2011/01/31

مصر ليست موقعا على الفيسبوك

تعليقا على ما حصل في تونس موخرا نشر ابو الحسن بني صدر مقال في النيويورك تايمز عنوانه " ما تعلمته من الثورة الايرانية الفاشلة" .. في هذا المقال يحلل بني صدر ما عاشه ايام الثورة الايرانية كاحد قادتها ويبين سبب فشلها ديمقراطيا .. ما يستوقفني في هذا المقال هو قول بني صدر ان الثورات تنجح ديمقراطيا فقط عندما يتم هدم النظام السابق كليا وبناءه من جديد .. وهو لذلك يعتبر ان دخول قادة الحركة الجماهيرية في تونس في مفاوضات مع نخب النظام السابق من اجل تشكيل حكومة انتقالية هو خطأ كبير.. لان الحرس القديم سينتهز الفرصه ويعيد بناء نفس المنظومة القديمة.

اعتقاد بني صدر بان هدم النظام السابق كليا والقطيعة مع نخبه هو شرط نجاح الديمقراطية ينم عن سطحية مذهلة .. فاغلب الثورات في التاريخ الحديث ومنها الثورة الايرانية نجحت في هدم النظام السابق واجتثاث نخبه ولكنها لم تنتج غير العنف والتسلط .. المفكر الفرنسي توكفيل في كتابه الشهير "النظام السابق والثورة" يقول لنا : "ان الحكومات التي خرجت من رحم الثورة الفرنسية كانت مئة مرة اكثر سلطوية من حكومات النظام الملكي" .. والثورة البلشفية كانت ثورة هدمت النظام القيصري كليا ولكنها انتجت التوتاليتارية السوفيتية وشيدت جمهوريات الاسلاك الشائكة.
فكرة ان الثورة لكي تنجح لابد ان تهدم النظام السابق هي فكرة تنتمي فلسفيا الى الديالكتيك الهيغلي/الماركسي الذي يؤكد على النفي/ الهدم كاساس للتقدم .. وهو الديالكتيك الذي سهّل كل جرائم الثورات الحديثة .. كل الثوار ما ان استلموا سلطة حتى تحولوا الى مجرمين ..ولسان حالهم كان يقول "لكي تعمل "عجة " لابد من كسر "البيض" !! كثيرون ممن حكموا بلداننا كانوا قبل عقود ثوريين ينادون بالقضاء على الفساد ويجترون شعارات النقاوة الثورية .. وما ان استلموا الحكم حتى اصبحوا افسد بمئات المرات من السلطات التي حكمت قبلهم .

انا اعتقد ان دخول بعض قادة المعارضة في تونس في مفاوضات مع نخب النظام السابق من اجل تشكيل حكومة انتقالية هو دليل نضج سياسي .. وما يحصل اليوم في مصر سيجعلهم يعون ذلك اكثر فاكثر .. لا بل انني اعتقد ان هذا هو شرط نجاح اي تغيير سلمي في بلداننا العربية الهشة مؤسساتيا.. وسبب نجاح هذا النموذج التونسي هو لانه نقيض لنموذج "اهدم كليا ثم ابني من جديد" .. اي انه غير انتقامي .. مما شجع نخب النظام السابق في تمكين وتسهيل التغيير السياسي .. والبلد هو الرابح الاول.. ومصر ستربح كثيرا اذا ما استعارت هذا النموذج التونسي .

واحدة من اهم مساوئ منطق "هدم النظام السابق كليا وبناءه من جديد" هو انه يهدر طاقات ويضيع خبرات تراكمت في النظام السابق .. كل التغييرات الثورية شكلت نكسة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية للبلدان التي حدثت فيها .. لانها دفعت النخب للهجرة ومعها ضاعت خبرات لا تقدر بثمن .. وكل التغييرات الثورية جلبت للسلطة اناس بلا ادنى خبرة في شؤون الادارة مما تسبب في كوارث ادارية.

 في الايام الاولى للثورة الروسية طلب لينين من ستالين ان يدير "وزارة" القوميات .. ولكن ستالين رد على لينين قائلا بانه لا يمتلك خبرة في ادارة وزارة .. وهنا ضحك لينين قائلا لـ ستالين " وهل تعتقد انه يوجد بيننا من من يمتلك خبرة في شؤون الحكم".. وهكذا كان .. ملايين من البشر دفعوا حياتهم ثمنا لعدم خبرة ستالين ورفاقه .. اجيال كاملة في منطقتنا .. وخصوصا في العراق .. ضاعت لان اشباه ستالين وجدوا انفسهم ذات ثورة او انقلاب او احتلال في موقف ستالين .
الكاتب الفرنسي بول بورجيه يقول ان"الثورة يفتتحها دائما سُذّج، ويواصلها مغامرون ، ويختتمها مجرمون" .. ولكي نتجنب المجرمون في المستقبل علينا ان نعري السذج وشعارات السذج منذ البداية .. ما لا يجب ان ينساه رافعي شعارات الثورة هو ان حسني مبارك الفاسد هو احد ابناء ثورة يوليو التي رفعت شعارات القضاء على الفساد.. باختصار.. نعم للتغيير بتدرج .. اي باعتدال وعدم الانجرار خلف الشعارات الثورية الاجتثاثية .. لان الفوضى في مصر ستقتل كل منجزات التغيير والحرية .. لذلك على مصر ان تحذر من الغوغاء.. بلطجية كانوا ام "مثقفون" سُذّج يعتقدون أن ادارة دولة مثل مصر كادارة موقع على الفيسبوك.

