2010/04/13

الووو موسكو هنا بغداد .. نهاية حزب


الحزب الشيوعي العراقي لم يحصل على اي مقعد في الانتخابات الاخيرة!! هزيمة قاسية لحزب اعتاد ادعاء دور تاريخي اكبر من حجمه.. مقالات شيوعية كثيرة خرجت علينا مؤخرا تبرر هذه النهاية المذلة للحزب الشيوعي.. ومع ذلك لا جديد تحت "السماء الحمراء" .. فكلمات الاقلام الشيوعية تكاد تتشابه: القيادات، القيادات ثم القيادات هي السبب عن هذه النهاية!! 
سهيل سامي نادر مثلا يقول ان "القيادة الشيوعية غامرت بسمعة الحزب واليسار في اشتراكها بلعبة خاسرة" وهي "العملية السياسية التي ادارها بريمر".. من هنا السقوط المذل.. وسلام عبود في مقال "موت الماركسية المبتذلة" لايخرج عن هذا الاطار عندما يقول" لقد أنتجت التجربة الشيوعيّة العراقيّة جيلاً من القادة على درجةٍ عاليةٍ من فقدان السويّة السياسيّة" وهم "شيوعيو العراق ـ جناح بريمر" كما يسميهم .. ويضيف عبود: "لقد ازدادت صورةُ القائد الشيوعيّ تلوّثًا حين وَجدت القواعدُ الحزبيّةُ أمينَ عامٍّ سابقًا كـ [...]، قاد الحزبَ عقودًا، يقدّم أوراقَ اعتماده إلى حاكمٍ محتلّ".

سلام عبود يميز هنا بين القيادات الشيوعية وبين ما يسميه بـ"القواعد الحزبية".. بمعنى ان القواعد الحزبية لم تكن مع الاحتلال.. وهذا كلام غير دقيق.. نعم هناك شيوعيون كافراد رفضوا الاحتلال الامريكي من منطلق وطني.. اما القول بان "القواعد الحزبية" لم تكن مع الاحتلال فهو كلام انشائي.. عبود يتكلم عن "قواعد حزبية" شيوعية ولكنه لايقول لنا اين هي تلك القواعد الحزبية.. لانه لم يفهم بعد ان جزءا كبيرا من تلك "القواعد الحزبية" اصبح اليوم يُنظّم مواكب اللطم ويردد شعارات المظلومية!! من "يا ياعمال العالم اتحدوا" الى "يا شيعة العراق اتحدوا".. الغوغائية واحدة.. ومع ذلك ليس هنا المهم.

القول بان الحزب الشيوعي العراقي سقط لانه تعاون مع الاحتلال الامريكي هو كلام مصاب بقصر نظر تاريخي.. ربما شَكّل تعاون الحزب الشيوعي مع المحتل الامريكي رصاصة الرحمة للحزب.. بعد موته السريري الذي تبع اصطفاف الشيوعيين الى جانب ايران في حربها ضد العراق.. ولكن مسار السقوط ابعد زمنيا.. فالحزب الشيوعي العراقي سقط مبدئيا في بداية العهد الجمهوري عندما كان اول حزب نصب حبال المشانق في مظاهرات الشوارع.. آنذاك كان غوغاء الحزب الشيوعي يرددون "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة".. ووحشية مذبحة كركوك التي ارتكبها الشيوعيون "لم يفعلها لا هولاكو ولا الصهاينة" بتعبير حليفهم عبد الكريم قاسم الذي يسجله حنا بطاطو.

وهذه الحقيقة التاريخية لا يستوعبها الشيوعيون حتى اليوم.. هم ما زالوا مسترخين في محكيتهم عن العنف البعثي في انقلاب 1963 وعن الدكتاتورية البعثية.. متناسين انهم كانوا اسبق في مضمار العنف.. ومتناسين ايضا ان اول شعار دكتاتوري في تاريخ العراق الحديث هو شعار "ماكو زعيم الا كريم".. وهو شعارهم.. ناهيك عن ان كل الاحزاب الشيوعية التي استلمت سلطة في دول اخرى شيدت انظمة دكتاتورية.. شيدت"جمهوريات اسلاك شائكة" بتعبير البير كامو البارع.

من هنا فليس صحيحا ما يقوله سهيل سامي نادر في مقاله من ان " تراث الشيوعيين العراقيين النظري يوازي صفرا".. وهي جملة تعني ضمنيا ان تراثهم العملي باهر.. فعمليا ايضا وفي كل لحظات العراق المصيرية.. من مذابحهم التي حددت عنف العهد الجمهوري.. مرورا باصطفافهم الى جانب ايران في حرب الثمانينات.. وانتهاءا بالتعاون مع الاحتلال الامريكي.. في كل تلك "الامتحانات" الصعبة والمصيرية للعراق حصل الحزب الشيوعي عمليا على صفر.. "سقط" في امتحانات العراق.. اذا نظريا وعمليا كان "تراث" الحزب الشيوعي العراقي صفرا.. رغم ان كلمة "تراث" التي يستخدمها نادر هنا لا معنى لها منطقيا.

هناك جملة للمفكر اليساري
كاستورياديس قالها وصفا لما ألت إليه امور الشيوعيين.. استحضرها لانها جملة تصف ايضا نهاية الحزب الشيوعي "العراقي".. كاستورياديس يقول ان: "الامبراطورية الرومانية في سقوطها تركت خلفها اثار عظيمة.. اما الحركة الشيوعية في سقوطها فقد خلفت نفايات".

