2012/05/20

الصراع من منظور سوسيولوجي .. استكان شاي مع جورج سيمل


في مقال عنوانه "مرجعية الأعيان ومرجعية المعدان" يقول عدنان طعمة الشطري ما معناه ان عراق ما بعد صدام حسين قد شهد ترسيخ نظام طبقي في السلطة بين الشيعة حيث يسيطر "السادة" على مقاليد الحوزة والدولة مع منح بعض المناصب الشكلية لبعض الساسة المنحدرين من اصول شروكية.. مقال الشطري هذا هو رد غير مباشر ومستحي على مقال اسبق نشرته الـ ميدل ايست أونلاين لـ نبراس الكاظمي عنوانه "الشوفينية الشيعية المستحدثة" .. يقول فيه الكاظمي ان هناك صراع شيعي- شيعي، بين شيعة النجف وكربلاء وبغداد وشيعة العمارة والناصرية والكوت، "وهو صراع سلطوي على المال والقوة، بعضه ظاهر الآن، وبعضه مؤجل الى حين حسم المعركة مع السنة والاكراد. والكاظمي يضيف بأن الغلبة قد آلت مسبقا الى من ينتسب الى العمارة والناصرية والكوت، فأصبحت المراكز التنفيذية والامنية العليا في الدولة مصبوغة بألقابهم العشائرية (الساعدي، البهادلي، الاسدي، السوداني، …إلخ).


كما ترون فأن الكُتّاب الشيعة يستيقضون اليوم فقط على واقع الصراع بين الشيعة.. منهم من ينتقد السادة وابناء البيوتات ويتهمهم بتهميش الشروكية.. ومنهم من ينتقد شوفينية الشروكية ويتهمهم بالسيطرة على المراكز الحساسة في الدولة.. ولكن كتابنا الشيعة ما ان يقرّوا بهذا الصراع الشيعي الشيعي ..حتى يعودوا الى تفسيره من منظور قيَّمي اخلاقوي يستند الى ثنائية الخير والشر.. في حين ان هناك امكانية لتفسير هذا الصراع من منظور سوسيولوجي تاريخي مُحيّد اولا لما يسميه نيتشة بـ"اخلاقيات الضغينة" التي تنتجها ثنائية الخير والشر الاخلاقوية.. ويساعدنا بالتالي على الخروج من صراع صريفة بني ساعدة الذي ما زال يمعن في قتلنا.

الشطري الذي يوقع مقاله بـتعبير "كاتب علماني" يرى ان تحرير المعدان من استعباد السادة سيتم "بالاعتماد على منهجية كتاب فاطمة، رمز الحكمة العظيمة".. فهل نستغرب بعد ذلك ان علمانية النص ردن هذه تقول لنا ان هناك تشيع جنوبي نقي وتشيع "نجفي" فاسد وعنصري.. باختصار..لا جديد..هناك دائما عقلية ضغائنية تنظر للعالم من منظور الخير والشر الاخلاقوي.. ما يتغير في منطق الشطري هو ان عقدة الضحية تتحول من بعدها المذهبي الى بعدها المناطقي.. من الضدية المذهبية الى الضدية المناطقية.. اما نبراس الكاظمي فهو يقول لنا في بداية مقاله ان الصراع اليوم بين الشيعة هو صراع نفوذ وسلطة.. ولكنه يعود في نهاية مقاله الى المنظور الاخلاقوي ويتكلم عن زمن سحري ولى حيث النقاوة الشيعية وعن "جوهر التشيع ووجدانيته" وعن اجيال شيعية "لم يكن التشيع بالنسبة لهم صراعا سلطويا بين عوائل وعشائر على المال والفيء، بل كان التشيع الذي احبوه هو من اجل نصرة المظلوم " الى اخره من اسطوانة المحكية الشيعية الرسمية التي تخفي مطامعها السياسية تحت غطاء الشعارات الاخلاقوية وهي في ذلك لاتختلف عن الايديولوجيات الاخرى.

ليس غريبا ان الكاظمي الذي يتطرق للفرق الشيعية عبر التاريخ ( الكيسانية، والاسماعيلية، الفاطمية، وحركة حسن الصبّاح، والقرامطة، والنّصيرية، الخرميّة والقزلباشية والكاكية).. يمر مرور الكرام على هذا الموضوع ولايطرح سؤال "لماذا كل هذا التشظي الشيعي تاريخيا".. فخمس دقائق تحليل لهذه الفرق سيظهر لنا ان الصراع بين الفرق الشيعية هو ثابت تاريخي.. حيث "افترقت الزيدية فرقا والإمامية فرقا والغلاة فرقا؛ كل فرقة منها تكفر سائرها" كما يقول عبد القاهر البغدادي في كتابة "الفَرْق بين الفِرق".. والصراع على النفوذ والسلطة كان هو المحرك الاساسي وراء التشظي الشيعي.

 والشيعة في هذا لايختلفون عن كثير من الحركات الدينية التي انشقت عن ديانات اغلبية.. فمثل هذا الصراع نجده داخل الحركة البروتستانتية.. فما ان انفصل البروتستانت عن الكنيسة الكاثوليكية حتى شبت الخلافات بين البروتستانت ونتج عن ذلك فرق متصارعة فيما بينها على النفوذ والسلطة.. وهذا ما يسجله عالم الاجتماع الالماني جورج سيمل في كتابه البارع "الصراع".. وكتاب سيمل هذا الذي يبرهن فيه ان الصراع ثابت بشري وليس محصورا بثقافة معينة ينفع كمضاد حيوي ضد فيروسات وسخافات علي الوردي الذي اشاع بين انصاف المتعلمين كليشة ازدواجية الشخصية العراقية وعنفها. 

