2009/06/15

عيوننا التي استعمرها الذباب.. استكان شاي مع فريدريك نيتشه


قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الصحافة الفرنسية خبر خلاف عشائري نشب بسبب مبارة كرة قدم في كربلاء.. طفل من آل الخلخال تُكسر يده "بسبب" لاعب ينتمي الى آل العناد .. وكلاهما من عشيرة الاكرع كما يبدو .. الخلخال تطلب التعويض عن الضرر .. ترفض العناد طلب التعويض .. فينشب قتال بين الجانبين تستخدم فيه الاسلحة الخفيفة ..والحصيلة خمسة جرحى بينهم امرأتين .. انتهى

في كتابه "تاريخ فلورنسا".. يروي ماكيافلي قصة قريبة في مضمونها من خبر الخلاف العشائري بسبب لعبة كرة قدم .. سارويها باختصار وبتصرف .. المكان ريف فلورنسا .. لوري طفل من عائلة كوكليمو وجيري من عائلة برتاكا .. وهما صديقان يلعبان معا دائما .. وحصل ان تشاجرا ذات يوم فجُرح جيري جرحا طفيفا .. وعندما علم والد لوري غضب لذلك ..وطلب من ابنه ان يذهب الى والد جيري ليعتذر منه .. وعندما ذهب لوري لطلب المعذرة من والد جيري .. امسكه والد جيري وقطع يده .. و قال له بعد ذلك "اذهب الى ابيك وقل له ان الجروح يشفيها الحديد وليس الكلمات" .. وهذا الحادث قد اشعل حربا اهليه ليس فقط بين اكبر عائلتي القرية وانما في كل فلورنسا حيث تمتلك العائلتين اقارب وحلفاء .

هذه القصة كما كل تاريخ الشمال الايطالي الذي يسجله ماكيافلي تقول لنا ان "العصبية" ليست حكرا على العرب .. كما تروج الثقافوية الشائعة في الابحاث التي تتطرق "للمجتمعات" العربية وبالخصوص "للمجتمع" العراقي .. وماكيافلي الذي هو رائد الحداثة السياسية في الفكر السياسي الغربي .. والذي لم يكن بعيدا زمنيا عن ظاهرة عراك محلات المدن الايطالية التي غالبا ما كانت تنتهي بحروب اهلية تشمل كل الشمال الايطالي .. ماكيافلي هذا يقول لنا ان اسباب ذلك هي اسباب سياسية تنظيمية مادية وليس ثقافية كما تدعي الثقافوية التحقيرية التي تُرجع كل اسباب ازماتنا الى العامل الثقافي .. وعلى الوردي هو حامل راية هذا الطرح الغبي في العراق .

و إذا كان هناك من مغزى في حادثة الخلاف العشائري بسبب كرة القدم فهو لا يكمن في بعدها الثقافي .. ولكن في بعدها السياسي : فعندما تفرض العشيرة قانونها فهذا يفضح هشاشة الدولة من الناحية التنظيمية الادارية .. و خير من شرح ذلك هو حنا بطاطو .. عندما يقوم آل خلخال بمهاجمة آل العناد بالاسلحة فهذا يدل على الهشاشة الادارية والتنظيمية للدولة .. ولو كانت هناك "دولة قانون" قادرة على فرض قانونها لما تجرأت العشيرة على مخالفة القانون .. باختصار خبر اليوم هو دليل على غياب القانون في "دولة القانون" القرقوزية .

ولكن العشائرية في العراق ظاهرة اجتماعية شاملة وهي ليست وليدة اليوم .. وهي لم تندثر حتى في اقوى فترات الدولة .. نوري السعيد في نهاية الخمسينات كان يظن ان نظام العشيرة في طريقه الى الاندثار .. انذاك كانت حكومات نوري السعيد تخصص ثلاثة ارباع ميزانية العراق لمشاريع البنى التحتية الكبرى .. كيف له ان يعرف ان من حكموا العراق بعده وتحت شعارات التقدمية ومحاربة "الرجعية" قد اعادوا العشيرة اساسا للحكم !! وكيف له ان يعرف ان ثقافة اللطم التي اتهمته بالطائفية وعدم توزيع ثروات العراق بعدالة قد جعلت من العراق اليوم افسد بلد بالعالم .

واذا كان نفوذ العشيرة لم يختفي حتى في قمة سلطة الدولة .. فنفوذها اليوم اكبر من اي وقت مضى في تاريخ الدولة العراقية الحديثة .. لان الدولة في العراق اليوم تعيش اضعف فتراتها .. وكما ان الطائفية هي واقع العراق اليوم فان العشائرية هي ايضا واقع في عراق اليوم .

ولكننا في العادة نرفض مواجهة واقعنا .. ماضينا الاسطوري يكفينا .. اذهب واخبر اي "مثقف" عراقي عن حادثة الخلاف العشائري حول كرة القدم .. هو سوف لن يعيرك اي اهتمام .. سيعتبره موضوع تافه .. وهناك نسبة 99 بالمئة من الحظ انه سيقول لك جملة " يمعود درووووح ..العراق عمره سبعة الاف سنة حضارة" !! ولا تتعب نفسك بطرح سؤال: كيف حصل ان بلد عمره سبعة الاف سنة حضارة وفيه اليوم "عشيرة" ترفع السلاح بوجه اخرى بسبب حادث كرة قدم بين اطفال !! صدقني سؤالك مشروع .. ولكنه بالنسبة لمثقفنا المتجول وهميا في الجنائن المعلقة .. هو "لا سؤال" .. ان تكون "حمورابي او نبوخذنصر" او لاتكون ..هذا هو السؤال !!

اسطورة الهوية العراقية كانت دائما اجابة جاهزة .. موقفنا امام "الانا" العراقية وبالتالي الهوية الوطنية كان دائما ينبع من منظور تقديسي .. الهوية العراقية هي "مقدس" ويجب نحتها واظهارها كايقونه جميلة .. حتى وان كانت هشة سهلة الكسر كما يظهر حاليا بوضوح .. العراق في هذا المنظور ماهية ازلية، غير تاريخية .. ولا تخضع للشروط التاريخية .. من سومر الى علاوي الحلة .. العراق واحد .. يكفي ان "تصدق" بهذا العراق الاسطوري لتصبح الهوية العراقية موجودة .