2010/03/29

من قال ان القنادر تقتل ؟




في واحد من اسوأ مقالاته، نشرته الـ نيويورك تايمز مؤخرا، ينعت انطوني شديد الثقافة العراقية بـ " ثقافة القندرة " .. وهو تعبير يستعيره شديد من احد أصدقائه العراقيين الذي يقول له : عندما "يتعارك" العراقي مع شخص اخر فهو يقول له "اضربك بالقندرة" او "احط قندرة بحلكك".. من هنا يستنتج انطوني شديد العنف العراقي.

هل يعلم انطوني شديد ان الفرنسي عندما يتعارك يقول لخصمه : " تروح، لو اكسر وجهك" .. وكسر الوجه هو اعنف بكثير من ضرب شخص بالقندرة ..هل يعني هذا التعبير المتداول في الشارع الفرنسي ان الفرنسي عنيف وغير متسامح ؟ وهل يعطينا الحق باستنتاج عنف الثقافة الفرنسية ؟ بالطبع لا، لان تعبير عنيف متداول في ثقافة ما لا ولن يكون معيارا لعنف تلك الثقافة .. ولو اخذنا ما يقوله الناس في الشارع الامريكي او الانكليزي كمعيار للثقافتين .. لحكمنا ايضا ببذاءة وعنف الثقافتين الامريكية والانكليزية .

مقال انطوني شديد يزخر بكليشات اخرى .. ولكنني ساتوقف عند اهمها .. وهي مقولة الحجاج " يا اصحاب الشقاق والنفاق" التي يوردها شديد من اجل اثبات عنف السايكولوجيا العراقية العابر للقرون .. والسؤال هو: هل ما قاله الحجاج سجعا وخطابة يمنح تلك المقولة صفة الحقيقة السوسيولوجية ؟ لنتخيل ان اسم العراق ينتهي بحرف الدال .. لنتصور ان اسم العراق انذاك هو "العراد" .. لوجب على الحجاج عندها قسر المعنى من اجل الشكل الخطابي .. ولقال الحجاج عندها صفات اخرى من مثل يا اهل الشداد والسواد او يا اهل القباد والنباد .. او اي كلمة اخرى تتناسب موسيقيا مع كلمة العراد .. اذا فمعنى الشقاق والنفاق هنا اعتباطي لانه ورد لضرورة سجعية .. من هنا فلا يمكن اعتبار مقولة الحجاج حقيقة سوسيولوجية.

تذمر الحكام من رعيتهم ونعتهم بصفات بذيئة هو شيء شائع .. من علي ابن ابي طالب (ومقولة اشباه الرجال) الى نوري السعيد (ومقولة "السبتتنك").. ومن فيليب لوبيل الى الجنرال ديغول .. كان ولازال تذمر الحاكم يأخذ شكل صفات ونعوت بذيئة بحق اتباعه او رعيته عندما يخذلوه او يشاكسوه .. ومن منظور بنيوي نستطيع ان نقول ان مقولة "الشقاق" للحجاج لاتختلف عن مقول "الجبن" للجنرال ديغول الا اسلوبيا .. لان الجوهر واحد .. البنية واحدة.

معروف عن الجنرال ديغول نفوره من الفرنسيين .. لانه كان "يحب فرنسا اكثر من الفرنسيين" كما هو معروف في فرنسا .. ديغول كان يظن ان الفرنسيين ليسوا بمستوى فكرته عن فرنسا وعظمة فرنسا .. ونفوره يعود في الاصل لفترة الاحتلال الالماني عندما تعاون اغلب الفرنسيين مع المحتل الالماني .. وعندما استلم ديغول الحكم بعد التحرير قام بتغير نظام الجمهورية من برلماني الى رئاسي .. وكان يدعوا لنظام حكم اكثر مركزية يركز السلطات في شخصه .. مما اثار تذمر الفرنسيين الذين اتهموه بالدكتاتورية .. امام هذا التذمر قال ديغول مقولته الشهيرة : كيف تحكم شعب فيه اكثر من ثلاثمئة نوع من الجبن".. بمعنى كيف تحكم شعب بهذا التشرذم والشقاق المناطقي ..هل هذا يجعل من مقولة ديغول حقيقة سوسيولوجية .. بالطبع لا .. مقولة ديغول معروفة في فرنسا ولكن لا احد يأخذها على محمل الجد .. اما عندنا فمقولة الحجاج تجتر منذ قرون وكأنها فتح معرفي.

لنكن واضحين .. الكليشات التي ترد في مقال انطوني شديد هي في الحقيقة اقوال سمعها من عراقيين والادهى من فنانين ومثقفين .. السؤال هو : كيف حصل ان تلك الكليشات الغبية مازالت تُجْتر عندنا وكانها حقائق سوسيولوجية؟ انا شخصيا لا ارى الا سببين .. الاول هو اننا ما زلنا نقرأ ونجتر "صندوق الكليشات الهائل" على الوردي صاحب مقولة الطبيعة العراقية الباثولوجية .. والسبب الثاني هو شيوع الذوقية الخطابية التي انتجت ثقافة الرؤوس الاسفنجية التي لازالت تجتر خطب قرووسطوية فقط لان فيها سجعية مخدرة لتلك الرؤوس التعبانة التي هجرها الحس النقدي .. رؤوس تلتذ بالشعر الكاذب لانه عذب .. "اعذب الشعر اكذبه" كما يقولون !!

