2010/05/17

جيولوجيا عالم السراديب

قبل ثلاثة ايام وفي خطبة الجمعة قال رجل دين إيراني بارز "إن التبرج وعدم الالتزام بالزي الشرعي لدى النساء، ربما يكون من دواعي الإصابة بالكوارث والزلازل".. ويبدوا ان احدهم حاجج رجل الدين سائلا : ولكن لماذا تضرب الزلازل ايران وهي بلد "محجبات" ولا تضرب بلدان غربية تتبرج فيها النساء !! فرد رجل الدين على السؤال المعترض قائلا : "أن الله قد يمسك عن إرسال الكوارث الطبيعية إلى الغرب حتى يغرقوا في الخطايا ومن ثم معاقبتهم في الآخرة بالنار !!"

هناك الكثير مما يستحق "الرجم" بالكلمات في هذه الخطبة الفنطازية ولكنني ساتوقف عند ما يبدو لي اسهل وابسط طريقة لهدم هذا المنطق الاسكاتولوجي المستخف بعقول الناس .. لنفترض جدلا ان الزلازل التي كانت تحدث في ايران الشاه كانت رسائل تحذير من الله بسبب انتشار"الرذيلة" آنذاك .. ولكن لماذا حدثت وتحدث الزلازل في ايران الولي الفقيه وهي جمهورية اسلامية وفيها بوليس اداب يتربص خصلات الشعر الهاربة خارج اطار الحجاب ؟ جواب رجل الدين الايراني على هذا السؤال هو ان "الله يريد ان يختبر الأمة.. إذا ارتكب المؤمنون الخطايا، فيرسل لهم المصائب حتى يعودوا منها" كما يقول لنا في نفس الخطبة من دون ان يحدد ما هي خطايا "المؤمنين" في جمهورية ولاية الفقيه .. بمعنى ان الزلازل في الجمهورية الاسلامية هي "ايميلات" تحذيرية من الله لـ"مؤمني" الجمهورية الاسلامية الذين حادوا عن الطريق القويم !! لما لا !!

لنفترض جدلا ان الزلازل المدمرة التي ضربت الجمهورية الاسلامية في العقود الاخيرة هي رسائل تحذير من الله .. ولكن هذا الطرح لا يجيب على سؤال اخر اهم وهو : لماذا تعرضت ايران ما قبل الاسلام الى زلازل .. كما تشير الدلائل التاريخية .. فايران ذلك الزمان لم تكن مسلمة ولم يكن فيها مؤمنين بحاجة الى زلازل لكي يثوبوا .. ورجل الدين الايراني يؤكد لنا ان الله لا يعاقب الكفار في الدنيا بانتظار يوم القيامة كما يفعل اليوم مع الغرب "الكافر"!! فلماذا ارسل الله زلازل تحذيرية الى ايران المجوسية الكافرة ؟؟ اما ان الله قد اخطأ بالعنوان !! او ان صاحبنا الدجال يكذب !!

باختصار .. ايران وفي فترات تاريخية مختلفة وفي ظل انظمة دينية وعقائدية مختلفة تعرضت لزلازل .. ايران المجوسية تعرضت للزلازل .. وايران بعد دخولها الاسلام تعرضت للزلازل ..وايران ولاية الفقيه تعرضت للزلازل .. وتبرج النساء ليس له اية علاقة بالموضوع .. فالسبب من منظور جيولوجي هو لان ايران تقع جغرافيا على شرخ جيولوجي قاري .. ولو كانت الزلازل هي فعلا ايميلات تحذيرية من الله الى المؤمنين لكي يتوبوا لكان الشعب الياباني، الذي يتعرض دوريا الى زلازل، هو شعب الله المختار .

كل خطب مثل هذا الدجال عن مجتمعات فضيلة (المجتمعات الاسلامية) ومجتمعات رذيلة (المجتمعات الغربية) ما هي الا اوراق توت نخفي بها عوراتنا .. ففي سراديب النجف وقم كما في ابراج مكة والمدينة هناك من الفساد والاباحية والرذيلة ما لا يختلف عما يوجد في باريس وسان فرانسيسكو الا في درجة الضوء والعتمة .. لا .. لسنا مجتمعات فضيلة كما نتوهم .. ونحن في ميدان الرذيلة لسنا افضل من المجتمعات الغربية كما نحاول ان نوهم انفسنا.. الاختلاف بيننا وبينهم هو ان رجل الدين الذي يغتصب اطفال عندهم يتم فضحه غالبا ومحاكمته .. اما عندنا وبفضل خطابات الفضيلة والعيب يستمر رجل الدين باغتصاب الاطفال في السراديب بلا ادنى خوف لا من الزلازل في الدنيا ولا من الجحيم في الاخرة .