باختصار.. الصراع الشيعي الشيعي هو ثابت تاريخي  والغلو الشيعي او"الشوفينية الشيعية" ليست شيئا مستحدثا كما يعتقد الكاظمي..انها قديمة قدم اخلاقيات الضغينة والكراهية التي انتجها الصراع على السلطة في صدر الاسلام .. فالكاظمي ينسى او يتناسى ان العقيدة الشيعية انتجها الصراع على السلطة، الصراع على الخلافة.. وبهذا المعنى فان هاجس السلطة هو في جوهر العقيدة الشيعية.. وهي عقيدة خسرت في امتحان التاريخ فراحت تسكن العوالم الخلفية معتاشة على اخلاقيات الضغينة والكراهية التي تعتقد بان هناك خير ونقاء في جانبها وشر وفساد في الجانب الاخر وهو اعتقاد يكذبه فساد وصراع الشيعة اليوم.

عالم الاجتماع الايطالي باريتو يقول:" تتغير الانظمة ولكن جوهر السياسة وهو الصراع على السلطة والنفوذ يبقى ثابت تاريخي".. ومقولة باريتو هذه يختصرها جوليان فروند بـ مقولته البارعة :"هناك ثورات سياسية، ولكن ليس هناك "ثورات" في السياسة".. بمعنى ليس هناك من جديد في السياسة لأن الصراع على السلطة هو الشيء الوحيد الذي لايتغير في حقل السياسة.. فالصراع على السلطة حصل ويحصل حتى بين ابناء العائلة الواحدة.. والتاريخ العالمي مليء بشواهد على هذا الصراع العائلي على السلطة.. بمعنى ان على الشيعة ان يكفوا عن الفهم القيّمي للتاريخ.. ويحاولوا ان يفهموا ان الصراع على السلطة في صدر الاسلام كان حاصلا لا محالة.. ولو لم يكن هناك امويين مقابل الهاشميين.. لتصارع الهاشميين فيما بينهم كما حدث في بداية العصر العباسي.. حين نكّل العباسيون ببعض العلويين تنكيلا لم يسبق له مثيل.. من هنا المقولة التي تروى عن من يسمى بـ محمد "ذي النفس الزكية": "لقد كنا نقمنا على بني امية ما نقمنا، فما بنو العباس الا اقل خوفا لله منهم، فلقد كان "للامويين" اخلاق ومكارم وفواضل ليست لابي جعفر".. ولسان حاله يردد قول ابو العطاء الشاعر :

يا ليت جور بني مروان عاد لنا     يا ليت عدل بني العباس في النار

  وبنفس المعنى، لو لم يكن هناك عباسيين مقابل العلويين.. لتصارع العلويين فيما بينهم على السلطة كما يتصارع الشيعة اليوم في ما بينهم.. فمتى سيخرج الشيعة من الفهم السحري للتاريخ ومن النظرة القيمية وبالتالي من اخلاقيات الضغينةّ !!

2012/04/29

عن اساليب واكاذيب "روميو" الشيعي

"وسام قد قتل. انتظروا دوركم. واذا كنتم تريدون الحفاظ على حياتكم غادروا السعدية".. هذه هي الرسالة التي استلمتها عائلة وسام الكردية التي تعيش في مدينة السعدية في محافظة ديالى من العصابات الشيعية التي قتلت وقطعت جثة وسام .. حدث هذا بعد الخلافات الاخيرة بين الاحزاب الشيعية و"حكومة" كردستان.. ويقولون لك ديمقراطية !!

نحن هنا امام ديمقراطية فريدة من نوعها.. فانت صديق طالما انك تتفق مع الاحزاب الشيعية ولكن ما ان تخالف املاءاتها فانت عدو.. وبالتالي فأن مصيرك هو القتل والتهجير..فما ان اختلف الاكراد مع "الديمقراطية" الشيعية هذه حتى بدأت القنابل تمطر على  مقرات الاحزاب الكردية في بغداد.. وبدءت عمليات التهجير الاثني.. وهذه الطبيعة العصاباتية الانتقامية هي اهم سمات الديمقراطية الشيعية.. ديمقراطية بالمعنى الافلاطوني للكلمة.. اي حكم الغوغاء..حيث يسود قانون الغلبة .. قانون العدد ..قانون استعراض العضلات .. وهذه الطبيعة الغوغائية الاستعراضية كانت ولاتزال السبب الرئيسي في ما حل ويحل بالعراق منذ ٢٠٠٣.  

ولفهم الطبيعة الغوغائية الاستعراضية للديمقراطية الشيعية..عليك ان تفهم قول خطير للسيستاني اوردته مؤخرا وكالة الاسوشيتد برس في تقريرها عن رؤية القيادة الشيعية للصراع في العراق .. فالسيستاني قال لوفد شعبي شيعي زاره قبل عاشورا الاخيرة مايلي  : " قلت دائما ان شيعي من بغداد يعادل خمسة افراد شيعة من النجف. انتم الاغلبية واعدائكم يحاولون التقليل من عددكم. فاخرجوا ومارسوا شعائركم".

I always say that one Shiite from Baghdad is worth five Shiites like me from Najaf ... You are the majority and your enemies are trying to reduce your numbers,” al-Sistani said, according to one of the 30 men who attended the seven-minute meeting last November. “Go out and perform your rituals 

وهذا القول يؤكد الاستخدام  السياسي لاعداد الزوار كسلاح في المعركة من قبل الساسة الشيعة.. فـ السيستاني هنا يطالب الجمهور الشيعي بالخروج باعداد كبيرة من اجل استعراض القوة العددية.. انه منطق الغلبة العددية.. منطق الشقاوات.. لا غرابة بعد ذلك ان يعتقد السيستاني ان شيعي يسكن بغداد هو افضل من شيعي يسكن النجف ..لأن الشيعي في بغداد هو رأس حربة في المواجهة مع السنة من اجل السيطرة على بغداد وفرض اغلبية شيعية .. فقط عندما نفهم منطق الغلبة العددي هذا سنفهم ايضا فتاوى السيستاني التي تحرم على الشيعية الزواج من سني وتبيح زواج الشيعي من سنية.. فهدف هذه الفتاوى الطائفية هو تشييع اكبر عدد من النساء السنيات عن طريق الزواج من شيعي ..لان الزوجة في مجتمع مغلق يمكن دفعها بسهولة على اعتناق مذهب زوجها.

