2011/05/21

كما تكونوا تكون ديمقراطيتكم .. استكان شاي مع برناردشو


 واحد من اغرب التصريحات التي قرأتها موخرا هو تصريح من يسمى بالمرشد الروحي لحزب الفضيلة الشيخ محمد اليعقوبي الذي يقول ان «الديموقراطية أثبتت فشلها في العراق». والسبب هو أن «النظرية الغربية المبنية على الديموقراطية أثبتت فشلها في تحقيق العدالة لأن أساس الحكم هو العدل، والهدف منه توزيع الحقوق والواجبات على الناس بالقسط والعدل وهذا ما لم تستطع تحقيقه تلك النظرية الغربية».

الديمقراطية هي مجموعة ضوابط لتنظيم العمل السياسي في بلد ما.. وهي بذلك لاتختلف عن مجموعة الضوابط  والقواعد المرورية التي تنظم حركة السير في شارع ما .. وعندما  لا يلتزم الناس بقواعد المرور .. يتحول الشارع الى فوضى  .. فهل هذا يعني ان قواعد المرور هي السبب ؟ بالطبع لا.. السبب يكمن في عدم التزام الناس بقواعد المرور .. ونفس الشيء يمكن ان يقال عن الديمقراطية التي هي مجموعة ضوابط وقواعد لتنظيم حركة المرور السياسي بين الاحزاب والتيارات المتصارعة على السلطة.. وعندما تفشل الديمقراطية فالسبب في ذلك هُم من يدّعون ممارستها ولايلتزمون بضوابطها.

اما القول بان الديمقراطية هي نظرية غربية وانها لاتتوافق مع "المجتمع الاسلامي" كما يدل المتضمن في تصريح "المرشد الروحي".. فهي حجة قرووسطوية ولا تقنع الا ساذج .. فهناك بلدان اسلامية تطبق نظرية الديمقراطية وتنعم باستقرار سياسي وتطور اقتصادي لابأس به.. تركيا انموذجا.. ثم تعال يا شيخ وقل لي.. المطبعة التي تطبع نهج البلاغة هي ايضا من اختراع غربي..السيارة اوالطائرة التي تحمل السيستاني للعلاج في لندن هي اختراع غربي!! حتى ملابس نسائكم الداخلية هي صناعة غربية!!  فلماذا تستخدمون كل المنتجات الغربية وتنتفعون منها وتعيبون على الديمقراطية منشأها الغربي.. ثم ماذا لديكم انتم كبديل في هذا الاطار.. الف واربعمئة عام وكل مالديكم هي حروب جمل لم تنتهي بعد.. الف واربعمئة عام وكل ما لديكم هو مشروع حرب اهلية.. هذا هو نموذجكم السياسي حتى الان.. فمن نصدق .. لغوتكم عن العدل والعدالة ام فسادكم ودريلاتكم!! 

ثم من قال ان هدف الديمقراطية هو تحقيق العدالة الاجتماعية ؟  فلو كان هدف الديمقراطية هو تحقيق العدالة الاجتماعية لكان علينا اعتبار الاتحاد السوفيتي نظام ديمقراطي.. لانه العدالة الاجتماعية  كانت متوفرة في الاتحاد السوفييتي.. ونفس الشيء ينطبق على الصين.. ثم ان هناك بلدان ديمقراطية كثيرة ولكن العدالة الاجتماعية فيها تتفاوت.. امريكا هي بلد ديمقراطي من ناحية الحريات.. ولكنها متخلفة في حقل العدالة الاجتماعية  قياسا للبلدان الاسكندنافية.. بمعنى ان الديمقراطية هي عدالة سياسية قبل ان تكون عدالة اجتماعية.. جوهر نظرية الديمقراطية هي الحريات المتساوية للجميع.. والعدالة الاجتماعية من دون حرية سياسية هي دكتاتورية.. واستخدام الملا الفضفاض لمفردتي العدالة والعدل هدفه دفن مبدأ الحريات الذي يرفضه الاسلامجية.

للديمقراطية شروط واهمها هو شرط الحرية.. ومن دون تلك الحرية ليست هناك ديمقراطية.. مبدأ الديمقراطية الاول هو "وان فويس، وان فوت" بمعنى ان كل مواطن يملك صوته.. وهذا المبدأ يتعارض مع منطق الفتوى التي هي مصادرة وقتل لهذا المبدأ .. ان تُخيّر"عبد السادة" بين التصويت لقائمة شيعية او حرمانة من حصته التموينية هو اغتصاب فكري لعبد السادة وقتل للحرية التي هي اساس الديمقراطية.. اذا من فشل في العراق.. الديمقراطية ام من اغتصبوا مبادئها ويحاولون اليوم رمي مسؤولية الفشل عليها ؟؟ لا ، ما فشل في العراق هو ليس الديمقراطية.. ما فشل في العراق هي ديمقراطية الملا.. ديمقراطية المرشد الروحي.. "ديمقراطية الفتوى".. وهنا نحن امام صراع اضداد.. تناقض منطقي.. لأن الفتوى هي نقيض ونقض لمبادئ الديمقراطية.