سمعتم حتما مؤخرا عن ذلك الموظف السعودي في هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .. والذي اتضح انه متزوج من ستة نساء .. وعندما قالوا له ان الشرع يجيز اربعة فقط !! قال انه لم يكن يعرف بذلك!! تصورا الفقر الروحي لهذه المخلوقات التي ربتها قرون من "روحانيات" الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .. كل زعيقنا عن الاخلاق والفضيلة والدين لا و لن يمحو دمامل هذا البؤس الجنسي عن وجوه مجتمعاتنا الفاشلة التي لم تستطع انتاج انسان يستطيع الوقوف امام وجه امرأة من دون التفكير بفرجها .. هذه هي الحقيقة التي تصدمك اينما ذهبت في مجتمعات الفضيلة الزائفة .. المجتمعات التي ترمي مسؤولية حدوث الزلازل على النساء المتبرجات!!


2010/04/30

ساحة الفردوس


تظاهر الصدريين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان اصبح تقليدا سنويا في السنوات الستة الاخيرة .. اما هذه السنة فلم يتظاهروا في ساحة الفردوس كما جرت العادة .. تظاهرة الصدريين السنوية في ذكرى الاحتلال كانت هذه المرة في النجف .. حاولت في الايام الاخيرة ان افهم سر هذا التغير المكاني فلم افلح.

في السنة الماضية وبعد يوم من تجمع الصدريين في ساحة الفردوس ورفعهم شعارات تطالب بخروج المحتل كتبت
هنا عن التناقض الكامن في تلك التظاهرة الردحية .. فتناقض معنوي صارخ ان ترفع شعارات تطالب بخروج المحتل في ذات الاماكن التي كرسها الاحتلال والتي تشير رمزيا للاحتلال .. خصوصا اذا عرفنا ان تظاهرة الصدريين السنوية كانت في الاصل نوع من الاحتفال بما يسمونه "سقوط الصنم" .. قلت وقتها ان اقامة تظاهرات تهتف بطرد المحتل في ساحة الفردوس التي مسرّح فيها المحتل صورة احتلاله قبل سبع سنوات .. هو قبول برموز وصور الاحتلال .. والغباء او التغابي في مثل تلك الامور ليس عذرا .. فقانون الوطنية لا يحمي المغفلين.

السؤال الان هو : هل عدم التظاهر في ساحة الفردوس هذه السنة ونقل التظاهرة الصدرية الى النجف هو استغناء نهائي عن ساحة الفردوس ؟ من يدري ؟ ربما من المبكر الحديث عن تغيير في هذا الاطار.. وربما يجب الانتظار حتى السنة القادمة لمعرفة ما اذا كان هناك تغيير فعلا .

ولكن واذا ما ثبت لاحقا ان الصدريين قد تخلوا نهائيا عن ساحة الفردوس كمكان للتظاهر في الذكرى السنوية للاحتلال .. فهذا سيعني انهم فهموا متـأخرين جدا التناقض الكامن في رفع شعارات ضد الاحتلال في ذات المكان الذي كرسه الاحتلال والذي يشير رمزيا للاحتلال .. فلطرد المحتل يجب اولا طرد صور وتصورات المحتل من الرؤوس الاسفنجية.

2010/04/13

الووو موسكو هنا بغداد .. نهاية حزب


الحزب الشيوعي العراقي لم يحصل على اي مقعد في الانتخابات الاخيرة!! هزيمة قاسية لحزب اعتاد ادعاء دور تاريخي اكبر من حجمه.. مقالات شيوعية كثيرة خرجت علينا مؤخرا تبرر هذه النهاية المذلة للحزب الشيوعي.. ومع ذلك لا جديد تحت "السماء الحمراء" .. فكلمات الاقلام الشيوعية تكاد تتشابه: القيادات، القيادات ثم القيادات هي السبب عن هذه النهاية!! 
سهيل سامي نادر مثلا يقول ان "القيادة الشيوعية غامرت بسمعة الحزب واليسار في اشتراكها بلعبة خاسرة" وهي "العملية السياسية التي ادارها بريمر".. من هنا السقوط المذل.. وسلام عبود في مقال "موت الماركسية المبتذلة" لايخرج عن هذا الاطار عندما يقول" لقد أنتجت التجربة الشيوعيّة العراقيّة جيلاً من القادة على درجةٍ عاليةٍ من فقدان السويّة السياسيّة" وهم "شيوعيو العراق ـ جناح بريمر" كما يسميهم .. ويضيف عبود: "لقد ازدادت صورةُ القائد الشيوعيّ تلوّثًا حين وَجدت القواعدُ الحزبيّةُ أمينَ عامٍّ سابقًا كـ [...]، قاد الحزبَ عقودًا، يقدّم أوراقَ اعتماده إلى حاكمٍ محتلّ".

