2009/11/30

الحرية التي لم نرها في"نصب الحرية"


أجرت وكالة الصحافة الفرنسية مقابلة مع النحات محمد غني حكمت .. تقول بعض سطورها ان حكمت "ساعد في عمل "نصب الحرية" الذي كان من تصميم استاذه النحات العراقي جواد سليم الذي وافاه الاجل في سن الثانية والاربعين قبل اكتمال هذا العمل .... ورغم ان هذا النصب الذي ازيح عنه الستار في 14 تموز/يوليو 1961، قد تم انشاؤه بعد سقوط الملكية في العراق (1958) ومجيء الزعيم عبد الكريم قاسم إلى السلطة إلا ان حكمت يؤكد بأن "العراق لم يشهد استقرارا امنيا فعليا منذ ذلك الحين".

تستوقفني جملة حكمت الاخيرة .. ليس فقط لانها صادرة عمن ساهم في تنفيذ اهم رموز العهد الجمهوري وهو نصب الحرية .. ولكن لأنها تحتوي على مفارقة كبيرة تخص نصب الحرية ..عندما تقول ان العراق لم يشهد استقرارا امنيا فعليا منذ سقوط الملكية .. فهذا يعني ضمنيا ان العهد الملكي كان يتمتع باستقرار امني فعلي .. وهذا غير صحيح تاريخيا .. العهد الملكي لم يكن مستقرا امنيا وقد شهد اضطرابات سياسية كثيرة كما شهد انقلابين خطيرين .. لا بل نستطيع ان نقول ان العراق منذ منتصف الستينات وحتى بداية الثمانينات شهد "استقرار" امني اكبر من استقرار العهد الملكي .. من هنا فان "الاستقرار الامني" ليس هو ما يميز العهد الملكي عن العهد الجمهوري.

ما يميز العهد الملكي هو حيز الحرية .. ما يميز العهد الملكي هي الحرية النسبية التي كانت متاحة للاختلاف السياسي .. في العهد الملكي كانت امكانية التظاهر في الشوارع ضد قرارات الحكومة حقيقة قائمة .. لا بل كانت هناك حتى امكانية اسقاط حكومة من خلال مظاهرة شوارع .. وهو شيء لم يعد ممكنا بعد ذلك .. منذ سقوط الملكية اختفت تلك الحرية .. لقد جعلت الانظمة الجمهورية من السجون المكان الوحيد الذي "يظهر" فيه الاختلاف السياسي و"يغيب" للأبد !!

منذ ذلك التاريخ اصبحت المسيرات المطبلة للسلطة هي النوع الوحيد المسموح به من "المظاهرات" .. والادهى انها اصبحت "مظاهرات" اجبارية .. ليس فقط اننا لم نعد نتمتع بحق الخروج في مظاهرات ضد قرارات الحكومة .. وهو ما كان ممكنا في العهد الملكي .. ولكننا فقدنا حتى حق عدم المشاركة في مسيرة قطيعية.. ليس فقط اننا لم نعد قادرين على فعل ما نريد (الاعتراض سياسيا على قرارات الحكومة) .. ولكننا لم نعد قادرين حتى على عدم فعل ما لا نريد (المشاركة قسريا في مسيرة تطبيلية للحكومة) ..ولكي نستخدم مفردات الفلسفة السياسية.. لم نفقد فقط "الحرية الايجابية" ولكننا فقدنا حتى "الحرية السلبية".

وبهذا المعنى فـ تموز 1958 هو مفترق طرق في التاريخ العراقي المعاصر .. وهو ايضا مفارقة كبيرة .. حصلنا على "الاستقلال" ولكننا فقدنا الحرية النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي .. حصل البلد على استقلاله .. وفقد الانسان استقلاليته .."تحرر" الوطن .. وفقد "المواطن" حريته .. فليس هناك استقلال حقيقي من دون حرية .. ذلك لأن ليس هناك وطن من دون مواطن .. وليس هناك مواطن من دون حرية.

عذرا "استاذ" محمد .. ما فقده العراق منذ تموز 1958 هو ليس الاستقرار الامني .. لا .. ما فقده العراق منذ ذلك الحين هو الحرية النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي .. وعذرا استاذ محمد على المفارقة .. ولكن ما افتقده العراق منذ "نصب الحرية" هو بالتحديد الحرية .. ففي نفس الفترة التي اقيم فيها نصب الحرية كانت الحرية تُذبح في الشوارع .. لقد "عُلقت" الحرية فنيا في عهد جمهوري "علقها" وعطل مفعولها السياسي !! منذ ذلك الحين حضرت الحرية نحتا ورسما وخطابة .. ولكنها غابت واقعا .. وحضور الشيء في الخطاب الرسمي وغيابه في الواقع يسمى في علم الاجتماع السياسي : ايديولوجيا .. منذ ذلك الحين اصبحت الحرية شعار .. شعار نراه في كل مكان .. في الكتب المدرسية .. في الصفوف .. على الجدران .. اما في الواقع فلا .. منذ ذلك الحين اصبحت الحرية شعار "معلق" في "نصب الحرية".

2009/11/16

من اجل هزيمة المظلومية


نشر علاء اللامي يوم امس مقال عنوانه "من أجل هزيمة الطائفيين " يقول فيه ان:" التشكيك بأصول الخصم السياسي تقليد أوجده القوميون العرب والبعثيون منهم بخاصة، يعتبر ساطع الحصري من أوائل مستعمليه حين شكك بأصول الشاعر العراقي محمد مهدي لجواهري واتهمه بالعجمة والأصل الفارسي في وقت كان فيه الجواهري يتبوأ إمارة الشعر العربي ويلقبه طه حسين " برب القوافي".