خطورة هذا الموقف الايقوني والقامع لكل ما عداه يكمن في انه منع موقف اخر اكثر صحة تجاه "الانا" العراقية /الهوية العراقية : كان بالامكان طرح "الانا" العراقية كواقع معقد .. كمشكل .. وبالتالي كسؤال ومحاول اجابة عن السؤال من خلال عرضه ومناقشته وربما ايجاد حلول له .. ولكن لا .. المقدس لا يناقش .. حتى وهو يقتل .. ربع شعب العراق مهجّر ومهاجر وهناك من لازال ينام في دفء الهوية الاسطورية .. سؤال الواقع المتشظي سحقته النظرة الاسطورية للهوية: العراق عمره سبعة الاف سنة !

واحدة من اخطر مخلفات النظرة الاسطورية للماضي تكمن في تحقيرها للحاضر .. لقد منعتنا هذه النظرة الغير واقعية الى نبذ ظواهرنا الاجتماعية الحاضرة .. الى اعتبارها غير مهمة قياسا للاسطورة .. تركيزنا على الماضي "الغير عادي" جعلنا نهمل واقعنا العادي المعاش .. تركيزنا وبمرضية على تفاصيل الماضي الاسطورة جعلنا لانطيق النظر الى تفاصيل حياتنا العادية .. فعندما يتحول الماضي الى اسطورة .. يصبح الحاضر مبتذل وغير جدير بالاعتبار .

لسنا بحاجة للتوغل في الماضي القديم للتدليل على تحضرنا .. فواقعنا ورغم فقرنا المادي لم يكن خاليا من الحضارة .. فالحضارة ليست فقط امبراطوريات ومحاربين وقصور وجنائن معلقة .. ان يكون جارك من مذهب اخر هو حضارة .. اين يكون صديقك من قومية اخرى هو حضارة .. ان تكون زوجتك او ان يكون زوجكِ من طائفة اخرى هو حضارة .. ان تترك مقعدك في الباص لشيخ مسن هو حضارة .. ان يؤدي الموظف عمله بلا رشاوى هو حضارة .. وتاريخنا المعاصر على فقره لم يكن خاليا من تلك السلوكيات الحضارية .

لم نكن بحاجة للسفر في الماضي للتدليل عن حضارتنا او تحضرنا .. ولسنا بحاجة للعودة الى بابل حمورابي او نبوخذنصر للتدليل على تحضرنا .. فبغداد النصف الاول من القرن العشرين ورغم فقرها اكثر حضارة من بابل نبوخذنصر الفاحشة الغنى .. بغداد التي كان ثلت سكانها من العراقيين اليهود هي حضارة .. واذا كان لابد من الاختيار بين بابل السبي اليهودي وبغداد التعايش مع اليهود فانا اختار بغداد الفقيرة ماديا والغنية روحيا .

ولكي اكون اكثر مشاكسة ساقول .. لسنا بحاجة للرجوع الى اشور لندلل على تحضرنا ..كبة الموصل هي حضارة.. واذا كان لابد من الاختيار بين كبة الموصل والامبراطورية الاشورية فانا اختار كبة الموصل !! واذا كان ولابد من الاختيار بين عربة سرجون الاكدي الحربية وبين عربانة بائع اللبلبي امام مدرستنا ..فانا اختار عربانة بائع اللبلبي وخصوصا مع رائحة الرارنج الساحرة !! هويتنا الحقيقية هي تفاصيل حياتنا التي عشنا ونعيش .. والاهم اننا نجد في تفاصيل حياتنا مشتركنا الاهم .. فمشكل الهوية يكمن في ايجاد مشترك بيننا.. وتفاصيل حياتنا العادية هي اكثر ما يجمعنا .. واكثر ما فرقنا ويفرقنا هو الماضي .. بتعبير اخر اننا نجد في واقعنا مشترك حياتي لا نجده في ماضينا المفخخ بالنزاعات الايديولوجية .

فريدريك نيتشه في مقاله "منافع ومضار التاريخ" يورد قول رائع لسقراط فحواه : ان ادعاء التحلي بفضائل او بخصال لا نمتلكها هو مرض قريب جدا من الجنون .. ونيتشة يقول تعليقا على فكرة سقراط هذه : ان مثل هكذا وهم هو اخطر من وهم الاعتقاد ان فينا مساوئ او عيوب ما .. لان الوهم الثاني قد يحفزنا على ان نكون افضل .. في حين ان الوهم الاول يجعلنا اسؤ يوما بعد اخر .

وليس هناك ما يصفع الانتباه في العراق من هذا التقهقر الى الوراء .. من سيء الى اسوأ .. وليس غريبا ان اسوأ الحكومات التي مرت على العراق هي تلك التي رفعت شعارات بعيدة كل البعد عن الواقع .. الكارثة العراقية بدءت حين اعتقد "عبد حمود" انه امتداد لنبوخذنصر.. من هنا حلم التوسع وبناء امبراطورية ..حلم واهم ارجعنا الى العصر الحجري .. وثقافة اللطم ذات العقلية الاخروية الاسكاتالوجية قد بزّت كل من جاء قبلها في هذا المضمار .. فهي قد رفعت شعار ارساء حكم وتعاليم "ال البيت" وكانت النتيجة انها نهبت البيت وشردت اهل البيت !! ومن الوهم ما قتل .

الوهم خطأ منهجي .. يبدأ خطأ في زاوية النظر وينتهي خطأ في الحكم على الاشياء .. وصورة الوهم في الادبيات الفلسفية هي : عندما تقترب ذبابة من عيوننا ونتصورها طير كبير !! نستطيع ان نقول ان تاريخ العراق المعاصر منذ خمسين سنة تقريبا هو تاريخ عيوننا التي استعمرها الذباب .

2009/05/30

المغالطة التاريخية .. الماضي بعيون نبوخذنصر


" لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 قبل الميلاد، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".. هذه الجملة جاءت ضمن مقال لـ دوني جورج رئيس هيئة الآثار العراقية و المدير العام السابق لمتاحف العراق.. وهو يقول لنا انه سمعها من أستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، البروفسور فاضل عبد الواحد.. كيف ولماذا ؟ لا تعرف.. هي قنبلة صوتية وكفى.. وليس من خصال الجمل المصوتة ان تبرر نفسها او تمنطق حجتها.. الجمل الصوتية تكتفي بصوتيتها.. تكتفي بضوضائها.. هي عندي اغبى جمل الاسبوع.. ومشاكسة الغباء واجب وطني في عصر مقتدى الصدر.