2011/01/16

الغوغاء والتغيير السياسي

ان يتخلى رئيس او رئيس وزراء غربي عن منصبه امام ضغط الشارع هو دائما حدث مدهش .. ولكن ان يتخلى رئيس عربي عن منصبه امام ضغط الشارع فهو شيء ما كنا لنتخيله حتى في احلامنا .. من هنا فما حصل في تونس قبل يومين يشكل علامة فارقة في تاريخ العالم العربي .. واذا ما نجح هذا النموذج التونسي فانه سيقدم شحنة سايكولوجية .. والاهم نموذج عملي وفكري للشارع العربي .. نعم اذا ما تجاوز النموذج التونسي هذا الاختبار الصعب جدا .. فان مفهوم المواطنة والمواطن في العلاقة السياسية سيطرد مفهوم الحاكم والمحكوم او الراعي والرعية البهائمي .. وهذا المفهوم البهائمي كان ولازال اهم اسباب خرابنا .. نحن اذا امام حدث سياسي هائل بكل المقاييس.

الخطر في مثل هذا النموذج من التغيير في البلدان التي لاتمتلك تراكما مؤسساتيا هو ان فراغ السلطة يترك المجال مفتوحا امام الغوغاء الذين لاينظرون للامر الا من زاوية الشرطة والحرامية .. يغيب الشرطي فيظهر الحرامي .. وللاسف فان ما يحصل في تونس من افعال نهب وسلب وحرق للمتلكات العامة يهدد بتحريف معنى هذا الحدث السياسي الهائل .. والاخطر انه قد يؤثر على طبيعة وتوجهات الحكم القادم ..الغوغاء كانوا دائما عنصر محرف للاحداث السياسية .. وهم في عالمنا العربي كانوا دائما سندا للديماغوجيات اليسارية والاسلاموية.

محزن جدا ان ترى فعل الشاب التونسي الذي احرق نفسه واشعل بذلك شرارة الغضب والتغيير .. قد تحول عند الغوغاء الى افعال نهب وسلب وحرق لممتلكات الدولة .. هناك من يقول ان هذه الافعال هي من تدبير عناصر النظام السابق .. لسوء الحظ التاريخ يقول لنا ان هذه السلوكيات الغوغائية ترافق كل فراغ في السلطة .. ونحن في العراق اختبرنا ونعرف جيدا قدرة الغوغاء على تحريف وقتل معاني الاحداث السياسية.

البعض قد يفكر بما حدث في الايام الاولى من الاحتلال الامريكي .. انا شخصيا انظر للحدث التونسي واقارنه بما حصل بعد الانسحاب الكارثي للجيش العراقي من الكويت .. فقط من عاش جحيم تلك الايام يعرف المشاعر التي ادت الى انتفاظة الجيش العراقي عند دخوله الى البصرة .. والقذيفة التي دمرت جدارية صدام في ساحة سعد انطلقت من دبابة ضابط عراقي تلقى صفعة رمزية من قبل سلطة متهورة.. للمرة الاولى في حياة جيلنا كان هناك امكانية تغيير داخلية للنظام .. والجيش الذي انتفض كان الوسيلة الوحيدة للتغيير انذاك .. وهنا تدخّل الغوغاء .. ليس فقط نهبا وسلبا وحرقا للممتلكات العامة .. ولكنهم رفعوا شعارات طائفية : "ماكو ولي الا علي ونريد حاكم جعفري".

احد الكتاب الشيعة (حيدر سعيد) كتب قبل فترة يقول : "أن هذا الشعار الإسلامي فُرِض على "ثوّار" آذار 1991، و أنه جرت أسلمة قسرية للانتفاضة".. من دون ان يقول لنا كعادة الكتاب الشيعة مَن فرض على مَن !! خوفا من "تشوير" دريلات السادة !! لقد صدمتنا هذه الشعارات الطائفية انذاك نحن الذين كنا نتمنى تغيير النظام .. الطائفية لم تكن ثيمة جديدة في تاريخ العراق عند البعض .. ولكنها كانت المرة الاولى في تاريخ العراق الحديث التي ترفع فيها شعارات بهذا الوضوح الطائفي وفي تلك اللحظة المصيرية.. في تلك اللحظة لم تمت فقط امكانية التغيير داخليا ولكن ماتت معها فكرة العراق.. ونحن اليوم ندفع ثمن تلك اللحظة الغوغائية.

باختصار ..عندما يظهر الغوغاء تضيع امكانيات التغيير.. واكثر ما اخشاه في تونس اليوم هو تحالف الغوغاء مع الاسلامويين .. فالغوغائي الذي يسرق اليوم سنجده غدا يصلي بقطيعية في الجامع.. كما حصل في عراق الحسينيات .. واذا ما حصل ذلك فلن يكون هناك تغيير حقيقي وانما تغييرشكلي .. عندها سيكون مفهوم الحاكم والمحكوم قد خرج من الباب ليعود من الشباك متخفيا تحت عباءة مفهوم الراعي والرعية البهائمي .. تجربة العراق تعلمنا الاتي : حيث يسود الغوغاء يظهر "مقتدى الصدر".. وحيث يظهر مقتدى الصدر تختفي الحضارة .. فهل ستفعلها تونس وتنقذنا من هذا العقم السياسي؟

2010/12/31

استكان شاي مع ايتيان دولابويسي

اعتقد ان "خطاب حول العبودية الطوعية" لـ ايتيان دولابويسي هو اروع ما انتجه الادب الانساني عن ثيمة الحرية والعبودية.. في هذا الخطاب يروي دولابويسي حكاية حدثت في مدينة اسبارطة اليونانية.. احد مشرّعي تلك المدينة يقوم بتربية كلبين صغيرين من نفس الام ..اخوة .. يربي احدهما في بيته ويترك الاخر في البرية.. في احد الايام يقوم هذا المشرّع الاسبارطي بجمع الناس في ساحة عامة.. يجلب الكلبين ويضع امامهما صحن حساء وارنب.. وما ان يطلقهما حتى ينطلق الكلب الذي عاش في البرية بسرعة خلف الارنب.. اما الكلب الذي عاش في البيت فيتوقف امام صحن الحساء.. هذا المشرّع الاسبارطي اراد ان يبيّن لسكان مدينته ان التربية وليست الجينات الوراثية هي المسؤولة عن السلوكيات.. بمعنى اخر، ان الثقافة وليست الطبيعة هي من تحدد سلوكيات البشر.. وان العبودية او الحرية هما تربية قبل كل شيء.. لماذا اروي هذه الحكاية؟