ساضع جانبا الجزء الاخير من الجملة الذي يقول ان الجواهري كان يتبوأ آنذاك إمارة الشعر العربي .. ففيه من الاستخفاف بعقول الناس ما يكفي لتصنيفه في باب الردحيات .. اكتفي فقط بالقول ان الجواهري آنذاك كان في مقتبل العمر ولم يكن معروفا .. والرصافي والزهاوي كانا اكبر مكانة منه واوسع انتشارا آنذاك.. فمن اين جاءته اذا امارة الشعر العربي .. قليل من الاحترام لعقول الناس لا يضر.. ولكن ليس هنا المهم .. ما يستوقفني في جملة اللامي هو الجزء الاول منها .. اللامي يريد هزيمة الطائفيين ولكنة يستخدم اكاذيب المظلومية التي هي جوهر خطاب الطائفيين .. فحادثة الخلاف بين الجواهري وساطع الحصري هي واحدة من اكثر الهوسات التي ردحت بها الابواق الطائفية كدليل على طائفية الدولة العراقية.

قول اللامي بان الحصري اتهم الجواهري بالعجمة والأصل الفارسي هو ببساطة كذب ومن النوع المحتقر لعقول الناس .. حادثة الخلاف بين الحصري والجواهري لها روايتين رئيسيتين إلتفّت حولهما بعد ذلك تأويلات كثيرة .. الرواية الاولى تقول ان الحصري رفض تعيين الجواهري لانه لا يحمل شهادة مدرسية ..اما الرواية الثانية فتقول ان الحصري رفض تعيينه لانه يحمل الجنسية الايرانية .. الرواية الثانية تقول ان الحصري طلب من الجواهري ان يتخلى عن جنسيته الايرانية .. ولكن الجواهري رفض ذلك .. من هنا رفض الحصري تعينه بوظيفة في وزارة المعارف .. حتى في هذه الرواية فان الحصري لم يتهم الجواهري بالعجمة والاصل الفارسي .. الحصري لم يقل للجواهري" انت فارسي" كما يقول اللامي .. ولم يقل له "انت شيعي ولا يحق لك التعيين في وزارة المعارف" .. الحصري طلب منه فقط ان يتخلى عن الجنسية الايرانية والحصول على الجنسية العراقية.. وهذه تهمة الحصري في "محاكم التفتيش" اللطمية .

حجة حكواتية المظلومية هي التالية : كيف لـ سوري كساطع الحصري ان يطلب من الجواهري ذلك .. كيف للحصري الذي ينطق العربية بلكنة تركية ان يطلب من الجواهري ذلك .. وهنا ايضا، فان قول اللامي بان الحصري كان من اوائل من استعملوا "التشكيك بأصول الخصم السياسي" هو كذب وقلب للحقائق التاريخية .. فاللطميون هنا، وليس الحصري، هم من استخدموا "التشكيك بأصول الخصم السياسي".. فهم قد حولوا سؤال اداري روتيني تقتضيه قوانين دولة ناشئة .. الى تهجم على اصل الحصري السوري .. و ذهبوا حد التشكيك بعروبته لانه يتكلم العربية بلكنة تركية .. وكما يقول موسى الحسيني في مقال "الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة" فان الحصري هو من تعرض للابتزاز في هذه الحادثة .. وموسى الحسيني هو عراقي شيعي ونجفي .. وليس وهابي او قومجي.

مشكلة حكواتية المظلومية هو انهم يدخلون الماضي بعقلية المتبضع في السوق .. ينتقون من احداث الماضي ما يناسب طبخة المظلومية فقط .. لذلك فان ايراد بعض المصادر ضروري .. وليام كليفلاند كاتب سيرة الحصري يقول ان الحصري كان مهنيا صارما مع الاساتذة والطلاب .. ريفا سيمون تقول انه خاض خلافات كثيرة خلال تجربته كمشرف على وزارة المعارف ..لانه لم يكن يطيق جهل منتقديه في مجال التعليم .. فهو قد اختلف مع سامي شوكت ومع محمد فاضل الجمالي ومع المستشارين البريطانيين كـ المستر فاريل والمستر سميث وفرض على البريطانيين رؤيته في التعليم .. والمستر فاريل قد استقال نهائيا بسبب خلافه مع الحصري .. والمستر سميث قد استقال اكثر من مرة لنفس السبب ولكنه عاد وعمل من جديد مع الحصري .. و ريفا سيمون تقول ان خصومه البريطانيون، رغم خلافاتهم الشديدة معه، كانوا يقدرون قيمته ومعرفته الهائلة في مجال التعليم وهي تورد ما يقوله عنه المستر سميث :
No other Iraqi combines his enthusiasm, his experience and knowledge of education system, and his fearlessnesses. In, Reeva Simon, The teaching of History in Iraq before the Rashid Ali Coup of 1941

"لم يكن هناك عراقي اخر يجمع حماسته وخبرته ومعرفته بنظام التعليم".