فقط هكذا رؤوس تصدق السخافة الفكرية الكامنة في مقولة الحجاج .. وليس هناك سخافة اكبر من سخافة الاعتقاد بوجود سايكولوجية عراقية عابرة للقرون .. لن استعين بـ نوربرت الياس ونظريته عن "مسار الحضارة" لكي اقوي حجتي .. رغم ان الياس هو ضرورة فكرية لثقافة ما زالت تجتر علي الوردي .. ساكتفي بما هو اقل تجريدية .. كل من يعرف العراق المعاصر سيقول لك ان سلوكيات وسايكولوجيا عراقيو السبعينات تختلف عن سلوكيات وسايكولوجيا عراقيو نهاية التسعينات .. اذا فليس هناك سايكولوجية عراقية ثابته وعابرة للقرون .. السؤال الذي يفرض نفسه عندها هو الاتي : ما هو السبب الذي جعل عراقيو السبعينات يختلفون عن عراقيو التسعينات ؟ طرح السؤال بهذه الطريقة يغير افق الاجابة .. يجعلنا نخرج من سجن الخطب المجترة .. ويجبرنا على طرح سؤال الشروط الواجب توفرها لانتاج سايكولوجيا عراقيو السبعينات .. وبنفس الوقت مناقشة الظروف التي انتجت سايكولوجيا عراقيو التسعينات .. وبالتالي تحييد كليشة "السايكولوجيا العراقية العابرة للقرون".

العنف مشترك بشري تعرفه كل الثقافات وهو ليس حصرا بثقافة .. والعنف السياسي في العراق له اسباب جيوسياسية قبل ان تكون ثقافية ..والدولة القوية هي شرط اختفاء الفوضى .. فالدولة في الغرب قامت بفضل العنف المدجن للارادات المتصارعة .. فرنسا لم توحدها فلسفة ديكارت وانما سيوف ملوك فرنسا.. وامريكا لم توحدها افكار توماس جيفرسون وانما مدافع اليانكي .. وبهذا المعنى فان الدولة القادرة على فرض السلم الداخلي هي شرط نشؤ الحضارة والتعامل الحضاري .. الحضارة والتحضر في التعاملات البشرية هي نتاج مسار طويل وليس منحة يتم انزالها بالباراشوتات .. فخلق انسان متحضر يحتاج الى سلم ورفاه وتراكم تربوي.

لا نطلب الكثير .. اعطونا مئة عام سلم وعدم تدخل في شؤونا الداخلية لكي نبني دولتنا .. سنعطيكم عندها انسان "كوووول" رقيق يتعامل معكم بتحضر .. اما اذا "زارتنا" طائراتكم كل عشرين سنة ودمرت تراكم دولتنا الهش وبنانا التحتية .. فسيظل العراقي يستخدم القندرة بوجه من يستحقها !! فالضرب بالقنادر وان كان سلوكا عنيفا يبقى اقل عنفا بكثيييييير من ضرب الشعوب بالقنابل الفسفورية واليورانيوم المخصب .. وجورج بوش يستطيع ان يؤكد لـ انطوني شديد ان القندرة وان كانت مدمرة رمزيا .. لكنها لا تقتل !!

2010/03/15

ماذا لو ظهر المهدي اليوم ؟


الزمان : سنة 1922.. حيث كان العراق تحت الاحتلال البريطاني .. آنذاك كان البريطانيون يتحكمون بالوزارات العراقية من خلال مستشاريهم .. وخلف كل وزير عراقي كان هناك مستشار بريطاني .. المكان : مقهى بغدادي .. شخصان يتجاذبان اطراف الحديث .. الشخص الاول، مدخنا نركيلته، يقول لصاحبه : يقال ان احد الملالي تنبأ بظهور المهدي قريبا .. فيرد عليه الشخص الثاني : وما الفائدة من ذلك؟ المسيح سيظهر عندها وسيعمل مستشارا له !!

وبما ان الترجمة هي دائما خيانة للنص الاصلي .. ساضع هذه الحكاية النكتة بالانكليزي كما ترويها المس بل في احدى رسائلها الى ابيها :


I'll tell you a delicious story. There has been a good deal of chat about the position of advisors. Some of the ministers are merely stop gaps and notoriously incompetent and people not unreasonably complain that the British advisor is the seat of authority. The feeling is embodied in the following coffee shop anecdote

A. loq (over his narghilah) Men say that a certain Mulla has prophesized the immediate coming of the Mahdi
B. (grumpily) What good will that be? Christ will come too and he'll be the Advisor

And the whole town is laughing over it, we and they, in perfect appreciation of the
excellence of the joke

السخرية المتذمرة الموجودة في هذه الحكاية تكشف عن روح نكتة مدهش ..هيهات ان تسمع اليوم مثل تلك السخرية الذكية ..فنحن في زمن مقتدى الصدر .. مقتدى الذي حول سرسرية جيش المهدي الى "ممهدون" .. تصورا، علاسة وصكاكة يمهدون "للمهدي" .. بربكم أي منقذ هذا الذي يمهد له سرسرية ؟ يبدوا ان الناس في "العراق البريطاني" كانوا اذكى من الناس في "العراق الامروايراني" .. لا بل حتى المحتل انذاك كان اذكى .. فانت عندما تقارن كتابات المس بيل واسلوبها بـ كتاب بول بريمر .. ستفهم ان بريمر هو عبارة عن "ثمانين" كيلوغرام من الغباء السياسي !!