هاشم العقابي نشر قبل ايام مقال عن قيمة الحرية عند العراقيين.. يقول فيه ان "حب العراقيين للحرية لم يأت مصادفة، بل توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين من ايام حضاراتهم الاولى".. وهو لكي يدعم هذه الحجة يقول انه سمع "في محاضرة للباحث الدكتور علي الشوك في ديوانية الكوفة بلندن في نهاية التسعينيات ، ان السومريين اذا نصبّوا ملكا جديدا ياتون به الى ساحة عامة وينادون على مواطن من اقل الدرجات الاجتماعية، وقد يكون شحاذا، ليصفع الملك الجديد. هذه الطريقة فسرها الشوك بانها رسالة للملك ليتعلم الاذعان لشعبه". انتهى

ساترك جانبا المغالطة التاريخية النائمة في جملة هاشم العقابي الاولى بخصوص مفردة العراقيين العابرة للقرون.. وساتحاشى "سالفة" الجينات المتوارثة عبر الاف السنين لان حكاية كلاب اسبارطة كفيلة بتفنيدها.. ولكنني ساتوقف عند "حزورة" ان السومرين اذا نصبوا ملكا ينادون بشحاذ ليصفعه !! العقابي يقول انه سمع هذه الحكاية في التسعينات.. وان الدكتور علي الشوك "كشفها" .. ترى الا يوجد بعد كل هذه السنوات كتابا يسجل هذا الكشف ؟؟ يبدو ان المصادر هي اخر هموم ثقافة القيل والقال الحكواتية.

اولا، المعلومات التي نملكها عن تاريخ ما بين النهرين القديم وعلى قلتها تقول لنا ان عقلية ذلك الزمان تعتبر الملك "نصف اله".. فهل يُضرب نصف اله !! ثانيا من قال ان ملوك سومر كانوا ينصبون من قبل الشعب.. العرش كان وراثيا وفي احيان كثيرة كان يتم الاستيلاء على السلطة بالقوة.. ميكانزمات السلطة هي هي لم تتغير منذ القدم.. السلطة تستند دائما على هيبة صاحب السلطة.. وبلا هيبة ليس هناك سلطة.. وعلم الاجتماع االسياسي يعلمنا ان كل طقوس ومراسم السلطة تهدف الى خلق انطباع القوة والعظمة في نفوس الناس.. غاية البروتوكول والمراسم هو خلق مسافة مادية وبالتالي رمزية بين الحاكم والمحكوم.. لن اتوقف امام بطش ملوك ذلك الزمان فوحشيتهم معروفة.. يكفي ان نعرف مثلا ان الملوك الاشوريين نادرا ما كانوا يظهرون علنا.. من اجل ان يخلقوا انطباعا عند الناس بانهم يمتلكون شيء فوق بشري.. شبه الهي .. اما في اور السومرية فقد بلغت سطوة الملوك مستوى مخيف بحيث ان طقوس دفن الملك يرافقها قتل جميع حاشيته ودفنهم معه لكي يسلوه في رحلته الى العالم الاخر.. والقيثارات السومرية التي نراها اليوم في المتاحف هي لمغنين دفنوا مع الملوك السومريين.. وهاشم العقابي يقول لنا ان شحاذاً كان يضرب الملك السومري عند تنصيبه !!

قلت سابقا رأيي في الثقافة العراقية السائدة اليوم.. ويوم بعد اخر اصل الى قناعة اثق بها: نعم هناك اسباب كثيرة اوصلتنا الى الخراب الحالي.. ولكن فشل الثقافة العراقية في انتاج نخب فكرية رصينة هو احد هذه الاسباب..غياب حقل اكاديمي رصين كرس الحكواتية والشعراء نموذجا للثقافة.. وضحالة هولاء، استداراتهم، سلوكيات المرتزقة التي يمارسون.. دفع الناس الى عدم احترامهم.. وبالتالي فقدت الثقافة دورها التنويري.. وهذا ما اوصلنا الى ان دجال كـ محمد صادق الصدر يقول للناس في الفيديو المرفق هنا ان "امريكا اسست قوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي وانها افتعلت حرب الخليح  لاجل ان تملىء الخليج بالبوارج الحربية تحسبا لظهور المهدي.. وان للمهدي ملف كامل في البنتاغون ولكنهم لايملكون الصورة الشخصية له".. وهذا الدجال يقدسه الملايين من الشيعة العراقيين.. والحكواتية ما زالوا يتحدثون عن حب العراقيين للحرية الذي توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين.. لا اعرف عن اي عراقيين يتحدثون؟ نحن في القرن ٢١ بعد الميلاد وفي العراق ملايين ممن يمتلكون هذه النظرة السحرية الغيبية.. فما بالك بمن كانوا يعيشون في القرن ٣٠ قبل الميلاد !!