فحوى مقال دوني جورج هو ان الاشوريين اليوم يشكلون قومية اما الكلدانيون فلا يشكلون قومية.. وهو من اجل دعم "الامة الاشورية" يسخر الماضي بانتقائية ليست جديدة علينا من اجل ان ينتصر لـ"امته الاشورية" في الحاضر.. ولكن ما يهمنى في المقال هي القنبلة الصوتية: " لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 ق.م، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".

من يقول لـ دونى جورج ان من تحالف مع "الاجنبي" لاسقاط الدولة الاشورية هو الملك نبوبولاصر وليس ابنه نبوخذنصر.. هذا الخطأ الذي يرتكبه "رئيس هيئة الاثار العراقية" مُضّر حتما بسمعة هيئة الاثار العراقية.. ولكنني شخصيا لا اعيره اهمية كبيرة.. في الجملة ما هو اهم عندي من الخطأ في الشخصيات التاريخية.. في الجملة المصوتة نظرة اسطورية للماضي قتلتنا وما زالت تمعن بالقتل.. في الجملة خطأ منهجي يُطلق عليه في "الكواكب" التي تستفيد من ماضيها اسم المغالطة التاريخية.

مفردة "الاجنبي" هي الكلمة الاهم في جملة (" لو لم يتحالف المدعو نبوخذنصّر مع الأجنبي .... الخ).. لانها المٌسلّمة التي يستند عليها المعنى المتضمن العام .. نبوخذنصر تعاون مع الاجنبي.. والمعنى المتضمن هو ان نبوخذ نصر ليس اجنبيا.. اي هو عراقي بالمعنى الكليشياتي السائد اليوم.. هو عراقي من وجهة نظر المحكية العراقية الحاضرة للماضي القديم.. وهنا نحن امام مغالطة تاريخية.. كلمة "مغالطة تاريخية" بالعربي لا تقول الكثير.. ولكن المغالطة التاريخية بالمعنى الاغريقي للكلمة هو خطأ في التاريخ سببه عدم التمييز بين الازمنة التاريخية وبالتالي الخلط بينها.. مثلا حين يتم اسقاط مفاهيم ورؤى الحاضر على احداث الماضي فانت ترتكب مغالطة تاريخية.. حين يقول سعودي اليوم ان "النبي" محمد سعودي فهو يرتكب مغالطة تاريخية.

غاية التاريخ كـ علم لدراسة الماضي هو فهم او عرض الماضي لا كما نراه نحن.. ولكن قدر المستطاع كما كان يراه ويعيشه ويفهمه الذين كانوا موجودين فيه.. واذا استطعنا فعل ذلك بخصوص "صاحبنا" نبوخذنصر.. فاننا سنفهم عندها الكيفية التي كان ينظر بها البابلي للاشوري او العكس.. و بالتالي معرفة هل كان نبوخذنصر "عراقيا" ام لا.. وهل تحالف هذا البابلي "الخائن" مع الاجنبي كما يقول لنا دوني جورج .

في كتابه "التاريخ بدء في سومر" يصف صاموئيل كرامر ونقلا عن النص السومري اول حرب اهلية ..بالاحرى اول تسجيل تاريخي (كتابةً) لـ "حرب اهلية" بين مدينتيّ لكش و اووما.. و قد كانت حربا من اجل الحدود بينهما ( لاجديد تحت الشمس ).. تنتصر لكش في الجولة الاولى .. يتم الاحتفال بهذا النصر على عادة تلك الايام برفع مسلات شارحة للحدث و لاتفاق ترسيم الحدود الخ .. ولكن بعد فترة يقوم اوش ايشاكو قائد اووما بنقض الاتفاق وتحطيم المسلات الحدودية ويسترجع الارض المتنازع عليها.. وتبقى الارض بحوزة اووما لفترة طويلة.. و عندما يتسلم عيناتوم السلطة (وهو حفيد حاكم لكش الذي قاد الحرب الاولى) يقوم بمهاجمة اووما واسترجاع الارض المتنازع عليها.. وما ان يمر جيل على تلك الهزيمة ويستلم السلطة في اووما حاكم جديد هو اور لوما حتى يقوم بنقض الاتفاقية و بتحطيم وحرق مسلات الاتفاق.. ولكن (وهنا المهم في حكايتنا ) ومن اجل ان يضمن اور لوما انتصار حملته هذه ضد لكش فهو يتحالف عسكريا مع " الاجنبي الذي يحكم في شمال سومر" (التنصيص من كتاب كرامر "التاريخ بدأ في سومر" ص. 77 . من الطبعة الفرنسية لعام 1957) .

مصدر هذه الحكاية هو "مؤرخ" من مدينة لكش.. ولو قرأنا كل الوثيقة لعرفنا انها تطرح رؤية "لكَشية" للصراع.. واذا ما تذكرنا انتقائية رئيس هيئة الاثار العراقية ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي.. فأننا حتما سنعذر انتقائية "رئيس هيئة اثار لكش" في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد!! لا نطلب من اول وثيقة تاريخية عن "حرب اهلية" ان تكون موضوعية.. نحن اكثر من سعداء بهذه الوثيقة الرائعة حتى مع عدم موضوعيتها.. على الاقل " رئيس هيئة اثار لكش" لايدعي انه يحمل دكتوراه.. ولا يجند مناصبه الرسمية والقابه العلمية كما يفعل صاحبنا "رئيس هيئة الاثار العراقية" من اجل دعم ونصرة قضية الامة الاشورية !!

كما ان مفردة "الاجنبي" في جملة " رئيس هية الاثار العراقية " هي اهم ما في جملته.. فان مفردة "الاجنبي" في وثيقة "مؤرخ لكش" هي ايضا اهم ما يهمنا هنا في وثيقته.. واذا ما تذكرنا ان التاريخ كعلم هو عرض الماضي لا كما نراه نحن.. ولكن كما كان يراه ويعيشه ويفهمه الذين كانوا موجودين فيه.. فان ما يقوله اللكشي هنا هو الماضي كما يراه شخص عاش فيه.. و اذا كان من الصحيح تاريخيا ان اللكشي كان ينعت من يسكن على بعد عشرات الكيلومترات الى الشمال من ارضه بالاجنبي.. فصحيح تاريخيا ايضا هو ان البابلي كان ينعت الاشوري الذي يسكن على بعد مئات الكيلومترات الى الشمال من بابل بالاجنبي.. خصوصا اذا ما وضعنا في نظر الاعتبار الصراع الدائم بين بابل واشور .