وهنا لابد من الاشارة الى مسرحية "روميو وجوليت في بغداد" التي قام باخراجها مؤخرا مخرج شيعي..هذا المخرج الشيعي يقول لنا في مسرحيته ان العائلة السنية ترفض زواج "جولييت" السنية من "روميو" الشيعي لانها تفضل تزويجها الى احد ابناء "الارهابيين" العرب الذين قاتلوا الامريكان في العراق.. بمعنى ان العائلة السنية تنطلق في رفضها من موقف طائفي.. تصورا حجم استهتار مسرح اللطم بعقول الناس.

نعم العوائل السنية اليوم ترفض تزويج بناتها الى شيعة ولكن ليس للاسباب الفلمهندية التي يوردها مسرح اللطم.. العوائل السنية ترفض اليوم تزويج بناتها الى شيعة لانها عاشت ويلات الحرب الطائفية التي انتجتها محكية المظلومية الشيعية.. العوائل السنية ترفض تزويج بناتها الى شيعة لانها اطلعت على فتاوى السيستاني الطائفية التي تحرم على الشيعية الزواج من سني وتبيح زواج الشيعي من سنية.. وهذا ما يتناساه المهرج الشيعي النائم في اوهام الخطاب السياسي الشيعي.

من اين لمهرج قادم من خلف السدة ان يفهم مقولة ستندال: "ان إقحام السياسة في عمل فني هو مثل اطلاق رصاصة اثناء سمفونية"!!

2012/04/14

عرب فوبيا .. استكان شاي مع هيرودوت


نشر طالب الشطري مؤخرا مقال فحواه ان فيلم القادسية قد كون صورة نمطية باذهان العرب عن الامة الفارسية.. وان معركة القادسية الاولى مزقت الحضارة الفارسية التي عمرها الاف السنين.. والشطري يتسائل: "لماذا يكره العرب بلاد فارس؟".. فطبيعة الحضارة الفارسية بحسب الشطري "غير هجومية وقليلا ماخرجت عن حدودها في مهمة استعمارية.. وهي قد قدمت الكثير للانسانية على العكس تماما من جيرانها العرب الذين ظلوا في حالة هجوم دائم على جيرانهم".

ساضع جانبا اعتقاد الشطري الساذج بان فلم القادسية (الذي لم يسمع به ولم يشاهده اغلب العرب) كان السبب في تكوين صورة نمطية باذهان العرب عن الفرس.. فكل من ينظر ابعد من انفه للعالم يعرف ان العداوات والضغائن بين الشعوب المتقاربة جغرافيا هو شيء شائع.. والضغائن الموجودة بين الفرنسيين والالمان او بين الصينيين والكوريين هي نماذج من امثلة كثيرة.. السؤال الذي يطرح نفسه عندها هو لماذا يقوم بعض الكتاب الشيعة بتقديم الامور من منظور مانوي قائم على ثنائية الخير والشر.. كما لو ان العرب هم السبب في العداء التاريخي بين العرب والفرس ؟ كيف تحول ما هو مشترك بشري من منظور انثروبولوجي تاريخي الى عربفوبيا عند الكتاب الشيعة ؟؟ والجواب على هذا السؤال ليس صعبا.. انها الرابطة المذهبية.      

من يعرف التاريخ سيضحك على سذاجة الشطري الذي يجتر الكليشة الايرانية التي تقول بان" الحضارة الفارسية غير هجومية وقليلا ماخرجت عن حدودها في مهمة استعمارية" !! فمفردة "قليلا" في هذه الجملة تضعنا امام مفارقة ساخرة.. وهي ان "الحضارة" الفارسية كانت تخرج من حدودها ولكن في اغلب الاحيان في مهمات انسانية من اجل توزيع "الحامض حلو" على الشعوب المحيطة بها !! فلو قام الشطري باعادة قراءة  كتاب الاول المتوسط عن التاريخ القديم وتمعَن في الخرائط وشاهد البقعة الجغرافية الهائلة التي كانت تحت سيطرة فارس..ربما سيفهم ان خلف ما يطلق عليه اسم "حضارة" لاغراض تزويقية تختفي حقيقة تاريخية اسمها "امبراطورية".. وبعد ان يبحث الشطري عن مفردة امبراطورية وتعريفها في كتاب الاول المتوسط.. سيجد ان جوهر الامبراطورية هو التوسع الجغرافي على حساب الشعوب المجاورة.. ولو كنت معلم الشطري لعاقبت هذا التلميذ الكسول بكتابة كلمة امبراطورية وتعريفها مئة مرة..عله يفهم الفرق بين ظاهر"الحضارة" وجوهر"الامبراطورية".. ومع بعض الحظ قد يفهم ان الحضارة هي الدرجة الاخيرة في مسار التوسع والتراكم الامبراطوري.. بمعنى ان الغزو والنهب واستعباد مئات الالوف من اسرى الحروب هي الاسس الاقتصادية والشروط التاريخية التي مكنت الحضارة الفارسية وكل الحضارات القديمة .. قولوا "آمين"!!