باختصار.. النظرة السحرية وبالتالي ثقافة العبيد سادت العراق القديم وتسود العراق اليوم.. والخروج من النظرة السحرية يقتضي مواجهه الحقائق كما هي ماضيا وحاضرا.. وكل طرح اسطوري للتاريخ او للعالم هو مساهمة في ادامة النظرة السحرية وبالتالي في ادامة ثقاقة العبيد.. من هنا فكل حديث عن طبيعة عراقية (علي الوردي انموذجا) او جينات عراقية او عراقي عابر للقرون هو طرح ثقافوي واسطوري يساهم في ادامة ثقافة العبيد.. كلاب اسبارطة فهمت ذلك منذ قرون.. فمتى سيفهم "مثقفو" العراق ؟

2010/12/11

على الجانب الايسر من التاريخ

قبل ايام نشر عصام الخفاجي مقال ينتقد فيه ما يسميه ظاهرة " إدانة الحاضر من خلال تجميل الماضي" وهي ظاهرة يعتبرها عصام الخفاجي "مثيرة للقلق في حياتنا الفكرية".. ما يثير قلق الخفاجي هو ان كُتّاب ينتمون الى جيل استفاد من منجزات الانظمة الثورية يكتشفون مع مرور السنين "جماليات جديدة" في العهد الملكي .. لذلك يقوم الخفاجي بتذكير هذا الجيل العاق من الكتاب ببضعة ارقام تحكي عن بؤس "الزمن الجميل" حين "كان العراق يسجل 50 الف حالة وفاة سنوياً بالملاريا بين عامي 1943 و1950" وحين "كانت نسبة الأمية لدى البالغين في العراق 82 بالمئة عام 1960" .. وهو يختم مرافعته بتقرير صادر عن برنامج المساعدة الأميركية في اذار(مارس) 1957، يعتبر فيه النظام السياسي في العراق الملكي «من أكثر الدول بوليسية في العالم الحر، إذ ثمة خمسون الف رجل أمن لسكان عددهم ستة ملايين».

قد يبدو غريبا ان يستعين شيوعي سابق بارقام برنامج المساعدة الأميركية لكي يكتب التاريخ .. ولكن الغرابة ستزول عندما نعرف ان هذا "الرفيق" كان من ضمن ثلة خبراء الشأن العراقي الذين استعانت بهم وزارة الخارجية الامريكية عام ٢٠٠٢ لوضع خطة ما بعد الاحتلال..انا اعتقد ان العراقيين الذين اختبروا الانظمة السياسية المتعاقبة لايحتاجون ارقام موظف وكالة امريكية ليفهموا الفرق بين الحريات النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي وبين جمهوريات الاسلاك الشائكة التي انتجها اليسار العراقي .. واذا كان لابد من ارقام في هذا الاطار فان ارقام الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي تقول ان عدد رجال الامن في نهاية عام ١٩٥٦ كان ٢١ الف رجل امن لسكان عددهم ستة ملايين .. اذا قليل من الاحترام لعقول الناس لايضر! فلو كان النظام الملكي نظام بوليسي عام ١٩٥٧ لما استطاعت كتيبة جنود احتلال القصر الملكي وقتل العائلة المالكة عام ١٩٥٨.

عصام الخفاجي يعيب على الجيل الجديد من الكتاب انتقائيتهم في التعامل مع الماضي وتزييفهم لواقع "الزمن الجميل" .. ولكنه في مقاله يستخدم نفس الاسلوب الانتقائي والمزيف للتاريخ .. الخفاجي يقول مثلا ان "نسبة الأمية لدى البالغين في العراق كانت 82 بالمئة عام 1960" ويترك القارئ تحت صدمة هذا الرقم الكبير .. من دون ان يقول له كم هي نسبة البالغين من مجموع عدد السكان في العراق انذاك .. فعندما نعرف ان الاطفال تحت سن العاشرة في العراق يشكلون ٣٤ بالمئة من السكان حسب احصاء ١٩٤٧.. وعندما نضيف الى ذلك الفئة العمرية من ١٠ سنوات الى ١٧ سنة وهي شريحة لاتدخل في فئة البالغين .. فان فئة غير البالغين ستشكل تقريبا نصف عدد السكان عام ١٩٤٧.. واذا علمنا ان هذه الفئة قد ازدادت في عام ١٩٦٠.. سنفهم عندها ان فئة غيرالبالغين هي في الحقيقة اكثر من نصف عدد السكان .. اي ان "نسبة 82 بالمئة من الأمية لدى البالغين في العراق عام 1960" تنطبق عمليا على اقل نصف السكان.

اختيارعصام الخفاجي لفئة البالغين ليس اختيارا بريئا.. فهو يفعل ذلك لكي لايتطرق لنسبة التعليم داخل فئة غير البالغين .. واهم انجازات العهد الملكي نظرا لحداثة عمره تكمن هنا .. يكفي ان نعرف ان مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة في عام ١٩١٥ كان يبلغ ثمانية الاف تلميذ فقط ..اما في عام ١٩٥٤ فقد بلغ مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة ٤٣٩٤٨٤، اي ما يقرب النصف مليون تلميذ .. وعدد التلاميذ من هذه الفئة قد ازداد حتما عام ١٩٦٠ وهي السنة التي يتوقف عندها الخفاجي.. وهذه الارقام ليست ارقام "ابناء باشوات" ولكنها ارقام نجدها عند اكاديميين من مثل فيب مار ومايكل ابل ..عندما نستحضر هذه الارقام، سنفهم الطفرة الهائلة التي حصلت في مجال التعليم رغم الامكانيات المادية المحدودة للعهد الملكي.

وساضع هنا مقتطف من تقرير الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي عن موارد العراق من النفط انذاك لا عطاء صورة عن امكانيات العهد الملكي المتواضعة.. وبحسب هذا التقرير فان موارد العراق من النفط عام ١٩٥٠ كانت ستة ملايين دينار .. وعام ١٩٥٥ بلغت ٧٤ مليون دينارا .. وعام ١٩٥٦ بلغت ٦٩ مليون دينار .. وسبعون بالمئة من هذه المبالغ كانت تخصص لمكتب التنمية العراقي .. وهو المكتب الذي خطط ونفذ الاغلبية الساحقة من البنى التحتية في العراق وخصوصا السدود التي كانت ضرورية لمنع الفيضانات المدمرة التي كانت تفتك بسكان العراق سنويا.