باختصار.. الحصري كان صارما لانه كان يعتقد ان التعليم هو اساس الدولة .. يفشل التعليم تفشل الدولة .. وهذه العصامية كانت لا تعجب واحد من افسد الوزراء آنذاك واكثرهم استهتارا بالمصلحة الوطنية، وهو عبد المهدي المنتفجي (والد عادل عبد المهدي سارق المصارف !!) .. ذلك ان هذا الوزير كان يطلب من الاساتذة بتزويد طلاب شيعة فشلوا في الامتحانات بالشهادات .. وهذا ما ترويه المس بيل في إحدى رسائلها الى أبيها نقلا عن المستر فاريل المستشار البريطاني في وزارة المعارف :
I then spent an hour listening to the woes of Mr Farrell, Director of Education, who has come into serious collision with his Minister, the only Shi'ah in the Cabinet. Poor Mr Farrell! what are you to do with a Minister of Education who when a Shi'ah student fails to pass an examination writes to the examiner and directs him to provide him with a diploma! Letters of Gertrude Bell, 6 December 1921

وهذا ما كان يرفضه الحصري .. علينا ان نتذكر ان خلاف الحصري مع الجواهري حصل خلال الفترة التي كان فيها المنتفجي وزيرا للمعارف .. وموسى الحسيني يقول في مقالته ان المنتفجي كان يريد ان يبتز الحصري من خلال مبالغة خلافه مع الجواهري وتلوينه بالطائفية .. باختصار الحصري كان شديدا مع كثيرين لانه كان مهنيا .. وخلافه مع الجواهري هو واحد من خلافات كثيرة خاضها حفاظا على جودة النظام التعليمي .. وهو تحليليا نموذج للخلاف بين ثقافتين .. ثقافة التكنوقراط وثقافة المحسوبية.. والحقيقة التاريخية هو ان الوزير المنتفجي اراد تعيين الجواهري بالمحسوبية .. والحصري رفض تعيينه لانه لا يحمل شهادة.. وكل ما جرى بعد ذلك هو تأويل طائفي اراد استخدام حادثة الجواهري سلاحا في معركة المظلومية .. والمظلومية هي حطب العداء السايكولوجي بين السنة والشيعة الذي اجج الطائفية الحالية.

وعود على بدء .. لا نريد منكم ان تهزموا الطائفيين.. ولا نريد منكم ان تهزموا الطائفية .. فالطائفية لا يمكن هزيمتها بالهوسات .. اهزموا المظلومية في نفوسكم اولا، ستهزم الطائفية السياسية .. فحطب الطائفية هي اكاذيب المظلومية .. اهزموا المظلومية النائمة في "لاوعيكم" ثم تعالوا بعد ذلك وتكلموا عن الوطنية .. فالعراق الحديث بناه اشخاص كـ ساطع الحصري .. نعم بناه التكنوقراط .. وليس الشعراء الرداحة .. من هنا .. فبين شاعر قدّاح مدّاح .. وبين تكنوقراطي .. نختار التكنوقراطي .. وبين قصيدة "تحرك اللحد" التي أسست لثقافة الانقلابات والحبال والسحل .. وبين " دار داران دور" .. نختار" دار داران دور" الكتاب الذي علّم ملايين الاطفال العراقيين القراءة .. لسنا بحاجة الى شاعر راح في ارذل العمر يطرق ابواب السلطان مادحا "ابن الهواشم" بعد ان مدح قبل ذلك من قاموا بقتل "ابن عمه" في العراق .. مثل هكذا ثقافة ليست جديرة بالاحترام .. خذوا ألف شاعر مدّاح قدّاح كالجواهري .. واعطونا تكنوقراطي واحد من مثل ساطع الحصري.

2009/10/31

فضائيون


“Every officer with the rank of a colonel or higher has at least 10 policemen from whom he takes all or part of their salaries,” said the officer. “We call those policemen ‘fadhaei,’ ” which translate roughly as aliens from outer space



"كل ضابط من رتبة عقيد فما فوق يمتلك على الاقل عشرة افراد شرطة ياخذ منهم جزء او كل رواتبهم .. ونحن نسمي هذا النوع من الشرطة بالفضائي" .. هذا ما يقوله ضابط شرطة عراقي ضمن تقرير نشرت النيويورك تايمز نتائجه قبل يومين .. وهو تقرير عن الفساد المستشري داخل وزارة الداخلية .. الاف من منتسبي الامن العراقي ليس لهم وجود الا في قوائم الرواتب التي تذهب الى جيوب الضباط الكبار .. ضابط شرطة اخر يقول ان " آمر فوجنا يسرق شهريا 34 الف دولار من مجموع 41 الف دولار مخصصة شهريا للغذاء".. والتقرير يقول ان حجم المسروقات في النصف الاول من هذه السنة فقط هو 122 مليون دولار .. والفساد بحسب التقرير مستشري من قمة الوزارة الى الشرطي في الشارع .. لكم ان تضيفوا الفساد المستشري في الوزارات الاخرى لتعرفوا كيف ولماذا اصبح العراق "جمهورية موز".


تعجبني مفردة "فضائي" التي تصف هذا الصنف من منتسبي الأمن ممن "ينامون" في قوائم الرواتب بدون وجود فعلي على الارض .. في هذه المفردة ايحائية كبيرة .. فهي تصف بدقة ما يجري منذ ستة سنوات ونصف في جمهورية الموز اللطمية.. حيث كل شيء له وجود افتراضي فقط .. وجود اسمي فقط .. حكومة لا تحكم .. دولة بلا قانون.. ديمقراطية بلا مواطنين .. رجال دين بلا اخلاق .. وزراء بلا كفاءات .


ظاهرة الفضائي هي نتيجة منطقية للحكومة "الفضائية" .. الموظف الحكومي يسرق ، يرتشي، ويمارس الفساد لأنه يعرف انه يعيش في دولة بلا قانون .. ففي جمهورية الموز اللطمية، ورغم كل المليارات المسروقة ، لم تدن "لجنة النزاهة العامة" سوى 397 متهم فقط .. وهذا منذ تأسيسها في عام 2004 وحتى نهاية السنة الماضية .. والادهى هو ان "صيد" لجنة النزاهة ينحصر في صنف "الاسماك" الصغيرة .. اما "الحيتان" فهي حرة طليقة .. تسبح في بحر الفساد .. وتسرق "عيني عينك" بلا حساب او عقاب.