هناك مقولة رائعة لـ برناردشو يصعب ترجمتها من دون خيانة جماليتها الاسلوبية وعمقها.. لذلك ساحاول ان اترجمها حرفيا.. لانها مقولة تشاكس وتفضح المنطق التبريري الكبشفدائي والضدي النائم في تصريح "المرشد الروحي" لحزب الفضيلة المفقودة .. برناردشو يقول :

Democracy is a device that ensures we shall be governed no better than we deserve  

الديمقراطية هي جهاز يضمن اننا لن نُحْكَم افضل مما نستحق.

ومع بعض التصرف بالمقولة العربية الشهيرة فهي تعني كما تكونوا تكون ديمقراطيتكم .. وهذا ما لم ولا ولن يفهمه "المرشد الروحي".. مرشد روحي بحاجة الى ارشاد!! هل نستغرب كل هذا الخراب !! 

2011/04/30

تحول الطموح الى جريمة


نشر باتريك سيل يوم امس مقال بعنوان "المدّ القومي العربي الجديد " يقول فيه "يبدو أنّ المنطقة تشهد لحظة عروبة جامعة جديدة. وهذه العروبة الجامعة الحديثة العهد، التي تبدو أكثر صدقاً من تلك التي روّج لها في الماضي زعماء منفردون، أمثال جمال عبد الناصر أو خصومه في حزب البعث، فهي عبارة عن اتحاد بين الشعوب، وليس اتحاد بين الزعماء . لقد مُنيت العروبة السياسية بالفشل، فهل ستنجح العروبة الشعبية أكثر منها؟" انتهى.

لا اعرف على اي اساس بنى باتريك سيل حجته من ان ما يحصل هو لحظة عروبة جديدة .. فالعروبة او الشعارات القومية لم تكن الدافع الاساس وراء التغييرات التي تحصل في البلدان العربية اليوم .. مطالب الاصلاح المحلية كانت هي الاهداف السائدة.. واذا كان هناك من مستفيد سياسيا من هذه التغييرات فهي التيارات الاسلامية .. وخطاب هولاء يتجاوز الخطاب القومي العروبي الى الاممي الاسلامي.

ثانيا .. حتى وان صحت فرضية اننا ازاء لحظة عروبة جديدة .. فان حجج باتريك سيل تبدو لي هشة وهو يقارن بين ما يسميه "العروبة السياسية" السابقة و "العروبة الشعبية" الحالية .. فهو يعتقد ان فشل العروبة السابقة ناتج عن كونها عروبة مفتعلة وغير صادقة .. لانها كانت عروبة نخبوية روج لها زعماء منفردين كعبد الناصر والبعث .. وهذا ما يميزها برأيه عن لحظة العروبة الشعبية الحالية.. وهذا كلام غير دقيق تاريخيا .. وساذج تحليليا.

اولا ..عروبة الخمسينات لم تكن عروبة نخب روج لها زعماء منفردون كما يدعي باتريك سيل .. لقد كانت حركة جماهيرية واسعة .. لا بل هي اكثر صدقا وعفوية من "العروبة" الحالية اذا ما استحظرنا الجو الايديولوجي الذي كان سائدا في المنطقة انذاك .. ولكن من قال ان عفوية او صدق حركة ما هو سبب نجاحها.. انا شخصيا اعتقد ان احد اسباب فشل العروبة السابقة يكمن في عفويتها وصدقها وخصوصا في سذاجة شعاراتها وعدم مهنية قادتها .

وما يقلقني اليوم بالتحديد .. هو ان "الثورات" العربية الحالية لا تختلف كثيرا عن الثورات التي حصلت في خمسينيات القرن الماضي ..وخصوصا عندما نستمع لسذاجة الخطابات المرافقة لها.. ولديماغوجية التيارات المرشحة للاستيلاء عليها.. فالانقيادية القطيعية للجماهير امام المغناطيسية العالية للخطاب الاسلاموي اليوم لاتختلف عن قطيعية الجماهير امام خطابات "صوت العرب" في الخمسينات .. والتفائل المفرط السائد اليوم لايختلف كثيرا عن التفائل الذي كان سائدا في ثورات الخمسينات .

عندما اسمع وائل غنيم يقول ان مصر ستصبح في المراتب الاولى بين اقتصاديات العالم في السنوات العشر القادمة .. فانني اضع يدي على قلبي !! فقول غنيم يذكرني باحد قادة دول منطقتنا عندما وعد صحفي من "الديرشبيغل" في بداية السبعينات من ان بلاده ستصبح في مستوى المانيا خلال عشر سنوات ! 

الطموح والتفائل هي اشياء مشروعة على شرط ان لا تشطح عاليا في الاوهام .. لان السقوط عندها سيكون مدوي .. هذا هو درس تجربة العروبة السابقة .. لا نحتاج الى عواطف صادقة .. نحتاج الى الوضوح .. وقليل من التواضع .. هناك مقولة رائعة للكاتب الفرنسي شاتوبريان تختصر هذا الدرس : 


L'ambition dont on n'a pas les talents est un crime 
  

الطموح الذي لانملك مؤهلات تحقيقه هو جريمة.

اجيال كثيرة من العرب بعثرتها مثل هكذا طموحات مجرمة .. وبعض الاوطان تموت اليوم لان قادتها  كانوا طموحين اكثر من اللازم ! 

2011/04/17

العالم "ضيعة" صغيرة




لم اعد اذكر بالتحديد عنوان تلك اللعبة التي كنت احبها وانا صغير.."اعثر على الفروقات بين الصورتين" او شيء من هذا  القبيل.. صورتان متطابقتان تماما.. مع بعض الفروقات في التفاصيل الدقيقة.. وعليك ان تجد هذه الفروقات.. كانت لعبة مسلية جدا ومفيدة في تقوية الملاحظة البصرية.. نوع من الشطرنج البصري.. لم العب هذه اللعبة  منذ زمن بعيد.. بالامس فقط تذكرتها.. وانا احاول المقارنة في تفاصيل "صورتين" قادمتين من قرية سورية.

قبل ثلاثة ايام نشر موقع الثورة السورية هذا الفيديو المرفق هنا الذي يظهر مشاهد تعذيب لمواطنين سوريين عزّل من قبل قوات النظام السوري.. مكان الحدث هو قرية البيضا قرب بانياس.. والمواطنين هم من ابناء تلك القرية.. كل من عاش في جمهوريات الاسلاك الشائكة يعرف ان هذه المشاهد تحصل كثيرا.. في اقبية السجون غالبا.. وفي الاماكن المفتوحة في حالات استشنائية كحالات الانتفاض على السلطة.

وكالات الانباء تناقلت هذه المشاهد المدمرة رمزيا للنظام السوري.. ولكن الاعلام الرسمي السوري شكك بهذا الفلم وبصحته وبمكان تصويره.. لا بل ان البعض ذهب في هلوستة الى حد القول ان هذا الفيديو مصور في العراق وان القوات الامنية التي تظهر في الفلم هي قوات البيشمركة الكردية.. موقع الثورة السورية وردا على تكذيب الاعلام السوري نشر امس فيديو اخر يصور احد المواطنين الذين يظهرون في الفيديو الاول .. ويبدو انه نفس المواطن الذي ظهر الاقرب للكاميرا في فلم التعذيب.. والاهم من كل ذلك هو ان الفيديو الذي نشر يوم امس قد تم تصويره في نفس الساحة التي تم فيها التعذيب في قرية البيضا.

لقد تفحصت هذه الفديوهات طويلا ..واعدت مشاهدتهما عدة مرات.. ولكي اقطع الشك باليقين التقطت صورتين لنفس الخلفية من كلا "الفلمين".. ووضعتهما جنبا الى جنب.. وبدأت ابحث عن اوجه الشبه والاختلاف.. وهنا تذكرت لعبة الفروقات بين صورتين التي كنت احبها صغيرا.. وتذكرت ان افضل واسرع طريقة في كشف الفروقات هي عدم التركيز على  الكبير الذي غالبا ما يخدع العين والذهاب الى الخلفيات والاشياء الصغيرة.. وهكذا كان.. كل من يقف مطولا امام الفلمين المرفقين سيجد ان المكان هو نفس المكان.. ساحة في قرية البيضا قرب بانياس.. وسيفهم ان الاعلام السوري يكذب.. وان ما يحويه الفيديو هو حدث حقيقي.. حدث حصل في سوريا.. قرب مدينة بانياس.. في قرية البيضا.. في ساحة صغيرة في مساحتها.. ولكنها ستصبح كبيرة في رمزيتها .

ابناء تلك المنطقة السورية يسمون القرية "ضيعة".. رائعة تلك التسمية المولودة لغوياَ من جذر "ضاع".. الضيعة هي مكان بعيد.. مكان ضائع.. يصعب العثور عليه.. ولكن ضيعة "البيضا" ما عادت كذلك .. فنحن نعيش في عصر الانترنيت..الذي جعل من العالم قرية صغيرة.. جعل من العالم "ضيعة" صغيرة.. وهذا ما لم يفهمه الاعلام الرسمي السوري.. الملايين اليوم يعرفون اسم "البيضا".. من هنا فهي لم تعد "ضيعة".. النظام السوري هو من ضاع وسيضيع بعد همجية قواته تجاه مواطنين عُزّل .

باختصار.. ما حصل في البيضا يثبت ان النظام السوري لازال يتصرف وكأن المواطنين السوريين هم بهائم.. يربطهم ويضربهم ويركلهم.. لانه يعتقد ان الوطن هو مزرعة خاصة.. لانه يعتقد ان الوطن هو "ضيعة" كبيرة.. لم يفهم بعد ان زمن الاوطان التي تدار كمزارع قد ولى. 

2011/03/31

عن رجل الاطفاء المشعل للحرائق.



بعد الاحداث الاخيرة في البحرين نشر غالب حسن الشابندر مقال يقول فيه ما معناه انه ان الاوان لحل جذري لمشاكل الشيعة العرب في الخليج العربي.. من خلال اعطاء الشيعة في الخليج حقوقهم السياسية والاقتصادية والدينية.. وهو يقول لنا انه يجب معاملة الشيعة كمواطنين من الدرجة الاولى، وليس مواطنين على الهامش. 

لم لا.. انا ايضا انادي بمعاملة الشيعة كمواطنين.. فقط كمواطنين.. ووفقا لمعيار المواطنة.. ولكن على الشيعة وخصوصا الكتاب الشيعة ان يفهموا ماذا يعني ذلك.. ويكفوا عن سلوكيات التطبيرالفكري.. فالمواطنة هي ان تكون عضوا داخل دولة تتبنى مشروعا  قائما على مشتركات وطنية جامعة.. وليس على الروابط الاولية اثنية كانت ام مذهبية .. والمواطنة تتضمن حقوق وواجبات: منها مدنية (الحريات العامة) وسياسية (المشاركة في النشاط السياسي) واجتماعية اقتصادية (العمل والصحة والتقاعد الخ).. والكل متساويين بهذه الحقوق والواجبات امام قانون ومؤسسات تلك الدولة.. هذا باختصار شديد مفهوم المواطنة.

وعندما نلقي نظرة سريعة على اغلب الدول العربية.. سنجد ان مفهوم المواطنة هذا غائب تماما عن انظمتها السياسية.. والناس فيها لايحظون بحقوقهم السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية.. وهناك في بعض هذه الدول من الفقر والفساد ما يجعل شيعة الخليج محظوظين نسبيا.. واغلب الناس في هذه الدول العربية هم من المذهب السني.. وكون الحاكم من نفس مذهبهم لم يجعلهم لا مواطنين درجة اولى ولا حتى مواطنين درجة عاشرة!! هل يجوز ان نتكلم عن مظلومية وحقوق سنية ؟؟ المصري او التونسي عندما نزلا للشوارع رفعا شعارات تنتمي لفضاء الفعل السياسي الحديث.. نادا بمطالب سياسية يتضمنها مفهوم المواطنة من حريات مدنية، وحريات سياسية و حقوق اجتماعية اقتصادية.. وداخل اطار دولتيهما.

السؤال الان هو: لماذا الشيعي البحريني عندما يتظاهر يعصب رأسه بشعار "يامهدي" ؟؟ ما علاقة المهدي بمشتركات المواطنة!! ولماذا الشيعي البحريني عندما يتظاهر يرفع صور ايات الله الايرانية.. فاطار المواطنة هي الارض والدولة التي يعيش فيهما.. ثم تعال ارجوك وقل لي: لماذا عندما تقمع الحكومة المصرية متظاهريها وتقتل المئات.. فهي حكومة سلطوية ؟؟ وحين تقمع الحكومة البحرينية متظاهريها وتقتل عشرة متظاهرين فقط فهي طائفية!! لماذا تثور ثائرة حسن نصرالله في الحالة البحرينية.. ويلوذ بالصمت في الحالة السورية.. رغم ان من سقطوا برصاص الحكومة السورية هم اكثر بكثير ممن سقطوا في برصاص الحكومة البحرينية ؟؟ 

بمعنى اخر.. اذا كان الشيعة يريدون ان تتم معاملتهم كمواطنين.. لماذا يحصرون الفعل السياسي داخل الاطار المذهبي وداخل التصورات المذهبية.. لماذا يطالبون بحقوق حصرية للشيعة.. ولماذا يقدمون مظالمهم وكأن اسبابها مذهبية.. فكل هذا هو خارج مفهوم المواطنة.. والشيعة اذ يقومون بذلك فهم من يرفض مبدأ المواطنة.. طرح الفعل السياسي داخل التصورات المذهبية هو قتل للمواطنة وللوطن.. وبهذا المعنى فان الطائفية هي اشكالية شيعية.

الاصرار على طرح المشكل السياسي من خلال الموشور المذهبي عبر مقولة المظلومية الشيعية الحصرية.. هو اصرار على عدم طرح الامور من خلال وسائل الفعل السياسي الحديث التي يتضمنها مفهوم المواطنة.. والشابندر لايفهم ذلك لانه لايفهم ماذا تعني المواطنة وما هي استحقاقتها.. وهذا الصنف من الكتاب الحكواتية ليس ظاهرة جديدة..ففي العقود الاخيرة شَغّل حكواتية من امثال الشابندر اسطوانة الحقوق الشيعية والمظلومية الشيعية  في العراق.. كل ذلك على حساب المواطنة والوطن..  ونعرف اليوم الى اين قادتنا  شخابيط هولاء الحكواتية.. واحد من هولاء هو حسن العلوي الذي اخذ يدعو مؤخرا الى الوطنية بعد ان شاهد مخلفات المظلومية التي دمرت العراق.. حسن العلوي بعثيا ثم شيعويا كان دائما في صفوف من دمروا العراق.. والعلوي اليوم يتكلم عن الوطنية والمواطنة.. ساقولها بلا مواربة.. اذا كان حسن العلوي يمثل الوطنية.. فـ تففففففففف على هكذا وطن وعلى هكذا وطنية.

باختصار.. الشابندر اليوم يستخدم نفس طرح العلوي سابقا ليحث الحكومات الخليجية على حل جذري لمشاكل الشيعة.. في حين ان هذا الطرح الطائفي هو المسؤول عن دمار العراق.. لذلك وبدل ان يعطي الشابندر نصائحه لحكومات الخليج عليه ان يوجه نظره صوب العراق..عله يفهم انه كـ طبيب يداوي الناس وهو عليل.. علّه يفهم ولو متأخرا انه من صنف "رجل الاطفاء المشعل للحرائق".

2011/03/19

رسالة الى متظاهر بحريني




هذا الفيديو بثه التلفزيون البحريني قبل ايام ويظهر فيه متظاهرون شيعة يدوسون جثة شرطي بحريني بالسيارات .. بينما يقوم احدهم بسرقة سلاح الشرطي واغراضه .. اذا كان هذا الفيديو صحيحا فان السلطات البحرينية تمتلك هنا سلاحا اقوى ردعا من كل قوات درع الجزيرة .. فقوة المظاهرات الشعبية في العالم العربي تكمن في سلميتها .. من هنا قوتها الرمزية عند الراي العام .. وهذا الفيديو مدمر رمزيا للمتظاهرين الشيعة في البحرين.

انا شخصيا افضل حاكما فاسدا على محكوم يمتلك هذا القدرمن الوحشية في معاملة جثة .. انا شخصيا افضل ان اكون ملحدا على ان انتمي الى دين يقتل بهذا الوحشية .. كيف لمن يدعي طلب العدالة ان يحمل هذه الروح الانتقامية .. كل ظلم العالم لايبرر هذه الوحشية .. والويل للبحرين لو استلم مثل هولاء سلطة .

احد الشعراء العراقيون زار البحرين مؤخرا .. وهو قد نشر مقال في "دكان" عبد الباري عطوان يقول فيه ما معناه ان البحرينيين يتظاهرون من اجل الحفاظ على اللغة العربية المهددة من قبل "الخدم والعمال الآسيويون" ثم يضيف قائلا ان " شباب البحرين انتفضوا بسبب شعورهم بالخطر الذي صار يهدد هويتهم بالفناء. قالوا ‘لا للتجنيس’. وهو موقف يُراد من خلاله التصدي لمحاولات التلاعب بالتركيبة السكانية. لا يتعلق الأمر بالتفكير المذهبي". انتهى.

هذا الشاعر مقيم في السويد والحكومة السويدية منحته جنسيتها بعد اقامة لعدة سنوات رغم انه لا يعمل ويعيش على المساعدات الاجتماعية .. وشاعرنا هذا يستكثر على الحكومة البحرينية ان تمنح العمال الباكستانيين والهنود المسلمين اللذيين يمارسون اقسى الاعمال في البحرين والخليج الجنسية .. ولماذا .. لان شاعرنا خائف على "اللحن" في اللغة العربية السائدة اليوم في البحرين.. من هنا قول شاعرنا: " لقد قضيت ثلاث ساعات بينهم في دوار اللؤلؤة مستمتعا بسماع اللغة العربية" .. تصوروا .. هذا الشاعر لم يسمع اللغة العربية في كل البحرين الا في دوار اللؤلؤة !! أتعرفون الان لماذا اكره الشعراء ولغة الشعراء ؟

لا احب حكام الخليج .. وانا مبدئيا مع كل تحرك شعبي ضد فساد هولاء الحكام .. ولكنني فوق هذا وذاك ضد الطائفية السياسية .. لانها في مجتمعاتنا التي لا زالت تنام في القرون الوسطى كالسرطان في الجسم .. من هنا فعندما يخرج بحريني ويرفع شعارات وطنية فانا معه .. اما ان يرفع صور ايات الله الايرانية .. ويعصب راسه بشعار " يا مهدي" .. فلا .

فساد السلطة له اسباب بنيوية .. وليست مذهبية .. بمعنى ان علاج سلطة فاسدة ما يتم بوضع ضوابط وقيود لحدود السلطة .. وليس بالرجوع الى المذهب الشيعي او الى نهج البلاغة .. وفساد الاحزاب الشيعية التي "حكمت" العراق خلال ثمان سنوات قد برهنت ان الفساد واحد .. سواء اكان الحاكم شيعيا ام سنيا .. بمعنى ان مذهب الحاكم ليس هو السبب في الفساد .. والبحريني الذي يتناسى هذا الدرس العراقي هو عندي "شيعوي" يهدف الى جعل الطائفة الاطار الوحيد للتنظيم السياسي .

الوطنية ليست علم ذرة معقد .. انها الولاء للوطن بمشتركات وطنية .. ان ترفع شعار "اخوان سنة وشيعة وهذا الوطن منبيعه" وتأتي بعدها وترفع صورة خميني فانت خارج مفهوم الوطنية .. تجربة العراق علمتنا اشياء كثيرة .. اهمها هو ان من رفعوا شعارات "اخوان سنة وشيعة وهذا الوطن منبيعه" في بداية الاحتلال هم نفس الاشخاص الذين حملوا "الدريلات" بعد ذلك باشهر .. الوطنية لا تحتاج شعارات .. الوطنية سلوكية .. الوطنية هو ان لاتدوس جثة شرطي بسيارات الدفع الرباعي .. كل ظلم العالم لايبرر ان تعامل جثة بهذه الطريقة البشعة.. ثم ماذا سينفعنا تغيير الحاكم الحالي اذا كان من سيحل محله على هذا القدر من الفساد الروحي ؟

2011/02/28

الشيعيون .. ومرض فقدان القدرة على الاقناع

في كتابه "تاريخ العراق السياسي الحديث" يستخدم المؤرخ عبد الرزاق الحسني مفردة "الشيعيون" .. ولكنه يطلقها على جميع الشيعة.. اي ان الحسني يستخدم مفردة "الشيعيون" كمرادف لمفردة الشيعة ومعناها العام السائد .. انا ساستعير من الحسني مفردة "الشيعيون" ولكني سامنحها معنى اخر.

مفردة "الشيعيون" عندي تنحصر بصنف محدد من الشيعة .. فليس كل من ولد لعائلة شيعية هو "شيعوي" .. ما يميز الشيعيون عن غيرهم من الشيعة هو انهم يهدفون الى جعل الطائفة البنية الاساسية للتنظيم السياسي في العراق .. الشيعيون يرفضون النظر للفعل السياسي خارج حدود الطائفة .. واكثر ما يخشاه الشيعيون هو ان يخرج الفعل السياسي من اطار الطائفة.

من هنا فالخوف الذي اعترى الشيعيون مظاهرات الاسبوع الماضي هو ليس من البعثيين او من القاعدة او الجهات المشبوهة .. لا .. ما ارعبهم هو احتمال خروج عدد كبير من الشيعة من "سياج" الطائفة .. ما اخافهم هو خروج الفعل السياسي في العراق من سجن المطالب الطائفية .. ما اخافهم هو ان يعمل السنة والشيعة في اطار سياسي عابر للطوائف .. اخافهم ان يتجمع الناس سياسيا من اجل مطالب اجتماعية عامة وليست طائفية .. من هنا مسارعة الشيعيون لطرح الامر طائفيا عبر مفردات "الجهات المشبوهة" والبعثيين والوهابيين .. لا بل ان بعضهم قالها بوضوح حين رفع فزاعة "احفاد بني امية"!!

يستطيع الشيعيون استغفال وتخويف بعض الشيعة كل الوقت ولكنهم لن يكونوا قادرين على استغفال كل الشيعة كل الوقت .. وكلام ليث منتصر يؤكد ذلك .. ليث هو شاب فقير من انصار الصدر .. ليث قال قبل المظاهرة الاخيرة إنه «على رغم تراجع الهيئة السياسية للتيار الصدري عن دعوتها إلى التظاهر لكني سأخرج للمطالبة بحقوقي وحقوق هذا الشعب التي نهبت» وأضاف: «أنا شاب تجاوزت الخامسة والعشرين وعاطل من العمل وليس لدي مسكن أنا وعائلتي. كان أملنا في قادة التيار الصدري بإنصاف المظلومين في البلاد لكنهم ما أن تذوقوا حلاوة السلطة وانغمسوا بنعمتها حتى نسوا من أوصلهم الى هذه المراكز» .. انتهى.

في السابق كان الشيعيون يقولون لامثال ليث "انتم فقراء لان الحاكم سني" .. في السابق كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي في دولة يحكمها السنة ..اليوم وبعد ثماني سنوات فساد من حكم "الشيعيون" ما عاد الفقير الشيعي يصدق تلك الحجة .. ليث لم يعد يصدقهم .. السلطة تعري اكاذيب الشيعيين.

لك ان تجند كل الائمة والقديسين .. لك ان تجتر ليل نهار خطب وخطابات نهج البلاغة.. لك ان تدعي انك من "فروخ النبي" .. ولك ايضا ان تدعي انك تملك وكالة مفاتيح الجنة ودكاكين صكوك الغفران .. ولك بعد هذا وذاك ان تستخدم الفزاعة البعثية لكي يرتجف الاتباع .. لك كل هذا .. ولكن بما انك فاسد .. بما انك في الواقع حرامي .. فان الناس لن تصدقك .. طالما انك حرامي وفاسد ومن العيار الثقيل .. فان خطابك مصاب بمرض فقدان القدرة على الاقناع.

2011/02/19

"الشعب" يريد انقاذ النظام !!

يقال ان مقتدى الصدر استلم رسالة استفتائية من اتباعه قبل اسبوع .. فحواها ان المظاهرات تعم العراق وهي بلا قيادة وهم يخشون ان تستغلها بعض الجهات المدعومة من الخارج مما قد يتسبب في ازدياد الوضع العراقي تازما.. مقتدى الصدر رد على اتباعه باسلوب رجال الدين الشيعة المعهود باللف والدوران .. باختصار تظاهروا من اجل حث الحكومة على تقديم الخدمات.. ويبدو لي ان مقتدى قد ندم على الرد المستعجل لان الامور على الواقع بدأت تأخذ ابعاد خطيرة خصوصا بعد ما جرى في الكوت.. من هنا نفي الناطق باسم التيار الصدري صلاح العبيدي يوم امس ان يكون التيار قد دعى للتظاهر .. اما النائب الصدري جواد الحسناوي فقد قال يوم امس ايضا أن «تبني التيار الصدري تظاهرات جماهيرية احتجاجاً على تردي الخدمات لا يعني أن التيار يسعى إلى تقويض حكومة المالكي وإفشالها» .. هذا التضارب في التصريحات يخبرنا ان الشيعيين يرفعون شعار "الشعب" يريد انقاذ النظام !!

تلميح الصدريين من ان تستغل المظاهرات بعض الجهات المدعومة من الخارج (وهم يرمزن هنا للسنة والبعثيين) هو نفس ما قاله المالكي والكثير من الشيعيين مؤخرا.. من اجل ارسال رسالة تخويفية الى شيعة العراق من ان "بني امية" بالمرصاد لـ "فروخ النبي".. اذا من قال ان المظلومية ماتت ؟ من هنا فشعار الشعب يريد اصلاح النظام هو شعار ساذج لايتناسب مع المشكلة العراقية.. اولا لان العراق لايمتلك ما يمكن تسميته نظام .. لا سياسيا ولا امنيا .. وفشل تشكيل حكومة كاملة بعد سنة من الانتخابات هو دليل انعدام مفهوم النظام سياسيا .. وما جرى في الكوت قبل ثلاثة ايام حين هرب المحافظ امام المتظاهرين هو دليل انعدام مفهوم النظام امنيا.. وما حصل في الكوت يمكن ان يحصل في كل محافظة عراقية .. العراق منذ ثماني سنوات هو دولة هشة ليس فيها ما يمكن تسميته بالنظام.