The main-spring of the progress has been the great increase in government oil revenues which grew from some six million Dinars in 1950 to 74 million Dinars in 1955. In 1956, they were 69 million Dinars. These revenues have been carefully husbanded and 70 per cent is allotted to the Development Board each year for productive capital expenditure. - K. G. Fenelon, National income in Iraq

من هنا فالسؤال هو ليس لماذا يكتشف الجيل الجديد "جماليات جديدة" في العهد الملكي ..فالتاريخ اراء وحجج لا تنتهي كما يقول المؤرخ بيتر جيل في كتابه "ضد ومع نابليون" حيث يقول ان تقييم شخصية نابليون قد تباينت من جيل فرنسي لاخر.. ولكن السؤال هو لماذا يستمر مجترو المادية الديالكتيكية في النظر للتاريخ من منظور غير ديالكتيكي .. لماذا لا ينظر الخفاجي للتاريخ من منظور تراكمي..هل من الامانة التاريخية ان ننسب بقايا قرون من التخلف الى العهد الملكي .. هل كان بامكان النظام الملكي الذي حكم اقل من اربعة عقود ازالة  تخلف اربعة قرون ؟ 

هذه الاسئلة لاتخطرعلى بال الخفاجي لانه من جيل طوباوي .. جيل لم يقارن واقع العهد الملكي بواقع اسبق ولكن بافكار مجردة فقط .. جيل تمنعه ايديولوجيته من فهم حقيقة ان الامراض والامية التي كانت سائدة في العراق هي ليست من مخلفات العهد الملكي ولكنها بقايا قرون من التخلف الاداري والحضاري .. جيل غير قادر حتى اليوم على فهم حقيقة تاريخية بسيطة وهي ان العهد الملكي هو من انتج الجيل الاول من الاطباء والمهندسين والاساتذة والكوادر التي بنت الدولة العراقية .. جيل لم يفهم بعد ان العراق الحديث قام بفضل الملك فيصل الاول . 

عصام الخفاجي يقول ان كون معظم كتاب ومروجي ما يسميه خرافة الماضي الجميل منحدرون من اصول اجتماعية متواضعة يعني أن مجتمعاتنا مصابة بمرض انسداد أفق المستقبل.. انا شخصيا اعتقد ان اعتراف اشخاص ينحدرون من اصول اجتماعية متواضعة بالعرفان للعهد الملكي هو شيء ايجابي .. ان يستطيع هولاء النظر للامور من دون تأثيرات انتماءتهم الفئوية الضيقة هو دليل نضوج سياسي .. فالعراق قتلته وتقتله الايديولوجيات والانتماءات الضيقة .. فعندما يحدد الانتماء الضيق الموقف من الوطن .. يموت الوطن .. هناك مقوله رائعة لـ البير كامو قالها ردا على الشيوعيين الفرنسيين الذين انزعجوا من نقده لجرائم الاتحاد السوفييتي واخذوا يذكرونه بتاريخه الاشتراكي واصولة المتواضعة .. كامو رد عليهم قائلا : "اذا ما بدت لي الحقيقة في معسكر اليمين فاساكون يمينيا".. بمعنى ان الحقائق وليس الخنادق الايديولوجية هي من تحدد موقف الانسان من العالم.

وعصام الخفاجي ما زال يكتب التاريخ عبر ثنائية ابناء الباشوات وابناء الاصول المتواضعة.. وهو لذلك يطلب من ابناء الاصول المتواضعة ان يحكموا على التاريخ وفقا لانتمائاتهم الفئوية .. فقط عندما نفهم هذه السطحية في النظر للتاريخ من قبل استاذ جامعي كعصام الخفاجي .. سنفهم مستوى القحط السائد على "الجانب الايسر" من التاريخ حيث يسود نموذج "ماركس ابو دشداشة".. وسنفهم ايضا السهولة التي نزع فيها جمهور اليسار العراقي معطف "كارل ماركس" وارتدى "العمامة"..فالرؤوس الهشة بحاجة دائما الى انتمائات فئوية..طبقية ام طائفية..سيان..المهم ان تختفي الضحالة الشخصية في بهائمية المجموع.

2010/11/28

العصا التي سمّت نفسها جمهورية.. الشخصية البوفارية

بوفاة المؤرخ عبد العزيز الدوري في الاسبوع الماضي .. اختفى اخر ممثل لجيل رصين من الاكاديميين العراقيين .. جيل انتج افضل ما في المكتبة العراقية من كتب ..فعبد العزيز الدوري وشاكر مصطفى سليم هما افضل ممثلي هذا الجيل في العلوم الانسانية .. هذا الجيل الذي انتجه العهد الملكي وكان في طريقه لتأسيس حقل اكاديمي ناضج قتله العهد الجمهوري .. فانقلاب ١٤ تموز ١٩٥٨ الذي جاء بالعسكر والشيوعيين كان ايضا انقلابا في الحقل الاكاديمي .. فقد تم فصل كثير من الاساتذه لاسباب سياسية ومنهم عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد وواحد من مؤسسيها وابدالهم بشيوعيين .. انذاك كانت بغداد تختبرعمليا مقولة باكونين :"حياة الناس لن تكون سهلة حينما تسمي العصا التي تضربهم نفسها جمهورية".. باكونين قال جملته هذه منتقدا السلطوية النائمة في افكار كارل ماركس.