كل من يعرف قسوة الحروب في الماضي سيضحك ايضا عندما يسمع الشطري يقول لنا ان معركة بويب التي سبقت معركة القادسية "هي مجزرة تخلو من روح الفروسية والشهامة قام خلالها القائد العربي بقطع طرق الانسحاب على الجيش الفارسي لتتم ابادته بالكامل ثم عاد هذا القائد ليعترف بانه ارتكب خطئا اخلاقيا".. وهذه في الحقيقة احدى كليشات العرب فوبيا.. خذوا كل تاريخ العرب وقارنوه بتاريخ الفرس ستجدون ان العرب ورغم كل حروبهم وعنفهم هم حَمامات وديعة مقارنة بوحشية الفرس اثناء الحروب.. فعندما احتل الفرس مدينة بابل قاموا بخوزقة ثلاثة الاف من خيرة رجالها وعلمائها!! وعلماء التاريخ يقولون ان ما فعله الفرس بـِ بابل بعد احتلالها قد اعاق التقدم العلمي لعدة قرون.. والشطري يستنتج غياب روح الفروسية والشهامة عند العرب فقط لان قائد عربي طبق قاعدة "الحرب خدعة" وقطع الطريق على جيش العدو اثناء انسحابه من معركة ضارية.

استنتاج الشطري الساذج هذا يدفعنا للاعتقاد بانه لم يسمع عن روح "الفروسية والشهامة" عند الفرس.. ففي احدى الحملات العسكرية للامبراطورية الفارسية من اجل توزيع الحامض حلو على السكوثيين قام اب طاعن في السن تم تجنيد ابناءه الثلاثة بالتوسل الى داريوس ملك الفرس وقائد الحملة من اجل ان يترك له احد ابناءه الثلاثة على الاقل.. فاجابة داريوس:"طلبك منطقي لذلك ساعيد لك الثلاثة بالمرة".. وامر بذبح الابناء الثلاثة وتسليمهم الى ابيهم !! تصورا اذا حجم الوحشية التي كانت تنتظر الشعب الذي كان هدفا لحملة الفرس هذه.. اما دموية الحكام الصفويين فهي مضرب للامثال.. فـ اغا محمد شاه قام بذبح نصف سكان مدينة كرمان وفقء عيون النصف الاخر فقط لأن سكان كرمان استقبلوا في مدينتهم الشاه السابق وهو خصم اغا محمد في الصراع على العرش.. والكتاب الشيعة يريدون ان يقنعوننا بكليشة بداوة العربي وعنفه.

من يريد ان يقرأ عن حملات وعنف الامبراطورية الفارسية فليقرأ المؤرخ اليوناني الهائل هيرودوت.. ففي احدى حملات الامبراطورية الفارسية لتوزيع الحامض حلو على الجزر اليونانية قام الفرس باسقاط مدينة ميله اليونانية وقاموا باستعباد كل سكانها.. وقد بلغ تأثر الاثينيين باحداث سقوط ميله الى درجة ان العمل المسرحي الذي اخرجه فرينكوس عن هذه المأساة قد ابكى جميع الحضور في المسرح.. مما دفع بسلطات اثينا الى منع العرض المسرحي وفرض غرامة على المخرج..لان اثينا كانت تعتقد ان هدف الفن هو رفع معنويات الجمهور من خلال امتاعه وتثقيفه وليس تأجيج الجروح.. تُرى كم من كويتب او حكواتي سيتعرض الى هذه العقوبة الاثينية لو انها طبقت في عراق اليوم.. العراق الذي اصبح فيه الشعراء الشيوعيين يكرسون وقتهم لدراسة وتحليل تصاوير "الامام" علي.. وبات مسرحيوه يتناولون سالفة الحسين بحجة انها ميثولوجيا.. ولكن اين نحن من اثينا ومن قوانينها !!

فـ اثينا، المدينة التي منحت العالم الفلسفة وبذورالديمقراطية، هي ايضا تعرضت الى حملات الامبراطورية الفارسية لتوزيع الحامض حلو!! وفي احدى هذه الحملات دخل الجيش الفارسي الى اثينا فوجدها فارغة من سكانها..لأن الاثينيين رفضوا العيش تحت ذل الاحتلال الفارسي فهاجروا الى جزيرة سَلَمين..فارسل القائد الفارسي اليهم مبعوثا يطالبهم بالاستسلام وقبول سلطة الملك الفارسي عليهم.. وقد حمل المبعوث الفارسي هذه الشروط الى ممثل السلطة الاعلى في اثينا وهو مجلس الخمسمائة نائب.. فاجتمع الاثينيين لسماع مداولات نوابهم.. فوقف احد النواب واسمه ليسيداس فاقترح التفاوض مع الفرس والقبول بشروطهم.. وقد بلغ غضب الاثينيين من هذا الاقتراح حدا انهم سحبوا هذا النائب وقتلوه على الفور.

 هل يفهم الشطري لماذا تصرفت اثينا رمز الديمقراطية والحرية بهذا العنف مع احد نوابها الذي عبر عن رأيه اثناء نقاش سياسي؟؟ هل يفهم هذا المتشاطر الذي يعتقد ان الامبراطورية الفارسية غير هجومية !! اشك في ذلك.. فسكان اثينا كانوا يعتقدون ان الاوطان قبل الرموز ومن يتعاون مع المحتل فهو خائن.. اما امثال الشطري فهم مع نموذج النجف التي قالت للجنود الامريكيين في مشهد تاريخي مخجل: "سيتي يَس، امام علي نووو"!! فعند امثال الشطري القبور تأتي قبل الاوطان.. ومع ذلك فمن يدري .. فربما سيعيد الشطري قراءة كتاب الاول متوسط عن التاريخ القديم.. وربما سيفهم لماذا يكره اليونانيون الفرس..عندها .. وعندها فقط .. سيفهم ان الامبراطورية الفارسية لم تكن تخرج عن حدودها من اجل توزيع الحامض حلو على الشعوب.