السؤال الذي تفرضه النكتة الذكية التي ترويها المس بيل هو التالي : ماذا لو ظهر المهدي اليوم ؟ صحيح ان شخصية المهدي هي شخصية اسطورية ابتدعها وكلاء الغيبة الصغرى من اجل خمط خمس الفقراء كما يقول
الباحث الشيعي احمد الكاتب .. ومع ذلك .. ماذا لو ظهر المهدي اليوم ؟ قليل من الخيال لا يضر !!

لو ظهر المهدي اليوم فانه سينزل "من السماء" بطائرة امريكية في مطار كويتي .. ومن هناك سيركب الدبابة الامريكية معلنا تحرير العراق .. ولو ظهر المهدي اليوم فانه سيستعين بـ نوح فيلدمان كمستشار قانوني من اجل كتابة الدستور .. ولو ظهر المهدي اليوم فانه سيزور البيت الابيض سرا مدعيا انه ذهب الى واشنطن من اجل اجراء عملية الجيوب الانفية !! وافراد حمايته سيكونون من البلاكووتر !! نعم، لو ظهر المهدي اليوم فانه سيشتري فيلا في لندن !!

2010/02/28

المجد للفساد !!


مارتن لوثر كان يقول : "ان تكون حاكما من دون ان تكون فاسدا هو شيء شبه مستحيل" .. كل الايديولوجيات ذات الشعارات الوردية اختبرت هذه الحقيقة المرة .. الضحية ما ان يستلم سلطة حتى يتحول الى جلاد .. الثائر ما ان يقوم بالثورة حتى يتحول الى مجرم .. المبدأ الانيق ما ان يستلم سلطة حتى يتحول الى لغة خشبية.. باختصار للسلطة ضريبتها.. وافضل واسرع وسيلة لتحييد الشعارات هو ان يواجه الشعار اختبار السلطة.

الاسلامجية الشيعة يختبرون السلطة منذ سبع سنوات .. وانت عندما تستمع اليوم الى ما يقال في اوساط الشيعة ..عندما تصغي لنبرة الخطاب .. وخصوصا عندما تقارن كل ذلك مع "خطب" ونبرة ما كان يقال قبل سبع سنوات .. ستعرف ان الاسلامجية الشيعة بدءوا يدفعون ضريبة السلطة.. هناك تقديرات تقول ان اعدادا كبيرة من الشيعة سوف لن تشارك في الانتخابات القادمة .. لماذا ؟ لانهم انتظروا خلال سبع عجاف سقوط الخير ولكنها امطرت لصوص وسرسرية .. ورجال الدين الشيعة وعبر شبكات "خمط" الخمس يعرفون جيدا مستوى التذمر في اوساط الشيعة .. وهم لذلك يخشون مقاطعة الانتخابات .. من هنا تصريحات ممثل السيستاني عبد المهدي الكربلائي يوم امس حين قال ان «سماحة المرجع حذر من عدم المشاركة وعزوف المواطن عن الانتخابات".

وحجة المرجعية في حث الشيعة على عدم المقاطعة بحسب الكربلائي هو ان " عدم المشاركة وعزوف المواطن عن الانتخابات سيمنح الفرصة للآخرين ممن يرفضون الأسلوب الديموقراطي في انتقال السلطة وادارة شؤون البلاد، ويتخذون العنف والاساليب غير المشروعة وسيلة لتغيير الواقع والوصول الى الحكم وفرض نهجهم على الآخرين".. وعندما تقرأ هذه اللغة الخشبية فعليك ان تضع مفردة البعثيين بدل مفردة "الاخرين".. واستخدام المرجعية للسعلوة البعثية يتناغم ويسند موقف الاحزاب الشيعية التي حركت مؤخرا الفزاعة البعثية لكي تخيف من يفكرون بعدم المشاركة بالانتخابات .. وعندما يقول عبد المهدي الكربلائي في نفس الخطبة ان «المرجعية لا تتبنى او تدعم اي قائمة" فهو يكذب وبالتقية المعهودة.. لان موقف المرجعية هذا هو دعم للاحزاب الشيعية التي توظف الفزاعة البعثية كبرنامج انتخابي وحيد.

ان لاتجد "المرجعية" من سبب لحث الشيعة على المشاركة في الانتخابات غير "السعلوة البعثية" هو دليل فشل واضح .. ان لا تجد المرجعية في سنوات الحكم الشيعي شيء ايجابي واحد تقنع فيه الشيعة بالمشاركة هو وثيقة افلاس دامغة لشعارات الاسلامجية الشيعة .. ان لا تجد المرجعية الشيعية غير الخطاب الضدي المؤجج لمخاوف الشيعة من السني "الخاتل" تحت سعلوة البعثي هو تأكيد لافتقار النخب الشيعية لاي برنامج سياسي .. فهذه الضدية ان دلت على شيء فهي تدل على انهم في السلطة ليس "من اجل شيء" وانما "ضد شيء" .. هم في السلطة لا لكي ينفذوا برنامج اقتصادي واجتماعي يدير دولة .. وهو المعيار الذي يحكم الناس في الديمقراطيات من خلاله على مرشحيهم ..لا، هم في السلطة فقط لكي يكونوا " ضد البعثيين" .. وعندما نفهم ان الضدية هي "برنامج" من لايملك برنامج سياسي .. عندها سنفهم انهم يستخدمون السعلوة البعثية لكي يغطون على غياب برنامجهم .