وهكذا كان.. العصا التي سمت نفسها جمهورية ارست نهجا جديدا : اهل الثقة في محل اهل الخبرة ..الشقاوات بدل العقول.. منذ ذلك الحين بدأ الحقل الاكاديمي العراقي الناشئ مسار اندثاره.. فهجرة العقول العراقية بدأت يوم احتلت العصي والحبال شوارع العراق.. المذهل هو ان "ماركس ابو دشداشة" لم يفهم حتى الان ان ظاهرة "عبد حمود" هو مسار بدء في تلك اللحظة ! فرض الحزبيين في الحقل الاكاديمي قتل اهم شروط الحقل الاكاديمي: الكفاءة والاستقلالية.. فبلا كفاءة واستقلالية ليس هناك حقل اكاديمي.. وبلا حقل اكاديمي ليس هناك ثقافة.. وبلا ثقافة ليس هناك مجتمعات ناضجة.. منذ ذلك الحين والعراق يعيش في صحراء فكرية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية يهيمن عليها الشعراء والحكواتية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية تهيمن عليها الشخصية البوفارية.
الشخصية البوفارية بحسب جول دوغوتيه هي نتاج خلل في الشخصية يدفع صاحبها الى تصور نفسه شخص اخر لا يمت بصله لذاته الحقيقية.. وسبب هذا التصور هو حماسة واعجاب بتلك الشخصية المتخيلة مما يدفع الشخص الى تقليدها تقليد سطحي في الملبس والخطاب والحركات.. مما ينتج شخص قرقوزي.. سطحي.. شخص يمتلك تصورا خاطئا عن ملكاته الحسية وامكانياته الفكرية.. وسبب شيوع الشخصية البوفارية هو انتشار التعليم على نطاق واسع.. وسيادة نظام تعليمي يقدم الكمي على النوعي.. مما ادى الى ان الافكار الفلسفية والادبية والعلمية تصبح مبذولة امام اشخاص لايمتلكون الادوات الذهنية الكافية لهضمها واستيعابها.. والنتيجة هو وهم الفهم.. مما يخلق ظاهرة انصاف المتعلمين.. ما هو تراكم اجيال من النخب الفكرية يصبح مبذولا امام اشخاص يمتلكون ذهنيات محدودة.. وهذه الفجوة بين تعقيد الفكر وسطحية التلقي تخلق شخصيات منتفخة بوهم الفهم.. شخصيات تستهلك فكرة الواقع قبل تجربة الواقع.. تستهلك فكرة الحب قبل تجربة الحب (مدام بوفاري انموذجا).. وعدم قدرتها على تمييز الفكرة عن الواقع يدفعها الى علاقة مَرَضيّة وصِدامية مع الواقع.. وبالتالي علاقة عنيفة مع محيطها.. والويل للمجتمعات التي تقودها شخصيات بوفارية.

لسؤ حظ العراق ان تراكمه المؤسساتي كان شبه معدوم عندما استلم اليسار العراقي السلطة.. فاليسار العراقي وخصوصا الشيوعيون العراقيون هم نماذج بوفارية بامتياز.. الكليشة السائدة في العراق والتي رسخها صندوق الكليشات علي الوردي هو ان العنف في العراق سببه بداوة الشعب العراقي وطبيعة الفرد العراقي.. ولكن هذه الكليشة الثقافوية تفشل في فهم حقيقة ان بلدان اكثر بداوة من العراق لم تنتج عنفا سياسيا.. الملك فيصل الاول رجل من بيئة بدوية ولكنه كان قمة في الاعتدال السياسي.. لماذا !؟

الثقافة البوفارية السطحية عملت على اشاعة هذه الكليشة الثقافوية لان امكانياتها الفكرية لاتسمح لها بفهم المعقد.. ثم ان الطرح الثقافوي يعفيها من طرح سؤال مسؤولياتها.. فالعنف السياسي في عراق نهاية الخمسينات والستينات هو نتيجة صعود ووصول الشخصية البوفارية الى السلطة.. مسار خراب العراق بدء منذ تلك اللحظة، حين تم تحويل الجامعة العراقية الى دكاكين حزبية.. وبدء مشروع الرجل غير المناسب في "المكان المناسب".. انها اللحظة البوفارية التي كرست ثقافة التسطيح الفكري التي لازالت سائدة في العراق ..اللحظة التي اصبح فيها سحل الناس وشنقهم في الشوارع يسمى حرية !! اللحظة التي اصبحت فيها العصا التي تضرب الناس تُسمى جمهورية !

2010/11/20

الفرق بين الماخور والوطن

واحدة من اغرب الميتات في التاريخ هي حادثة موت ملك بورما ماندابايان عام ١٥٩٩ والذي مات من الضحك بعد ان قال له تاجر ايطالي ان فينيسيا هي جمهورية وليس فيها ملك !! لو ذهب شخص من عراق اليوم والتقى توماس جفرسون في قبره وقال له ان العراق ديمقراطية وليس فيها حكومة منذ ما يقرب السنة ..اعتقد ان توماس جيفرسون "سيموت من الضحك" كما نقول بالعراقي .. اي انه سيعتبرها نكتة.

عندما نعود في ذاكرتنا للوراء سنلاحظ ان كل الاتفاقات التي تمت بين ساسة الاحتلال منذ ٢٠٠٣ كانت اتفاقات "مخبوزة" على عجل .. وعندما نعود في ذاكرتنا للوراء سنلاحظ ان كل طرف يمتلك تفسير مغاير لما تم "الاتفاق" عليه .. مما يعني منطقيا انه ليس هناك اتفاق بالمرة .. والاتفاق الاخير لم يشذ عن ثابت الهرج الذي يسمى ديمقراطية.. "الاتفاق" الاخير اثبت من جديد ان "العملية السياسية" لا تعمل الا "بالدفعات" الامريكية !