قل لي بربك .. ماذا تتوقع من شرطي يعمل في "دولة" يقوم فيها نائب رئيس الجمهورية بسرقة مصرف ؟ ثم تعال ارجوك وقل لي .. ماذا تتوقع من شرطي في "دولة" يجلس فيها دريلجي مجرم كـ هادي العامري نائبا في برلمانها ؟ ثم بعد هذا وذاك .. ماذا تتوقع من "ابو اسماعيل" وقد تحول اية اللة العظمى الى سمسار عقارات في لندن !!

2009/10/17

القائمة المفتوحة والطائفة المغلقة


السيستاني الذي تبنى فكرة البيت الشيعي وكان وراء تشكيل القوائم الطائفية المغلقة .. السيستاني صاحب الفتوى التي كرست الانتخابات الطائفية التي اعطتنا دستور الحرب الاهلية .. هذا السيستاني يتدخل اليوم من جديد في الشأن السياسي العراقي مطالبا بنظام القائمة المفتوحة في الانتخابات القادمة .. رغم كل المخلفات الكارثية لفتاوى السيستاني وتوجيهاته السابقة .. ما زال السيد يلعب دور "المرشد الاعمى" .


مطالبة السيستاني بالقائمة المفتوحة ينبغي فهمها ضمن اطار حملة المرجعية من اجل لم شمل الطائفة التي تشرذمت خلال السنوات الاخيرة .. المرجعية تريد من خلال القائمة المفتوحة تجديد وجوه الطائفة .. بعد ان سودت الوجوه الحالية وجه "الطائفة" .. فالمرجعية التي تمتلك اكبر شبكة "جمع خمس" .. تمتلك ايضا شبكة معلومات قوية ..وبالتالي فهي تعرف مشاعر وانتقادات دافعي الخمس .. من هنا فهي تعرف درجة الغليان داخل المرجل الشيعي .. السيستاني يطالب بالقائمة المفتوحة لانه يعرف ان "البيت الشيعي" الذي تحول خلال السنوات الاخيرة الى "مشتملات" متصارعة في طريقه الى التحول الى "دكاكين" متقاتلة.. وخصوصا اذا استمرت نفس "الجيوب" بالاستحواذ على مليارات العراق المسروقة .. وهذا ليس من مصلحة المرجعية التي ترتبط سلطتها بوجود الطائفة.


من هنا ايضا دعوة المرجعية قبل اسابيع الى بقاء الائتلاف الشيعي موحدا.. حين صرح مصدر مقرب من مكتب السيستاني قائلا ان "سماحته يفضل ان يبقى الائتلاف متماسكاً وتشترك فيه جميع الكتل السياسية".. وهو ما اكده علي النجفي نجل المرجع الشيعي بشير النجفي قائلا بلغة ملتوية ان «المرجعية في النجف لاتدعم اي كيان سياسي او فرد في الانتخابات المقبلة على حساب الآخر»، واضاف «لكن المرجعية في الوقت نفسه تؤيد بقاء الائتلاف العراقي متماسكاً»، مشيراً الى «ان الشعب العراقي لا يمكن له ان ينسى انتماءه الديني".


انتباه رجاءً ..المرجعية لا تدعم اي كيان سياسي .. ولكنها تؤيد بقاء الائتلاف الشيعي متماسكا .. انت لا تدعم كيان ما ولكنك تحرص على بقاء ائتلاف طائفتك متماسكا .. كما لو ان تأييد بقاء الائتلاف الشيعي متماسكا ليس دعما .. افتونا يرحمكم اللة !! هذه الدعوة من اجل تماسك الطائفة نفهمها حين نفهم المعنى المختبئ في جملة النجفي حين يبرر تأييد المرجعية بالقول : "لان الشعب العراقي لا يمكن له ان ينسى انتماءه الديني" .. ففي هذه الجملة الاخيرة تنام تقية قرون .. وهي جملة تحتاج الى مترجم لكي يفك رموزها الباطنية.


ترجمة لغة ابن النجفي بلغة واضحة يعطينا هذا التسلسل المنطقي : المرجعية لا تدعم اي كيان سياسي .. ولكن المرجعية تؤيد بقاء الائتلاف الشيعي متماسكا ..لماذا .. لان الشيعة لا يمكن لهم نسيان انتمائهم المذهبي.. فالانتماء الديني في لغة النجفي الباطنية تعني الانتماء المذهبي .. بمعنى اخر على العراقيين الشيعة ان لا ينسوا انهم شيعة قبل ان يكونوا عراقيين .. وهذه الرسالة المشفرة لثقافة اعتادت التقية تطرح التصور الطائفي لرجال الدين الشيعة : التنظيم السياسي يجب ان يستند على الانتماء الطائفي.


باختصار.. المرجعية تطالب بالقوائم المفتوحة ولكنها تدعوا باطنيا الى الطوائف المغلقة .. هنا كما في مواقف كثيرة عبر تاريخ العراق المعاصر تزودنا المرجعية الشيعية بدليل اخر على ان الطائفية في العراق هي اشكالية شيعية .

2009/09/30

بؤس ثقافة الحكواتية .. استكان شاي مع نوربرت إلياس


يُحكى ان رجلاً من جزيرة كريت قال ذات يوم ان الكريتيين (سكان جزيرة كريت) كذابين .. ولكن بما انه هو ايضا من سكان تلك الجزيرة فهذا يعني بنفس المنطق انه هو ايضا كذاب ..وبالتالي فيجب اعتبار مقولته عن كذب الكريتيين نوع من الكذب ولا يجب الأخذ بها !! فلاسفة اليونان يستشهدون بتلك الحكاية مثالا على فخ اللغة الاطلاقية التعميمية .. استحضر تلك الحكاية وانا اطالع مقال المدعو طالب الشطري المعنون "سمات المجتمع العراقي".. حيث يقول فيه ان العراقيين كذابين لانهم بحاجة الى الكذب .. العراقيون كذابون .. لنفترض .. ولكن "اخينا بالله" هو ايضا عراقي .. مما يعني بنفس المنطق انه هو ايضا كذاب .. وبالتالي فان مقولته الاطلاقية غير مقبولة .. لانها صادرة عن كذاب .