سلام عبود يميز هنا بين القيادات الشيوعية وبين ما يسميه بـ"القواعد الحزبية".. بمعنى ان القواعد الحزبية لم تكن مع الاحتلال.. وهذا كلام غير دقيق.. نعم هناك شيوعيون كافراد رفضوا الاحتلال الامريكي من منطلق وطني.. اما القول بان "القواعد الحزبية" لم تكن مع الاحتلال فهو كلام انشائي.. عبود يتكلم عن "قواعد حزبية" شيوعية ولكنه لايقول لنا اين هي تلك القواعد الحزبية.. لانه لم يفهم بعد ان جزءا كبيرا من تلك "القواعد الحزبية" اصبح اليوم يُنظّم مواكب اللطم ويردد شعارات المظلومية!! من "يا ياعمال العالم اتحدوا" الى "يا شيعة العراق اتحدوا".. الغوغائية واحدة.. ومع ذلك ليس هنا المهم.

القول بان الحزب الشيوعي العراقي سقط لانه تعاون مع الاحتلال الامريكي هو كلام مصاب بقصر نظر تاريخي.. ربما شَكّل تعاون الحزب الشيوعي مع المحتل الامريكي رصاصة الرحمة للحزب.. بعد موته السريري الذي تبع اصطفاف الشيوعيين الى جانب ايران في حربها ضد العراق.. ولكن مسار السقوط ابعد زمنيا.. فالحزب الشيوعي العراقي سقط مبدئيا في بداية العهد الجمهوري عندما كان اول حزب نصب حبال المشانق في مظاهرات الشوارع.. آنذاك كان غوغاء الحزب الشيوعي يرددون "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة".. ووحشية مذبحة كركوك التي ارتكبها الشيوعيون "لم يفعلها لا هولاكو ولا الصهاينة" بتعبير حليفهم عبد الكريم قاسم الذي يسجله حنا بطاطو.

وهذه الحقيقة التاريخية لا يستوعبها الشيوعيون حتى اليوم.. هم ما زالوا مسترخين في محكيتهم عن العنف البعثي في انقلاب 1963 وعن الدكتاتورية البعثية.. متناسين انهم كانوا اسبق في مضمار العنف.. ومتناسين ايضا ان اول شعار دكتاتوري في تاريخ العراق الحديث هو شعار "ماكو زعيم الا كريم".. وهو شعارهم.. ناهيك عن ان كل الاحزاب الشيوعية التي استلمت سلطة في دول اخرى شيدت انظمة دكتاتورية.. شيدت"جمهوريات اسلاك شائكة" بتعبير البير كامو البارع.

من هنا فليس صحيحا ما يقوله سهيل سامي نادر في مقاله من ان " تراث الشيوعيين العراقيين النظري يوازي صفرا".. وهي جملة تعني ضمنيا ان تراثهم العملي باهر.. فعمليا ايضا وفي كل لحظات العراق المصيرية.. من مذابحهم التي حددت عنف العهد الجمهوري.. مرورا باصطفافهم الى جانب ايران في حرب الثمانينات.. وانتهاءا بالتعاون مع الاحتلال الامريكي.. في كل تلك "الامتحانات" الصعبة والمصيرية للعراق حصل الحزب الشيوعي عمليا على صفر.. "سقط" في امتحانات العراق.. اذا نظريا وعمليا كان "تراث" الحزب الشيوعي العراقي صفرا.. رغم ان كلمة "تراث" التي يستخدمها نادر هنا لا معنى لها منطقيا.

هناك جملة للمفكر اليساري
كاستورياديس قالها وصفا لما ألت إليه امور الشيوعيين.. استحضرها لانها جملة تصف ايضا نهاية الحزب الشيوعي "العراقي".. كاستورياديس يقول ان: "الامبراطورية الرومانية في سقوطها تركت خلفها اثار عظيمة.. اما الحركة الشيوعية في سقوطها فقد خلفت نفايات".

2010/03/29

من قال ان القنادر تقتل ؟




في واحد من اسوأ مقالاته، نشرته الـ نيويورك تايمز مؤخرا، ينعت انطوني شديد الثقافة العراقية بـ " ثقافة القندرة " .. وهو تعبير يستعيره شديد من احد أصدقائه العراقيين الذي يقول له : عندما "يتعارك" العراقي مع شخص اخر فهو يقول له "اضربك بالقندرة" او "احط قندرة بحلكك".. من هنا يستنتج انطوني شديد العنف العراقي.