2012/03/31

تاريخ الُنخب وذاكرة العبيد .. استكان شاي مع ارسطو


نشر البير داغر وهو أستاذ جامعي لبناني مقال يناقش فيه كتاب الباحث ستيفان وينتر  «شيعة لبنان في ظل الحكم العثماني، 1516-1788» الصادر في 2010 .. ويبدو ان كتاب وينتر الذي يؤرخ للعلاقة الجيدة بين النخب الشيعية اللبنانية وبين السلطة العثمانية قد ازعج داغر لانه يُكذب محكية المظلومية الشيعية .. فحوى مقال داغر هو ان وينتر قد اخطأ في اختيار عنوان كتابه لان العنوان لا يعكس مضمون الكتاب .. فـ وينتر بحسب داغر قد تطرق لتاريخ اقطاعيين من أبناء الطائفة الشيعية معتبراً أنّه إنما يؤرخ للشيعة .. من هنا تساؤل داغر : كيف تحوّل تاريخ النخب الشيعية التي كانت تتولى جباية الضرائب إلى تاريخ لمذهب وطائفة بكاملها؟ .. داغر يقول ان وينتر قد استخدم على الدوام في معرض الحديث عن الاقطاعيين الشيعة صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم.

هل ترون ما ارى ؟ لا !! اذا تعالوا نطرح اسئلة داغر بطريقة اخرى .. تصورا انفسكم امام حسن العلوي او امام اي كويتب شيعي اخر ممن اشاعوا محكية المظلومية .. وبادروهم بهذه الاسئلة : كيف تَحوّل تاريخ النخب السنية التي كانت تتولى الحكم في العراق إلى تاريخ لمذهب وطائفة بكاملها؟ ولماذا في معرض حديثكم عن الحكام السنة تستخدمون صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم ؟؟ هذه الاسئلة هي اسئلة ازمتنا .. اسئلة خرابنا.. اسئلة الطائفية السياسية التي  قتلت العراق وهي في طريقها لبعثرة كل منطقتنا .. وهي اسئلة غيبها صراخ الكتاب الشيعة الذين اشاعوا محكية المظلومية.. فهذه الاسئلة تقول لنا ان هناك منظور اخر للنظر للفعل السياسي ولتقييمه والحكم عليه.. فلماذا شاع المنظور الطائفي عند الكتاب الشيعة؟؟ هنا سؤال في غاية الاهمية.. سؤال يكشف خواء الثقافة العراقية التي يسود فيها الشعراء واللغة الشعرية المخربة للرؤوس.. الثقافة التي لم تنتهي بعد من حزورة الاجيال الشعرية!! 

علينا هنا ان نذْكر شيئا مهما وهو ان ما يقوله ستيفان وينتر بخصوص العلاقة الجيدة بين النخب الشيعية اللبنانية وبين السلطة العثمانية يمكن ان نقوله مع حنا بطاطو بخصوص العلاقة الجيدة بين النخب الشيعية في العراق وبين السلطة العثمانية.. وحنا بطاطو يقول ان اغنى الاغنياء في العراق وحتى عام ١٩٥٨ كانوا من الشيعة.. وحنا بطاطو يضيف بعد ان يفكك حجج المظلومية الشيعية: " كان هناك فقراء سنة كما كان هناك فقراء شيعة وان بغداد كما كل مدن العراق كانت حتى العهد الملكي مدينة تنتمي الى العصور الوسطى والاحياء السنية لا تختلف في درجة الاهمال عن الاحياء الشيعية " (بطاطو،الطبقات، الطبعة الاصلية لعام ١٩٧٨، ص. ٤٩ـ ٥٠).

اذهبوا الان وقولوا للكتاب الشيعة لماذا اعتبرتم ان الفقر والحرمان في العراق المعاصر كان من نصيب الشيعة فقط ؟؟ اذهبوا وقولوا للكتاب الشيعة لماذا اعتبرتم عبد الرحمن النقيب او عبد المحسن السعدون ممثلين للسنة في حين انكم تميزون الان بين شيعة العراق وشيعة السلطة..اذهبوا وقولوا لابناء البيوتات الشيعية لماذا في معرض حديثكم عن عارف او صدام حسين استخدمتم صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم.

ولكن احذروا بعد ذلك من الحديث في هذا الموضوع مع "عبيد السادة" .. فـ ارسطو يعلمنا درسا في غاية الاهمية وهو "ان بعض الناس خُلقوا لكي يعيشوا عبيد".. والعبيد في العادة لا يعرفون تاريخهم .. فهم يكتفون بذاكرة اسفنجية تمتص الحدث القريب وتلفظ الحدث البعيد..هل نستغرب ان الجلبي حفيد الاقطاعي الذي كان يبتز فقراء الشيعة لكي يرضي الباشا العثماني اصبح اليوم متحدثا باسم فقراء الشيعة !!

واخيرا، اياكم ثم اياكم ان تتكلموا بهذا الموضوع مع العلمانيين من صنف "شيعي شيوعي".. فهذا الصنف من العلمانيين ظلوا طوال فترة ارتدائهم لمعطف كارل ماركس يعتقدون بشفاعة الحسين يوم القيامة.. .. ثقافة "الطواطات"  الشيوعية هذه هي احد الاسباب التي اوصلتنا الى الحال المزري الذي نشهده اليوم.