ومثل هذا الحكواتي يسمونهم عندنا مثقفين !! ومثل هذه البهلوانيات الخطابية تسمى عندنا ثقافة !! لنستمع لبعض بهلوانيات الشطري حيث يقول :"الاعتقاد ان العنف ناتج عن المشكلة السياسية بينما الحقيقة التي اراها هو ان المشكلة السياسية سببها الحاجة الى العنف".. الشطري يريد "تفكيك" المجتمع العراقي وتحديد سماته ولكنه يستخدم درنفيسات "اراها" .. هو يعتقد انه يكفي ان يقول "اراها" لكي تتحول الخطابة الى حجة مقنعة..عندما اقرأ لهولاء الحكواتية افهم كيف ولماذا اصبح شخص كمقتدى الصدر قائدا للملايين في بلد يدّعي ابوة الحضارة وامومة الكتابة .

واحدة من مسلمات علم الانثربولوجيا هو ان الخلاف في المجتمعات البشرية ثابت تاريخي .. وان العنف يظهر فقط عندما تنعدم امكانيات حل الخلاف .. حتى الحيوانات لا تلجأ للعنف من اجل "الحاجة الى العنف" .. بل تلجأ اليه لضرورات حيوية كالغذاء او الدفاع عن حدود اراضيها .. بمعنى ان العنف ليس حاجة وانما وسيلة لاشباع حاجة او للدفاع عن حاجة .. العنف/الحرب تندلع عندما يتعذر حل خلاف ما .. من هنا قول منظّر الحرب كلاوزفيتز : ان "الحرب هي ممارسة السياسة بطرق اخرى" .. بمعنى ان الحرب هي محاولة للتأثير على طرق حل خلاف ما او من اجل خلق ارضية او علاقة قوة تهدف الى حل الخلاف لصالح طرف ما .

لقد عودتنا ثقافة الحكواتية على طُرُق لطرح الاسئلة تُغيّب معنى الاسئلة .. وعلى طُرُق لطرح المشاكل تحجب اسباب المشكل .. وهذا ما يقوم به الشطري هنا حين يقول : "سنظل بلد مسدسات وبنادق ومكاوير وجيوش جرارة من الحمايات بسبب فراغنا الروحي وحاجتنا الى مظاهر القوة".. نحن هنا امام ما يمكن تسميته بثقافة الحكواتية التي لا تملك من حجة غير حكم القيمة .. فواحدة من سِمات ثقافة الحكواتية هي انها لا تقول لنا كيف توصلت الى استنتاجاتها .. وما هي المُسَلَّمات والحجج التي مهدت الى ذلك .. في ثقافة الحكواتية يكفي ان تقدم كليشة مُريحة للرؤوس الاسفنجية لكي تُقيم حجتك .

لو كان الفراغ الروحي كما يقول الشطري هو المسؤول عن تحول بلد ما الى " بلد مسدسات وبنادق" لكانت البلدان الاسكندنافية اليوم في فوضى عارمة .. ولو كانت الروحانيات هي المعيار لكانت سويسرا اليوم كـ قندهار طالبان .. فرنسا القرن الخامس عشر كانت اغنى "روحيا" من فرنسا اليوم .. اثر الدين المسيحي كان قويا في نفوس الناس.. ولكنهم كانوا يعيشون في حرب دائمة وفي خوف وتربص دائم .. وغياب الامن هذا هو ما كان يُجبر الناس على حمل أسلحتهم أينما ذهبوا.. بمعنى ان غياب الامن هذا هو ما جعل فرنسا انذاك "بلد مسدسات وبنادق" .. المقاطعات الفرنسية كانت تقاتل بعضها بعضا .. المدن الفرنسية كانت في خصومة دائمة وعراك دائم .. احياء المدينة الواحدة كانت تتقاتل فيما بينها .. وتفاصيل ذلك التاريخ نجدها في كتاب نوربرت الياس "مسار الحضارة".

السؤال الان هو : اذا كان الدين المسيحي وروحانياته غير كافية لخلق "غنى روحي" وبالتالي سلم مدني في فرنسا ذلك الزمان .. فما الذي ساعد اذا على تكوين هذا السلم .. كيف حصل ان فرنسا التي كانت تستمتع بحفلات حرق القطط وقطع الانوف هي فرنسا اليوم .. وبلغة الشطري، ما الذي حصل لكي تتغير فرنسا تدريجيا من "بلد مسدسات وبنادق" الى فرنسا اليوم ؟ طرح السؤال بهذه الطريقة يوجه الاجابة الى افاق اخرى تغيبها اسئلة الحكواتية.

نوربرت إلياس وهو عالم الاجتماع الأشهر في القرن العشرين يقول ان فرنسا كانت تعيش آنذاك في فوضى "لانه لم يكن هناك قوة رادعة قادرة على فرض الاعتدال والنظام بين الناس. وعندما ظهرت سلطة مركزية قوية في بعض المناطق، وبدأت بإجبار الناس على ترك العنف، بدأت فرنسا تشهد تغييراً تدريجيا في سلوكيات الناس وقيمهم".. وبحسب نظرية إلياس فان السلوكيات المتحضرة هي مسار تدريجي وتراكمي نتج عن نشؤ الدولة وتحكمها "بوسائل العنف المشروع" .. هكذا تكلمت السوسيولوجيا التاريخية.