هل يعلم انطوني شديد ان الفرنسي عندما يتعارك يقول لخصمه : " تروح، لو اكسر وجهك" .. وكسر الوجه هو اعنف بكثير من ضرب شخص بالقندرة ..هل يعني هذا التعبير المتداول في الشارع الفرنسي ان الفرنسي عنيف وغير متسامح ؟ وهل يعطينا الحق باستنتاج عنف الثقافة الفرنسية ؟ بالطبع لا، لان تعبير عنيف متداول في ثقافة ما لا ولن يكون معيارا لعنف تلك الثقافة .. ولو اخذنا ما يقوله الناس في الشارع الامريكي او الانكليزي كمعيار للثقافتين .. لحكمنا ايضا ببذاءة وعنف الثقافتين الامريكية والانكليزية .

مقال انطوني شديد يزخر بكليشات اخرى .. ولكنني ساتوقف عند اهمها .. وهي مقولة الحجاج " يا اصحاب الشقاق والنفاق" التي يوردها شديد من اجل اثبات عنف السايكولوجيا العراقية العابر للقرون .. والسؤال هو: هل ما قاله الحجاج سجعا وخطابة يمنح تلك المقولة صفة الحقيقة السوسيولوجية ؟ لنتخيل ان اسم العراق ينتهي بحرف الدال .. لنتصور ان اسم العراق انذاك هو "العراد" .. لوجب على الحجاج عندها قسر المعنى من اجل الشكل الخطابي .. ولقال الحجاج عندها صفات اخرى من مثل يا اهل الشداد والسواد او يا اهل القباد والنباد .. او اي كلمة اخرى تتناسب موسيقيا مع كلمة العراد .. اذا فمعنى الشقاق والنفاق هنا اعتباطي لانه ورد لضرورة سجعية .. من هنا فلا يمكن اعتبار مقولة الحجاج حقيقة سوسيولوجية.

تذمر الحكام من رعيتهم ونعتهم بصفات بذيئة هو شيء شائع .. من علي ابن ابي طالب (ومقولة اشباه الرجال) الى نوري السعيد (ومقولة "السبتتنك").. ومن فيليب لوبيل الى الجنرال ديغول .. كان ولازال تذمر الحاكم يأخذ شكل صفات ونعوت بذيئة بحق اتباعه او رعيته عندما يخذلوه او يشاكسوه .. ومن منظور بنيوي نستطيع ان نقول ان مقولة "الشقاق" للحجاج لاتختلف عن مقول "الجبن" للجنرال ديغول الا اسلوبيا .. لان الجوهر واحد .. البنية واحدة.

معروف عن الجنرال ديغول نفوره من الفرنسيين .. لانه كان "يحب فرنسا اكثر من الفرنسيين" كما هو معروف في فرنسا .. ديغول كان يظن ان الفرنسيين ليسوا بمستوى فكرته عن فرنسا وعظمة فرنسا .. ونفوره يعود في الاصل لفترة الاحتلال الالماني عندما تعاون اغلب الفرنسيين مع المحتل الالماني .. وعندما استلم ديغول الحكم بعد التحرير قام بتغير نظام الجمهورية من برلماني الى رئاسي .. وكان يدعوا لنظام حكم اكثر مركزية يركز السلطات في شخصه .. مما اثار تذمر الفرنسيين الذين اتهموه بالدكتاتورية .. امام هذا التذمر قال ديغول مقولته الشهيرة : كيف تحكم شعب فيه اكثر من ثلاثمئة نوع من الجبن".. بمعنى كيف تحكم شعب بهذا التشرذم والشقاق المناطقي ..هل هذا يجعل من مقولة ديغول حقيقة سوسيولوجية .. بالطبع لا .. مقولة ديغول معروفة في فرنسا ولكن لا احد يأخذها على محمل الجد .. اما عندنا فمقولة الحجاج تجتر منذ قرون وكأنها فتح معرفي.

لنكن واضحين .. الكليشات التي ترد في مقال انطوني شديد هي في الحقيقة اقوال سمعها من عراقيين والادهى من فنانين ومثقفين .. السؤال هو : كيف حصل ان تلك الكليشات الغبية مازالت تُجْتر عندنا وكانها حقائق سوسيولوجية؟ انا شخصيا لا ارى الا سببين .. الاول هو اننا ما زلنا نقرأ ونجتر "صندوق الكليشات الهائل" على الوردي صاحب مقولة الطبيعة العراقية الباثولوجية .. والسبب الثاني هو شيوع الذوقية الخطابية التي انتجت ثقافة الرؤوس الاسفنجية التي لازالت تجتر خطب قرووسطوية فقط لان فيها سجعية مخدرة لتلك الرؤوس التعبانة التي هجرها الحس النقدي .. رؤوس تلتذ بالشعر الكاذب لانه عذب .. "اعذب الشعر اكذبه" كما يقولون !!