ثم ما معنى الديمقراطية وانت تجد امامك وبعد ثماني سنوات ان الوجوه هي نفس الوجوه .. قله من المعلقين توقفوا امام هذه الظاهرة.. عبود احمد هو من هذه القلة ..وعبود هو عراقي شيعي من النجف ويعمل "مهندس" كمبيوتر .. هو يقول لـ " لوس انجلوس تايمز" : "لم يتغير شيء ..الرئيس هو نفسه ورئيس الوزراء هو نفسه، الوجوه نفس الوجوه ونحن من يدفع الثمن"

"Nothing was changed: The president is the same, the prime minister is the same," "All these faces are the same and we are always the victims."

انا شخصيا كنت اريد بقاء نفس الوجوه اربع سنوات اخرى .. لانني اراهن على امثال عبود احمد .. كنت اريد نفس الوجوه لاربع سنوات اخرى لانني اراهن على مثل هكذا ردود فعل داخل الاوساط الشيعية .. فماذا يفيد العراق من منظور بعيد المدى ان حصل علاوي او الهاشمي على رئاسة الوزراء او على رئاسة الجمهورية ؟؟ لا شيء .. ماذا يفيد العراق "زوبعي" مرتشي هنا .. و"بطيخ" لايقل عنه في الفساد هناك .. ماذا تعني بضعة مناصب لحفنة من "السنة" المرتشيين لمستقبل العراق.. قبول مثل هولاء المرتشين من تجار السياسة بمناصب بحجة انهم يمثلون السنة سيكون ترسيخا للمحاصصة الطائفية .. مما يعني تحويل العراق الى ماخور سياسي كلبنان .. ساحة لتصفية حسابات القوى الاقليمية والعالمية.

في حين ان بقاء الاسلامجية الشيعة في السلطة اربع سنوات اخرى من الفساد سينتج عدد اكبر من امثال عبود احمد .. وتذمر اكبر داخل الاوساط الشيعية وبالتالي فشل مشروع الاسلامجية الشيعة.. وهذا انفع للعراق على المدى البعيد .. الشيعي العراقي الذي ربته قرون من المظلومية يمتلك سايكولوجية ضدية .. وعلاج هذه السايكولوجية هو ان يعيش الشيعي تحت فساد حاكم شيعي .. والاربع سنوات القادمة هي جزء من الفترة العلاجية التي يحتاجها الشيعة في العراق لكي يستعيدوا توازنهم النفسي ويتجاوزا عقدة المظلومية.

قد يقول قائل انني اراهن على خيول خاسرة لان الشيعة لن ينتخبوا يوما ما سياسي سني كما فعل السنة عندما اختاروا علاوي .. صحيح ان هناك صنف من الشيعة لن يفعلوا ذلك حتى لو ظهر المهدي واثبتت التجربة انه لايستطيع ربط "رجل دجاجة" !! ولكن رهاني ليس على هذا الصنف اللطمي .. رهاني على من اعتقدوا ان فقرهم سببه الحاكم السني .. رهاني على من صدقوا بسذاجة وعود ابناء البيوتات الشيعية الذين بشروهم بسقوط الخير .. فليس باللطم وحده يحيا الانسان .. الفلاسفة اليونان يعلموننا درسا في غاية الاهمية وهو ان البشر اكلي خبز قبل كل شيء .. وعندما سيفهم جمهور الشيعة ان حاكم من نفس مذهبهم لايعني بالضرورة حاكم جيد .. وان فقرهم ومشاكلهم ليست بسبب الحاكم السني .. عندها لن يحتم انتماءهم المذهبي ولاءهم السياسي .. وهنا شرط الوطن.

السنة يعرفون بالتجربة ان حاكم من نفس مذهبهم لايعني بالضرورة حاكم جيد .. لانهم اختبروا تاريخيا واقع الحكم .. اختيارهم لشخص "شيعي" كعلاوي في الانتخابات الاخيرة يبين ان انتماهم المذهبي لايفرض عليها سلوكا سياسيا .. وعندما سيتوصل اكبر عدد من الشيعة الى تلك الحقيقة .. فان الانتماء الشيعي لن يفرض عليهم ولاء سياسيا .. وفساد الاسلامجية الشيعة سيساهم في انضاج هذا المسار .. لن يكون هناك عراق طالما ان الانتماء المذهبي هو المحدد للولاء السياسي .. إما ان ينتج العراقيون ولاءً سياسيا خارج الانتماء المذهبي.. او سيصبح العراق ماخورا سياسيا كلبنان يلعب فيه امراء الطوائف وابناء البيوتات دور العاهرات لمن يدفع اكثر من الدول الاقليمية .. هناك من لايزعجه العيش في ماخور طالما ان حقوق الطائفة محفوظة .. انا شخصيا لا اسمي ماخورا وطني.

2010/10/30

كبسولة المظلومية تقف امام التاريخ !





















صعب ان تعلق على كاريكاتير وخصوصا اذا كان من النوع الجيد .. سخرية ستيف بيل في هذا الكاريكاتير فيها ذكاء مدهش.. ذكاء يستفز الكلمات ..ارامل عراقيات يضعن "وثائق حرب العراق" على وجه تمثال الجندي الامريكي "الساقط" .. مقارنة بارعة مع مسرحية سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس.. الدعاية الامريكية ارادت كتابة التاريخ من خلال صور مفبركة .. وثائق حرب العراق تقلب الصورة .. الوثائق تدحر الصور المفبركة..التاريخ ينتقم من الدعاية.. فالتاريخ وثائق قبل كل شيء.

وهذا ما ازعج ويزعج من ارادوا كتابة تاريخ احتلال العراق بالعويل والصور المفبركة .. ومن هنا انزعاج مكتب المالكي الذي استنكر توقيت نشر وثائق ويكيليكس قائلا "ان نشر الوثائق في وقت لم تصل فيه المفاوضات بشان حكومة الي نتيجة حتى الان هو توقيت مريب ".. لا نعرف هل على العالم ان يتوقف الى ان يتم تشكيل الحكومة التي لم تتشكل خلال ثمانية اشهر مسجلة الرقم القياسي في هذا المجال .. وربما لن تتشكل في الاشهر القادمة!