فالتاريخ يقول لنا مثلا ان خطر العيلاميين فقط هو ما كان يمنع بابل في بعض فترات صراعهما الطويل من مقاتلة اشور.. حتى حين احتلت اشور بابل خلال ما يقارب مئة عام ظل التمرد ديدن بابل.. لا بل حتى حين نصب اشوربانبيبال شقيقه حاكما على بابل فان هذا الاخير انتفض على شقيقه رغبه منه بالاستقلال عن وصاية اشور.. وقد احتاج اشوربانيبال اربع سنوات حرب لكي يفشل محاولة الانفصال "الاخوية".. وبعد سنوات من ذلك نجح نبوبولاصر في محاولته .. و نجاح تمرد نبوبولاصر لم يكن بسبب تعاونه مع "الاجنبي" فقط (اشور تعاونت مع الفراعنة في فترة اسبق للتحرر اقتصاديا وبالتالي سياسيا من وصاية بابل).. بل كان راجعا ايضا الى ذكاء هذا الاخير في التمرد بعد وفاة اشوربانيبال وهشاشة فترة انتقال السلطة التي شهدت كعادة تلك الايام صراع بين الامراء على العرش الاشوري .

اذا فالبابلي كان يرى في الاشوري شخص اجنبي كما كان يرى في العيلامي شخص اجنبي.. ولكن رئيس هيئة الاثار العراقية يرى الماضي بمنظار الحاضر معتقدا ان بلاد ما بين النهرين انذاك كانت تشكل وحدة سياسية.. وتجمعها هوية وطنية واحدة.. و الادهى هو انه يعتقد باعتباره "اشوري" يدافع عن "الامة الاشورية" بان الدولة الاشورية قد نجحت بفرض هوية "عراقية" على بلاد ما بين النهرين.. وهذا غباء ومن النوع المضر بالصحة.. خصوصا اذا علمنا ان الدولة الاشورية كانت تستخدم الحرب كوسيلة نهب اقتصادي وابتزاز لثروات الناس في المناطق الاخرى.. ووحشية الجيش الاشوري معروفة (رغم ان الوحشية لم تكن حصرا على اشور).. ونحن نعرف ان اخذ المناطق بالقوة قد يحصل على كل شيء ولكنه لا يستطيع انتزاع الولاء .

بأختصار.. نبوخذ نصر كان يعتبر نفسه بابلي قبل كل شي.. وهو لم يكن يعتبر نفسه "عراقي" كما يضن دوني جورج اليوم.. وبهذا المعنى فان "نبوخذ نصر".. عفوا نبوبولاصر لم يتعاون مع اجنبي ضد عراقي كما يعتقد دوني جورج.. وانما هو تحالف مع اجنبي ضد ما يعتبره اجنبي وهو الاشوري.. وعندما يعتقد رئيس هيئة الاثار العراقية ان نبوخذنصر او اشوربنيبال هما عراقيان فهو لايقل سذاجة عن المغني السعودي محمد عبده الذي قال مؤخرا بأن "النبي" محمد سعودي.. فكلاهما يسقط الحاضر على الماضي.. يسقط تسمية معاصرة على الماضي.. والسبب لانهما يخلطان بين الثابت الجغرافي (الجزيرة العربية او بلاد ما بين النهرين) وبين المتغير التاريخي (الانظمة السياسية ومسمياتها وايديولوجياتها التي حكمت تلك الجغرافية) .

لا ننتظر من رئيس هيئة الاثار العراقية ان يقول لنا لماذا لم يقل جملته المصوتة هذه حين ساد شعار" من نبوخذ نصر الى صدام حسين بابل تنهض من جديد".. لا ننتظر منه ذلك.. فالبشر اكلوا خبز قبل كل شي كما يقول فلاسفة اليونان!! ولكنني اتمنى ان يقول لنا يوما (اذا كان يمتلك معلومات بهذا الخصوص) ما اذا كانت عقوبة قطع الاذن التي انتشرت في تسعينيات العراق قد استُلهِمت من شريعة حمورابي التي تقول احدى موادها: اذا قال عبدا لسيده "انت لست سيدي".. واذا ما قدّم السيد ادلة على ملكيته للعبد.. فمن حق السيد ان يقطع اذن العبد".. منذ قرأتي لهذا المقطع لاول مرة قبل ثلاث سنوات تقريبا وانا اتسائل هل تم استلهام عقوبة قطع الاذن في تسعينات العراق من شريعة حمورابي.. هذه الاحتمالية اذا صحت ستجعلني امقت اكثر القراءات الاسطورية للماضي .

نعم.."لو لم يتحالف نبوخذنصّر مع الأجنبي لإسقاط الدولة الآشورية عام 612 ق.م، لما كان وضع العراق الحالي كما هو الآن".. ربما ما كنا حصلنا على عقوبة قطع الاذن البابلية.. وانما على عقوبه فقء العين التي كان يمارسها الملك الاشوري بعبيده واسراه.. المغالطة التاريخية لا تُشكّل اعتداء على الماضي فقط ولكنها غالبا ما تقتل الحاضر .

2009/05/10

طائفية !!! تقول انها طائفية !!


هناك كومة من الكتاب العراقيين يدّعون مناهظة الاحتلال ولكن عندما تقرأ كتاباتهم يخال لك ان العراق محتل من قبل المقاومة العراقية وليس من قبل امريكا وايران .. فهم نادرا ما يتصدون للاحتلال او مماليكه.. ولكنهم بالمقابل يكرسون جل جهدهم لتسقّط هفوات المقاومة .. عبد الامير الركابي واحد من هولاء .. وهذا الركابي هو راكب موجات معروف ما ان يجف فيه وبه تيار ايديولوجي حتى "ينط" راكبا موجة اخرى سابحا مع التيار.. باختصار تلميذ نجيب لـ عزيز الحاج الذي قايض رفاقه وحزبه الشيوعي بمنصب ممثل العراق في اليونسكو .

قبل ثلاثة اشهر وامام نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة اعتقد الركابي انه امام موجة جديدة .. وهو وبحس راكب الموجات المتمرس اعتقد انه لابد من ركوبها .. وهكذا كان .. عاد للعراق وقابل المالكي .. واخذ يصرخ من كل المنابر بضرورة عودة المعارضة العراقية للعمل من الداخل .. وحجة راكب الموجات هذا هو انه لمح عند المالكي ارهاصات "قناعة يضمرها ضد العملية السياسية الأميركية" .

هذا الذي يقدم نفسه على انه منظّر زمانه ..هذا المحلل الفلتة اعتقد ويعتقد ان المالكي الذي هو صنيعة العملية السياسية الامريكية ودميتها الاكثر طاعة سوف يقلب الطاولة على اللاعب الاكبر !! لا تستغربوا .. فمثل هكذا سذاجة في تحليل الاحداث السياسية ليس شيئا جديدا على هذا الصنف من "الرفاق" .. فهذا الرجل الذي كان يشغل منصب "نائب عريف" في فصيل عزيز الحاج الشيوعي، له تاريخ حافل بتحليلات فنطازية تحتوي على كم هائل من "منعطفات تاريخية" و "لحظات مصيرية" و "كينونة"... الى اخره من الاسلوب الحشوي الذي يميز لغة اليسار العراقي .. نعم .. فالرجل كان ولا يزال من الصنف الذي لا يميز بين الثورة وبين زوبعة في فنجان .. وهذه ليست المرة الاولى التي تتحول فيها زوبعة في فنجان (كنتائج الانتخابات الاخيرة) الى"ثورة" ولحظة مصيرية ومنعطف تاريخي الى اخره من "الخريط" اليساري ..ولكنها حتما المرة الاولى التي يعود فيها راكب الموجات بهذه السرعة من تعرجات "المنعطف التاريخي" ..وبخفّي حُنين .. ومن هنا زعيقه الاخير الذي يشبه زعيق تلميذ فاشل .

الزعيق الاخير لهذا المحلل الفاشل هو عبارة عن مقال يقول لنا فيه بان المقاومة العراقية جزئية وطائفية .. ورغم انه في هذا المقال يدحرج ذاته برفقة كلمات رنانة كـ "علم الاجتماع السياسي" و "الواقعية الاصطلاحية" و"الحيادية"، ولكنك تقرأ المقال من اوله الى اخره وبشق الأنفس (بسبب رداءة الاسلوب الخالي من اي تسلسل منطقي) ولا تجد لا علم اجتماع سياسي و لا اصطلاحية ولا حيادية ولا هم يحزنون .

اولى مسلمات علم الاجتماع السياسي هو ان الكلمات لا تحمل مضامينها .. من هنا الحاجة الى نقل الكلمات من مستوى الاستخدام الكليشاتي المتداول الى المستوى الاصطلاحي التخصصي .. وهذا لا يتم الا من خلال عملية التعريف "العلمي" للكلمات .. ومقال الركابي خال من اي تعريف لا لمفردة "الجزئية" و لا لمفردة "الطائفية" وهما قنبلتاه الصوتيتين .. ولا لأي من كلماته الرنانة .. عندما يعيب كاتب ما على خصومه عدم تقبلهم للطرح الاصطلاحي ويأتي بنفس الوقت بمقال خال من اي تعريف اصطلاحي فهذا يسمى ادعاء اجوف .. وهو اسلوب ينم عن نرجسية متعالية لا تمتلك مكونات التعالي .. من يقول لهذا "الرفيق" ان زمن حشو المقالات بالكلمات الرنانة وتوظيفها كقنابل صوتية من اجل الارهاب الفكري قد ولى .

مقال الركابي ورغم وهم الحيادية هو عبارة عن قناعات شخصية تتدحرج على هيئة كليشات على طول مقاله .. وبتخبط من لا يسيطر على موضوعه .. وانا هنا اخصص جائزة رمزية لمن يستطيع قراءة وفهم الفقرة الاولى من مقال الركابي .. متمنيا حظا سعيدا لمن يحاول .. اسلوب "الشرطة وحرامية" هذا هو سمة مميزة للكثير من كتاب اليسار العراقي ..وهو اسلوب ناتج عن هشاشة تصوّرية .. فمن لا يملك تصورا واضحا عن فكرته يترجم ذلك اوتوماتيكيا في كتابة غير واضحة .

تعالوا الان "نتعارك" مع فحوى مقال الركابي الذي يقول : لقد عالج العالم العربي قضية الطائفية وخصوصا في لبنان (الذي هو نموذج الركابي في هذا المجال !!) ولكننا في العراق متخلفين عن الركب .. و"هذا شأن يتجلى اليوم في التدني الرهيب في استعدادات تقبل حتى الواقعية المصطلحية، أو تعلم مبدأ حيادية الفكرة أو المصطلح" .. "فالعراقيون" لا يقبلون حتى تعبير الركابي الاصطلاحي " المقاومة العراقية هي مقاومة جزئية وطائفية" .. على العكس هناك من يصر على ان «المقاومة هي الممثل الشرعي للشعب العراقي» .. وهذا نكران لطائفية المقاومة بحسب الركابي .. فالمقاومة طائفية لعدم وجود "أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده .. هذا مع العلم أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة، والوطنيين المناهضين للاحتلال منهم كثر" .. وخلاصة الركابي "هنالك فرضية نهائية لا تقبل الجدل تقول إنّ العراق يجب أن يعرف ظهور مقاومة «وطنية»، بمعنى شاملة لكل المكونات" ( الجمل المُنصّصة هي حرفيا للركابي) ..انتهى

ساترك جانبا سذاجة الركابي المذهلة بحيث يعتبر نفسه محايدا !! فعندما ينكر شخص ما "الموقع الذي يتكلم منه" او "خلفيته" فهو يجهل اولى قواعد علم الاجتماع السياسي .. وساترك جانبا عدم فهم الركابي لمعنى الفرضية حين يقول " فرضية نهائية لا تقبل الجدل" .. فهذه اول مرة في حياتي اسمع ان من خصائص الفرضية عدم قبولها للجدل !! وهذه الجملة لوحدها تكشف عن جهل الركابي بادوات البحث السوسيولوجي .. وساترك جانبا سخافة الركابي حين يقول لنا ان لبنان هو نموذج في التطرق لمشكلة الطائفية .. لما لا .. كل له الحق ان يكون شخابيطيا .

ولكنني ساركز على فحوى مقال الركابي محاولا اعطاءه ترابطا منطقيا يفتقده .. فاسلوب "الشرطة وحرامية" الذي يستخدمه الركابي حمال اوجه و يسمح للخناجر الملتفة بالتقية بالظهور وكأنها ابتهالات عذراوات بريئة .. اولا .. ان تقول ان المقاومة محصورة في الوسط السني هو شيء .. ولكن ان تقول ان المقاومة طائفية فهو شيء مختلف تماما .. وهذا ما فات الركابي الملوّح بفزاعة المصطلح من دون استخدامه .. ثانيا، نعم العراق بحاجة لظهور مقاومة «وطنية» شاملة لكل المكونات .. ولكن عدم ظهور تلك المقاومة الوطنية الشاملة لكل المكونات هو ليس مسؤولية المقاومة السنية.. وتحميل المقاومة السنية مسؤولية ذلك هو كمن يقول للمقاومة: "يا مقاومة لا تقاومي الى حين ظهور مقاومة لكل المكونات الاخرى" !! وهذا منطق اعرج .