رهان الاسلامجية الشيعة على الضدية هو رهان خاسر .. لماذا ؟ لان التاريخ يقول لنا ان البشر اكلي خبز قبل كل شيء .. الناس قد تصدقك شعاراتك لبعض الوقت ولكنهم لن يصدقوك كل الوقت طالما ان الشعارات "ما توكل خبز" .. قد تستطيع استخدام السعلوة البعثية لاخافة بعض الشيعة كل الوقت.. ولكنك لن تستطيع استخدام السعلوة البعثية لاخافة كل الشيعة كل الوقت .. قدر الزعاطيط ان يكبروا ويفهموا سذاجتهم الاولى .. وقدر السعلوة ان تتحول الى "فلكلور" مضحك لا يخيف.. الزمن كفيل بتحييد الشعارات.. وواقع السلطة قاتل للشعارات.

قبل ثلاثة اسابيع وبمناسبة احتفال إيران بالذكرى الحادية والثلاثين للثورة، قال زعيم المعارضة مير حسين موسوي أن «الثورة الايرانية لم تحقق أهدافها»، واضاف ان «الديكتاتورية السائدة في حقبة الشاه، ما زالت موجودة»، محذرا من ان «الديكتاتورية باسم الدين انما هي اسوأ الديكتاتوريات" .. موسوي الذي كان رئيس وزراء خميني يعي اليوم فقط حدود الشعارات امام اختبار السلطة.

رجل الدين في السلطة هو أفضل دعاية ضد دين ما .. نيتشه يقول ان ماكيافلي كان يفسر نفور وارتياب الايطاليين من رجال الدين بسبب ان الكنسية الكاثوليكية كانت على ارضهم وقريبة منهم .. وهم لذلك يعرفون سلوكيات رجال الدين الفاسدة اكثر من غيرهم .. ونيتشه يضيف مقارنا ان كثير من الفلاسفة والمثقفين الالمان كانوا من بيوت دينية وشاهدوا كيف يتصرف القس او الكاهن عن قرب وفقدوا بسبب ذلك ايمانهم.

نفس الشيء حدث في العراق في النصف الاول من القرن الماضي .. وحنا بطاطو يسجل ان كثير من اليساريين العراقيين ينحدرون من عوائل دينية .. وخصوصا الشيوعيين .. والنموذج الاوضح هو الجواهري .. الجواهري هو من عائلة دينية لها تاريخ حافل بـ " خمط الخمس" .. والجواهري كان طالبا في الحوزة النجفية في بداية القرن الماضي .. وهو بهذا المعنى يعرف المستور افضل من غيره .. وقصيدته "الرجعيون" هي وصف صارخ لفساد رجال الدين الشيعة انذاك .. لن نفهم تجربة الاحزاب العبرطائفية العلمانية انذاك ما لم نستوعب ذلك.

باختصار ..التاريخ لن ينتهي في عطلة نهاية الاسبوع القادم .. وللسلطة ضريبتها كما يقول مارتن لوثر .. والاسلامجية الشيعة خلال سبع سنوات في السلطة قد وصلوا بالفساد الى قمم لم يسبقهم اليها احد .. وعاجلا ام اجلا سيدفع رجال الدين ضريبة فسادهم .. فمجدا للفساد الفاضح لرجال الدين المتاجرين باحقاد القرون الوسطى!! مجدا للفساد الفاضح لقوادي الدين!!

2010/02/17

امنحوهم اربع سنوات اخرى

لو كنت ممن ينذرون النذور .. لنذرت نذرا عظيما لكي يفوز الاسلامجية الشيعة بالانتخابات القادمة .. نعم انا اتمنى من كل قلبي ان يفوز الاسلامجية الشيعة.. امنحي ايتها الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى للسيستاني .. اربع سنوات اخرى فقط .. لا اطلب اكثر من ذلك .. اعرف ان الضرر الذي لحق بالعراق بسبب الاسلامجية الشيعة هائل .. واعرف ان الثمن الذي سيدفعه العراق جراء بقائهم في السلطة اربع سنوات اخرى سيكون كبير .. ولكن يبدوا ان الثمن على قدر الغباء السائد.

بقاء الاسلامجية الشيعة اربع سنوات اخرى .. سيعني حتميا اربع سنوات فساد .. واربع سنوات فساد اخرى تعني سقوط نهائي لكل شعارتهم .. وبالتالي انتفاء قدرتهم على الشحن الطائفي .. وهنا يكمن شرط ظهور احزاب وطنية عابرة للطوائف .. لن يكون هناك احزاب وطنية "عبرطائفية" علمانية في العراق ما لم يفشل خطاب الاسلامجية الشيعة فشلا ذريعا .. ولن يكون هناك فشل ذريع من دون سنوات فساد اخرى .

بعض التحليلات ترجح خسارة الاسلامجية في الانتخابات القادمة .. ونفس التقديرات التي تتنبأ بخسار الاحزاب الشيعية تقول ايضا ان القائمة العراقية ستكون الرابح الاكبر.. لذلك فان ايران قد نصحت الاسلامجية الشيعة باعادة استخدام السياسة الضدية من جديد .. من هنا الفزاعة البعثية اليوم .. فالضدية هي "برنامج" من لا يمتلكون برنامج سياسي .. انا اعتقد ان أي فوز لعلمانية "النص ردن" التي يمثلها علاوي سيكون بمثابة "استراحة محارب" للاسلامجية الشيعة .. اي فوز لقائمة علاوي في هذا التوقيت سيكون مظلة انقاذ للاسلامجية الشيعة .. ومصلحة العراق تقتضي سقوطهم سقوط حر.. واربع سنوات اخرى ستساهم في ذلك.