ولكن ما يستوقفني اليوم هو الطريقة التي استقبل فيها اللطميون وثائق ويكيليكس التي تدون جرائم الحكومة الشيعية..وساتوقف عند لطمي مصدوم لانه نموذج للغوغائية الفكرية التي يجيدها اللطميون .. هذا اللطمي يقول لنا ان "بعض الشخصيات السياسية تريد ان تحول وثائق ويكيليكس الى قميص عثمان جديد تتباكى عليه وتطلب الثأر والانتقام" مضيفا "ان الظلم في العراق هو عبارة عن ثقافة مجتمعية متوارثة" وان "العراق ليس الجمهورية الفاضلة لافلاطون" .. باختصار، صاحبنا اللطمي يطالبنا بعدم الاعتراض على قتل وتعذيب مئات الالاف من العراقيين فقط لان العراق ليس جمهورية افلاطون !

هذا اللطمي يقول لنا اليوم فقط ان الظلم هو ثقافة مجتمعية لانه يريد تبرير جرائم الحكم الشيعي .. في حين انهم اوجعوا رؤوسنا خلال عقود بـ "ظلم الحكومات السنية تجاه الشيعة" .. اه كم كان العراق سيكون مختلفا اليوم لو ان اللطميين قالوا لرعاعهم انذاك ان سبب الظلم هو ثقافة مجتمعية عامة وليس ثقافة سنية اقصائية .. تصورا لو ان حسن العلوي كتب قبل عقود يقول للرؤوس الاسفنجية ما يقوله هذا اللطمي اليوم ..اي "ان الظلم في العراق هو عبارة عن ثقافة مجتمعية متوارثة فالاب يظلم زوجته واولاده والاخ يظلم اخواته ورئيس العشيرة يظلم ابناء العشيرة والمعلم يظلم تلاميذه والرئيس يظلم شعبه" .. تصورا لو انهم قالوا للروؤس الاسفنجية ان المشكلة السياسية في العراق لها اسباب اجتماعية سوسيولوجية قبل كل شيء .. تصورا لو انهم قالوا لهم في عهد صدام "ان العراق بلد عالم ثالث وهو ليس جمهورية افلاطون الفاضلة" وبالتالي فليس هناك من سبب لتحويل بعض الانتهاكات الى "مظلومية شيعية تطلب الثأر والانتقام وتسحب العراقيين الى حرب جمل جديدة".. تصورا !
قد يقول قائل ان هذا اللطمي على حق وانه آن الاوان لطي صفحة الماضي وجروح الماضي لان الناس تريد ان تعيش .. لما لا .. ولكن المشكلة هو انك تتقدم في مقال هذا اللطمي وتجده يقول لك بلا حياء ان المسؤول عن الانتهاكات التي وردت في وثائق ويكيليكس هي "بقايا اجهزة النظام السابق".. هنا الكارثة! نحن هنا امام نموذج من العقول التي ربتها محكية المظلومية الباثولوجية.. فمثل هذا اللطمي الذي ترعرع داخل خزعبلات المظلومية الشيعية لا يعير اهمية لما يقع خارج كبسولة المظلومية .. انه شخص لايعير اهمية لمعاناة الاخر لانه يعتبرمعاناة الآخر منافسة لمعاناته .. قرون من التلذذ في لعب دور الضحية تجعله لايحتمل سماع خبر معاناة الاخرين.

فرويد يقول ان الشخص الهستيري هو ذاكرة تجتر حدثا صادما .. وهذا اللطمي الذي يعتقد ان الانتهاكات التي وردت في وثائق ويكيليكس سببها "بقايا اجهزة النظام السابق" هو شخص هستيري .. مُنْتَج محكية شيعية هستيرية تجتر جروحها بطقوسية باثولوجية.. وهذا التركيز المرضي على مظلومية الشيعة جعل اللطميين غير قادرين على تحسس معاناة الاخر .. من هنا عندما تظهر معاناة الاخر فهم يحاولون تجاهلها لاطول فترة ممكنة .. وعندما لايعود فعل التجاهل ممكنا كما هو الحال مع وثائق ويكيليكس .. تراهم يفعلون كل شيء من ان اجل تبريرها او تخفيف وطأتها من خلال مقولات من مثل "العراق ليس الجمهورية الفاضلة لافلاطون" .. او من خلال التشكيك بمسألة توقيت نشر الوثائق داخل اطار عقلية المؤامرة .. الى اخره من الطروحات الفاليومية المهدئة للهستيري النائم في كل لطمي.

مذهل ان من استخدموا "رأس الحسين" كمطية سياسية خلال قرون وادخلوا العراق اليوم في ابشع حرب اهلية في تاريخه .. يستكثرون اليوم على الاخرين ان يشيروا الى"الرؤوس" التي صلت عليها الدريلات صلاة المظلومية ! لا، لا .. ليطمئن ممن لا زالوا يستنشقون غبار معارك الجمل ويجترون مفردات معارك الجمل .. لن نتباكى على "قميص عثمان" .. ولم ولا ولن نطلب ثارات قرووسطوية كما فعلتم .. نحن لا نعيش في القرون الوسطى .. نحن نعيش عصرنا وسنكتفي بـ "قميص ويكيليكس" .. لانه تاريخنا .. تاريخ ضحايانا .. وتاريخ المجرمين والخونة الذين قتلوا العراق .. وثائق "ويكيليكس" هي جزء من تاريخ احتلال العراق .. انه التاريخ يا سادة .. او يا عبيد السادة .. وآن الاوان لكي تخرجوا من "كبسولة" المظلومية وتدخلوا في التاريخ.