فقط هكذا رؤوس تصدق السخافة الفكرية الكامنة في مقولة الحجاج .. وليس هناك سخافة اكبر من سخافة الاعتقاد بوجود سايكولوجية عراقية عابرة للقرون .. لن استعين بـ نوربرت الياس ونظريته عن "مسار الحضارة" لكي اقوي حجتي .. رغم ان الياس هو ضرورة فكرية لثقافة ما زالت تجتر علي الوردي .. ساكتفي بما هو اقل تجريدية .. كل من يعرف العراق المعاصر سيقول لك ان سلوكيات وسايكولوجيا عراقيو السبعينات تختلف عن سلوكيات وسايكولوجيا عراقيو نهاية التسعينات .. اذا فليس هناك سايكولوجية عراقية ثابته وعابرة للقرون .. السؤال الذي يفرض نفسه عندها هو الاتي : ما هو السبب الذي جعل عراقيو السبعينات يختلفون عن عراقيو التسعينات ؟ طرح السؤال بهذه الطريقة يغير افق الاجابة .. يجعلنا نخرج من سجن الخطب المجترة .. ويجبرنا على طرح سؤال الشروط الواجب توفرها لانتاج سايكولوجيا عراقيو السبعينات .. وبنفس الوقت مناقشة الظروف التي انتجت سايكولوجيا عراقيو التسعينات .. وبالتالي تحييد كليشة "السايكولوجيا العراقية العابرة للقرون".

العنف مشترك بشري تعرفه كل الثقافات وهو ليس حصرا بثقافة .. والعنف السياسي في العراق له اسباب جيوسياسية قبل ان تكون ثقافية ..والدولة القوية هي شرط اختفاء الفوضى .. فالدولة في الغرب قامت بفضل العنف المدجن للارادات المتصارعة .. فرنسا لم توحدها فلسفة ديكارت وانما سيوف ملوك فرنسا.. وامريكا لم توحدها افكار توماس جيفرسون وانما مدافع اليانكي .. وبهذا المعنى فان الدولة القادرة على فرض السلم الداخلي هي شرط نشؤ الحضارة والتعامل الحضاري .. الحضارة والتحضر في التعاملات البشرية هي نتاج مسار طويل وليس منحة يتم انزالها بالباراشوتات .. فخلق انسان متحضر يحتاج الى سلم ورفاه وتراكم تربوي.

لا نطلب الكثير .. اعطونا مئة عام سلم وعدم تدخل في شؤونا الداخلية لكي نبني دولتنا .. سنعطيكم عندها انسان "كوووول" رقيق يتعامل معكم بتحضر .. اما اذا "زارتنا" طائراتكم كل عشرين سنة ودمرت تراكم دولتنا الهش وبنانا التحتية .. فسيظل العراقي يستخدم القندرة بوجه من يستحقها !! فالضرب بالقنادر وان كان سلوكا عنيفا يبقى اقل عنفا بكثيييييير من ضرب الشعوب بالقنابل الفسفورية واليورانيوم المخصب .. وجورج بوش يستطيع ان يؤكد لـ انطوني شديد ان القندرة وان كانت مدمرة رمزيا .. لكنها لا تقتل !!

2010/03/15

ماذا لو ظهر المهدي اليوم ؟


الزمان : سنة 1922.. حيث كان العراق تحت الاحتلال البريطاني .. آنذاك كان البريطانيون يتحكمون بالوزارات العراقية من خلال مستشاريهم .. وخلف كل وزير عراقي كان هناك مستشار بريطاني .. المكان : مقهى بغدادي .. شخصان يتجاذبان اطراف الحديث .. الشخص الاول، مدخنا نركيلته، يقول لصاحبه : يقال ان احد الملالي تنبأ بظهور المهدي قريبا .. فيرد عليه الشخص الثاني : وما الفائدة من ذلك؟ المسيح سيظهر عندها وسيعمل مستشارا له !!