2012/03/18

تاريخ التاريخ العراقي المعاصر .. حكايات المجانيين التي تروى لاغبياء


اقرأ حاليا كتاب " ديمتري بيساريف والايديولوجيا العدمية الروسية" للمؤرخ الفرنسي ارمون كوكار .. كتاب جيد ولكنني اتقدم ببطء في صفحاته التي تتجاوز الاربعمائة صفحة .. ساعات عملي الطويلة هذه الايام لا تترك في راسي ما يكفي من الهدوء للتركيز الذهني .. فمنذ اسبوع وهذا الكتاب معي ولازلت في الصفحات المئة الاولى .. في ايام الاعدادية والجامعة كنت قادرا في ايام العطل على التهام كتاب كامل في جلسة واحدة .. كم احن الى تلك الايام.

تستوقفني في هذا الكتاب ملاحظة مهمة يسجلها ارمون كوكار بخصوص الارشيف الخاص للشخصيات الادبية والسياسية الروسية في منتصف القرن التاسع عشر .. فهو يقول ان الارشيف الخاص لهذه الشخصيات هو ارشيف فقير بسبب رقابة النظام البوليسي انذاك .. وهذا ما كان يجبر تلك الشخصيات الى عدم التطرق الى مواضيع حساسة قد تسبب لهم مشاكل مع السلطة .. اما المراسلات الشخصية التي تحتوي على معلومات في غاية الاهمية فكان يتم التخلص منها حرقا خوفا من ان تقع يوما ما في ايادي غريبة.. مما يحرم الباحث من وجهات نظر تلك الشخصيات في تلك اللحظة التاريخية .. والنتيجة هي فجوات معلوماتية ونواقص تاريخية في غاية الاهمية لقراءة ذلك العصر قراءة صحيحة.

 ارمون كوكار يقول ان هناك الكثير من الكتب والمقالات الاستذكارية عن تلك الفترة المضطربة.. ولكن اغلب تلك الكتابات هي صياغة من الذاكرة تمت بعد زمن طويل على حدوث تلك الاحداث.. وهي لهذا السبب لاتمتلك المصداقية اللازمة .. لانها اعادة صياغة  تمت في مناخ فكري وسياسي يختلف عن المناخ الذي جرت فيه تلك الاحداث.. ارمون كوكار يضيف محذرا انه لا يجب تحميل رقابة السلطة فقط مسؤولية تلك الفجوات والنواقص التاريخية .. فالفجوات التي تميّز نتاج تلك الشخصيات عائد الى فترة زمنية تتميز بشيء من عدم النضج على مستوى الاشخاص كما المناخ العام الذي كان متسرعا ومهملا لكثير من الامور.

المهم عراقيا في ملاحظة ارمون كوكار هي انها تنفع كتحذير منهجي يجب استحضاره قبل كل قراءة للكتب التي تطرقت للتاريخ العراقي المعاصر .. لان اغلبها يحمل اسقاطات زمن متأخر على حدث متقدم ..اي انها نتاجات كَتبت الماضي بعيون الحاضر الذي كُتبت فيه .. وانت عندما تقرأ مثلا "ذاكرة" طالب شبيب وهو احد قيادات البعث في الستينات ستجد انه يسجل فترة الستينات بعوينات التسعينات .. من هنا ضحالة شهادته التاريخية وعدم مصداقيتها .. واغلب الكتب التي فبركها كتاب شيعة ابتداءً من حسن العلوي وانتهاءً بكنعان مكية تدخل ضمن هذا النمط المبتذل للتاريخ .. اي انها كتب تسجل الماضي بعيون واسقاطات الحاضر الذي كتبت فيه .. مما يحرمها من المصداقية التي يتكلم عنها ارمون كوكار في ملاحظته اعلاه.

لو كان عندي الوقت الكافي والامكانيات اللازمة لشرعت من الان في كتابة كتاب يحمل عنوان "تاريخ التاريخ العراقي المعاصر".. وساضع في السطر الاول من الصفحة الاولى منه الجملة التالية : " هنا حكايات مجانيين لازالت تروى لاغبياء".. وسيكفيني عندها ملاحظة ارمون كوكار المسجلة اعلاه كمنهجية نقدية.. مع بيتي شعر لـ ِمعروف الرصافي دلني عليهما احد اصدقاء الدربونة .. وفيهما نفس المنهجية النقدية للتاريخ:

وما كُتُب التأريخ في كل ما روت  لقرائها إلا حديث ملفقُ
 نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا    فكيف بأمر الغابرين نُصدقُ     

2012/02/29

ازبال التاريخ العراقي المعاصر


نشرت صحيفة هاريتز الاسرائيلية في طبعتها الانكليزية مؤخرا مقال  لـِ اماتزيا برام تناول فيه بعض اسرار الارشيف العراقي الذي استولت عليه الولايات المتحدة بعد غزوها للعراق عام ٢٠٠٣ .. اماتزيا برام لمن لا يعرفه هو "اكاديمي" اسرائيلي متخصص في الشؤون العراقية وله بحوث كثيرة في موضوع الهوية العراقية .. وهو واحد من الباحثين الذين سمحت لهم الولايات المتحدة بالاطلاع على هذا الارشيف بسبب قربه من دوائر القرار الامريكي.. يستوقفني في مقال اماتزيا برام قول لـ طارق عزيز في احد اجتماعات القيادة في التسعينات.. طارق عزيز يقول "ان البحوث التي تقوم بها الجامعة الاسرائيلية عن العرب وعن العراق مذهلة. وان الاسرائليين يستخدمون هذه الابحاث الاكاديمية (التي تركز على الخلافات المذهبية والعرقية )لاثارة هذه الخلافات بين العرب من اجل اضعافهم وتجزئتهم". 