طرح الامور بتلك الطريقة المترابطة منطقيا يكشف عن الغائب والمُغيّب في طرح الركابي ..فهذا الطرح يضع امام انظار الركابي سؤال سبب غياب "المكون الاخر" في المقاومة .. وخصوصا مسؤولية قادة ونخب ذلك المكون عن تلك الحالة .. فما معنى الوطنية حين ينتظر "الشيعي" فتوى السيد لكي يقاوم من احتل بلده !! نحن هنا امام اهم سؤال في العراق العماماتي .. وكالعادة هو سؤال غائب عن طرح الركابي وكومة الكتاب التي تدور في فلكه .

ثالثا .. الركابي يقول لنا انه يرفض الطائفية ويتهم الاخرين بالطائفية ولكنه يستخدم ويوظف في حجته جوهر الخطاب الطائفي ..فحين يقول لنا ان المقاومة طائفية لانه "لم يصادف أن وجد أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده" و يضيف "علما أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة" .. فهو يدحض نفسه بنفسه .. فالوطنية هو ان تنظر للعراقي على اساس المواطنة، على اساس عراقيته .. اما ان تقول ان نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة فهو نفي لمفهوم "العراقيين" كشعب من وجهة النظر الاصطلاحية .. وهذا تناقض داخلي في منطق الركابي .. وسبب هذا التناقض هو غياب اصطلاحي تام في استخدام الركابي للكلمات .

باختصار .. الركابي يريد الغاء العملية السياسية الامريكية لانها قائمة على المحاصصة الطائفية التي اعطتنا الكارثة الحالية .. ولكنه وياللغرابة يطالب فيما يخص المقاومة باحياء المحاصصة .. من هنا مطالبته بـ "كوتا" طائفية في المقاومة وحجته ان نسبة الشيعة في العراق تفوق عددياً السنّة .. وهذا ليس "منطق" من لا يمتلكون منطق .. لا، لا .. انه "منطق" من لم يخرجوا بعد من المنطق الطائفي .. لعدم امتلاكهم رؤية اصطلاحية للهوية العراقية .. لذلك هم غير قادرين على رؤية الاخر الا من خلال انتمائه المذهبي .. من هنا فان المقاومة هي سنية وطائفية فقط لعدم وجود "أي شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده" .. هل ترون ما ارى ؟؟ هل يذكّركم هذا الخطاب بالماضي القريب ؟؟ حتى امام المقاومة هناك مظلومية شيعية !!

2009/04/27

حتى الحقيقة لها رائحة كريهة عندما تخرج من بعض الافواه

اتهم خامنئي امس امريكا بتنفيذ التفجيرات الاخيرة في العراق، عندما قال ان "المشتبه بهم الرئيسيون في هذه الجريمة وجرائم مشابهة لها هم قوات الامن الامريكية والجنود الامريكيون" .. لا جديد .. جرائم فرق الموت الامريكية معروفة في العراق كما في انحاء اخرى من العالم .. ولكن خامنئي اضاف بالتقية المعهودة "ان القوات الامريكية احتلت دولة اسلامية بحجة مكافحة الارهاب وقتلت عشرات الالاف من الاشخاص هناك" .. اتهام خامنئي ياتي بعد اربعة ايام من اتهام احمدي نجاد لاسرائيل بارتكاب جرائم "تطهير عرقي" ضد الفلسطينيين .. ومطالبته بمحاسبتها على تلك الأعمال الوحشية .

واحدة من اهم علامات الاستخدام السياسي الشعاراتي لقضية ما هو تناقض وازدواجية المستخدم لها على ارض الواقع .. خامنئي يدين الاحتلال الامريكي اليوم ولكنه ينسى او يتناسى ان ايران قد ساعدت امريكا في احتلالها للعراق .. واحمدي نجاد يتهم اسرائيل بارتكاب "تطهير عرقي" ضد الفلسطينيين ويعطينا محاضرة في مبادئ حقوق الانسان .. ولكنه ينسى ان ايران ارتكبت وترتكب جرائم تطهير عرقي وطائفي في العراق افضع من تلك التي اقترفتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني .

لعبد الباري عطوان وجوقته ان يستمروا بنقد حكام العرب حد الاجترار الممل .. وليسار الكافيار وخصوصا اللبناني ان يتحولوا من المادية الديالكتيكية الى العمل بالمقولة العشائرية "عدو عدوي صديقي" ..وللكتاب الفلسطينيين ان يحلفوا باغلظ الايمان بان "ايران لا تشكل خطورة على دولنا العربية والاسلامية، فلماذا لا نقوم بالتحالف معها" .. كل له الحق ان يحصر نفسه ضمن منطق الثنائيات الغبي .. اما نحن فنرفض مثل هكذا منطق ضيق .

نحن رؤوس العراق التي حفرتها المثاقب الايرانية .. نرفض ان نختار بين ايران واسرائيل .. لاننا نرفض الاختيار بين شرّين ..ونرفض اختيار اقلهما شرا .. لسنا مجبرون على الاختيار بين اسرائيل وايران .. وسلوكيات الحكام العرب ليست ولن تكون سببا للارتماء في احضان ايران .. كما يطلب منا عبد الباري عطوان وجوقة ابواق يسار الكافيار.

نحن الاجساد التي تم حرقها في تنور الزهراء .. نحن الاطراف التي تم تقطيعها ورميها في المزابل .. نحن الايتام والارامل والمهجرين بالملايين .. نحن ضحايا الاحتلال الامروايراني نرفض ان تتكلم عمامة منافقة قبيحة كخامنئي بالنيابة عنا وعن جروحنا .