باختصار .. وخلافا لما تقوله اللغة التحقيرية لحكواتية فاشلين فكريا .. العنف ظاهرة كونية ..وهو ليس حصرا على ثقافة بدوية او عراقية او عربية كما تردد الاسطوانة التحقيرية التي اشاعها امثال علي الوردي بين انصاف المتعلمين .. والدولة القوية القادرة على فرض سلطتها هي شرط اختفاء العنف الاجتماعي .. وليس الروحانيات والخزعبلات .. نحن"بلد مسدسات وبنادق" ليس لاننا نعاني "فراغ روحي".. اخر ما نحتاجه هي الروحانيات .. ماذا اعطتنا قرون من قراءة نهج البلاغة ؟ .. رجال دين يسرقون، يغتصبون الاطفال، ويتحرشون جنسيا بـ "الزايرات" !!

لا،لا.. لسنا بحاجة الى روحانيات .. نحن بحاجة الى قوانين ودولة قادرة على فرض هذه القوانين ..نحن بحاجة الى قيم اجتماعية تنظم شؤون الارض التي نعيش عليها .. وليس الى روحانيات وغيبيات.. فارض الرافدين تموت اليوم قحطا بسبب سموم "الروحانيات" .. ما نحن بحاجة اليه هو انسان يحترم القواعد الاجتماعية ولا يسرق او يحرق ممتلكات المجتمع .. وقرون من روحانيتكم فشلت في انتاج مثل هكذا انسان .. فروحانيات مبدأ الشفاعة لم ولا ولن تخلق غير رعاع معاقين اخلاقيا .. لذلك ومن اجل خلق انسان لا يسرق .. يجب ان يفهم الافراد ان كل تجاوز على المجتمع وقواعد المجتمع وممتلكات المجتمع سَيُحاسب ويُعاقب من قبل سلطة رادعة هنا وألان وعلى كوكب الارض .. وليس في يوم القيامة وبحضور محامي دفاع من "آل البيت".

العراق عندما تخلى عن "خزعبلات الملا" انجز وخلال عقود ما انجزته دول اخرى خلال قرون .. ولكن الاسلامجية الشيعة خرجوا علينا يكفرون الدولة العراقية لانشغالها بالماديات واهمالها روحانيات الشعب وحقوقه في اللطم والتطبير .. وهاهم قد غلبّوا "روحانياتهم" وخزعبلاتهم فماذا كانت النتيجة : حرامية مصارف وعلاسة وسرسرية .. آن الأوان للحكواتية الذين ساروا ذات يوم في مواكب ثقافة اللطم وصرخوا بهوسة دولة "آل البيت" الشيعية في الجنوب ..آن الاوان لهولاء لكي يفهموا ان دولة تُديرها ثقافة مفاتيح الجنة لن تنتج غير الحرامية والعلاسة.. وان "روحانيات" صكوك الغفران لن تنتج غير الارواح الميتة والسرسرية.

2009/09/16

لماذا لم يتوقف ماكيافلي في سوق السراي ؟

فترة الازمات كانت دائما فترة الاسئلة والتأملات الكبيرة في تاريخ البشرية .. كتب افلاطون وارسطو في السياسة كانت نتيجة الازمة التي ضربت المجتمع الاثيني .. كتب ماكيافلي  "الامير" وخصوصا "تاريخ فلورنسا" و"تيتو ليفيو" كانت نتيجة للحروب الاهلية الايطالية .. ماكيافلي كان يبحث عن "امير" ينقذ ايطاليا من الفوضى .. كتاب ليفياثون لتوماس هوبز كان ايضا نتيجة للحرب الاهلية الانكليزية .. السلطة القوية هي اولوية الاولويات كما يقول توماس هوبز.. وبلا سلطة قوية فقانون الغاب هو المصير.. في زمن الازمات تظهر الاولويات السياسية بشكل اوضح .

اليوم وقد اكتملت حلقة كاملة في تاريخ العراق المعاصر .. اليوم وقد وصل الاسلامجية الشيعة الى الحكم نكون قد جربنا في العراق كل التيارات السياسية .. بدءً من التيار الليبرالي في العهد الملكي ومرورا بالتيار الشيوعي والقومي في العهد الجمهوري وانتهاءً بالتيار الاسلاموي الشيعي في "العهد الامريكي" .. واذا كان ممكنا في السابق الحكم على التيارات الأنفة الذكر.. فالحكم على التيار الاسلاموي الشيعي لم يكن ممكنا وذلك لأنهم لم يمارسوا سلطة .. كيف تواجه اناس محملين فقط بشعارات .. حرب خاسرة ان تواجه شعار.. ولكن ستة سنوات من حكم الاسلامجية الشيعة منحتنا من المعطيات ما يمكننا من الحكم على شعاراتهم .. ستة سنوات هي فترة كافية للحكم على شعار.

الاسلامجية الشيعة .. والاهم .. سرديتهم اللطمية هي اليوم امام محكمة الواقع .. وليس هناك اعدل من محكمة الواقع .. كل يوم في السلطة سيفضح اكثر فاكثر تلك السردية التي قامت على الاكاذيب والمبالغات والنفخ على جمرالاحقاد القرووسطوية .. واذا كان هناك من "ايجابي" في كل الخراب الحالي فهو يكمن هنا .. فوجودهم في السلطة ، ممارساتهم، فسادهم الذي بزوا فيه كل من جاء قبلهم .. كل ذلك سيعيد الى التاريخ العراقي المعاصر ابعاد غيبتها اكاذيب ومبالغات السردية الشيعية .. فالخراب الحالي في جزءه الاكبر هو نتاج سردية المظلومية الشيعية التي سخرها الامريكي لتنفيذ اغراضه.. ولن يكون هناك عراق ما لم تفكك تلك السردية الضدية وترمى الى مزبلة التاريخ .