لك ان تجند كل الائمة والقديسين .. لك ان تجتر ليل نهار خطب وخطابات نهج البلاغة.. لك ان تدعي انك من "فروخ النبي" .. ولك ان تدعي انك تملك وكالة مفاتيح الجنة ودكاكين صكوك الغفران .. ولك بعد هذا وذاك ان تستخدم الفزاعة البعثية لكي ترتجف الاصابع البنفسجية من جديد وتنتخبك .. لك كل هذا .. ولكن بما انك فاسد .. بما انك في الواقع حرامي .. فان الناس لن تصدقك .. طالما انك حرامي وفاسد ومن العيار الثقيل .. فان خطابك مصاب بمرض فقدان القدرة على الاقناع.

في السابق كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي في دولة يحكمها السنة .. اليوم وبعد سبعة سنوات فساد ما عاد الفقير الشيعي يصدق تلك الحجة .. الشيعي فهم اخيرا .. ومتأخرا جدا.. ان حكومة من نفس مذهبه ليست بالضرورة حكومة "المعذبين في الارض" كما وعدته الشعارات .. وكثير من الشيعة يقبلون اليوم حقيقة ان الحكومة الشيعية الحالية هي افسد حكومة عرفها تاريخ العراقي المعاصر.. وهذا ورب الكعبة انجاز تاريخي .

نعم ان يفهم الشيعي .. ولو بعد خراب البصرة .. ان حكومة من نفس طائفته لا تعني بالضرورة حكومة ملائكة .. هو انجاز تاريخي .. ان يعي الفقير الشيعي ان فقره السابق لم يكن بسبب كون الحاكم سني .. هو تفكيك لـِ عقدة الضحية الالفية المكونة للسايكولوجيا الشيعية الباثولوجية .. وان يشاهد الفقير الشيعي "فروخ النبي" في دور اللصوص طوال اربع سنوات اخرى قادمة .. فذلك سيشكل ضربة قاصمة لمحكية المظلومية التي قتلت العراق .. فامنحيهم ايتها الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى !

2010/01/31

السنة و الشيعة .. بين شمولية المفردات وتشظي الواقع


سنة العراق يفشلون في التكتل لخوض الانتخابات .. هذا هو عنوان احدى المقالات التي قرأتها مؤخرا ..في هذا المقال هناك قراءتين حول سبب فشل السنة في التكتل لخوض الانتخابات .. الاولى لـ رايدار فيسر الباحث المتخصص في الشؤون العراقية والذي يقول لنا ان السنة "فعلوا ذلك لانهم يعتقدون ان هذه الاستراتيجية سيكون لها صدى لدى الناخبين وعلى هذا تمنحهم أصواتا أكثر من استراتيجية قائمة على الطائفية" .. اما القراءة الثانية فهي لـ جوست هيلترمان من المجموعة الدولية لمعالجة الازمات الذي يقول لنا ان "المسألة لا تتمثل في أن السياسيين من العرب السنة قرروا عدم تشكيل تحالف موحد لكن المسألة هي أنهم لا يستطيعون ان يتخذوا قرارا مشتركا بشأن أي شيء".

قراءة رايدر فيسر المنفعية تتضمن قبول بمسلمة شائعة في الدراسات التي تتطرق للعراق .. وهي ان السنة يشكلون مجموعة متجانسة مذهبيا .. وبالتالي يمتلكون رؤيا سياسية تحتم سلوكية سياسية مشتركة .. قراءة هيلترمان على العكس تؤكد ان السنة رغم "انتمائهم المذهبي" ليسوا على وفاق سياسيا مما يجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارا مشتركا.. ولكن هيلترمان ينطلق هنا من منظور تقني بحت .. اي انه يريد ان يقول لنا ان هناك خلاف بين الشخصيات السياسية السنية مما ينتج عدم اتفاق فيما بينهم .. اي انه يقبل ضمنيا بوجود مجموعة سنية متجانسة تحت طبقة الساسة السنة.

ما يعاب على قراءات "خبراء الشأن العراقي" هو انها تتخذ مفردات "سنة" و"شيعة" كمسلمات .. مفردات السنة والشيعة في تلك القراءات هي انعكاس امين للواقع ولا يمكن التشكيك بها .. ما تتجاهله تلك القراءات هو ان مفردات سنة وشيعة هي ادوات في الصراع السياسي .. وفرض تلك المفردات وبالتالي التصورات التي تتضمن هو ليس معطى طبيعي .. ولكنه توظيف ايديولجي ضمن مسار صراع سياسي .. تلك المفردات هي اسلحة في معركة سياسية.. من هنا لا يجوز للباحث ان يقبلها كتحصيل حاصل.

ان تقول لفقير من مدينة الثورة "انت فقير لان الحكومة فاسدة" هو شيء .. ولكن ان تقول له : "انت فقير لانك شيعي محكوم من حكومة سنية" ..فهو شيء اخر مختلف تماما يفرض تصورات اخرى ..تصورات تقتل العراق اليوم تحت شعار المظلومية .. من هنا فالباحث الاكاديمي مطالب بالارتفاع من المستوى التسجيلي الاولي الى المستوى التحليلي المفكك .. والا فما معنى لقب باحث اكاديمي اذا لم يقم ذلك الباحث بنقل المفردات من الاستخدام السياسي الايديولوجي الى الاستخدام الاصطلاحي العلمي؟

لو كنت "خبيرا بالشأن العراقي" وجاءني صحافي حاملا كليشة : "سنة العراق يفشلون في التكتل لخوض الانتخابات القادمة ، فما هو رأيك بذلك ؟ " .. فسوف ارُد على هذا الصحفي : ومتى نجح السنة في التكتل سياسيا سابقا ؟؟ خذ كل تاريخ العراق المعاصر .. وقل لي متى كان السنة كتلة سياسية واحدة ؟ الدولة العراقية الحديثة ولدت بسبب وقوف قيادات سنية ضد الدولة العثمانية السنية .. انقلاب حركة مايس قام به ضباط "سنة" ضد نظام ملكي يُنعت بالسني من قبل ثقافة اللطم .. انقلاب تموز قام به ضباط اغلبيتهم "سنة" ضد نظام ملكي يُنعت بالسني من قبل ثقافة اللطم .. وحنا بطاطو يقول لنا ان اغلب الشيوعيين الذين قاوموا انقلاب 1963 في بغداد كانوا من السنة .. وهو الانقلاب الذي ينعت بالسني من قبل ثقافة اللطم .. وكثير من "السنة" عارضوا نظام صدام حسين الذي ينعت بالسني .. ما يعني ان "السنة" وخلافا للطرح الشمولي لمفردة السنة لم يكونوا في يوما ما كتلة سياسية واحدة .. وجود حاكم من نفس طائفته لم يمنع "السني" من معارضة ذلك الحاكم .. بتعبير اخر، ان "انتماء" السني المذهبي لم يحتم عليه ولاء سياسيا.

نعم هناك سنة في العراق .. ولكن تاريخ العراق المعاصر يقول لنا انهم لم يشكلوا يوما كتلة سياسية واحدة .. الانتماء المذهبي السني لم يحتم لا ايديولجيا ولا رؤيا ولا سلوكية سياسية مشتركة .. لقد كان فيهم القومي والشيوعي والبعثي والليبرالي والملحد الخ .. وهم قد تقاتلوا ايديولوجيا حد الدم .. بتعبير اخر، نعم هناك سنة وشيعة في العراق .. ولكنهم في الواقع ليسوا كما تقدمهم شمولية المفردات .. وهذا الشيء ينطبق على العراقيين الشيعة .. اقول "العراقيين" الشيعة وليس "الشيعة" العراقيين!! لان هذا الصنف الاخير من الشيعة والذين يقدمون ولاءهم المذهبي على عراقيتهم .. حاولوا ومنذ عقود تسييس "المقدس" الشيعي من اجل فرض الولاء المذهبي كأساس للعمل السياسي .. من هنا اصرارها على فرض قراءة مذهبية للتاريخ العراقي المعاصر من خلال طرح شمولي لمفردات شيعة وسنة .. وخطاب المظلومية الشيعية الضدي هو جوهر هذا الطرح .

السنوات الاخيرة اثبتت بوضوح قاتل ان شمولية مفردة "الشيعة" ليس لها وجود على ارض الواقع .. سبع سنوات كانت كافية لتفتيت شعار "البيت الشيعي" الى "مشتملات" متصارعة .. الشيعة في المفردة السياسية شيء وعلى الواقع شيء اخر .. الشيعة في المفردة مجموعة متجانسة مذهبيا وبالتالي سياسيا .. ولكن الشيعة على الواقع احزاب وتيارات وخلافات وصراعات تصل حد القتل والحرق .. باختصار، لمفردة "الشيعة" شمولية ليس لها وجود في الواقع المتشظي .. وهذا ثابت سوسيولوجي تاريخي .. وفشل "السنة" في التكتل لخوض الانتخابات ما هو الا تأكيد لهذا الثابت السوسيولوجي التاريخي .. السنة كمفردة شاملة لا يشبهون السنة كواقع.


وعود على بدء.. ربما "ان غياب صوت متجانس للعرب السنة في الانتخابات القادمة قد يكلفهم الكثير على الصعيد السياسي" كما يقول جوست هيلترمان في نفس المقال .. ولكن ما لا يراه هيلترمان هو حجم الخسارة التي اصابت الاحزاب الشيعية التي اصطفت طائفيا .. فالسياسة قبل ان تكون مغانم مادية هي رمزية .. وكل مغانم الارض المادية لن تفيد حين تخسر رمزيا .. وما فتت وسيفتت طروحات الاحزاب الطائفية الشيعية هو سقوط تصوراتهم رمزيا .. نعم السياسة رمز قبل كل شيء .. من هنا فما يعتبر خسارة سياسية للسنة على المدى القريب .. هو انتصار للعراق على المدى البعيد .

هناك في قرية نائية في العمارة .. زارها مؤخرا الصحافي انطوني شديد .. شاب اسمه صدام .. صدام هذا زار النجف مؤخرا .. وهو ببساطة ابن الريف يقول لانطوني شديد "انها مدينة جميلة .. وشوارعها مبلطة .. ولكنه يضيف بتذمر المحروم "وماذا عنا نحن ؟" .. اي متى سيلتفتون الينا .. اما شيخ القرية فيقول " الا نستحق مدرسة ؟" .. هل ترون ما ارى ؟ بالامس كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي تعيش في دولة سنية .. ترى ماذا سيقولون لهم بعد اليوم !!