ونحن رؤوس العراق التي ثقبتها الدريلات الايرانية .. نرفض محاضرة احمدي نجاد عن حقوق الانسان ونتهم ايران بارتكاب جرائم التطهير العرقي والطائفي ضد العراقيين ونطالب بمحاسبتها على اعمالها الاجرامية ولعبتها القذرة في العراق .. وحجتنا الاخلاقية ضد التكتيك الايراني هو قول الشاعرالعربي :

لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله ، عار عليك اذا فعلت عظيم

2009/04/10

"السقوط "



المكان ساحة الفردوس .. الزمان يوم امس .. الحدث : تظاهرة بمشاركة الالاف من ردّاحة مقتدى الصدر .. الفعاليات : تنويعات على هوسة "ها خوتي ها".. والهتاف بشعار "تسقط امريكا" ..اضافة الى حرق دمية تمثل بوش و اخرى تمثل صدام .. ثم اختتام الفعاليات الردحية بتقبيل ومعانقة للشرطة وللجيش !!

السؤال هو .. اما كان انفع ان يتم توجيه تلك القطعان الى ازبال وقاذورات مدينة "الصدر" لتنظيفها ؟ اما كان انفع ان يتم توزيع تكاليف تنظيم ونقل عشرات الالاف من الرداحة الى فقراء الشيعة الذين يعيشون في المزابل ؟ ما نفع الردح امام الدبابة ابرامز ؟ خصوصا اذا علمنا ان مقتدى الصدر صاحب مقولة "تكتيك حبيبي" قد لجأ لاسلوب المسيرات والردحيات القطيعية بناء على توجيهات ايران التي ارادت تهدئة اللعبة مع الشيطان الاكبر وتقاسم النفوذ معه في العراق ؟

لمقتدى "تكتيك" ان يمنح الاولوية لمصالح ايران "الجيوشيعية" .. سنتفهم ذلك خصوصا وهو يقيم اليوم في سراديب قم عاكفا على دراسة فقه النكاح ! ولمقتدى ولسرسريته ان يقيموا المسيرات الردحية .. سنحاول ان نتفهم ذلك ايضا !! فلِلسيد ان يتصرف بالقطيع كيفما شاء خصوصا اذا كان "القطيع" سعيد بعبوديته !! كل له الحق ان يعيش عبدا .. ولكن كثير على عقولنا استخفاف "ملا تكتيك" حين يرفع شعارات طرد المحتل في ذات الاماكن التي تشير رمزيا للاحتلال والتي كرسها الاحتلال .. فاقامة احتفاليات تهتف بطرد المحتل في ساحة الفردوس التي مسرّح فيها المحتل صورة احتلاله قبل ستة سنوات .. هو قبول برموز وصور الاحتلال .. والغباء او التغابي في مثل تلك الامور ليس عذرا .. فقانون الوطنية لا يحمي المغفلين او التقية .

لنكن واضحين .. جماعة التيار الردحي جاءوا ساحة الفردوس للاحتفال بـيوم "سقوط الصنم" كما يطيب لعرضحالجية ثقافة اللطم ان يسموا يوم احتلال العراق .. سقط صنم .. ربما .. ولكنهم رفعوا اصنام .. واسسوا لثقافة الاصنام .. والسبب هو انهم يخلطون بين "اعلان حقوق الانسان" و "اعلان حقوق الاصنام" !! من هنا فاشية الشعائر اللطمية العابدة لاصنام الجاهلية الثانية .. فصنمية ان يُعبد "الشباك" !! وصنمية ان يعيش الاحياء عبيد للاموات .

كلمة اخيرة بهذة المناسبة .. وهنا الاهم .. اقلام الدكاكين البترودولارية ما زالت تتكلم عن "سقوط بغداد" .. وذكرى "سقوط بغداد" .. والسؤال هو : كيف حصل وبعد ستة سنوات احتلال ورغم مئات الالوف من العسكر اليانكي والمرتزقة والمماليك وما زال الرئيس الامريكي غير قادر على الاعلان مسبقا عن زيارته لبغداد "الساقطة" ؟ واوباما قبل يومين لم يجرؤ على دخولها حتى !! كم من العواصم العربية "الغيرساقطة" تستطيع مثل هكذا اباء ؟؟ رائع مثل هكذا "سقوط" !!

2009/03/30

حين يضحك التاريخ ويبكي


بمناسبة مرور ست سنوات على الاحتلال ، طالعتنا جريدة الحياة بلقاء مطول وعلى حلقات مع احمد الجلبي ..لما لا .. هو وقت مراجعة لاحداث العراق الجسام .. ويبدو ان الحياة لم تجد افضل من الجلبي ليقوم بهذه المراجعة !! علينا اولا ان نسجل وللامانة التاريخية ان نباح الجلببببي قد خف قياسا للسنوات السابقة .. كيف لا وقد تم استرداد ما ضاع من ورث العائلة الاقطاعية .. يا ملياراتنا !! ولكن الجلبي الذي اعتاد ان يعطي لنفسه اهمية اكبر من حجمه ما زال هو هو لم يتغير .. مسكين هذا القرقوز الذي لم يفهم حتى الان انه لم يكن غير بيدق نبّاح استخدمه السيد الامريكي مرحليا .. من يقول لهذا القرقوز ان قافلة الامبراطورية السارقة لثروات الشعوب تحركها حسابات استراتيجية اكبر حتى من رؤساء امريكا فما بالك بجلبببببببببببببببي لايحسن غير النباح .

ساضع جانبا حجم المعرفة "الهائلة" بالشان العراقي والتي يتمتع بها الصحافي اللبناني الذي اجرى الحوار بحيث يسمع كلمة الرصافة بعد الكرخ ويكتبها " الروسان" !! ولكنني ساتوقف عند جملة الصحافي التي يبرر بها اختيار احمد الجلبي، اذ يقول : "الصحافة لا تبحث عن الابرياء ولا تعيش على قصص القديسين" .. لا فض فوك !! نعم صحافة البترودولار تبحث عن خونة يمثلون اوطانهم لكي يغطون على امراء العار من حكام المحميات النفطية .. نعم صحافة البترودولار لاتبحث عن الابرياء لان هدفها هو ابدال مهنة البحث المتاعب بمهنة البحث عن الفضائح .. من يقول لهذا المسبح بحمد آل سعود ان اقوال المرتزقة والسرسرية (الزعران باللبناني) لا ولن تكون اساسا لكتابة التاريخ .. من يقول لهذا القلم اللبناني المباع ان الناس لا تنتظر معرفة من الاقلام المباعة .. فعندما يباع ويشترى القلم فانه يفقد شرعيته المعرفية.