ثانيا، شعار الشعب يريد اصلاح النظام هو شعار ساذج لان المشكلة الحقيقية في العراق ليست الفساد .. المشكلة في العراق تكمن في الطائفية التي نراها هنا في خطاب "الشيعيين" .. المشكلة في محكية المظلومية التي كرست التخندق الطائفي القرووسطوي المخرب للنفوس .. ومن لايفهم ذلك فهو لايفهم اسباب خراب السنوات الثماني الاخيرة .. من هنا فالمشكلة هي مشكلة ثقافة وليس مشكلة اشخاص او احزاب .. يكفي ان تقرأ بعض علمانيو "النص ردن" من الشيعة لكي تفهم ذلك .. هولاء الذين لم يحركوا ساكنا عندما تم كتابة الدستور الطائفي .. تراهم يتظاهرون اليوم من اجل اصلاح النظام لكي يسمح لهم بشراء "بطل عرك" .. حتى في "عركهم" هناك طائفية .. ساذج من يعتقد ان تغيير اشخاص سيحل مشكلة الفساد .. وساذج من يعتقد ان وضع البرادعي محل مبارك ..او جعفر محمد باقر الصدر محل المالكي سيحل مشكلة الفساد ..انا كنت اتمنى ان يحصل جعفر محمد باقر الصدر على رئاسة الوزراء بعد الانتخابات.. لانني اثق بمقولة مارتن لوثر "ان تكون حاكما من دون ان تكون فاسدا هو شيء شبه مستحيل".. وبهذا المعنى اذا اردت فضح شخص ما فامنحه سلطة.

اكبر خطأ ارتكبه معاوية هو انه لم يسمح للحسين باستلام السلطة خلفه .. لان الحسين لو كان قد مارس سلطة لما حصل على هذه الهالة الاسطورية التي تمنحها اياه الثقافة السحرية الشيعية .. الحسين الذي كان ينكح الجواري في المدينة ويقبل هبات وعطايا معاوية .. تذكّر فجأة عندما حاصره جيش يزيد ان هناك "فتوحات" اسلامية طالبا ان يتركوه لكي يذهب للجهاد مع الجيوش الفاتحه .. المؤرخ الالماني فلهاوزن يقول ان الرواية التي تركها لنا ابو مخنف الشيعي الهوى عن مقتل الحسين تبقى قيّمة زمانيا رغم مبالغاتها الهائلة .. انا اعتقد ان هذه المبالغات هي التي قتلتنا وتقتلنا منذ قرون.
قلت سابقا المجد للفساد.. وتمنيت قبل الانتخابات الاخيرة ان تمنح الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى للاحزاب الشيعية..لانني اعتقد ان ممارسة الشيعة للسلطة هي الوسيلة العلاجية الوحيدة للسايكولوجية الشيعية الباثولوجية .. قرون من الوقوف على حافات التاريخ .. قرون من الهامشية والاستمناء الفكري لنهج البلاغة .. اكسبت الشيعي وهم الضحية .. والاخطر من ذلك انها منحته وهم النقاء.. وحان الوقت لكي يفهم الشيعي واقع السلطة.. حان الوقت لكي يفهم ان مشكلة السلطة لاتكمن في كون الحاكم سني.. حان الوقت لكي يفهم ان الطائفية السياسية هي اشكالية شيعية.

فساد الثماني سنوات الاخيرة قد حيّد الكثيرين من الشيعة طائفيا .. وانت عندما تسمع ما يقوله بعض الشيعة اليوم وتقارنه بما كان سائدا قبل ثماني سنوات .. ستعرف ان نخب الشيعة بدأوا يدفعون ضريبة السلطة .. ولكن محكية المظلومية لم تتلقى بعد الضربة القاصمة .. من هنا فانا شخصيا لا اضم صوتي الى شعار "الشعب يريد اصلاح النظام" .. اولا، لان من فرضه على التظاهرات هم علمانيو "بطل العرك".. وثانيا لان "النحت في خشب متعفن هو شيء مستحيل" كما يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس.. وثالثا، لانني اريد للفساد ان يستمر لكي تتلقى محكية المظلومية ضربة قاصمة.. لن يكون هناك عراق بوجود محكية المظلومية المكرسة للتخندق الطائفي القرووسطوي.

باختصار .. الخشب القرووسطوي العفن الذي "يحكم" العراق لا يمكن نحته .. لايمكن اصلاحه.. والعلاج هو تركه اطول فترة ممكنه يبعث روائحه الكريهة .. لكي يزكم الانوف .. علّه يوقظ من لا زالوا ينامون في سقيفة بني ساعدة..لا اثق بعلمانيو "بطل العرك" .. لكنني احتفظ ببعض امل في الشباب القادم .. فنسبة السكان تحت سن الخامسة والعشرين في العراق اليوم تزيد على ٦٠٪ من عدد السكان .. وهي اكبر نسبة في العالم العربي .. واذا ما رفع هذا الشباب ذات يوم شعار : الشعب يريد اسقاط الطائفية .. او اسقاط المظلومية .. عندها فقط سيتنفس العراق هواء نقيا .. وسيحيا من جديد.