اقول سردية لان الموضة اليوم عند ديكة ثقافة اللطم او عند "تاركي" سفينتها الغارقة هو شخصنة المشكلة من خلال شخصنة المسؤولية .. اي تحميل اشخاص معينين مسؤولية الكارثة .. من هنا اسطوانة "خدعونا".. يقصدون رجال الدين ومن لف لفهم .. وهم بذلك يحاولون التملص من مواجهة مسؤوليتهم .. فخلف اسطوانة "خدعونا" هناك محاولة لعدم الاقرار بشيء في غاية الاهمية .. وهو ان الكارثة الحالية هي نتاج ثقافة وليست نتاج اشخاص .. الكارثة الحالية هي نتاج ثقافة لطمية قرووسطوية .. خلف الكارثة الحالية تقف سردية ضدية تُحتم الاصطدام بالاخر .. وهي سردية مزروعة في ارواح واجساد الملايين .. بمعنى ان المسؤولية اكبر من مسؤولية اشخاص .

هذه ليست المرة الاولى التي نُحمّل فيها الساسة مسؤولية كوارثنا .. الم نُحمّل في السابق "الملك"، "الوصي"، "الزعيم"، "الدكتاتور" مسؤولية مشاكلنا ؟ كما لو انهم ليسوا "منا وبينا ومن عدنا" !! من هنا فهذه ليست المرة الاولى التي نسمع فيها اسطوانة "خدعونا" .. انها اسطوانة قديمة قدم اوهامنا الايديولجية .. قديمة قدم سذاجتنا السياسية .. قديمة قدم النظرة الشعرية القيمية السائدة في الثقافة العراقية .. وقد حان الوقت لتوسيع نطاق المسؤوليات .. ثقافة تُحمّل سياسي ما المسؤولية اليوم بعد ان كانت تصفق له فيما مضى هي ثقافة غير جديرة بالاحترام .. خدعونا .. ربما .. ولكن لأننا كنا مهيئين للخديعة وبهذا المعنى فنحن ايضا نتحمل المسؤولية .. لم اعد اذكر من القائل ما معناه : في السياسة عندما تخدع في المرة الاولى فهو دليل عاطفة صادقة او حماس متسرع يحسب لك .. ولكن عندما تخدع في المرة الثانية فانت مذنب وبالتالي مسؤول .

سادتي المخدوعين .. حان الوقت لنظرة واقعية للسياسة .. فكل هذا الخراب يضعنا امام شيء مهم لا مفر من مواجهته .. وهو اننا بحاجة الى قراءة "دار دور" السياسة .. ابجدية السياسة .. آن الاوان لترك سراديب الدجالين ودكاكين الفهلوية المجترين للخطب الاخلاقوية الكاذبة .. حان وقت الجلوس في صف الاستاذ ماكيافلي .. فـ "دار دور" السياسة هي ماكيافلي .. والوعي بالعالم "كما هو" لا كما تقدمة لنا الايديولوجيات هو ماكيافلي .. وطريق الخروج من العقلية الاسطورية القرووسطوية يمر بـ ماكيافلي .. وشرط الدخول الى الحداثة السياسية هو مواجهة الحقائق المرة التي يقدمها لنا ماكيافلي عن البشر والسياسة .. وقد حان الوقت للخروج من مرحلة المراهقة السياسية التي تحكمها النظرة القيمية للعالم .

سادتي "شاربي الشاي" .. آن الاوان لنفهم ان كوكب الارض لا تسكنه الملائكة .. على كوكب الارض هناك بشر فقط .. وعلى كوكب الارض لن ياتي لزيارتكم لا "مهدي" ولا "غودو" .. وطالما انكم بانتظار "غودو" فالخراب هو "المنتظر" الوحيد .. سادتي المخدوعين .. السياسة ليست معركة اسكاتولوجية بين الخير والشر .. السياسة هي الاختيار بين نظام سيء ونظام اسوء .. وبهذا المعنى فان السياسة هي فن الممكن .. وليست فضاء للمطلقات .. وعلينا ان نتذكر ان محكيات الوهم التي ارادت خلق الجنة على الارض انتهت بتحويل الارض الى جحيم .. آه كم كان العراق سيكون مختلفا اليوم لو فهم "ماركس ابو دشداشة" ذلك في الخمسينات .

سادتي المخدوعين .. الاستمرار في الخوض في تجاذبات صريفة بني ساعدة هو استمرار في النظر للعالم من خلال العقلية القرووسطوية .. والنظر للعالم بعقلية قرووسطوية هو استمرار في قتل العالم .. وعليكم ان تختاروا .. اما كهرباء وماء لبيوتكم واطفالكم ..او ظلام دامس للبيوت وللارواح .. وعليكم ان تعرفوا، سادتي المخدوعين، ان ظلمة البيوت هي من ظلمة الارواح التي انتجتها "فيوزات" صريفة بني ساعدة .


كلمة اخيرة .. سادتي المخدوعين .. حيث تغيب "السياسة" (كدراسة ومعرفة للواقع) يظهر الدجل .. وحيث يظهر الدجل يظهر "مقتدى الصدر" .. وحيث يظهر مقتدى الصدر تختفي الحضارة .

2009/08/30

من فَجّرَ نفاخة الزعطوط ؟ .. اعترافات إرهابي سابق


حتى في صمته هناك أخطاء إملائية !! هذا هو الانطباع الذي اخرج به في كل مرة انظر فيها للمالكي.

حتى في صمته هناك أخطاء إملائية .. فما بالك اذا تكلم .. وهو في
اخر خطاب، قبل ثلاثة ايام امام عشيرة العكيل ، قد اقترب في تعليقاته الصبيانية المنفعلة من حدود الاعترافات اللاواعية .. وسقطاته هذه المرة من العيار الثقيل .. وليس مضيعة للوقت التوقف عندها .. لنتذكر فقط ان اللاوعي يعبر عن نفسه في حالات الاحتقان الحادة .. وبهذا المعنى فان لغة المالكي المنفعلة هنا لها قيمة كشف هائلة .

تعليقات المالكي هنا هي بخصوص التفجيرات الاخيرة التي حدثت في بغداد .. المالكي يستغرب من احتضان بعض دول الجوار العراقي «ارهابيين وقتلة».. ثم يضيف مهددا سوريا : «ليس صعباً علينا القيام بما قاموا به من أعمال تفجير، وبإمكاننا ان نعمل هذا، ولدينا الخبرة والقدرة والقابلية، ونعرف كيف ومن أين» .. انتباه رجاءً .. اذا لم تستوعب هذه الجملة جيدا فاقترح عليك إعادة قرأتها ..لان المالكي هنا وبلاوعي يعترف بسوابقه كارهابي وبخبراته في هذا المجال حين كان زائرا دائما لأقبية المخابرات الاقليمية .. آنذاك كانت السيارات المفخخة وسيلة "حوار سياسي" مع السلطة في العراق .. هنا نحن امام ما يمكن تسميته بـ"اعترافات عميل سابق" .. ارهابي سابق .. تبدلت الادوار ..نعم.. ولكن قوانين "
اللعبة الكبرى" ثابتة إقليميا .

المالكي يضيف بعد ذلك معاتبا "الاقبية" التي خبرها سابقا .. حيث يقول : "أي قيم ستسود المجتمعات اذا سادت قيم احترام الارهابيين والمجرمين» .. لا فض فوك !! واسمح لنا بالإضافة : أي قيم ستسود المجتمعات إذا كان "قادتها" إرهابيين سابقين !! وأي قيم ستسود المجتمعات اذا كانت حكوماتها تسرق البنوك .. وأي قيم ستسود المجتمعات اذا كان "حاميها حراميها" .. عن أي قيم تتحدثون وقد حولتم العراق الى افسد بلد في العالم !! فاقد الشيء لا يعطيه.

اما جملة المالكي الأخيرة فهي جملة فنطازية في صياغتها ، حيث يقول لنا : "الإرهاب مرض سرطاني يرتد على الآخرين" .. وهذه اول مرة في حياتي اسمع فيها ان من خصائص السرطان هو الارتداد على الآخرين !! من يقول لهذا "الورم الخبيث" ان السرطان مرض غير معدي .. وبهذا المعنى فهو لا يتجه نحو الخارج .. السرطان هو "داخل" مريض .. هو خلايا داخلية مريضة ..تتكاثر وتدمر بخبثها خلايا اخرى قريبة لها من نفس الجسم .. والأجسام تموت بتكاثر الخلايا الخبيثة في بعض أعضائها .. والعاقل يفهم !!
~
واحدة من خصائص المنطق الاعرج هو انه يضع النتائج في موقع الاسباب .. "الارهاب"/ العنف الذي هو نتيجة الصراع السياسي الطائفي يتحول في المنطق الاعرج الى سبب .. "الارهاب" بلغة المالكي هو السرطان .. بينما كل الدلائل تشير الى ان "الارهاب"/العنف هو نتيجة للطائفية التي هي سبب كل الدمار الذي لحق بالمجتمع العراقي.. الطائفية هي السرطان .. فمن هي "الخلايا المريضة" .."الاورام الخبيثة" التي سرطنت الجسد العراقي؟؟

المالكي ليس اول سياسي في السلطة يستخدم سياسة كبش الفداء .. وفحواها رمي مسؤولية المشاكل الداخلية على الأخر او الخارج .. البحث عن مذنب وتحميله مسؤولية اخطائنا هو تكتيك قديم قدم البشرية .. قوانين "الفيزياء" الرعاعية ثابتة : اتهم الأخر و نَم قرير العين .. الرعاع بحاجة دائما الى "أخر" يسلطون عليه نقمتهم ويريحون انفسهم من سؤال مسؤوليتهم .. ودور السياسي الفهلوي يكمن في توجيه اصبع الاتهام إلى الأخر .. "السعلوة الارهابية" ضرورة لقمع خيال "الصغار" .

ولكن ما لم يفهمه الزعطوط اللطمي حتى الان هو ان سياسة كبش الفداء مدمرة لصاحبها على المدى البعيد .. رمي مسؤولية أخطاءنا على الأخر هو سلوك قاتل للذات على المدى البعيد .. عدم تحمل مسؤولية خطأ ذاتي ينتج شخصية تبريرية .. شخصية "كبشفدائية" ترمي مسؤولية أخطائها على الآخرين .. وهي لذلك لا تتعلم من أخطائها .. والناتج هو شخصية فاشلة اجتماعيا .. وبالتالي سياسيا.

الطائفية في العراق هي "بالون" نفخه الزعطوط اللطمي الى اقصى حد .. وقدر "البالون" المنفوخ الى اقصى حد هو الانفجار .. نفاخة منفوخة الى اقصى حد .. نفاخة كان عليها ان تنفجر .. فبوجه من تنفجر ؟؟ بوجه نافخها الغبي بالطبع .. درس الزعاطيط الاول .. درس النفاخة الذي تعلمناه صغار ما زال عصيا على هذا الزعطوط اللطمي الذي يرفض ان يكبر .. من يُعلّم الزعطوط اللطمي درس النفاخات الاول؟