وبما ان الترجمة هي دائما خيانة للنص الاصلي .. ساضع هذه الحكاية النكتة بالانكليزي كما ترويها المس بل في احدى رسائلها الى ابيها :


I'll tell you a delicious story. There has been a good deal of chat about the position of advisors. Some of the ministers are merely stop gaps and notoriously incompetent and people not unreasonably complain that the British advisor is the seat of authority. The feeling is embodied in the following coffee shop anecdote

A. loq (over his narghilah) Men say that a certain Mulla has prophesized the immediate coming of the Mahdi
B. (grumpily) What good will that be? Christ will come too and he'll be the Advisor

And the whole town is laughing over it, we and they, in perfect appreciation of the
excellence of the joke

السخرية المتذمرة الموجودة في هذه الحكاية تكشف عن روح نكتة مدهش ..هيهات ان تسمع اليوم مثل تلك السخرية الذكية ..فنحن في زمن مقتدى الصدر .. مقتدى الذي حول سرسرية جيش المهدي الى "ممهدون" .. تصورا، علاسة وصكاكة يمهدون "للمهدي" .. بربكم أي منقذ هذا الذي يمهد له سرسرية ؟ يبدوا ان الناس في "العراق البريطاني" كانوا اذكى من الناس في "العراق الامروايراني" .. لا بل حتى المحتل انذاك كان اذكى .. فانت عندما تقارن كتابات المس بيل واسلوبها بـ كتاب بول بريمر .. ستفهم ان بريمر هو عبارة عن "ثمانين" كيلوغرام من الغباء السياسي !!

السؤال الذي تفرضه النكتة الذكية التي ترويها المس بيل هو التالي : ماذا لو ظهر المهدي اليوم ؟ صحيح ان شخصية المهدي هي شخصية اسطورية ابتدعها وكلاء الغيبة الصغرى من اجل خمط خمس الفقراء كما يقول
الباحث الشيعي احمد الكاتب .. ومع ذلك .. ماذا لو ظهر المهدي اليوم ؟ قليل من الخيال لا يضر !!

لو ظهر المهدي اليوم فانه سينزل "من السماء" بطائرة امريكية في مطار كويتي .. ومن هناك سيركب الدبابة الامريكية معلنا تحرير العراق .. ولو ظهر المهدي اليوم فانه سيستعين بـ نوح فيلدمان كمستشار قانوني من اجل كتابة الدستور .. ولو ظهر المهدي اليوم فانه سيزور البيت الابيض سرا مدعيا انه ذهب الى واشنطن من اجل اجراء عملية الجيوب الانفية !! وافراد حمايته سيكونون من البلاكووتر !! نعم، لو ظهر المهدي اليوم فانه سيشتري فيلا في لندن !!

2010/02/28

المجد للفساد !!


مارتن لوثر كان يقول : "ان تكون حاكما من دون ان تكون فاسدا هو شيء شبه مستحيل" .. كل الايديولوجيات ذات الشعارات الوردية اختبرت هذه الحقيقة المرة .. الضحية ما ان يستلم سلطة حتى يتحول الى جلاد .. الثائر ما ان يقوم بالثورة حتى يتحول الى مجرم .. المبدأ الانيق ما ان يستلم سلطة حتى يتحول الى لغة خشبية.. باختصار للسلطة ضريبتها.. وافضل واسرع وسيلة لتحييد الشعارات هو ان يواجه الشعار اختبار السلطة.

الاسلامجية الشيعة يختبرون السلطة منذ سبع سنوات .. وانت عندما تستمع اليوم الى ما يقال في اوساط الشيعة ..عندما تصغي لنبرة الخطاب .. وخصوصا عندما تقارن كل ذلك مع "خطب" ونبرة ما كان يقال قبل سبع سنوات .. ستعرف ان الاسلامجية الشيعة بدءوا يدفعون ضريبة السلطة.. هناك تقديرات تقول ان اعدادا كبيرة من الشيعة سوف لن تشارك في الانتخابات القادمة .. لماذا ؟ لانهم انتظروا خلال سبع عجاف سقوط الخير ولكنها امطرت لصوص وسرسرية .. ورجال الدين الشيعة وعبر شبكات "خمط" الخمس يعرفون جيدا مستوى التذمر في اوساط الشيعة .. وهم لذلك يخشون مقاطعة الانتخابات .. من هنا تصريحات ممثل السيستاني عبد المهدي الكربلائي يوم امس حين قال ان «سماحة المرجع حذر من عدم المشاركة وعزوف المواطن عن الانتخابات".

وحجة المرجعية في حث الشيعة على عدم المقاطعة بحسب الكربلائي هو ان " عدم المشاركة وعزوف المواطن عن الانتخابات سيمنح الفرصة للآخرين ممن يرفضون الأسلوب الديموقراطي في انتقال السلطة وادارة شؤون البلاد، ويتخذون العنف والاساليب غير المشروعة وسيلة لتغيير الواقع والوصول الى الحكم وفرض نهجهم على الآخرين".. وعندما تقرأ هذه اللغة الخشبية فعليك ان تضع مفردة البعثيين بدل مفردة "الاخرين".. واستخدام المرجعية للسعلوة البعثية يتناغم ويسند موقف الاحزاب الشيعية التي حركت مؤخرا الفزاعة البعثية لكي تخيف من يفكرون بعدم المشاركة بالانتخابات .. وعندما يقول عبد المهدي الكربلائي في نفس الخطبة ان «المرجعية لا تتبنى او تدعم اي قائمة" فهو يكذب وبالتقية المعهودة.. لان موقف المرجعية هذا هو دعم للاحزاب الشيعية التي توظف الفزاعة البعثية كبرنامج انتخابي وحيد.