2010/01/16

عاشوراء .. انقلاب الدجل على الدجال


يبدوا ان ايران دخلت في الاسابيع الاخيرة وبالتحديد منذ احداث عاشوراء الاخيرة مرحلة سياسية جديدة .. اذا لم يعد غضب المتظاهرين وشعاراتهم تنصب على احمدي نجاد والانتخابات المزورة .. نقمة المتظاهرين اليوم توجّه الى خامنئي او "بينوشيه ايران" كما تسميه احدى الشعارات ..الشعار الاشهر اليوم في الشارع الايراني هو: "خامنئي قاتله ولايته باطلة" .. وقمع السلطة قد زاد من الطين بله .. هناك صور كثيرة للقمع الذي تعرض له المتظاهرون موخرا ولكن واحدة من ابشع الصور التي شاهدتها عن تلك الاحداث هي سيارة سلطة تحاول تخويف المتظاهرين من خلال الحركة بسرعة في كل الاتجاهات فتنتهي بسحق متظاهرا (او متظاهرة؟؟) تحت عجلاتها.

ما يستوقفني في هذه الاحداث هي مسألة التظاهر في عاشوراء .. وبالتحديد خطاب السلطات الايرانية ردا على ما سمته "الاستخدام السياسي" لمناسبة دينية مقدسة.. الحرس الثوري طالب بـ "معاقبة من يقفون وراء الإهانة الرهيبة التي لحقت بعاشوراء"..ممثل علي خامنئي قال "ان زعماء المعارضة اعداء الله ويستحقون الاعدام".. وكالة انباء فارس شبه الرسمية قالت ان المحتجين أهانوا يوم عاشوراء .. وبعض المحافظين نعت المتظاهرين بالغوغاء.

كما ترون فأن عاشوراء عندما توظف سياسيا من قبل شيعة ضد سلطة شيعية فهي تعتبر "اهانة رهيبة" للمناسبة الدينية "المقدسة".. ولكنها عندما تستخدم من قبل شيعة ضد سلطة غير شيعية فهي تعتبر عملا بطوليا ..عاشوراء عندما يستخدمها ايرانيون ضد الحكومة الايرانية هي غوغائية وخيانة لمناسبة "مقدسة" وعقوبتها الموت .. اما عندما يستخدمها الشيعة ضد حكومة عراقية فهم مجاهدون وحلفاء تتم استضافتهم ومدهم بالمال والسلاح من اجل إضعاف الدولة العراقية .. الاستخدام السياسي لعاشوراء في ايران"خامنئي" حرامس" .. اما الاستخدام السياسي لعاشوراء في دولة غير شيعية فهو "حلالس" !!

هذا الحدث مهم لانه يفيدنا في اعادة قراءة للتاريخ العراقي المعاصر.. لانه يفضح خطاب الاسلامجية الشيعة في العراق .. فهولاء قد استخدموا سابقا المناسبات الدينية وخصوصا عاشوراء في الصراع مع السلطة وبالتحديد في عامي 1974 و1977 .. وعندما جابهتهم السلطة قالوا طائفية .. المثال الايراني اليوم يكذب تلك المحكية اللطمية .. المثال الايراني اليوم يقول لنا ان منطق السلطة لا يفرق مذهبيا بين من يهدده.. والسلطة العراقية انذاك لم تتحرك بوجه الاسلامجية الشيعة من منطلق طائفي.

لقد استخدم الاسلامجية الشيعة عاشورا من اجل اغراض سياسية في عراق السبعينات.. كانوا يريدون تسييس "المقدس" الشيعي لانهم كانوا يريدون تأجيج الصراع الطائفي في العراق.. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي.. لقد تطرقت لـهذه الاحداث بتفصيل اكبر في مقال سابق كان ردا على رسالة احمد الكاتب الى السيستاني .. واحمد الكاتب هو واحد ممن عايشوا تلك الاحداث.. احمد الكاتب نشر مقالتي تلك في موقعه الشخصي من دون ان يرد عليها .. وكما يقال السكوت علامة الرضا.

رجال الدين الشيعة اليوم يحكمون في العراق كما في ايران .. وفي كلا البلدين تم قمع متظاهرين شيعة استخدموا مناسبة عاشوراء لأغراض سياسية .. حكومة المالكي قمعت جماعة الصرخي قبل سنتين .. وحكومة ولاية الفقيه في ايران قمعت قبل اسبوعين جماعة كروبي وحسين موسوي .. مهدي كروبي ذكّر قبل ايام بالاحتجاجات التي نظمها رجال الدين في عاشوراء عام 1963 في عهد الشاه .. وهو قد اعترف ان الشاه كان اقل عنفا تجاه المتظاهرين آنذاك من حكومة ولاية الفقيه الحالية .. باختصار، الملا عاري.

كل يوم اخر للاسلامجية الشيعة في السلطة هو خطوة باتجاه الخروج من الفهم الخزعبلاتي لمفهوم السلطة .. كل يوم اخر هو ضربة للمنظور الاسكاتولوجي الشيعي للعالم .. كل يوم اخر هو انتصار لتشريح ماكيافلي الواقعي للبشر والسياسة على هلاميات نهج البلاغة .. كل يوم اخر في السلطة هو عدد اقل من "شاربي الشاي" الجالسين في مقاهي يغطيها غبار معارك الجمل .. كل يوم اخر هي "توبة" اخرى غير مقبولة لأصبع بنفسجي أمام "ضريح" العراق .