قتلت المدينة العراقية .. نستطيع ان نقول : "ومن اللون ما قتل" !! من شدة القبح طبعا .. الانحدار اللوني في عصر العمامة مخيف .. ارسم لي، اقل لك من انت !! قبح اللون هنا هو من قبح الكونكريت .. قبح الألوان الممولة من قبل المحتل هو من قبح الاحتلال .. إحدى الأبواق الإعلامية الممولة من قبل رأس المال القريب جدا من المخابرات الأمريكية تصف في عددها الاخير تلك الجدران بـ "الأصفاد الملونة" .. قبح اللون يزداد مع قبح تلك الكلمات .

في كتابه "أساطير" يقول رولان بارث عن اللغة الإيديولوجية بأنها لغة "لا تلغي الأشياء، لا بل على العكس فوظيفتها هي التطرق لتلك الأشياء ولكن على طريقتها .. من خلال تشذيب هذه الأشياء .. تبرئتها" .. بمعنى وضعها في إطار لغوي أخر من اجل إعطاءها معنى أخر يحجب معناها الأصلي .. ولغة الصحافة المرتزقة كما الألوان المرتزقة تفعل نفس الشيء هنا .. لأنها "لغة" ايديولوجية .

فكما ان الاحتلال ضمن هذة "اللغة" يصبح "تحرير" .. فان جدران الفصل الطائفي الكونكريتية تسمى "اصفاد ملونة" .. صفة "الملونة" تقوم هنا بتشذيب المعنى الاصلي القبيح لكونكريت المحتل .. انها محاولة تبرئة لجريمة الجدار بحق المدينة والمجتمع .. والألوان المغطية لقبح الكونكريت تقوم بنفس الوظيفة .. اللون يحاول طمس حقيقة الجدار .. اخفاء غايته العملية في ترسانة المحتل .. فالجدار العازل سلاح في ترسانة المحتل .. من هنا فان اللون "الملطوش" على الكونكريت المحتل للمدينة يقوم بالتعتيم على البعد "السياسي" في كونكريت المحتل .. فمن خصائص اللغة الايديولوجية هو ازالتها للبعد السياسي للاشياء .. ليس غريبا اذا ان تقرأ ان من ضمن الشروط التي وضعها الأمريكي "للملوّنين المرتزقة" هو عدم التطرق لمواضيع سياسية في رسومهم كما تقول الغارديان .

عندما تحاول الألوان اخفاء قبح الكونكريت القاتل للمدينة .. فهي تساهم بقتل المدينة من جديد ومن حيث تعتقد انها تجملها .. لان مشروع تلوين كونكريت الاحتلال هو مساهمة في تكريس جدران الاحتلال .. وبالنهاية هي تكريس للاحتلال من خلال تجميل وسائل احتلاله .. أي جعلها مقبولة في عيون الناس .. والامريكي عندما يقوم بتمويل "مشروع الوهم اللوني" فهو يعرف ماذا يفعل .. للفرشاة والبندقية فوهة واحدة !! فوهة امريكية طبعا !!

2008/07/27

صحافة الفنادق




مقال الـ "نيويورك تايمز" عن العراق لهذا اليوم يتطرق لتشرذم عصابات جيش المهدي .. هناك في المقال وصف مفصل لسرقات وجرائم سرسرية جيش المهدي في مدينة الثورة والشعلة والطوبجي .. وهو يعطي لمحات من "جمهورية الطالبان الشيعية" بقيادة "ملا تكتيك" .. بالمناسبة مقال النيويورك تايمز لايتطرق لـ "ملا تكتيك" ودوره في التهدئة مع "الشيطان الاكبر" بناء على اوامر "السرداب الاعلى" .. يقال انه عاكف على دراسة "فقه النكاح" .. لا حدود لنفاق العمامة .

كاتبة مقال النيويورك تايمز، وبسذاجة "صحافة الفنادق" المعهودة ، تُهيكل المقال لكي تقود القارئ الى استنتاج جاهز مسبقا .. استنتاج يردد اليوم على شكل كليشة ينبح بها الاعلام المرتبط بالاحتلال وفحواها تحسن الاداء الحكومي وبالتالي الوضع الامني في العراق .. المقال يقول لنا ان جيش المهدي قد اصبح ضعيفا ..وان احدى علامات هذا الضعف هو ان العشائر الشيعية بدأت تلاحق افراد جيش المهدي ممن قتلوا احد أبناءها لكي تفرض عليهم التعويض العشائري .. ويأتي الاستنتاج النهائي ليربط سببيا بين قوة الحكومة وضعف جيش المهدي .

ولكن الدليل الذي يقدمة المقال على ضعف جيش المهدي (وهو صعود نفوذ العشائر الى الحد الذي يجعلها تلاحق عصابات جيش المهدي وتفرض عليها دفع التعويضات ) هو بحد ذاته دليلا ايضا على ضعف الحكومة .. ان يلجأ الناس الى العشائر من اجل محاسبة القتلة والمجرمين هو أفضل دليل على الضعف الاداري للحكومة .. فجوهر الحكومة هو سيطرتها على وسائل العنف التي تمكنها من فرض القانون .. وعندما تقوم العشيرة بفرض القانون فهي تفضح هشاشة الحكومة .

حنا بطاطو عندما يتطرق للولاءات المتعددة للمجتمع العراقي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة يورد ما يقوله احد النواب العراقيين في البرلمان العثماني في عام 1910 : " ان تحتمي بعشيرة هو آمن الف مرة من الاعتماد على الحكومة ، وذلك لان الحكومة (العثمانية) لاتقوم باداء واجبها في الردع، بينما العشيرة ، ومهما كان ضعفها، تهب للدفاع عن احد اعضاءها حالما تسمع بظلم وقع عليه " .. وهنا نص بطاطو :


“To depend on the tribe” wrote in 1910 one of Baghdad’s deputies to the Ottoman parliament. “is a thousand times safer than depending on the government, for whereas the latter defers or neglects repression, the tribe, no matter how feeble it may be, as soon as it learns that an injustice has been committed against one of its members readies itself to exact vengeance on his behalf”. BATATU,The Old Social Classes… p.21

النائب العراقي يصف هنا وعلى طريقته جدلية الدولة والعشيرة .. عندما تضعف الدولة تقوى العشيرة وعندما تقوى الدولة تضعف العشيرة .. وهو يقول لنا ان الناس كانوا يلجئون لعشائرهم من اجل ان تحميهم او تطالب لهم بحقوقهم لأنهم كانوا يعتبرون الحكومة ضعيفة وتعجز عن حمايتهم .. وعندما يلجأ الناس اليوم الى عشائرهم فلأنهم يعتقدون ان الحكومة غير قادرة على حماية نفسها .. فمن اين لها القدرة على حمايتهم.

العراقي اليوم مثلا لايذهب الى مراكز الشرطة لانه يعرف انها اوكار للمجرمين والحرامية ..ولانه يعرف ان كثير من جرائم الخطف من اجل المال تمت بمساعدة الشرطة.. وهذا ايضا ما يدفع الناس لِلجوء الى عشائرهم .. وعندما تقوم العشائر اليوم بملاحقة عصابات جيش المهدي فهي تفضح هذا الضعف الاداري لحكومة المنطقة الخضراء .. ليس هناك من دليل اقوى على ضعف حكومة ما من عدم قدرتها على فرض القانون .. وصحافة الفنادق تقول لنا ان الحكومة قوية .

صحافة الفنادق تخون هنا من جديد قرِاءها في الكوكب الامريكي حيث تستهلك الجرائد بالكيفية التي تستهلك بها الكوكاكولا .. هي قد باعتهم ذات يوم حرب سهلة ..هي اليوم تبيعهم انتصار اسهل .. صحافة الفنادق تريد ان تخفي حقيقة واضحة كالشمس في المقبرة الجماعية التي "يحرسها" اليانكي : العراق الامريكي هو فشل سياسي قبل ان يكون امني .. وحكومة المنطقة الخضراء لن تصمد اسبوع واحد بدون المئة والستين الف "بسطال" امريكي وعشرات الالاف من"القنادر" المرتزقة.

2008/07/15

ثقافة الحبال .. و"حبال" الثقافة

نشر عبد الاله الصائغ يوم امس مقال عن "ثورة/ انقلاب" ١٤ تموز ١٩٥٨ ..المختصون بالتاريخ يميزون بين مفهومي الانقلاب والثورة وفقا لمعايير محددة .. كالطريقة التي يتم فيها التغيير السياسي، موقع القائمين بـ "الانقلاب" في حقل الصراع الاجتماعي او العدد المشارك في التغيير او حجم التغييرالذي يحدثه النظام الجديد.. مثلا، بعض المؤرخين يعتبرون الانقلاب ثورة اذا ما احدث تغييرا جوهريا في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. ولكن الصائغ في مقاله غير معني بهذه الامور.. فحُكمه قيمّي قائم على معيار الخير والشر المسترخي على ثنائية ملائكة وشياطين ..لذلك نستطيع ان نقول ان قراءته هي قراءة "شعرية" للتاريخ (بالمعنى الشخابيطي لمفردة شعرية).. وبهذا المعنى فان مقال الصائغ ليس له قيمة من زاوية النظر الاكاديمية.

اضافة الى هذا الغياب الاصطلاحي التام ، فمقال الصائغ يحوي من الاسقاطات والمغالطات التاريخية ومن الثقافوية التحقيرية ما ينفع لعمل بحث كامل عن ضحالة المستوى الفكري السائد في وسط "المثقفين المرتزقة".. وفيه بعد ذلك من الانتقائية والدسية ما يكفي لتغذية الرؤوس الاسفنجية لعقود معارك جمل قادمة.. لماذا التوقف اذا امام هكذا مقال ضحل.. اعتقد ان "قيمته" تأتي من كونه يمثل اسلوب شائع ومقرؤ جدا من قبل الرؤوس الاسفنجية.. فنحن هنا امام نموذج للاستخدام "الكيفماشائي" للماضي.. والتوقف عنده ليس مضيعة للوقت.

فحوى مقال الصائغ الكيفماشائي يمكن تلخيصها بجمل بسيطة: ان انقلاب/ ثورة تموز والغوغائية التي صاحبتها ادت الى "عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وتلك العسكرة قد مهدت لكل الكوارث السياسية اللاحقة.. ساترك جانبا عبارة " عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وسأكتفي بسؤال اطرحه وعيني على الواقع ماضيا وحاضرا: هل هناك وعي جمعي عراقي ؟؟ الطامة الكبرى في هذا المقال تكمن في مكان اخر.. فالصائغ يدين هوسة "ماركس ابو دشداشة" الغوغائية "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة".. ولكنه بنفس الوقت يستعين بالجواهري كمعين في قراءة تاريخ تلك الفترة !! وهنا نحن امام مفارقة هائلة.

فالجواهري في قراءة الصائغ يلعب دور الحكيم والحكم ويقول ما معناه بان انحراف الثورة وغرقها في مستنقع الدم ناتج عن اعتماد عبد الكريم قاسم "على اناس غير مؤهلين".. والجواهري يقول لنا بانه عندما سمع اسماء هولاء في بداية الثورة، "قرأ الفاتحة على الجمهورية".. السؤال الان : اذا كان اولئك "الساسة" غير مؤهلين، فهل كان الجواهري "مؤهلا" انذاك !! والسؤال المكمل للسؤال الاول هو: الم يقرأ الجواهري آنذاك اشياء اخرى غير سورة الفاتحة !! قصيدة "تحرك اللحد"مثلا .. التي منها الابيات التالية :

فضيق الحبل واشدد من خناقهم    فربما كان في ارخائه ضرر
أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ  مُنطَبِعٌ      وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر

هذه هي "مؤهلات" الجواهري آنذاك.. الجواهري كان "حبل ثقافي" يدعو للبطش والتنكيل بخصومه السياسيين.. اتعلم ام انت لا تعلم بان "حِبال" الضحايا فم !! قصيدة "تحرك اللحد" هذه تقول لنا ان لثقافة الحبال فم .. والجواهري كان هذا الفم .. ومن هنا فهو اخر من يحق له الحديث عن "المؤهلات".

"هل يعلم الصائغ ام هو لا يعلم" بان قصيدة الجواهري" تحرك اللحد" كانت في الاصل مدحا لمن قاموا بانقلاب ١٩٣٦ وهو الانقلاب الاول ليس فقط في العراق ولكن ايضا في كل منطقتنا.. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري اطلق في عام ١٩٣٦ اسم "الانقلاب" على جريدته تيمنا بـ "ام الانقلابات".. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري اعاد صياغة قصيدة" تحرك اللحد" في نهاية ١٩٥٩ بعد محاولة اغتيال قاسم لكي تتناسب مع اسم "الانقلابي" الجديد.. اي بعد اكثر من سنة على قيام "ثورة" ١٩٥٨.. فمتى قرأ الجواهري اذا سورة الفاتحة على "الجمهورية" ؟؟ التاريخ لا يرحم .. فالتاريخ ليس حقل مبالغات مفتوح كالقصيدة كما يعتقد الجواهري.. ولا يمكن اعادة صياغته بحسب مزاج الشاعر كلما استجد حدث! 

اذا كان الصائغ يعرف تلك التفاصيل ويعمل بمبدأ الانتقائية فتلك مصيبة.. واذا كان لا يعرفها فالمصيبة اعظم .. باختصار.. قصة قصيدة الجواهري هذه تُبيّن ضحالة وحدود القراءة "الشعرية" للتاريخ.. وهي وبخلاف ما يقوله الصائغ، تُبيّن ان مسار ثقافة الحبال والسحل والقتل والتصفيات الدموية لم يبدأ في تموز ١٩٥٨.. انقلاب ١٩٣٦ هو اسبق في تأسيس مسار"عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. اذا جاز استخدام تلك العبارة الاخيرة.

ولكي نبقى في الاهم.. قصيدة "تحرك اللحد" يمكن تسميتها "تحرك الحبل".. لانها قصيدة مؤسسة لثقافة الحبال والسحل والتصفيات الدموية التي لم يخرج منها العراق بعد.. وهي تقول لنا ان الجواهري كان من نفس طينة "ماركس ابو دشداشة" وهوسته السيئة الصيت .. وهي تقول لنا اخيراً شيئا مهما غالبا ما يتناساه "المثقفون".. نعم، ثقافة الحبال لها ساستها وغوغاءها.. ولكن ثقافة الحبال والسحل والقتل لها ايضا شعراءها ومثقفيها وخصوصا انصاف متعلميها.

باختصار .. قراءة الصائغ "الشعرية" للتاريخ تستدعي مقولة شكسبير المأثورة : "التاريخ" هو حكايات مجانيين تروى لاغبياء !!

2008/06/30

قاعة امتحان .. لا ساحة حرب

اول امس اطلق حراس وزير التربية الفاقد للتربية (الادب سِز) النارعلى طلاب يؤدون امتحاناتهم النهائية في حي سبع ابكار في بغداد ..هذا الوزير عمل من دون ان يريد على تكذيب مقولة نابليون "ساحة حرب ولا قاعة امتحان" .. لسان حال الطلاب، الذين "زارهم" وزير الرصاص هذا، يقول "قاعة امتحان ( ومروحة اذا امكن) ولا ساحة حرب .. فليس كل الناس يمتلكون "عسكراوية" نابليون .. وخصوصا في عصر القتلقراطية هذا .

يوم امس كتب احد "اللطميون" يقول ان وزير التربية هذا هو بعثي سابق .. عذر اقبح من ذنب .. لا يجرؤ على مثل هكذا احتقار لعقول الناس غير اللطميين .. الوزير هو من نخب المظلومية و"المظلومين" ولكن ما ان يقترف هذا الوزير جريمة او ينهب بضعة ملايين من الدولارت حتى يتحول وبقدرة قادر الى بعثي .. السؤال الان هو لماذا يحتاج اللطمي دائما الى بعثي .. كيف حصل وبعد خمس سنوات زرف رؤوس ولازال اللطمي مستمر بلعب دور الضحية .

اعتقد اننا هنا امام احدى ميكانزمات الدفاع الفرويدية .. اليوم وقد عمت الكارثة .. اليوم وقد سقطت المظلومية في وحل الجريمة .. اليوم وقد تحول "المستضعفون في الارض" الى مختصين في ثقب الرؤوس .. اليوم وقد تحول الضحية الى جلاد .. فلابد من وهم يعوض قسوة الواقع .. لابد من واحة وهمية وسط صحراء الجريمة التي اشاعوا .. واحه وهمية يرتادها اللطمي كلما احس بوضاعة سلوكه .. بغوغائية فعله .. او بوحشية جريمته .. باختصار يرتادها حين يجد نفسه في نهاية المطاف وحيدا برفقة فشله وفشل خزعبلاته .

هناك عند اللطمي اليوم حنين الى قرون اللامسؤولية التي صاحبت دور الضحية الالفي .. ففي عقدة الضحية يكمن مشروع كسل اخلاقي هائل .. كم كان العالم بسيطا انذاك .. جلاد مغتصب للسلطة وضحية بريء .. شياطين وملائكة .. المظلومية، تلك النرجسية الهائلة التي استلقت على حافات العالم خلال قرون ونظرت له من خلال ثنائية الشرالمطلق والنقاء المطلق يزيد / الحسين، تحولت اليوم الى ظلم هائل بمجرد نزولها الى ارض الواقع التطبيقي .. المظلومية اليوم يجسدها حرامية ومجرمين وسرسرية .. مستوى السقوط الحالي لا يجاريه الا مستوى الاحتقار الألفي للعالم .

امام هكذا سقوط مدوي .. امام صحراء الجريمة الحالية .. لابد من واحة وهم يستلذ فيها اللطمي مازوخيا بلعب دور الضحية .. ولكن "تمثيلية" الضحية لاتكتمل من دون جلاد .. من هنا الحاجة الى البعثي .. ليحمل جرائم اللطميون اليوم .. من هنا قول اللطمي من ان وزير "التربية" الذي اطلق النار على طلاب مدارس هو بعثي سابق .. اذا سقط المرء اصبح لطميا !!

عندما تكذب في المرة الاولى تكون فعالية الكذبة كبيرة ..وربما منفعتها ايضا ..ولكن باستمرار الكذب تتناقص فعالية الكذب ومنافعه .. ولكن اللطميون يجهلون ذلك ..لانهم يجهلون قانون المنفعة المتناقصة .. اتذكر استاذنا في الثانوية حاملا برتقالة بيده يستخدمها كمثال لشرح هذا القانون : "عندما تأكلون برتقالة واحدة تكون المنفعة كاملة .. وبعد ذلك تتناقص المنفعة بازدياد عدد البرتقالات المسافرة في الاحشاء" .. كانت صفوفا ارحم رغم كل شيء.

2008/06/18

انهم يرفعون القاذورات

تصور انك في عام 2005 وتقرأ هذا الخبر: " شهدت بغداد يوم امس الثلاثاء انفجار بشاحنة ملغومة بالقرب من سوق مزدحمة بالناس في منطقة تسكنها اغلبية شيعية.. وقد قالت مصادر في الشرطة العراقية ان عدد القتلى قد ارتفع الى نحو 63 قتيلا" وان "أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى" .


تعال الان وافترض انك لم تستمر في قراءة هذا الخبر حتى نهايته.. وبعدها يُطرح عليك سؤال:"من هو المسؤول يا ترى عن هذا العمل الاجرامي ؟؟ قبل الاجابة.. تذكر اننا نتحدث عن عراق 2005.. قليل من الجهد الذهني رجاءً.. لا تستطيع.. حسناً انا ساقول لك.. لو كنت في 2005 وكنت تقرأ هذا الخبر فهناك نسبة 99,99 بالمئة من الحظ من انك ستجد نهاية الخبر تقول ان المسؤول عن هذا الفعل الاجرامي هم "جماعات مسلحة ارهابية سنية فقدت السلطة وتحاول تخريب العملية الديمقراطية".. وستختلف التسميات بعد ذلك بحسب مصدر العواء الاعلامي الذي تقرأ.. صحف اللطم والمظلومية ستكتب " بقايا النظام السابق" او احفاد من كسروا ضلع الزهراء.. اما الـ "لوس انجلس تايمز" واخواتها في مهنة عدم البحث عن المتاعب فان ارهاب"القاعدة" هي كليشة كافية وتبيع اكثر في الكوكب الامريكي.

تعال الان واقرأ خبر هذا اليوم 18. 6. 2008 كما اوردته رويترز :"ارتفع عدد القتلى في تفجير شاحنة في بغداد الى 63 قتيلا يوم الاربعاء.. وقالت الشرطة العراقية ان أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى في الانفجار الذي وقع يوم الثلاثاء بالقرب من سوق مزدحمة في حي الحرية الذي تقطنه أغلبية شيعية في شمال غرب بغداد.. وأصيب 75 في أعنف هجوم تشهده العاصمة العراقية في ثلاثة اشهر.. والقى الجيش الامريكي اللوم على "جماعات خاصة" وهو تعبير يدل على متشددين من الشيعة يقول الجيش الامريكي ان ايران تدعمهم.. وقال الجيش انه يعتقد ان الهجوم يهدف الى تحريض على عنف شيعي ضد السنة العرب ..انتهى

مكان الانفجار.. وسيلة التفجير.. مفردات الخبر وصياغته.. كلها اشياء خبرناها.. الشيء الوحيد الذي تغير في خبر اليوم هو ان المليشيات الشيعية حلت محل الجماعات السنية المسلحة.. ولا تتعب نفسك بالبحث عن ادلة او بالمطالبة بتحقيقات دولية.. دعه يمر..العم سام اصدر بيان.. ووكالات الانباء قد تناقلت البيان.. والصحف قد نشرت الخبر.. والرأي العام قد قرأ الخبر بعجالة.. وعاشوا عيشة سعيدة.. هكذا يتم تكوين الرأي العام .

تعال الان لنغوص في مستوى اعمق لمعنى الخبر.. الجيش الامريكي يصدر بيان يتهم فيه المليشيات الشيعية بقتل الشيعة من اجل التحريض على السنة.. هناك متضمن هائل في هذا الخبر.. نفس المصدر الذي قال لنا ان القاعدة هي من فجرت ضريح العسكري في سامراء.. يقول لنا اليوم ان جماعات خاصة من داخل طائفة الشيعة تفجر الشاحنات في اسواق الشيعة من اجل التحريض على قتل السنة.. هل ترون ما ارى.. هذا يعني استنتاجا ان العديد من تفجيرات السنوات الاخيرة والتي تمت نسبتها الى "القاعدة" كانت "اعمال داخلية" كما حصل في التفجير الاخير من اجل تشويه سمعة المقاومة واثارة الشيعة ضد السنة .

السؤال الان: اذا كانت المجموعات الشيعية تلجا الى مثل تلك الاساليب.. فما الذي يمنع فرق الموت الامريكية من اللجوء الى نفس الاسلوب.. خصوصا وان الامبراطورية اُهينت عسكريا في العراق.. والاهم ان فرق الموت هو اسلوب عمل استخدمته الامبراطورية في ساحات صراع اخرى.. اعمال فرق الموت التي ادارها نغروبونتي في امريكا الوسطى والجنوبية استخدمت نفس هذا الاسلوب من اجل تشويه سمعة المعارضين الشيوعيين لمشاريع امريكا هناك.. حدث ذلك ذات حرب تسمى "باردة" حين كان العدو هو المد الشيوعي.. ايطاليا السبعينات ايضا شهدت هذا النوع من الاعمال حين قامت المخابرات الايطالية، ويقال عملا بنصيحة "اولاد العم سام من ذوي النظارات السوداء"، بتنفيذ تفجيرات "ارهابية" في الاماكن العامة ونسبتها الى المنظمات الشيوعية تحت لافتة الارهاب الشيوعي .. وحشّنة العدو هي انجع سلاح لتحييده امام الرأي العام .

خبر اليوم يفضح مسار واسلوب عمل قذر تسبب في قتل مئات الالوف من العراقيين وهجر اكثر من اربعة ملايين عراقي من منازلهم.. وما يقوله ايضا خبر اليوم هو ان مفهوم الارهاب في القاموس الامريكي هو مفهوم "حركي".. اقتل من العراقيين ما استطعت اليه سبيلا.. لن يمسُك شيء (جرائم فيلق بدر انموذجا).. ولكن في اللحظة التي تتعرض فيها لجندي امريكي فانت ارهابي.. سرسرية جيش المهدي الذين حاولوا افراغ بغداد من السُنة وبدعم الامريكي الذي كان يريد الضغط على مقاومة السنة.. هم من يقوم اليانكي اليوم بافراغ بغداد منهم.. شخصيا ساكون اخر من يقف امام مشروع رفع "القاذورات" من بغداد.. فمن يقتل المدينة التي استقبلته مهاجرا لا يستحق العيش في تلك المدينة ولا حتى في اكوام زبالتها على الاطراف.