ان لاتجد "المرجعية" من سبب لحث الشيعة على المشاركة في الانتخابات غير "السعلوة البعثية" هو دليل فشل واضح .. ان لا تجد المرجعية في سنوات الحكم الشيعي شيء ايجابي واحد تقنع فيه الشيعة بالمشاركة هو وثيقة افلاس دامغة لشعارات الاسلامجية الشيعة .. ان لا تجد المرجعية الشيعية غير الخطاب الضدي المؤجج لمخاوف الشيعة من السني "الخاتل" تحت سعلوة البعثي هو تأكيد لافتقار النخب الشيعية لاي برنامج سياسي .. فهذه الضدية ان دلت على شيء فهي تدل على انهم في السلطة ليس "من اجل شيء" وانما "ضد شيء" .. هم في السلطة لا لكي ينفذوا برنامج اقتصادي واجتماعي يدير دولة .. وهو المعيار الذي يحكم الناس في الديمقراطيات من خلاله على مرشحيهم ..لا، هم في السلطة فقط لكي يكونوا " ضد البعثيين" .. وعندما نفهم ان الضدية هي "برنامج" من لايملك برنامج سياسي .. عندها سنفهم انهم يستخدمون السعلوة البعثية لكي يغطون على غياب برنامجهم .

رهان الاسلامجية الشيعة على الضدية هو رهان خاسر .. لماذا ؟ لان التاريخ يقول لنا ان البشر اكلي خبز قبل كل شيء .. الناس قد تصدقك شعاراتك لبعض الوقت ولكنهم لن يصدقوك كل الوقت طالما ان الشعارات "ما توكل خبز" .. قد تستطيع استخدام السعلوة البعثية لاخافة بعض الشيعة كل الوقت.. ولكنك لن تستطيع استخدام السعلوة البعثية لاخافة كل الشيعة كل الوقت .. قدر الزعاطيط ان يكبروا ويفهموا سذاجتهم الاولى .. وقدر السعلوة ان تتحول الى "فلكلور" مضحك لا يخيف.. الزمن كفيل بتحييد الشعارات.. وواقع السلطة قاتل للشعارات.

قبل ثلاثة اسابيع وبمناسبة احتفال إيران بالذكرى الحادية والثلاثين للثورة، قال زعيم المعارضة مير حسين موسوي أن «الثورة الايرانية لم تحقق أهدافها»، واضاف ان «الديكتاتورية السائدة في حقبة الشاه، ما زالت موجودة»، محذرا من ان «الديكتاتورية باسم الدين انما هي اسوأ الديكتاتوريات" .. موسوي الذي كان رئيس وزراء خميني يعي اليوم فقط حدود الشعارات امام اختبار السلطة.

رجل الدين في السلطة هو أفضل دعاية ضد دين ما .. نيتشه يقول ان ماكيافلي كان يفسر نفور وارتياب الايطاليين من رجال الدين بسبب ان الكنسية الكاثوليكية كانت على ارضهم وقريبة منهم .. وهم لذلك يعرفون سلوكيات رجال الدين الفاسدة اكثر من غيرهم .. ونيتشه يضيف مقارنا ان كثير من الفلاسفة والمثقفين الالمان كانوا من بيوت دينية وشاهدوا كيف يتصرف القس او الكاهن عن قرب وفقدوا بسبب ذلك ايمانهم.

نفس الشيء حدث في العراق في النصف الاول من القرن الماضي .. وحنا بطاطو يسجل ان كثير من اليساريين العراقيين ينحدرون من عوائل دينية .. وخصوصا الشيوعيين .. والنموذج الاوضح هو الجواهري .. الجواهري هو من عائلة دينية لها تاريخ حافل بـ " خمط الخمس" .. والجواهري كان طالبا في الحوزة النجفية في بداية القرن الماضي .. وهو بهذا المعنى يعرف المستور افضل من غيره .. وقصيدته "الرجعيون" هي وصف صارخ لفساد رجال الدين الشيعة انذاك .. لن نفهم تجربة الاحزاب العبرطائفية العلمانية انذاك ما لم نستوعب ذلك.