لا اعرف النتاجات الاكاديمية الاسرائيلية عن المجتمعات العربية .. ولكنني قرأت بعض النتاجات الاكاديمية الاسرائيلية المترجمة للانكليزية عن المجتمع العراقي.. وهي فعلا تركز بمرضية عن موضوع انعدام الهوية بين مكونات المجتمع العراقي.. واماتزيا برام هو اكثر من ركز على هذا الموضوع ولهذا السبب استعانت به دوائر القرار الامريكي قبل احتلالها للعراق.. ولكن يجب القول ايضا ان البحوث الاكاديمية الاسرائيلية معمولة بشكل جيد ووفقا لمنهجية البحث العلمي.. وثراء معلوماتها عن تاريخ "المجتمع" العراقي مذهل.    

ما لا يقوله طارق عزيز النائم في دفء نظرية المؤامرة هو ان البحوث الاكاديمية الاسرائيلية تتطرق ايضا لحالة التشظي السائدة في المجتمع الاسرائيلي.. وكل من اطلع على هذه البحوث يعرف ان المجتمع الاسرائيلي تنخره صراعات حادة بين مكوناته .. بين اليهود الارثودوكس وبين العلمانيين.. وبين الاشكناز(اليهود من اصول اوربية) والسفاراد (اليهود من اصول شرقية).. ناهيك عن الصراع بين اليهود وعرب ٤٨.. انا شخصيا قمت قبل سنوات بدراسة النظام السياسي الاسرائيلي الذي يمتلك اعقد نظام برلماني في العالم بسبب حالة التشظي المجتمعي في اسرائيل.. ووجدت مثلا ان كليشة :"عراقيان ثلاثة احزاب" التي سادت في خمسينيات وستينيات العراق والتي وضعها حنا بطاطو للاسف عنوانا لاحد فصول كتابه.. هي في الاصل مقولة يهودية : "يهوديان ثلاثة اراء".. وهي مقولة كانت تطلق وصفا لحالة التشرذم التي كانت سائدة داخل الوكالة اليهودية في بداية القرن العشرين.. وانا اعتقد انها انتقلت للعراق عبر يهود العراق.. وهي مقولة لا زالت سائدة اليوم في اسرائيل لانها تصف حالة التشظي داخل المجتمع اليهودي. 

نعم لقد نجح الحقل الاكاديمي الاسرائيلي بفرض رؤية ثقافوية عن الصراع داخل مجتمعنا.. لانه ينطلق من معطيات واقعية (التشظي الاجتماعي عندنا حقيقة قائمة على ارض الواقع).. ونجح في تعميم هذه الرؤية لانه اتبع منهجية بحثية رصينة رغم انها لا تخلوا من اسقاطات ايديولوجية.. والاهم هو انه نجح لاننا تركناه وحيدا في هذا الاطار.. امام حقيقة تشظي مجتمعنا اتبعنا ولا زلنا نتبع سياسة النعامة.. امام واقع مجتمعنا المتشظي اكتفينا بمحكية اسطورية عن العراق الذي عمره سبعة الاف عام.. امام بحوث تعتمد على حقائق تاريخية، فضلنا الشعارات ونظرية المؤامرة.

خطورة هذا الموقف الشعاراتي يكمن في انه منع موقف اخر اكثر صحة تجاه تشظي المجتمع العراقي.. كان بالامكان طرح "الهوية" العراقية كواقع معقد.. كمشكل.. وبالتالي كسؤال ومحاولة اجابة عن هذا السؤال من خلال عرضه ومناقشته اكاديميا وربما ايجاد حلول له.. وهذه المواجهة مع الذات كان سيكون لها فوائد على المجتمع من منظور سايكولوجي.. فمناقشة مشاكلنا "بصوت عالي" هي طريقة علاجية ناجحة.. ونحن قد فضلنا دفن مشاكلنا تحت اكوام من الشعارات.. والمجتمع الاسرائيلي متفوق علينا سياسيا لهذا السبب.. فهو لايخاف من التطرق لمشاكله علنا.. ومراكز البحوث الاسرائيلية  تنشر احصاءات سنوية عن مكونات المجتمع الاسرائيلي (من عرق وديانة ولغة الخ) مدعومة بالارقام.. اما عندنا فقد رفضت السلطات العراقية درج المذهب في تعداد السكان تحت شعار الهوية العراقية فوق الانتماءات الاولية.. والنتيجة هو ان الاكاذيب حلت محل الحقيقة.. فنسبة الشيعة التي قدرتها احصائيات الخمسينات بـ ٥١ ٪  من السكان.. تحولت الى ٧٠٪ في دفاتر المعارضة الشيعية.. ومثل هذه الاكاذيب والمبالغات التي سخرتها امريكا في مشروعها هي من قتلت العراق في السنوات الاخيرة.

ما لا يقوله طارق عزيز ايضا هو ان الحقل الاكاديمي العراقي الذي انتج دراسات رائعة في الخمسينات والستينات تحول تدريجيا وبسبب انعدام الحرية الى دكاكين حزبية.. وشاعت نتيجة لذلك دراسات متحزبة تفتقد لابسط قواعد البحث العلمي.. وقد كان لذلك نتائج كارثية على تاريخ العراق المعاصر ونحن اليوم ندفع ايضا ثمن ذلك.. فغياب حقل اكاديمي عراقي رصين ومستقل يلعب دور الحكم في البحوث والدراسات التي تتطرق لتاريخ العراق المعاصر.. اضافة الى غياب الحرية.. جعلا التطرق للتاريخ العراقي المعاصر حكرا على الاقلام الموجودة خارج العراق.. والادهى ان اغلبيتها هي اقلام معارضة.. والنتيجة هو ان تَحزُّب المحكيات الرسمية في الداخل قابله تحزّب المحكيات المعارضة في الخارج.. وفي هذه المواجهة المتحزبة كانت الحقيقة التاريخية هي الضحية.

حاول ان تقارن مثلا بين ما يقوله طالب شبيب مع ما يقوله هاني الفكيكي عن حدث عايشه الاثنان سويا (وكلاهما من قيادات البعث في الستينات).. ستجد ان ما يقوله طالب شبيب يناقض ما يقوله الفكيكي إن لم يُكذّبه.. فما بالك بحجم الهوة بين المحكية الشيوعية والبعثية.. او بين المحكية البعثية والشيعوية.. وهذا يعطينا فكرة بسيطة عن الالغام التي يحفل التاريخ العراقي المعاصر.. وكل هذا بسبب غياب حقل اكاديمي متخصص ومستقل.. لقد قتلت جمهوريات الاسلاك الشائكة الحرية الفكرية.. وجعلت الخطاب الرسمي هو الحقيقة الوحيدة المسموح بها.. وفي هذه الصحراء الفكرية اصبح كل ما يخالف خطاب السلطة مرغوب.. لان كل ما هو ممنوع مرغوب.. وبالتالي تحولت اكاذيب وكليشات كتاب معارضين الى حقائق تاريخية.. واصبح بامكان اي كويتب ان يرمي زبالته الحزبية او الطائفية امام بوابة التاريخ العراقي المعاصر.. والعراق يموت اليوم بسبب تراكم هذه الازبال.

2012/02/19

في وداع قلم انيق


"انطوني شديد كعادته لا يستقي معلوماته من السياسيين او من المنطقة الخضراء عندما يكتب عن العراق.. القرى النائية هي اهداف زياراته العديدة للعراق منذ ثلاث سنوات.. الناس في اسفل السلم الاجتماعي يشكلون مصادر تحقيقاته واهتماماته.. وهو غالبا ما يخرج بتحقيقات هي اقرب للبحث السوسيولوجي منها الى الريبورتاج الصحفي"..هذه الكلمات كتبتها هنا في الدربونة قبل سنوات.

انطوني شديد توفي قبل ثلاثة ايام بازمة ربو حادة في طريق عودته من سوريا التي دخلها سرا.. كان يستطيع ان يدخل سوريا بصورة رسميه.. ولكنه كان يعرف انه لن يكون حرا مع الناس في بلد مخابراتي.. كان يريد الذهاب كعادته خارج حدود الخطاب الرسمي.. الصحافة المجترة للخطاب الرسمي ليست صحافة.. المدن السورية التي تنام وتصحو على اصوات الانفجارات كانت وجهته.. كان يريد ان يشاهد بعينه ما يجري هناك.. هذه المرة لن نقرأ مشاهدات انطوني شديد.. الموت منعه من وضع ما شاهده باسلوبه البارع المعهود.

كثيرون يعتقدون ان شديد كان صحفيا ناجحا في تغطيته لاحداث العراق لانه من اصول عربية ولانه يتكلم اللغة العربية.. وهذا اعتقاد ساذج.. فهناك الكثيرين من الصحفيين الغربيين ممن يتكلمون اللغة العربية او هم من اصول عربية ولكنهم صحفيون عاديون.. ثم ان هناك المئات من الصحفيين العرب والعراقيين ممن عملوا في العراق.. ولكنهم لم يكتبوا شيئا يرقى لما كتبه شديد. 

لا شك ان خلفية شديد العربية ساعدته كثيرا في عملة في المنطقة العربية.. ولكن تميُّز شديد راجع الى فهمه الخاص للعمل الصحفي.. اضافة الى اسلوب بارع في الكتابة مرتبط ارتباط وثيق بهذا الفهم.. فشديد امام مادته الصحفية يعمل بطريقة الانثربولوجي .. فهو عين تسجل قبل كل شيء.. وافضل مقالات شديد هي تلك التي راحت فيها عينه تسجل الاشياء قبل ان تحكم عليها.. وهو في بعض هذه المقالات ترك لنا تحقيقات صحفية تقترب في عمقها من اسلوب الصحفي البولندي الساحر ريشارد كابوتشنسكي.

 اما عندما نسى شديد هذه الطريقة "العينية" وراح بحكم اقامته الطويلة في العراق يُغلِب ما يقوله له "خبراء الشأن العراقي" او بعض "المثقفين" العراقيين على مشاهداته.. فهو قد جنح للاسف نحو الاحكام العامة وبالتالي الكليشات.. واحدى مقالته الاخيرة عن العراق كانت من هذا النوع وجاءت محملة بالكليشات.. ما يشفع لشديد هو انه صحفي متواضع.. ذاتٌ غالبا ما تختفي امام مادتها الصحفية.. وهو بذلك ليس كما بعض الصحفيين العراقيين الذين يخنقون مواضيعهم بذواتهم المنتفخة.

مارتن شولوف وهو احد زملاء انطوني شديد كتب مقالا في الغارديان قبل يومين عن رحيل شديد المفاجئ .. شولوف يورد ما قاله له انطوني شديد في اخر ايامه في العراق :

"I came here to comprehend this place," he told me last year, talking of his time in Iraq. "With all its richness, beauty, insanity and loss, it is the one part of the world I wanted to make sense of. I'm not sure I know anything more now than when I got here 

وهي كلمات تكشف ان انطوني شديد كان في قمة التواضع.. فهو رغم انه افضل من غطى صحفيا سنوات الاحتلال الامريكي للعراق.. فانه يقر بعدم معرفته بالشأن العراقي.. وهذا الاعتراف الاخير يجعلنا نفهم الحيرة المعرفية التي وسمت مقالات شديد الاخيرة في العراق.. لقد جاء العراق لفهم البلد.. وخرج منه غير متأكد انه فهم اكثر مما كان يعرفه قبل دخوله. 

العراق الذي ساهمت في قتله كليشات صحفيون سرسرية من امثال حسن العلوي.. كم يحتاج الى هذا التواضع.