التاريخ سيضحك حين يسجل ان سقراط دفع حياته ثمنا لترسو مهمة قول الحقائق اليوم عند دكاكين آل سعود الصحفية ! والتاريخ سيضحك حين يسجل ان الجلبي وامثاله من ابناء واحفاد البيوتات الشيعية يتكلمون اليوم بأسم فقراء الشيعة .. نعم التاريخ سيضحك حين يسجل ان احمد الجلبي، حفيد الاقطاعي الذي كانت سياط عبيده الافارقه تبتز جيوب فقراء الشيعة، يتكلم اليوم باسم فقراء الشيعة .. والتاريخ سيضحك حين يسجل ان عادل عبد المهدي المنتفجي الذي كانت سياط سراكيل جده تلسع اظْهُر فقراء الجنوب يتكلم اليوم عن مظلومية الشيعة .. والتاريخ سيضحك باكيا حين يسجل ان الدولة العراقية التي انشئت اول مدرسة في الجبايش عام 1924 (شاكرمصطفى سليم، الجبايش ص. 239) بعد ان الغت مشيخة آل خيون وسياط واستعباد آل خيون للمعدان اصبحت اليوم تنعت بـ "الدولة السنية" من قبل احفاد المعدان !

نعم التاريخ سيضحك حين يسجل ان من ساهم في تكريس مقولة "الدولة السنية" داخل الرؤوس الاسفنجية هو بالذات من يقول لنا اليوم بان شيعة السلطة الحاكمين الان لا يمثلون شيعة العراق كما ان سنة السلطة لم يكونوا يمثلون سنة العراق .. الفهلوي حسن العلوي الذي استخدمه الجلبي ذات حملة نباح مسعورة ضد "الدولة السنية" ايام كان رئيسا لتحرير جريدة المؤتمر الممولة امريكيا انذاك .. العلوي الذي كان عادل عبد المهدي المنتفجي يمول ويطبع كتبه العاوية بمظلومية الشيعة .. هذا العلوي يقول لنا اليوم فقط وبعد خراب البصرة انه يفرق بين شيعة السلطة وبين شيعة العراق كما يفرق بين سنة السلطة وسنة العراق !

هل كنا نحتاج لخراب العراق لكي يتوصل فرسان ثقافة اللطم الى تلك البديهية ؟؟ سؤال رهيب !! لانه سؤال يكشف خواء الثقافة العراقية المتبجحة دائما .. انه سؤال المسافة بين الشعار والمصطلح .. بالاحرى سؤال غياب المسافة بين الشعار والمصطلح في الثقافة العراقية .. سؤال غياب الطرح الاصطلاحي لمفردتي "سنة" و"شيعة" مما فسح المجال اما الاستخدام السياسي الشعاراتي لهما من قبل تجار الجرح و "كهنة" الاحقاد القرووسطوية .. مفردتي السنة والشيعة وخصوصا الاستخدام الشعاراتي لهما هما سلاح دمارنا الشامل .. سلاح دمارنا الذاتي الشامل .. وللعقود القادمة .

عندما يتصدى صحافيون فهلوية كحسن العلوي للتاريخ .. وعندما تسود القراءات الشعرية للتاريخ في الثقافة العراقية .. فالنتيجة دائما قراءات مبتسرة وتسطيحية للماضي .. والقراءات المبتسرة والتسطيحية للماضي هي بالضرورة قراءات قاتلة للحاضر .. من نبوخذ نصر الى السيستاني .."بابل" تُنهب من جديد !

2009/03/16

باي باي لينين


في الاسبوع الماضي تابعت بفضول "عركة" بين شيوعيين عراقيين .. لقد عودتنا حفلات "النقد والنقد الذاتي" الشيوعية التقليدية على تبادل تُهم من نوع الاختلاسات المالية والتصرف الشخصي بالمدخرات الحزبية الى اخره من ثيمات ديالكتيك الدكاكين الحزبية .. وليس جديدا بعد ذلك ان تسمع تُهم التجسس والعمل لصالح المخابرات .. فلا يخلو "نقد ونقد ذاتي" شيوعي من قصص وكلاء الامن والمخابرات .. ولكن ما يثير الانتباه في "عركة" الرفاق الأخيرة هو انها تطرقت هذه المرة علنا لما كان يتداول في السابق في "النشرات الداخلية" للحزب فقط !

عركة الرفاق الأخيرة ككل عراكهم بدأت بالمرور على نضالهم "السلبي" المتشرنق بهالة الرومانسية الثورية .. تلتها انتقالة اجترارية تسجل على الرفيق الخصم تُهم تصريف بالسوق السوداء وفعاليات قجقجية .. ثم بعد ذلك تلميح مستحي الى علاقة جنسية مثلية .. وهنا يرد  "المدعي عليه" في حركة كرشندو دراماتيكية على "رفيقه" السابق في "النضال" بتهمة اغتصاب شقيقته ، وطرده من الحزب الشيوعي بسبب محاول الاعتداء جنسيا على شيخ كردي عجوز كان رفيقا له في موقع ما .. واخيرا بتهمة تهريب الفودكا والمومسات الروسيات !

كما ترون فان امكانيات "حُمر" العراق في "النقد والنقد الذاتي" هائلة .. ومنطقة "ما تحت الحزام" لها اهمية استراتيجية في "الصراع الطبقي" .. فعندما يريد ماركس ابو دشداشة ان يُسكت خصما ما فاسهل اسلحة ديالكتيك الدكاكين هو ان يلصق به تهمة جنسية .. او ما يسمونه جنحة مخله بالشرف.. شيء واحد كان ينقص "عركة" الرفاق الاخيرة وهو شعار : يا سرسرية العالم اتحدوا !

مستوى هذا "النقاش" الغارق بالوضاعة اكد لي من جديد المعادلة الرياضية المعروفة في الاوساط الشيوعية العراقية : شيوعي عراقي زائد شيوعي عراقي يساوي صفر ! اعترف ان مثل هكذا "نقاشات" لا قيمة لها من الناحية الفكرية .. ولكنها تزودنا بمعطيات سوسيولجية عن التركيبة السايكولوجية والاخلاقية لماركس ابو دشداشة .. فأمثال هولاء هم من استحوذوا على الحقل السياسي والفكري الناشئ في نهاية الخمسينيات .. طبقة انصاف المتعلمين الذين ارهقوا العراق بشعاراتهم ومزايداتهم  .. السياسي المحمّل بالضغينة لاينتج الا سلوكيات وضيعة .. فبلا سلوكيات مدنية متحضرة ليس هناك سياسة وحقل سياسي ناضج .. ومن دون حقل سياسي ناضج ليس هناك اوطان .