باختصار ..التاريخ لن ينتهي في عطلة نهاية الاسبوع القادم .. وللسلطة ضريبتها كما يقول مارتن لوثر .. والاسلامجية الشيعة خلال سبع سنوات في السلطة قد وصلوا بالفساد الى قمم لم يسبقهم اليها احد .. وعاجلا ام اجلا سيدفع رجال الدين ضريبة فسادهم .. فمجدا للفساد الفاضح لرجال الدين المتاجرين باحقاد القرون الوسطى!! مجدا للفساد الفاضح لقوادي الدين!!

2010/02/17

امنحوهم اربع سنوات اخرى

لو كنت ممن ينذرون النذور .. لنذرت نذرا عظيما لكي يفوز الاسلامجية الشيعة بالانتخابات القادمة .. نعم انا اتمنى من كل قلبي ان يفوز الاسلامجية الشيعة.. امنحي ايتها الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى للسيستاني .. اربع سنوات اخرى فقط .. لا اطلب اكثر من ذلك .. اعرف ان الضرر الذي لحق بالعراق بسبب الاسلامجية الشيعة هائل .. واعرف ان الثمن الذي سيدفعه العراق جراء بقائهم في السلطة اربع سنوات اخرى سيكون كبير .. ولكن يبدوا ان الثمن على قدر الغباء السائد.

بقاء الاسلامجية الشيعة اربع سنوات اخرى .. سيعني حتميا اربع سنوات فساد .. واربع سنوات فساد اخرى تعني سقوط نهائي لكل شعارتهم .. وبالتالي انتفاء قدرتهم على الشحن الطائفي .. وهنا يكمن شرط ظهور احزاب وطنية عابرة للطوائف .. لن يكون هناك احزاب وطنية "عبرطائفية" علمانية في العراق ما لم يفشل خطاب الاسلامجية الشيعة فشلا ذريعا .. ولن يكون هناك فشل ذريع من دون سنوات فساد اخرى .

بعض التحليلات ترجح خسارة الاسلامجية في الانتخابات القادمة .. ونفس التقديرات التي تتنبأ بخسار الاحزاب الشيعية تقول ايضا ان القائمة العراقية ستكون الرابح الاكبر.. لذلك فان ايران قد نصحت الاسلامجية الشيعة باعادة استخدام السياسة الضدية من جديد .. من هنا الفزاعة البعثية اليوم .. فالضدية هي "برنامج" من لا يمتلكون برنامج سياسي .. انا اعتقد ان أي فوز لعلمانية "النص ردن" التي يمثلها علاوي سيكون بمثابة "استراحة محارب" للاسلامجية الشيعة .. اي فوز لقائمة علاوي في هذا التوقيت سيكون مظلة انقاذ للاسلامجية الشيعة .. ومصلحة العراق تقتضي سقوطهم سقوط حر.. واربع سنوات اخرى ستساهم في ذلك.

لك ان تجند كل الائمة والقديسين .. لك ان تجتر ليل نهار خطب وخطابات نهج البلاغة.. لك ان تدعي انك من "فروخ النبي" .. ولك ان تدعي انك تملك وكالة مفاتيح الجنة ودكاكين صكوك الغفران .. ولك بعد هذا وذاك ان تستخدم الفزاعة البعثية لكي ترتجف الاصابع البنفسجية من جديد وتنتخبك .. لك كل هذا .. ولكن بما انك فاسد .. بما انك في الواقع حرامي .. فان الناس لن تصدقك .. طالما انك حرامي وفاسد ومن العيار الثقيل .. فان خطابك مصاب بمرض فقدان القدرة على الاقناع.

في السابق كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي في دولة يحكمها السنة .. اليوم وبعد سبعة سنوات فساد ما عاد الفقير الشيعي يصدق تلك الحجة .. الشيعي فهم اخيرا .. ومتأخرا جدا.. ان حكومة من نفس مذهبه ليست بالضرورة حكومة "المعذبين في الارض" كما وعدته الشعارات .. وكثير من الشيعة يقبلون اليوم حقيقة ان الحكومة الشيعية الحالية هي افسد حكومة عرفها تاريخ العراقي المعاصر.. وهذا ورب الكعبة انجاز تاريخي .

نعم ان يفهم الشيعي .. ولو بعد خراب البصرة .. ان حكومة من نفس طائفته لا تعني بالضرورة حكومة ملائكة .. هو انجاز تاريخي .. ان يعي الفقير الشيعي ان فقره السابق لم يكن بسبب كون الحاكم سني .. هو تفكيك لـِ عقدة الضحية الالفية المكونة للسايكولوجيا الشيعية الباثولوجية .. وان يشاهد الفقير الشيعي "فروخ النبي" في دور اللصوص طوال اربع سنوات اخرى قادمة .. فذلك سيشكل ضربة قاصمة لمحكية المظلومية التي قتلت العراق .. فامنحيهم ايتها الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى !